hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ثبوت الهلال ـ القسم الخامس)

تاريخ الاعداد: 3/26/2026 تاريخ النشر: 3/26/2026
300
التحميل


 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(19 ـ 3 ـ 2026م)

 


 

الفصل السادس

ثبوت الهلال‌

يثبت الهلال بالعلم([1]) الحاصل من الرؤية أو التواتر أو غيرهما، وبالاطمئنان الحاصل من الشياع أو غيره، أو بمضيّ ثلاثين يوماً من هلال شعبان فيثبت هلال شهر رمضان، أو ثلاثين يوماً من شهر رمضان فيثبت هلال شوال، وبشهادة عدلين. وفي ثبوته بحكم الحاكم الذي لا يعلم خطأه ولا خطأ مستنده إشكال بل منع. ولا يثبت بشهادة النساء، ولا بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين، ولا بقول المنجّمين، ولا بغيبوبته بعد الشفق ليدلّ على أنّه لليلة السابقة، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية، ولا يبعد ثبوته برؤيته قبل الزوال، فيكون يوم الرؤية من الشهر اللاحق، وكذا بتطوّق الهلال، فيدلّ على أنّه لليلة السابقة([2]).


([1]) ...

([2]) تشتمل هذه المسألة على سلسلة من الموضوعات التي ينبغي التعرّض لها ـ ولغيرها ـ ضمن نقاط عدّة:

1 ـ ثبوت الهلال بالعلم والاطمئنان

...

2 ـ مضي ثلاثين يوماً من الشهر السابق

...

3 ـ نقصان شهر رمضان وعدمه، أو الجدال بين مسألة الرؤية ومسألة العدد

...

4 ـ شهادة العدلين

...

5 ـ عدم ثبوت الهلال بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين

..

6 ـ عدم ثبوت الهلال بحكم الحاكم

...

7 ـ شهادة النساء في الهلال

...

8 ـ مديات ثبوت الهلال بقول المنجّمين (الموقف من قول الفلكي أو إثبات الشهور بالحساب والتقدير)

..

9 ـ غيبوبة الهلال بعد الشفق

...

10 ـ رؤية الهلال قبل الزوال

ذهب السيد الماتن والسيد محمد سعيد الحكيم وغيرهما ـ خلافاً للمشهور ـ إلى أنّه إذا رئي الهلال في النهار قبل الزوال، فهذا يدلّ على أنّ هذا النهار الذي رُئي فيه الهلال هو اليوم الأوّل من الشهر القمري الجديد، بينما لو رُئي بعد الزوال، فهذا لا يدلّ على ذلك، بل يدلّ على أنّ يوم الغد هو اليوم الأوّل من الشهر القمري الجديد، وقد اعترف الماتن في بحوثه بأنّ رؤية الهلال في النهار نادرة للغاية، ولكنّ النصوص دلّت على ذلك عنده.

والبحث هنا يحتاج لمراجعة علميّة، فالهلال الذي يُرى في النهار:

أ ـ هل هو هلال الشهر القديم قبل دخوله مرحلة المحاق وحصول الاقتران، وليس هلالَ الشهر الجديد؛ لأنّ هلال الشهر الجديد غير قابل للرؤية في النهار، وقد دلّت بعض النصوص ـ مثل خبر إسحاق بن عمار وخبر محمّد بن قيس ـ على أنّه لو رُئي في وسط النهار لزمه إكمال صومه في آخر رمضان، مما يعني أنّ الرؤية في النهار تابعة للشهر القديم..

ب ـ أو أنّه هلال الشهر الجديد، وأنّ رؤيته ممكنة وبخاصّة بالعين المسلّحة لو قلنا بها؟

بل يمكن القول بأنّنا لسنا بحاجة لهذه التحليلات لمعرفة كونه هلالاً جديداً أو لا؛ لأنّه إذا رُئي الهلال في النهار فإنّ معرفة كونه هلال الشهر الجديد أو القديم تابعة لتشخيص كونه هلالاً متزايداً (Waxing Crescent) يكون ضوؤه على الجانب الأيمن بالنسبة للمشاهد في نصف الكرة الشمالي، وبالعكس في الجنوبي، أو هلالاً متناقصاً (Waning Crescent)، يكون ضوؤه على الجانب الأيسر بالنسبة للمشاهد في نصف الكرة الشمالي، وبالعكس في الجنوبي.

وعلى أيّة حال، فهذه المسألة تترك تأثيراً على معياريّة بداية الشهر، فإنّه إذا قلنا برأي الخوئي فإنّ إمكانيّة رؤية الهلال في النهار قبل الزوال تلازم عادةً قوّةً في الإضاءة في هذا الهلال تفرض تلقائياً أن يكون الهلال قد ولد قبل فترة طويلة حتى أصبح قادراً على مواجهة ضوء الشمس وضوء السماء أيضاً، مما يعني أنّ أدلّة الخوئي هنا يمكن أن تُدرس في سياق معيار بداية الشهر في نفسه شرعاً، وليس من زاوية إثبات الهلال فقط.

