التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ من رخّص لهم في الإفطار)
هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين
(12 ـ 2 ـ 2026م)
الفصل الخامس
ترخيص الإفطار
وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص: منهم الشيخ والشيخة وذو العطاش، إذا تعذّر عليهم الصوم، وكذلك إذا كان حرجاً ومشقّة، ولكن يجب عليهم حينئذٍ الفدية عن كل يوم بمدّ من الطعام، والأفضل كونها من الحنطة، بل كونها مدّين، بل هو أحوط استحباباً، والظاهر عدم وجوب القضاء على الشيخ والشيخة، إذا تمكّنا من القضاء، والأحوط ـ وجوباً ـ لذي العطاش القضاء مع التمكّن. ومنهم الحامل المقرب التي يضرّ بها الصوم أو يضرّ حملها، والمرضعة القليلة اللبن إذا أضرّ بها الصوم أو أضرّ بالولد، وعليهما القضاء بعد ذلك. كما أنّ عليهما الفدية ـ أيضاً ـ فيما إذا كان الضرر على الحمل أو الولد، ولا يجزي الإشباع عن المدّ في الفدية من غير فرق بين مواردها. ثم إنّ الترخيص في هذه الموارد ليس بمعنى تخيير المكلّف بين الصيام والإفطار، بل بمعنى عدم وجوب الصيام فيها، وإن كان اللازم عليهم الإفطار([1]).
مسألة 1042: لا فرق في المرضعة بين أن يكون الولد لها، وأن يكون لغيرها، والأقوى الاقتصار على صورة عدم التمكّن من إرضاع غيرها للولد([2]).
([1]) تشتمل هذه المسألة على سلسلة من الأمور:
1 ـ في أصل الحكم فيمن يطيق الصيام مع حرج ومشقّة
الأصل في هذا الحكم هو الآية القرآنية الكريمة التي تقرّ بأنّ من قدر على الصيام لكن بمشقّةٍ شديدة، وهو معنى الإطاقة في الآية كما مرّ سابقاً، فإنّ حكمه هو الترخيص في الإفطار، مع دفع الفدية، قال تعالى: ﴿..وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 184).
وبهذا نكتشف أنّ الصور في الآية الكريمة عبارة عن ثلاث: الصحيح الحاضر القادر على الصيام بلا مشقّة، وهذا يجب عليه الصوم؛ والمريض أو المسافر، وهذا يتعيّن عليه الإفطار مع القضاء؛ والمطيق وهو الصحيح الحاضر القادر على الصيام لكن مع جهد كبير ومشقّة بالغة، وهذا يسقط عنه وجوب الصيام ويلزمه الإفطار، وإذا أفطر لزمه دفع فدية.، أمّا الصورة الرابعة غير المذكورة في الآية فهي حالة غير القادر أصلاً على الصيام، فتكليفه من التكليف بغير المقدور، فهذا مشمول للعمومات المسقطة للتكليف، وثبوت القضاء يحتاج إلى دليل بعد سقوط وجوب الأداء، فلا يجب عليه لا القضاء والا الأداء ولا الفدية ولا الكفارة على مقتضى القاعدة، إلا إذا ألحقناه بالمريض، من حيث استلزامه الضرر عليه، فتبقى الصور ثلاثاً.
ومقتضى دلالة الآية الكريمة أنّ كل من كان صحيحاً حاضراً قادراً على الصيام لكن بمشقة وجهد بالغين، سقط الوجوب عنه ولزمه الفدية، بلا فرق بين أن يكون شيخاً أو شيخةً أو ذا العطاش أو غير ذلك، فالعبرة بعموم التقعيد الموجود في الآية الكريمة، والتي وردت في مقام التفصيل والتشقيق.
على هذا الأساس، ينبغي مراجعة الروايات هنا، فقد حاول بعض الفقهاء فهم الآية من خلال تطبيقات الرواية، فإذا جاء دليل روائي فيه إطلاق يشمل الشيخ والشيخ غير القادرين أصلاً على الصيام أو يلزم منه الضرر والمرض عليهما ـ لا القادرين عليه مع مشقّة بالغة وإطاقة ـ أخذوا بهذا الإطلاق، ولهذا عمّم الماتن أعلاه الحكم بالفدية لمن تعذّر عليه الصوم تارةً ولمن كان الصوم حرجيّاً عليه أخرى.