وبصرف النظر عن الجانب العلمي، ودعوى خطأ أو صواب السيد الخوئي في النتيجة التي قالها علميّاً وفلكيّاً، فإنّ دليله أخبار آحاديّة مُعرَضٌ عنها، ومن الصعب تحصيل الوثوق بصدورها في هذه الحال، بل لعلّه كان من الأسهل للإمام بدل أن يميّز له ما قبل الزوال وما بعده، أن يعطيه العلامة المتقدّمة الإشارة إليها في شكل الهلال نفسه، تثبت أنّ الهلال للشهر الجديد أو القديم، والمفروض أنّ السائل يعيش في شمال الكرة الأرضيّة؛ لأنّ العالم الإسلامي يقع كلّه تقريباً شمالها، بل أغلب دول العالم تقع في الجزء الشمالي، حتى اعتاد المسلمون، وهم يرسمون الهلال كعلامة على ديانتهم مقابل الصليب علامة على الديانة المسيحيّة ـ وهي علامة جديدة ترجع للدولة العثمانية، ولم يكن يتبنّونها سابقاً ـ اعتادوا أن يضعوه متناسباً في الشكل والجهة مع القسم الشمالي من الكرة الأرضيّة.

 

11 ـ عدم ثبوت الهلال بالتطوّق

ذهب المشهور إلى عدم ثبوت الهلال برؤيته مطوّقاً، والمقصود به أن يكون النور ظاهراً في جميع أنحاء القمر أشبه بطوق محيط به، رغم أنّه هلال، بينما رأى فريق آخر، وعددهم قليل جداً من الفقهاء، أنّه لو رئي الهلال مطوّقاً، فهذا دليل على أنّه لليلتين. وقد ذهب إلى هذا الرأي الثاني السيّد الخوئي، مخالفاً المشهور فيه.

وهذه العلامة ـ كأيّ علامة أخرى، كما ألمحنا سابقاً ـ تارةً تدرس بملاحظة كونها علامة تعبديّة شرعيّة، وأخرى بوصفها علامة علمية ومؤشراً تكوينيّاً بالفعل على أنّ الهلال في الليلة الماضية كان في الأفق قابلاً للرؤية مثلاً:

1 ـ أمّا النظر إليها بوصفها علامة تعبديّة، فإنّ المستند الوحيد هنا هو رواية واحدة، وهي معتبرة محمّد بن مرازم، عن أبيه، عن أبي عبد الله×، قال: «إذا تطوّق الهلال فهو لليلتين، وإذا رأيت ظلّ رأسك [فيه] فهو لثلاث ليال» (الكافي 4: 78؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2: 124؛ والاستبصار 2: 75؛ وتهذيب الأحكام 4: 178). لكن حيث أعرض عنها المشهور لهذا لم يأخذ بها المتأخّرون، غير أنّ الماتن لعدم عمله بقاعدة الوهن بالإعراض، قال بها وأفتى بمضمونها. ولا أدري لماذا لم يفتِ الماتن بالمقطع الثاني من الرواية نفسها، وهو رؤية ظلّ الرأس؛ ليثبت أنّ الهلال لثلاث؟! ولعلّ لديه فهماً خاصّاً له.

والرواية وإن كانت صحيحة السند، لكنّها خبر آحادي منفرد في بابه، فلا يصلح للاحتجاج به بعنوانه، بل سيأتي ما يساعد على الريب من مضمونه تكويناً، وظاهر الرواية ليس بيان أمر تعبّدي، بل بيان أمر تكويني، فتكون مخالفةً لمعطيات العلم الحديث بما يزيد الوثوق بها ضعفاً.

2 ـ وأمّا النظر إليها بوصفها علامة تكوينيّة، فالظاهر أنّ العلوم الفلكيّة الحديثة لا ترى ذلك صحيحاً؛ لأنّ تطوّق الهلال أمرٌ له علاقة بالضوء والانعكاسات بما يرجع لقضايا بصريّة فيزيائيّة وما شابه ذلك، ولا علاقة له بعمر القمر وسائر ما يرتبط بذلك.

والنتيجة: إنّ تطوّق الهلال لم يثبت كونه من وسائل إثبات بدء الشهر في الليلة الماضيّة.

 

12 ـ ثبوت الهلال بالعدّ

المقصود بثبوت الهلال بالعدّ، هو ما ورد في بعض النصوص من استخدام عملية عدّ معيّنة للأيام من السنة الماضية أو غيرها، بحيث ينتج عن ذلك ثبوت بداية الشهر في السنة الآتية، والموارد الأساسيّة لروايات العدّ كالآتي:

 

المورد الأوّل: عدّ تسعة وخمسين يوماً من هلال رجب بعد ثبوته

فإذا ثبت هلال رجب فإنّ اليوم الستين بعد ثبوته يكون أوّل شهر رمضان المبارك.

والمستند في ذلك خبر محمّد بن الحسين بن أبي خالد رفعه، إلى أبي عبد الله×، قال: «إذا صحّ هلال رجب فعدّ تسعة وخمسين يوماً وصم يوم ستّين» (الصدوق، فضائل الأشهر الثلاثة: 94؛ والمقنع: 186؛ والهداية: 183؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2: 125؛ والاستبصار 2: 77؛ وتهذيب الأحكام 4: 180؛ ونقله الطوسي عن الكليني لكنّه غير موجود في كتب الكليني المتوفّرة اليوم).