إلا أنّ الصحيح هنا هو فهم الروايات في سياق الآية الكريمة، وبخاصّة أنّها استحضرت الآية في تبيينها للموقف، فتكون الروايات خاضعة للمفهوم القرآني وغرض الإمام تبيين مجرّد بعض المصاديق لذلك، وإسقاط عموم الآية أو إطلاقها على هذا المورد أو ذاك، هذا فضلاً عن مشاكل سنديّة في الروايات التي قيل بأنّ فيها إطلاقاً، والنتيجة التفصيل بين المتضرّر من الصوم، فيفطر ويقضي ولا فدية، والقادر بمشقّةٍ عالية، فعليه الإفطار، ثمّ الفدية، ولا قضاء.
وعوداً لأصل الآية، قد يقال: إنّ جملة: ﴿.. وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 184)، راجعة لمن يطيق الصوم، فتكون دالّةً ـ بمقتضى تناسب السياق ـ أنّ من يطيق الصوم لا يلزمه الإفطار، بل له الإفطار ودفع الفدية، وله الصوم دون دفعها، والصوم خيرٌ له، وهذا ينافي ما توصّلنا إليه من لزوم الإفطار عليه ودفع الفدية.
والجواب: إنّ هذا التفسير ممكنٌ جداً، لكن ثمّة احتمال قوي أيضاً أن يكون هذا المقطع راجعاً لأصل الحديث عن الصوم في هذا النص القرآني، فكأنّها ختمت بقولها: والصيام فيه الخير لكم. ولعلّ ما يعزّز هذا هو انتقال صيغة الكلام من الغيبة إلى الخطاب، فالكلام بنحو الغَيبة كان مع الذين يطيقونه، بينما انتقل الكلام مرّةً أخرى للخطاب الذي يتناسب مع أصل الحكم بوجوب الصوم الوارد في مطلع الحديث (البقرة: 183)، ومع التردّد ـ كما تردّدت كلمات المفسّرين هنا أيضاً ـ لا نتمكّن من القول بكفاية الصوم دون فدية، بل يكون الإفطار مع الفدية معلوم البراءة دون غيره، وتعزّز الروايات هنا الموقف من تعيّن الإفطار مع دفع الفدية.
قال الفخر الرازي: «أمّا قوله: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾، ففيه وجوه أحدها: أن يكون هذا خطاباً مع الذين يطيقونه فقط، فيكون التقدير: وأن تصوموا أيّها المطيقون أو المطوّقون وتحمّلتم المشقة فهو خير لكم من الفدية، والثاني: أن هذا خطاب مع كلّ من تقدّم ذكرهم، أعني المريض والمسافر والذين يطيقونه، وهذا أولى؛ لأنّ اللفظ عام، ولا يلزم من اتصاله بقوله: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ أن يكون حكمه مختصاً بهم؛ لأنّ اللفظ عام ولا منافاة في رجوعه إلى الكلّ، فوجب الحكم بذلك» (التفسير الكبير 5: 89 ـ 90).
لكن يناقش بأنّ العود للكلّ وإن كان محتملاً، لكنّه لا يفسّر الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، علماً أنّ عوده للكلّ معناه أفضليّة الصوم للمريض الذي يتضرّر بالصوم؛ وهذا غير معقول في عرف الشريعة الإسلاميّة بحسب معرفة مزاجها العامّ، مضافاً إلى أدلّة كون الإفطار في السفر عزيمة، وكان الأفضل بالرازي أن يرجّح العود لأصل الحكم، كما توحيه عبارة غيره.
يقول السيد فضل الله: «﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الظاهر منها ـ بقرينة السياق ـ هو أنّها خطاب للذين يجهدهم القضاء، فتباح لهم الفدية لإعلامهم بأنّ الفدية، وإن كانت جائزة، إلا أنّ الصوم خير لهم إن كانوا يعلمون؛ لما فيه من النتائج الروحيّة والعمليّة. وهناك احتمال بأنّ الفقرة واردة في الحديث عن الصوم، بأنّه خير للناس في ذاته بحسب فلسفة الصوم في تشريعه من حيث المنافع الكثيرة العائدة إلى الناس، وقد جرى أسلوب القرآن على الإتيان بهذه الفقرة بعد كلّ تشريع، لما ورد في قوله سبحانه بعد ذكر وجوب صلاة الجمعة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9]، وقوله تعالى: ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 16]..» (من وحي القرآن 4: 26).
فهو هنا، مضافاً للاحتمال الذي تحدّثنا عنه قبل قليل، يُشير لاحتمالٍ آخر لا يخلو من ظرافة ويعطي نتيجة مشابهة لما قلناه، وهو أنّ المراد بالتطوّع هنا هو القضاء، وكأنّه وضع مقارنة بين المسافر والمريض من جهة والذي يطيق الصوم من جهة ثانية؛ فالأوّل يفطر ويقضي، والثاني يفطر ولا يقضي، بل يفدي، ثم علّقت الآية بأنّه لو لم تتمكّنوا من صيام شهر رمضان بسبب الإطاقة، فإنّ الفدية لازمه، وإذا أحببتم الزيادة بالقضاء ـ حيث يكون متفرّقاً في الأيام فيغدو ممكناً بعض الشيء ـ فهو خيرٌ لكم، فالآية ليست ناظرة لنفي الفدية، بل لزيادة القضاء على الفدية لو أحبّ المطيق بعد نهاية الشهر الكريم أن يقضي.
2 ـ في الفدية ومقدارها ونوعها
ذكر السيد الماتن هنا أربعة أمور: تعيّن المدّ من الطعام، أفضليّة كونه من الحنطة، والاحتياط الاستحبابي بكونه مدّين، وعدم كفاية الإشباع عن إعطاء المدّ:
أمّا الأوّل، فقد ذكرته جملةٌ من الروايات، ولعلّه توضيح لفكرة «طعام مسكين» الواردة في الآية الكريمة، فإنّ المعدّل الوسطي للطعام هو مدّ من الطعام.
لكنّ الصحيح أنّ الأخذ بعنوانيّة النص القرآنية أقرب من الأخذ بعنوانيّة الرواية؛ لقوّة احتمال أنّ الرواية في مقام التطبيق بملاحظة زمانها، بينما الآية في مقام التأصيل، وطبيعة البيانين توحي بذلك، فلا يحرز في هذه الحال انعقاد إطلاق وتعيين في دلالة الرواية، من هنا نقول بأنّ اللازم هو تحقّق عنوان إطعام مسكين حتى يشبع بشكل متعارف، سواء تطلّب ذلك مدّاً أو أكثر أو أقلّ، لكن لو تطلب الأقلّ فإنّ الأحوط استحباباً الإكمال إلى المدّ.
وأمّا الثاني، وهو أفضليّة كونه من الحنطة، فدليله آحادي منفرد، وهو خبر عبد الملك بن عتبة الهاشمي، الضعيف سنداً، قال: سألت أبا الحسن× عن الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان، قال: «تصدّق في كلّ يوم بمدّ حنطة»، فلا يؤخذ به، بل يتمسّك بإطلاق الآية الكريمة الشامل لمطلق ما يصدق عليه أنّه طعام عرفاً.
وأمّا الثالث، فمستنده خبر آحادي أيضاً معارَض بخبر آخر لنفس الراوي ـ وهو محمد بن مسلم ـ ذكر فيه المدّ، فإذا تجاهلنا احتمال وجود تصحيف أو خطأ ما، فإنّ المرجع هو الآية الكريمة، وما يكون منسجماً معها، مضافاً ـ لو غضضنا الطرف عن الآية ـ أنّ المدّ قدرٌ متيقّن، وغيره يحتاج لدليل، والمفروض أنّه معارَض، فلا حجيّة له، وإن كان الاحتياط بالمدّيْن حسناً.
وأمّا الرابع، فمستنده أنّ ظاهر الروايات ذلك، حيث عبّرت بالفدية، وأنّها عبارة عن مدّ من طعام وهكذا، والانتقال إلى الإشباع يحتاج لدليل.
لكن يناقش بأنّ العبرة بالعنوان القرآني، وتعبير المدّ الوارد في الروايات ليس لسلب العنوان القرآني ومعارضته، بل من باب تحديد المقدار الذي به يتحقّق طعام المسكين، فسواء أعطاه الطعام أو أطعمه إياه، ففي كلتا الحالتين يصدق أنّه أعطاه «طعام مسكين».