وهذا الحديث قد يناسب ما تقدّم من فكرة العدد، من أنّ رجب يكون تاماً دائماً، وشعبان يكون ناقصاً، ورمضان يكون تامّاً، وقد حمله الطوسي قائلاً: «يعني بقوله×: صم يوم ستّين، على أنّه من شعبان احتياطاً، والذي يكشف عما ذكرناه ما رواه.. هارون بن خارجة، قال: قال أبو عبد الله×: «عدّ شعبان تسعة وعشرين يوماً، فإن كانت متغيّمة فأصبح صائماً، وان كانت مصحية وتبصّرته ولم تر شيئاً، فأصبح مفطراً»، فلولا أنّ المراد به ما ذكرناه من العزم على صيامه على أنّه من شعبان لوجب أن ينوي على أنّه من شهر رمضان، ولا يراعي كون السماء متغيّمة أو مصحيّة» (تهذيب الأحكام 4: 180 ـ 181). وعلّق عليه الفيض الكاشاني فقال: «حمل في التهذيبين صيام يوم (الخامس و)الستين على كونه من شعبان دون شهر رمضان، وهو مع بُعده جداً، لا حاجة إليه أصلاً» (الوافي 11: 154).

والرواية ضعيفة السند بالرفع وجهالة ابن أبي خالد، فضلاً عن آحاديّتها وانفرادها، وقد تقدّمت مناقشة فكرة العدد التي مال إليها الصدوق، فلا نطيل، فهذه العلامة لم تثبت لا شرعاً ولا فلكيّاً.

 

المورد الثاني: عدّ خمسة أيّام من هلال رمضان الماضي

بعد حساب اليوم الأوّل من رمضان الماضي هو اليوم الأوّل من عدد الخمسة، فيكون الخامس هو بداية رمضان هذا العام.

والمستند فيه مجموعة من الروايات وعمدتها:

الرواية الأولى: خبر الفقه الرضوي، قال: «وإذا شككت في يومٍ لا تعلم أنّه من شهر رمضان أو من شعبان، فصم من شعبان، فإن كان منه لم يضرّك، وإن كان من شهر رمضان جاز لك من رمضان، وإلا فانظر أيّ يوم صمت من العام الماضي، وعُدّ منه خمسة أيّام وصم اليوم الخامس» (فقه الرضا: 209).

الرواية الثانية: مرسل الصدوق، قال: قال×: «إذا صمت شهر رمضان في العام الماضي في يومٍ معلوم، فعدّ في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيّام وصم يوم الخامس» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 125).

الرواية الثالثة: خبر عمران الزعفراني، قال: قلت لأبي عبد الله×: إنّ السماء تطبق علينا بالعراق [اليوم] واليومين والثلاثة، فأيّ يومٍ نصوم؟ قال: «أنظر اليوم الذي صمت من السنة الماضية وصم يوم الخامس» (الكافي 4: 80).

الرواية الرابعة: خبر محمد بن عثمان الخدري (الجدري)، عن بعض مشايخه، عن أبي عبد الله×، قال: «صم في العام المستقبل يوم الخامس من يوم صمت فيه عامَ أوّل» (الكافي 4: 81).

الرواية الخامسة: خبر السياري، قال: كتب محمّد بن الفرج إلى العسكري×، يسأله عما روي من الحساب في الصوم عن آبائك في عدّة خمسة أيام بين أوّل السنة الماضية والسنة الثانية التي تأتي، فكتب: «صحيح، ولكن عدّ في كلّ أربع سنين خمساً، وفي السنة الخامسة ستاً فيما بين الأولى والحادث وما سوى ذلك فإنّما هو خمسة خمسة». قال السياري: وهذه من جهة الكبيسة، قال: وقد حسبه أصحابنا فوجدوه صحيحاً، قال: وكتب إليه محمد بن الفرج في سنة ثمان وثلاثين ومائتين هذا الحساب لا يتهيّؤ لكلّ إنسان [أن] يعمل عليه إنّما هذا لمن يعرف السنين، ومن يعلم متى كانت السنة الكبيسة، ثم يصحّ له هلال شهر رمضان أوّل ليلة، فإذا صحّ الهلال لليلته وعرف السنين صحّ له ذلك إن شاء الله» (الكافي 4: 81).

الرواية السادسة: خبر ابن طاووس، قال: ورأيت في كتاب الحلال والحرام لإسحاق بن إبراهيم الثقفي الثقة من نسخةٍ عتيقة عندنا الآن مليحة، ما هذا لفظه: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، قال: حدّثنا عاصم بن حميد، قال: قال لي جعفر بن محمّد’: «عدّوا اليوم الذي تصومون فيه وثلاثة أيام بعده وصوموا يوم الخامس، فإنّكم لن تخطئوا». قال أحمد بن عبد الرحمان: ذكرت ذلك للعباس بن موسى بن جعفر فقال: أنا عليه، ما أنظر إلى كلام الناس والرواية. قال أحمد: وحدّثني غياث ـ قال: أظنّه ابن أعين ـ عن جعفر بن محمّد مثله. أقول: وقد ذكر الشيخ محمد بن الجنيد في الجزء الأوّل من مختصر كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة، فقال في كتاب الصوم ما هذا لفظه: والحساب الذي يصام به يوم الخامس من اليوم الذي كان الصيام وقع في السنة الماضية يصحّ إن لم تكن السنة كبيسة، فإنّه يكون فيها من اليوم السادس، والكبيس يكون في كلّ ثلاثين سنة أحد عشر يوماً مرّة في السنة الثالثة ومرّة في السنة الثانية..» (إقبال الأعمال 1: 58).

وقد اعتبر السيد الماتن في بحوثه أنّ جميع روايات هذا المورد من موارد العدّ، ضعيفة السند من غير جهةٍ،. والحقّ معه في ذلك، بل اعتبر أنّ بعضها غير قابل للتصديق، وهو رواية السياري، حيث قال في التعليق عليها: «فإنّ مضمونها ـ مضافاً إلى قصور سندها بالسيّاري، الذي هو ضعيف جدّاً ـ غير منضبط في نفسه، ولا يمكن تصديقه بعد فرض جهالة المبدأ؛ فإنّا لو فرضنا أنّ زيداً بلغ وكان أوّل رمضان ما بعد بلوغه يوم السبت، فبالنسبة إليه يعدّ إلى أربع سنين خمسة أيّام، وبعده يعدّ ستة، وأمّا بالنسبة إلى شخص آخر بلغ بعد ذلك بسنة، فالسنة الخامسة للأوّل رابعة لهذا، كما أنّها ثالثة لمن بلغ بعده بسنتين وهكذا، وكذا الحال فيمن بلغ قبل ذلك، ولازمه اختلاف أوّل الشهر باختلاف الناس وعدم كونه منضبطاً، وهو كما ترى» (الموسوعة (المستند) 22: 109).

والحاصل: إنّ هذه الروايات تعاني من أشكال حادّة من الضعف السندي والصدوري فلا يحصل وثوق بها، فينبغي عرض مضمونها على العلم الحديث، فإن كان مضمونها مما يقول العلم بأنّه طريقٌ يقيني لإثبات بداية الشهر فهو؛ لحجيّة اليقين، وإلا فلا.

 

13 ـ في هويّة الشهر المأخوذ موضوعاً لترتيب الأحكام (الولادة الفلكيّة ـ الإشراق ـ قابليّة الرؤية..)

هذا الموضوع من أهمّ الموضوعات في فقه بدايات الشهور؛ لأنّه الذي يحدّد لنا بداية الشهر نفسه ونهايته، ليأتي البحث بعد ذلك في كيفيّة إثبات البداية والنهاية بالرؤية أو بقول الفلكي أو بغير ذلك.

وتوجد هنا عدّة فرضيّات وأقوال، أهمّها:

 

الفرضيّة الأولى: التولّد الفلكي، قراءة نقديّة

ومعنى ذلك أنّ الشهر القمري ظاهرة كونيّة خارجيّة عينيّة، وهي تبدأ من لحظة خروج القمر من تحت شعاع الشمس، سواء كان يُرى أو لا يرى، أشرق على الأرض أم كان فاقداً للضوء، أصبح قابلاً للرؤية أم لا.

وهذا الرأي هو الرأي الأوّل الذي تبنّاه السيد محمد حسين فضل الله، حيث ذهب إلى أنّ «موضوع الحكم الشرعي في الصيام هو شهر رمضان، وذلك من خلال قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وفي ضوء ذلك فإنّ مسألة الصيام والإفطار تتحدّد تبعاً لتحديد بداية الشهر ونهايته، فإذا عرفنا أنّ الشهر ظاهرة كونيّة تتحرّك في نطاق دخول القمر في المحاق، وذلك ببلوغ المنطقة التي تحجبه فيها أشعّة الشمس، وفي خروجه من المحاق الذي يتمثل في ابتعاده عن تلك المنطقة، ولا دخل للرؤية وعدمها في طبيعة هذه الظاهرة، الأمر الذي يقتضي أن تكون الولادة الفلكيّة هي الأساس في تحقّق الشهر. أمّا الحديث النبويّ الشريف الذي يرويه المسلمون جميعاً: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، أو «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه»، فإنّه لا يتحدّث عن الرؤية كعنوان دخيل في تحقّق الموضوع، بل يتحدّث عنها كوسيلة طبيعيّة من وسائل اكتشافه بطريقة يقينيّة، تماماً كما في أيّ مورد وردت فيه كلمة الرؤية والتبيّن من حيث هما وسيلتان للإثبات لا خصوصيتان في الموضوع، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، فإنّ التبيّن هنا لوحظ فيه أن يكون دليلاً على طلوع الفجر، لا جزءاً من شخصيّة الفجر الذي هو موضوع الحكم الشرعي في الصيام. وقد لاحظنا في الأحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت في شرحهم للحديث النبوي الشريف أنّهم أشاروا إلى ما يقابل الرؤية، فذكروا الفقرة التالية: «ليس بالرأي ولا بالتظنّي ولكن بالرؤية»، والفقرة الأخرى: «اليقين لا يدخله الشكّ، صم للرؤية وأفطر للرؤية»، والفقرة الثالثة: «إنّ شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدّوا بالتظنّي»، مما يوحي بأنّ الاعتماد على الرؤية كان من خلال أنّها الوسيلة الوحيدة اليقينيّة في ذلك العصر في غياب الوسائل الأخرى اليقينيّة؛ لأنّ حساب أهل النجوم سابقاً كان حدساً وتخميناً، وليس فيه قطع ولا ظنّ غالباً، الأمر الذي يجعل الاعتماد عليه بعيداً عن الحجيّة، وبذلك يفسّر رفض الحساب في الحديث المأثور. أمّا في هذا العصر الذي أمكن فيه للتطوّر العلمي الفلكي أن يصل إلى الدرجة التي يحدّد فيها ولادة الهلال وخروجه من المحاق بشكل دقيق جداً، بحيث يؤدّي إلى اليقين، فإنّنا نستطيع أن نجد في شهادة أهل الخبرة من علماء الفلك الوسيلة الجديدة للحصول على الإثبات اليقيني، فلا نحتاج بعد ذلك إلى الاعتماد على الرؤية التي يكثر فيها الجدل والخلاف. ولا يبقى هناك مجال للحديث عن ضرورة أن يكون القمر في درجةٍ تمكن فيها الرؤية بحسب وضعه بعد خروجه من المحاق، بحيث تكون عدم رؤيته ناشئة من الحواجز الطبيعيّة الطارئة لا من ذاتيّات حالته الطبيعيّة؛ لأنّ هذا الشرط ناشىء من اعتبار الرؤية كوسيلة وحيدة أو عنصر ذاتي للشهر. فإذا لم يكن ذلك وارداً بحسب الملاحظة التي أشرنا إليها، فلا تبقى هناك حاجة لهذه الفرضيّة، وفي ضوء ذلك يمكن لنا إثبات بداية الشهر في اليوم التالي إذا ولد الهلال بعد الغروب إلى ما قبل طلوع الفجر. ويشهد لعدم كون الرؤية جزءاً من ذاتيّة الشهر أو وسيلة وحيدة للإثبات أنّ الفقهاء أجمعوا على نهاية الشهر ببلوغه ثلاثين يوماً حتى إذا لم يره الناس إذا غمّت الشهور، وبوجوب القضاء إذا صام الناس ثمانية وعشرين يوماً ثم رأوا الهلال في ليلة التاسع والعشرين، لدلالة ذلك على أنّ الشهر كان قد بدأ قبل صيامهم، مما يوحي بأنّ الرؤية لا علاقة لها بالموضوع..».