3 ـ المصاديق الروائيّة للعنوان القرآني العام في حال الإطاقة
ذكر السيد الماتن أربعة مصاديق ذكرتها الروايات لمن رُخّص لهم في الإفطار، بحيث كانوا ضمن العنوان القرآني، وهذه المصاديق هي:
المصداق الأوّل: الشيخ والشيخة، والمراد بهما الرجل الكبير العجوز والمرأة الكبيرة العجوزة، وقد حاول بعض الفقهاء تحديد سنّ الشيخ والشيخة هنا وأنّه من تجاوز الخمسين أو السبعين أو غير ذلك، والأقرب إحالة الأمر إلى العرف في مقارنته بين السنّ المتقدّم وحال القدرة على الصيام لكن بحرج ومشقّة بالغين، فيكون معنى الشيخوخة مرحلة عمريّة تظهر فيها معالم الضعف في الجسد والانكسار.
ومن الواضح أنّ الشيخ والشيخة لا يلزمهما القضاء لاحقاً حتى لو تمكّنا منه؛ لإطلاق النصوص القرآنية والحديثيّة.
المصداق الثاني: ذي العطاش، والمراد به من يبتلى بحاجته المتواصلة للماء، وإلا أجهد جسده وأنهك وصار الصوم عليه شاقّاً للغاية، فهو غير قادر على ترك شرب الماء لفترة طويلة، فيلزمه الإفطار ودفع الفدية.
لكن الحديث عن ذي العطاش يمكن أن يكون من جهات:
الجهة الأولى: هل داء العطش مرض فيقال لذي العطاش أنّه مريض؟ وإذا كان كذلك فلماذا لم يأخذ حكم المريض المذكور في الآية الكريمة، وهو القضاء بلا فدية، بل رتّبت الرواية عليه حكم الفدية؟ وهل المقصود بذي العطاش من يعاني في صومه شدّة العطش دائماً، لكنّه لا يصنّف مريضاً بما يخلق حالة التوالم بين فقرات الآية الكريمة بملاحظة الروايات في الباب أو لا؟
تحتمل المسألة الأمرين معاً، وإن كانت جملة من الروايات فصلت بينهما (المريض وذي العطاش)، لكن من خلال الروايات يفهم عموماً أنّ ذي العطاش تترتّب عليه أحكام الفدية، سواء اعتبرناه مريضاً أم لا، وربما لم يكونوا يعتبرونه مرضاً في ذلك الوقت، بقدر ما هو نوع من ضعف البدن.
الجهة الثانية: الأمر المهمّ في تحليل قضية ذي العطاش هو معرفة الاسم العلمي الحديث له، فما هو الاسم العلميّ اليوم لما كانت تسمّيه العرب أو تطلق عليه علوم الطبّ القديم «داء العطاش»؟
الظاهر أنّه ما يعبّر عنه بـ (Polydipsia) وهو حالة الشعور المستمر والمفرط بالعطش، حيث يشعر الشخص بحاجة ملحّة لشرب كميّات كبيرة من السوائل دون الشعور بالارتواء، وغالباً ما يكون عرضاً لمشاكل صحيّة أخرى، مثل مرض السّكري، وأمراض الكلى، واضطرابات نفسيّة، مثل الفصام، أو نتيجة لبعض الأدوية أو الجفاف الشديد، أو غير ذلك.
ولعلّ من أهمّ العناصر هنا هو داء السُّكّري أو مرحلة متقدّمة منه؛ لأنّ عوارض السكري هي العطش الشديد الدائم وكثرة شرب الماء وكثرة التبول وعدم الارتواء، فيبدو أنّهم سمّوه بداء العطاش نظراً لآثاره هذه، وربما يشمل أيضاً ما يعرف اليوم بالسكري الكاذب، والذي يكون فيه عطشٌ شديد لكن ليس بسبب السكر، بل لعوارض أخرى نادرة التحقّق. من هنا إذا ترجّح هذا الفهم فإنّ مثل بعض مرضى السكري اليوم لا يلزمهم القضاء، بل يفطرون ويدفعون الفدية فقط، لا من حيث تأخير القضاء من رمضان إلى رمضان الآخر لتواصل المرض، لو قلنا به، بل من حيث ذات وصفهم بأنّه ممن رخّص لهم في الإفطار، والله العالم.