بهذا النص، أعلن فضل الله رأيه الأوّل عام 1995م، لكنّ هذا الرأي تعرّض لمناقشة نشرها الشيخ عبد الله العلايلي (1996م)، في جريدة النهار في بيروت، حيث اعتبر أنّ المناط في الشريعة ليس القمر بوجوده الطبيعي، بل القمر بما هو مرئيّ، لكنّ فضل الله ما لبث أن كتب نقداً على مقال العلايلي اعتبر فيه أنّ المسألة ليست مسألة القمر، بل مسألة الشهر، وأنّ الشهر أمرٌ تكويني، فسواء وجد بشر أم لم يوجدوا على وجه الأرض، فإنّ الشهور موجودة وظواهر قائمة بنفسها تعبّر عن علاقة الشمس والقمر والأرض ببعضها في حركتها.

وعلى أيّة حال، فمهمّ الأدلة على كفاية الولادة الفلكيّة هو ما أشرنا له آنفاً في كلام فضل الله، وهو أنّ موضوع الحكم الشرعي هو الشهر، إذ هو المأمورون بصيامه، والشهر ظاهرة كونيّة طبيعيّة، لا علاقة لها بنسبتنا إليها ورؤيتنا لها، فيُفترض ترتيب الحكم على هذا الموضوع الخارجي العيني.

وقد يناقش:

أوّلاً: إنّ الآيات والروايات التي بيّنت لزوم صيام الشهر، ليست في مقام البيان من حيث كيفيّة تحقّق الشهر، فنحن يجب علينا صيام الشهر أمّا كيف يتحقّق الشهر؟ هل بالرؤية أو بمجرّد التولّد الفلكي أو بغير ذلك؟ فهذا ما لا تشير له أيّ من النصوص في الباب، وبخاصّة الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الْشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.

ويجاب عنه بأنّنا لا نحتاج لأدلّة تشرح لنا معنى الشهر ومعياره وكيفيّة تحقّقه؛ إذ الشهر معلومٌ لنا، فلو لم يكن لدينا خلفيّة دينية مسبقة، لعلمنا أنّ الشهر يبدأ من لحظة الخروج من المحاق إلى اللحظة الأخرى، وكأنّ المستشكل هنا اعتبر أنّ الشهر أمرٌ اعتباري، نحتاج لمعرفة بدايته ونهايته من الدليل، بينما دعوى السيد فضل الله أنّ الشهر أمرٌ تكويني، لا نحتاج لدليل يقوننه، ولهذا كانت عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، كما عبّر القرآن نفسه، فالشهر ظاهرة سابقة على خلق البشر أساساً، فلا علاقة بين الإشكال والدليل هنا.

لكن يمكن الردّ على جوابنا هذا بأنّه لا شكّ في وجود الشهر، كما لا شكّ في وجود اثني عشر شهراً، ولا شكّ في كون الشهر ظاهرة كونيّة، لكن لو قال شخصٌ بأنّ بداية الشهر القمري من الخروج من المحاق وصولاً إلى نفس اللحظة، فهذا شهرٌ تكويني، فإنّه يمكن لشخص آخر أن يقول بأنّ الشهر التكويني هو ظهور الهلال في الأفق وصولاً إلى ظهوره مرّة أخرى في الأفق، فوجود شهر واقعي (وهو دورة القمر) وتعدّده خارجاً تكويناً لا يعني أنّ بدايته بالضرورة هي الخروج من الاقتران، بل قد تكون شيئاً آخر.