الجهة الثالثة: إنّه يلزم هنا أيضاً التمييز الدقيق بين داء العطاش الذي يتجوهر بالإحساس بالعطش دائماً تقريباً، وأيّ مرض آخر ليس فيه إحساس العطش، لكنّ الطبيب يُلزم بشرب الماء الدائم تفادياً لآثاره، كبعض المشاكل الكلويّة التي تفرض مواصلة المريض شرب الماء، فإنّ هذا يندرج في ضمن المريض وتترتّب عليه أحكامه، ولا يعلم اندراجه ضمن عنوان ذي العطاش.
الجهة الرابعة: إنّه لا يلزم ذي العطاش القضاء لاحقاً حتى لو تمكّن منه، خلافاً لجماعة كصاحب العروة؛ لإطلاق النصوص القرآنية والحديثيّة، كما قلنا في الشيخ والشيخة، وأخبار الآحاد ليست حجّة.
المصداق الثالث: الحامل المقرب، والمستند فيها بعض الأخبار القليلة، وعمدتها صحيح محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر×، يقول: «الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان؛ لأنّهما لا تطيقان الصوم، وعليهما أن يتصدّق كل واحد منهما في كلّ يوم يفطر فيه بمدّ من طعام، وعليهما قضاء كلّ يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعدُ» (الكافي 4: 117؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2: 134).
فهذه الرواية تطبّق قانون من يطيق الصوم، لكنّها في الوقت عينه تفرض عليها القضاء، وهو مخالف لظاهر المقام في الآية الكريمة، كما أنّها معارضة من هذه الناحية بخبر محمّد بن جعفر، قال: قلت لأبي الحسن×: إنّ امرأتي جعلت على نفسها صوم شهرين، فوضعت ولدها وأدركها الحبل، فلم تقوَ على الصوم، قال: «فلتتصدّق مكان كلّ يوم بمدّ على مسكين». حيث لم تشر هذه الرواية ـ الضعيفة السند ـ لمسألة القضاء، ومن هنا وانطلاقاً من آحادية دليل القضاء وكونه في معرض منافاة ظاهر الآية الكريمة التي هي في مقام البيان، لهذا لا نأخذ به، وإن كان القضاء هو الأحوط. ويفهم من رواية محمّد بن مسلم أنّ الحامل المقرب مجرّد مصداق لقانون الإطاقة، ولهذا نعمّم الحكم لكلّ حامل إذا كانت حالتها بالتي لا يمكنها الصوم إلا بمشقّة عالية أو ضرر لاحق، فلا فرق بين الحامل المقرب وغيرها هنا إذا اتّحدت الحالة.
لكن في المقابل قد يقال بأنّ الرواية هنا تدرج الحامل المقرب في «من لا تطيق الصوم» لا في «من تطيق الصوم»، فهي تنفي الإطاقة، لا أنها تثبتها، لتكون الحامل المقرب والمرضعة قليلة اللبن مندرجتَين تحت الآية الكريمة، وعليه فيقال بأنّ مبرر سقوط وجوب الصوم عن الحامل المقرب هو عدم قدرتها أساساً على الصوم أو أنّ الصوم مضرّ بها أو بولدها بما يجيز لها الإفطار على مقتضى القاعدة، ويكون ثبوت القضاء هنا أيضاً على مقتضى القاعدة، غايته أنّ ثبوت الفدية عليها غير مفهوم؛ لعدم كونها مصداقاً للعنوان الموجود في الآية الكريمة.
من هنا، وحيث إنّ الدليل آحادي، فنثبت القضاء عليها بالقاعدة، وتثبت الفدية بمقتضى الاحتياط الوجوبي، وهذا هو الراجح.
المصداق الرابع: المرضع القليلة اللبن، والمستند فيها مطابقٌ للمستند في المصداق السابق، والكلام هو الكلام.
لكن هنا بحث في الحامل والمرضع، وهو أنّهما لو خافتا على نفسيهما، فقد ذهب السيد الماتن إلى عدم ثبوت الفدية عليهما، بينما لو خافتا على الولد ثبتت الفدية، وقرّب الماتن ذلك في تقريراته بالقول: «لانصراف النصّ إلى هذه الصورة خاصّةً، وعدم الإطلاق لغيرها. والوجه فيه: تقييد الحامل بالمقرب في كلامه× في صحيح ابن مسلم المتقدّم، إذ لو كان الخوف على النفس كافياً في وجوب الصدقة لم يكن إذن فرقٌ بين المقرب وغيرها وأصبح التقييد به لغواً محضاً، فهذا القيد وهو في كلامه× مانعٌ عن التمسّك بالإطلاق، وكاشفٌ عن الاختصاص المزبور كما لا يخفى. وعلى تقدير تسليم الإطلاق فلا ريب أنّ النسبة بين هذه الصحيحة وبين ما دلّ من الكتاب والسنّة على أنّ المريض لا يجب عليه إلا القضاء عمومٌ من وجه، لشمول الثاني للحامل المقرب وغيرها مع اختصاص المرض أي الضّرر كما مرّ بنفسه، وشمول الأوّل لما إذا كان الخوف على النفس أو الحمل مع الاختصاص بالحامل، ففي مورد الاجتماع وهو الحامل التي تخاف على نفسها، يتعارض الإطلاقان، فإنّ مقتضى الأوّل وجوب الفداء، ومقتضى الثاني عدمه، فلا جرم يتساقطان، ومعه لم يبق لدينا بعدئذٍ دليل على وجوب التصدّق. وأمّا القضاء فهو ثابت على التقديرين، لاتّفاق الطرفين عليه كما هو واضح» (الموسوعة (المستند) 22: 53).
ويمكن مناقشته:
أوّلاً: إنّ التعبير بالحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن يحتمل جداً كونه غالبيّاً، باعتبار أنّ المرأة في هذا الوقت من الحمل تحتاج الطعام والشراب بشكل أكبر من ذي قبل، فأشار لهذا المورد كونه يغلب فيه مثل هذا الأمر، ويشهد لذلك أنّه قد أسقط عليهما عنوان نفي الإطاقة، مع أنّ الكثير من النساء الحوامل والمرضعات يمكنهنّ الصوم بلا حرج ولا ضرر ولا مشقّة، وبخاصّة في مثل فصل الشتاء من السنة، إنّ هذا يكشف أنّه لم يكن بصدد إنشاء أحكام على موضوعات كليّة، بل بصدد بيان حالة غالبة يكثر فيها كونها مصداقاً لنفي القدرة أو للحوق الضرر.
ثانياً: إنّه لو تمّ الإطلاق في صحيح ابن مسلم، فإنّ العرف يفهم أنه أضيق دائرة من عنوان المريض، فكأنّه يتكلّم عن حال خاصّة، وهي حال الحامل، وأنّ لها حكماً خاصاً، فيفهم خروج الحامل عن أيّ عنوان آخر بما في ذلك المرض، ولحوق حكم خاصّ بها، حتى لو كانت الدقّة تتطلّب نسبة العموم والخصوص من وجه، وسبب ذلك أنّ العرف يرى أنّ تقييد دليل المرض بخبر ابن مسلم عرفيّ، بينما تقييد خبر ابن مسلم بكليّة دليل المرض فيه تكلّف؛ إذ يلزم منه أنّ رواية ابن مسلم تحكم بالفدية على حالةٍ فقط من حالتين تعرضان الحامل دون أن تشير لهذا التفصيل، بينما تقديم رواية ابن مسلم على دليل مطلق المرض يخرج حالةً واحدة من عشرات الحالات التي يكون فيها الإنسان مريضاً، فتأمّل جيّداً.
وعلى أيّة حال، فحيث بنينا على آحاديّة الدليل هنا، لهذا نرى أنّ الحامل والمرضعة مطلقاً إذا عرضهما عنوان المرض أو الضرر ثبت في موردهما الإفطار ثم القضاء دون الفدية، ولو عرضهما عنوان الإطاقة دون الضرر والمرض، ثبت الإفطار والفدية دون القضاء، ولو تمكّنتا من الصوم بلا ضرر ولا مرض ولا إطاقة، وجب، فلو أفطرتا حينها لزم القضاء والكفّارة دون الفدية.