ثانياً: إنّ الموجود في مختلف النصوص الدينيّة هو الهلال، فالهلال يمثل عنصراً جوهريّاً في بداية الشهر شرعاً، وهو غير قابل لحذفه من الاعتبار، ومن الواضح أنّ الاقتران لا يصدق عليه ولادة الهلال؛ لأنّ ولادة القمر شيء، وولادة الهلال ـ إن صحّ التعبير ـ شيء آخر، فحتى يكون هناك هلال لا بدّ من انفصال مرحلة الاقتران عن مرحلة الهلال. وهلاليّة الهلال تكون بامتلائه بالضوء، لا بذات وجود القمر في أفق السماء.

ويمكن الجواب أيضاً بأنّ النصوص لا يتوفّر لها الحديث عن بداية الشهر إلا عبر الهلال؛ إذ من غير المقدور لهم معرفة خروج القمر من المحاق إلا باستضاءة القمر وظهور جسمه النيّر على شكل هلال، لهذا فمن الطبيعي أن تكون النصوص مملوّةً بفكرة الهلال وعنوانه، إذ كما أنّ الرؤية هي الوسيلة المتاحة لهم آنذاك فإنّ متعلّقها ـ وهو الهلال ـ هو الجسم الوحيد المتاح لهم به إثبات خروج القمر من الاقتران، وعليه فلا بدّ من نفي هذا الاحتمال تمهيداً للاستدلال بكلمة «الهلال» في مختلف النصوص.

ثالثاً: ما يظهر تكرّره من أمثال السيد السيستاني في غير موضعٍ من بحوثه في مسألة الهلال، وذكره أيضاً الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (مسائل مهمّة حول رؤية الهلال: 14 ـ 16)، ونطبّقه هنا، وهو أنّه لو كان المعيار هو التولّد الفلكي لكان معنى ذلك أنّ جميع المسلمين في العصر النبوي وعصر الأئمّة وما بعده ـ بمن فيهم شخص النبي والأئمّة ـ لم يصيبوا العيد ولا شهر رمضان ولا ليلة القدر ولا عرفة ولا غيرها من الأمور في غالب السنين أو كثير جداً منها؛ إذ مهما فرضنا فسوف نفرض اعتمادهم على الرؤية، ومن الواضح أنّ الولادة الفلكيّة سوف تثبت بداية الشهر اليوم بينما معياريّة الرؤية سوف تثبتها غداً، ولا يعقل تحقّق شيء من ذلك طيلة هذه الفترة.

وقد يناقَش بأنّ هذا مجرّد استبعاد، إذ قد يقال بأنّهم كانوا مطالَبين بالظاهر بحكم علوم عصرهم وإمكاناته، لهذا لا مانع من عدم اتفاق عيدهم مع العيد الواقعي، ولو كثيراً، وهكذا. والنبيُّ وأهل بيته حتى لو سلّمنا بأنّهم يعلمون الواقع بطريقٍ غيبي، فإنّه لا يُعلم أنّهم يعملون في الحياة بعلومهم اللدنية، بل الشواهد قائمة على عكس ذلك. وستكون لنا وقفة أكثر تفصيلاً مع هذه النقطة عند الحديث عن وحدة الأفق وتعدّدها، فانتظر.

قد يقال: إنّ هناك ارتكازاً قائماً في أذهان المؤمنين، بل وكذلك في أذهان العلماء، وهو أنّ الأيام والليالي التي وردت فيها مناسك خاصّة ـ كليلة القدر، ويوم عرفة، ونحوهما ـ لها خواصّ واقعيّة قائمة بنفس تلك الأيام والليالي، وليس المراد أنّ ليلة القدر الأصلیّة التي هي لیلة القدر واقعاً كانت ذات خصوصيّة، وأنّ الليالي اللاحقة إنّما هي إحياء لذكرى تلك الليلة، بل المراد أنّ في كلّ سنة ليلة قدر حقيقةً، ويوم دحو أرض كذلك، وأنّ هناك أياماً وليالي جعلت لها خواصّ وآثار مخصوصة، ينبغي للمؤمنين أن يأتوا بأعمال معيّنة لتحصيل آثارها والانتفاع ببركاتها، كما يذكرون في أيّام كون القمر في العقرب ونحوها توصيات بالاجتناب عن السفر، وعن إجراء بعض العقود، وغير ذلك. والظاهر أنّ المستند في استدلال أمثال السيد السيستاني هو هذا الارتكاز الذهني، أعني استبعاد أن تكون خواص الأيام والليالي بنحو لا يمكن الانتفاع التام بها، إلا لأهل الأزمنة المتأخّرة ذوي التكنولوجيا المتقدّمة، بحيث لم يكن ذلك متيسّراً للمتقدّمين في موارد كثيرة!

والجواب: إنّ الكلام في هذا الارتكاز نفسه من حيث وجود دليل لصالحه، ومن حيث كونه موجوداً في القرون الأولى، على مستوى العلاقة بين الأعمال التي يؤتى بها في هذه الأوقات والنتائج المترتّبة على هذه الأعمال، فقد يقال بأنّه لا دليل على فقدان الأعمال لآثارها على تقدير الخطأ في معرفة ليلة القدر، بل قد يقال بأنّه لو حصل ذلك فلا دليل يمنع عن أنّ الله يتدارك لهم ذلك، وفرقٌ بين وقائع ليلة القدر في الكون والوجود والمنفصلة عن أعمال العباد، وعلاقة الأعمال المأتيّ بها في ليلة القدر بنتائج هذه الأعمال التي يقوم بها المكلّفون، بل قلنا في محلّه بأنّه لا دليل على وجود قاعدة كليّة في موضوع ترتّب الآثار الوضعيّة على الأفعال. وفي بالي أنّ السيد السيستاني نفسه لا يرى قاعدة كليّة من هذا النوع، فعلى تقدير أكل لحم الخنزير جهلاً فإنّه فلا يعلم دائماً أنّ الآثار ـ من المفسدة الشديدة ـ مترتّبة مع عدم علم المكلّف، نعم هي كذلك في بعض الموارد، لكنّ الكلام في القاعدة.