تفاصيل فقهيّة في المرضعة وبدائل الإرضاع
([2]) هنا مسائل:
1 ـ في اختصاص أحكام المرضعة بالأمّ أو شمولها للأعم
وقد ذهب السيد الماتن إلى أنّ صحيح محمد بن مسلم المتقدّم مطلق، ليس فيه تقييد بكون المرضع هي الأم أو المستأجَرة أو حتى المتبرّعة، إلا أنّ الكلام في أنّ الرواية هل هي ناظرة لحالات الإرضاع غير الضروري مثل حال المتبرّعة التي لا يوجد ضرورة ـ ولو عرفيّة ـ لإرضاعها للولد، أو أنّه لا يعلم نظرها لمثل هذه الحال، وبخاصّة أنّ مثل هذه المرضعة المتبرّعة ليس أمراً شائعاً أن تفطر لأجل إرضاعها للولد؟
القدر المتيقّن هنا أنّ المرضع هذه يلزمها الرضاع أو يحتاجه الطفل ويتوقّف عليها، أمّا المرضعة التي هي غير الأم وغير المستأجرة ولا يحتاجها الطفل، فإنّ القول بنظر النصّ لمثل هذه الحالات غير الضروريّة عرفاً غير معلوم، فالاحتياط هنا لا ينبغي تركه.
2 ـ في اختصاص الحكم بحال الانحصار وعدمه (البدائل والحليب المصنّع)
والمقصود هنا أنّه هل يختصّ هذا الحكم بحال توقّف إرضاع الولد عليها وعدم وجود من يقوم مقامها في الإرضاع، سواء كان امرأةً أخرى متبرّعة أو مستأجَرة، أم حليباً غير إنساني كحليب الدوابّ، أم حليباً اصطناعيّاً أم إطعامه من غير الحليب وتحقيق حال الفطام دون أن يلحقه ضرر؟
ذهب الماتن ـ وكثير من فقهاء السنّة والشيعة اليوم ـ إلى التقيّد بصورة الانحصار، فلو توفّرت بدائل أخرى فهذا كافٍ، واعتمد في ذلك على أنّ صحيح ابن مسلم علّل بأنّهما لا يطيقان الصوم، ونفي الإطاقة هنا لا يتحقّق مع وجود البدائل المتوفّرة، لهذا فلو أمكنها إرضاعه من الحليب المصنّع وجب عليها الصوم.
ويمكن أن يناقش بأنّ الرضاع الاستيجاري كان شائعاً في ذلك الزمان، كما أنّ إمكانيّة أن تحصل المرأة على مرضعة بديلة كان شائعاً أيضاً لكثرة الحوامل والأولاد وانتشار العلاقات الوثيقة بين الأسر والعوائل والعشائر بما يوفّر مثل هذا الأمر، ومع ذلك لم تشر الرواية إطلاقاً لشرط الانحصار، بل أطلقت مع أنّ إمكانيّة الحصول على بدائل ليست قليلة، وبهذا يفهم أنّ المراد من أنّهما لا تطيقان الصوم هو أنّهما لا تطيقانه في ظرف الحمل والإرضاع، فما تريد الرواية أن تقوله يحتمل جداً فيه أنّهما في ظرف الحمل والإرضاع لا تطيقان الصوم، لا أنّهما لا تطيقانه بسبب عدم توفّر البدائل.
وعلى أيّة حال، فالمسألة مشكلة، وبالرجوع إلى مقتضى القاعدة نقول: إذا كان هناك بديل، فلا يصدق عليها أنّها مريضة أو ستقع في الضرر لو صامت، كما لا يصدق عليها عنوان الإطاقة، فيلزمها الصوم ومنح الولد البديل، لكنّ المسألة هنا تكمن في أنّ الشريعة هل تلزم بالصوم وتحرم الولد من لبن أمّه لصالح لبن البهائم أو اللبن المصنّع، إذا صعب عليها بعد شهر رمضان أن تعود لإرضاعه، مع أنّ لازمه ليس الضرر بالمعنى الاصطلاحي، بل تفويت مصالح كبيرة على الولد في تشبّعه بلبن أمّه، وبخاصة لو جاء شهر رمضان بعد مرور شهر واحد فقط على ولادة الطفل؟!
الإنصاف أنّ المسألة بحاجة لتأمّل، لا من ناحية الضرر، بل من ناحية حجم المصلحة التي سيتمّ تفويتها على الأطفال، وهذا التفويت وإن لم يكن محرّماً بالعنوان الأوّلي، لكن قد يُدّعى أنّ الشريعة لما قرّرت الحولين في الرضاع كانت تميل إليه بشدّة، والله العالم.