رابعاً: لو فرضنا أنّ الشهر التكويني هو المعيار، فلماذا لم يظهر في كلمات النبيّ وأهل البيت أيّ إشارة لفكرة من هذا القبيل، أو لم ينعكس في مجال الحكم بقضاء الصوم؟ فمثلاً لو رئي الهلال بمساحة نيّرة كبيرة ووضوح عالٍ، ربما أمكن التنبّؤ ـ ولو أحياناً ـ بأنّ ولادته الفلكيّة وقعت قبل يوم، فيلزم القضاء، فلماذا لم نجد عندهم شيئاً من هذا القبيل؟! وبعبارة أخرى: لو كان المعيار هو الشهر التكويني بهذا المعنى، لظهر خلال قرون ثلاثة حالات يمكن فيها اكتشاف أنّ القمر وُلد في اليوم الماضي، ومن ثم فاتنا يومٌ في الحقيقة، ولا عين ولا أثر لشيء من ذلك.

وبهذا يظهر عدم صحّة القول بأنّ عدم ورود أزيد من ذلك في كلمات النبيّ والأئمّة، مرجعه ـ ولو احتمالاً ـ إلى أنّ الانكشاف اليقيني لتولّد الهلال في اليوم السابق لم يكن متيسّراً في تلك الأزمنة، وأنّ الأدلّة والأمارات المتاحة آنذاك كانت بأجمعها ظنيّة، فلأجل ذلك لم تتعرّض الأدلّة لأزيد من هذا المقدار؛ وذلك أنّه كان متيسّراً لهم في بعض الموارد، ومع ذلك لا إشارة إطلاقاً للموضوع.

خامساً: الاستناد إلى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ..﴾ (البقرة: 189)، فإنّ ظاهر هذه الآية أنّ الله جعل الأهلّة مواقيت للناس، والنسبة للناس هنا تعني أنّ الهلال جعل ميقاتاً للناس، لا ميقاتاً في نفسه، فلا بدّ من فرض نسبته للناس ليكون ميقاتاً، وكيف يمكن تصوّر الميقات مع عدم كون الناس على معرفة ودراية بهذا الميقات؛ لأنّ المفروض أنّ الخروج من المحاق لا يعلمه الناس، بل ما يعلمه الناس والعموم هو الهلال الظاهر في السماء، فقبل ظهوره لا يُعقل كونه ميقاتاً لهم، فكيف نريد جعله ميقاتاً قبل إمكان تعرّفهم عليه؟!

قال الطبرسي: «ثمّ بيّن شريعةً أخرى، فقال: ﴿يسألونك عن الأهلّة﴾، أي أحوال الأهلّة في زيادتها ونقصانها. ووجه الحكمة في ذلك ﴿قل﴾ يا محمد ﴿هي مواقيت للناس والحجّ﴾ أي هي مواقيت يحتاج الناس إلى مقاديرها في صومهم، وفطرهم، وعِدَد نسائهم، ومحلّ ديونهم وحجّهم. فبيّنَ سبحانه أنّ وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه، ما تعلّق بذلك من مصالح الدين والدنيا؛ لأنّ الهلال لو كان مدوّراً أبداً مثل الشمس، لم يمكن التوقيت به. وفيه أوضح دلالة على أنّ الصوم لا يثبت بالعدد، وأنّه يثبت بالهلال؛ لأنّه سبحانه نصّ على أنّ الأهلّة هي المعتبرة في المواقيت، والدلالة على الشهور. فلو كانت الشهور إنّما تعرف بطريق العدد، لخصّ التوقيت بالعدد، دون رؤية الأهلّة؛ لأن عند أصحاب العدد، لا عبرة برؤية الأهلّة في معرفة المواقيت» (مجمع البيان 2: 27).

وقد يناقش بأنّ هذه الآية لا يُعلم أنّها في مقام بيان حكم شرعي أساساً، بل غاية ما تريد قوله بأنّه جرى سؤال عن سبب وجود الأهلّة واختلاف منازل القمر أو ما شابه ذلك، ولماذا لم يكن القمر كالشمس أو غير ذلك، فجاء الجواب بأنّ حكمة الله اقتضت أن يجعل القمر كذلك، لكي يقوم الناس بتنظيم أمورهم على وفق حركات القمر ومسيرته؛ إذ من الصعب عليهم فعل ذلك مع الشمس؛ لأنّها تتحرّك على نسق واحد، فقوله بأنّها مواقيت للناس لا يعني بيان حكم شرعي، بل يعني أنّ واقع الحال هو أنّ الهلال يصلح أن يكون ميقاتاً للناس بخلاف غيره، فكانت الحكمة في الأهلّة ذلك.

لكن قد يجاب بأنّ إضافة الحجّ إلى المواقيت، وكذلك الإشارة لعدم دخول البيوت إلا من أبوابها قد تصلح لإرادة أن لا يتعامل الناس مع التشريعات إلا كما جاءتهم، لا الالتواء عليها والدخول من غير الأبواب، لو تجاهلنا بعض القصص التاريخيّة المرتبطة ببعض العادات العربيّة في موضوع الأبواب والظهور في البيوت، فراجع.

غير أنّه لم يتضح لي بشكل موثوق أنّ الآية تريد إعلان تشريع ميقاتيّة الهلال للناس، بقدر ما تريد توصيف حالة خارجيّة يكون الهلال فيها وتعدّد منازل القمر، مما فيه مصالح العباد وتنظيم أمورهم. فهذه الآية على وزان قوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾، من حيث إنها في مقام نفي التفاخر والتفاضل بالنسَب والقبيلة، وقد ذكرت إحدى فوائد ذلك وهي التعارف، وكذلك في آية الهلال فقد ذكر بعض ما يترتّب عليه من المنافع والاستعمالات البشريّة، من دون أن يكون ذلك في مقام بيان تمام الجهات أو القيود، مضافاً لذلك أنّه لو كان مقتضى الآية ـ كما قيل ـ أن يكون الهلال أمراً قابلاً للتشخيص لكلّ الناس، لكان هذا منافياً للواقع الخارجي حتى في تلك الأزمنة، إذ كان الهلال في موارد كثيرة لا يُرى بسبب غيم السماء، أو كدورة الجوّ، أو غير ذلك من الموانع. ونفس كون الهلال مورداً للسؤال والاختلاف على الدوام شاهدٌ على أنّه لا يمكن استفادة أنّ المراد من قوله «للناس» كونه مدرَكاً لجميع الناس على نحو الإطلاق بالفعل.

كما أنّ مجرّد كونه «للناس»، لا يدلّ على إمكان الانتفاع به لجميعهم بلا واسطة، بل يكفي في صدق كونه «للناس» أن يعود نفعه إليهم ولو مع الواسطة. ويمكن أن يقال على نحو الجدل: إنّ التدبريّين يتمسّكون بمثل هذا البيان، حيث إنّ القرآن الكريم «هدى للناس» و«بيان للناس»، فيرون أنّ كلّ أحد يمكنه الاستفادة منه مباشرةً، ولكنّ المشهور بين العلماء في مقابلهم أنّ الناس وإن كانوا منتفعين بالقرآن، إلا أنّهم يحتاجون في الاستفادة منه إلى تحصيل مقدّمات، كتعلّم اللغة العربيّة، وعلوم القرآن، وقواعد التفسير، ومراعاة السياق، ونحو ذلك، غير أنهم قادرون على تحصيل هذه الوسائل، أو يمكنهم الرجوع إلى أهل الخبرة لیبیّنوا لهم، فينتفعون بالقرآن بواسطة ذلك، وهذا المقدار كافٍ في صدق كونه «هدى للناس»، فكذلك الكلام في الهلال، فإنه وإن كان «للناس»، إلا أنّ انتفاعهم به لا يلزم أن يكون بلا واسطة، بل يكفي إمكان الانتفاع به ولو عن طريق أهل الخبرة أو بتحصيل المقدّمات المعتبرة.

وبناءً عليه، لا دليل على أنّ بداية الشهر التي تترتّب عليها الآثار الشرعيّة والقانونيّة هي خروج القمر من فترة المحاق محضاً، فهذه الفرضيّة غير صحيحة.

 

الفرضيّة الثانية: التولّد الفلكي للقمر مع ظهور الهلال وفعليّة رؤيته

وهذه الفرضيّة هي في الحقيقة الأخذ بموضوعيّة الرؤية، وقد سبق أن ناقشناها فلا نعيد، وقلنا بأنّها غير صحيحة.

 

الفرضية الثالثة: التولّد الفلكي للقمر مع ظهور الهلال بحيث يكون مشرقاً على الأرض قابلاً للرؤية (الرأي المختار)

بصرف النظر عن الرؤية بالعين المسلّحة أو المجرّدة، وبصرف النظر عن موضوع وحدة الأفق وتعدّده، فإذا ولد القمر وتحقّق الهلال المنير، بحيث صار يمكن رؤيته من الأرض، كفى ذلك في بداية الشهر، سواء رئي أم لا، وسواء استهلّ أحدٌ أم لا.

وهذا هو الرأي الصحيح الراجح؛ لتركيب ما قلناه في مناقشة الرأيين السابقين، فيكون هذا الرأي نتيجاً طبيعيّاً لذلك، بل يساعد عليه الاستصحاب أيضاً، فحيث شككنا في كفاية التولّد الفلكي، نستصحب بقاء الشهر السابق لحين ظهور الهلال وإمكان رؤيته، وإنّما لم نواصل هذا الاستصحاب لفعليّة الرؤية؛ لما قلناه من مناقشات في شرط الرؤية بنحو الموضوعيّة أو الطريقيّة، فلا نعيد.

وهذا الرأي الثالث بدأ يأخذ حضوراً في كلمات غير واحدٍ من فقهاء الشيعة والسنّة في العصر الحديث، وربما يكون من أوائل المتأخّرين الذين صرّحوا به شيعيّاً فتوائيّاً السيد محمد باقر الصدر ـ والسيد الخوئي في بعض بحوثه الاستدلاليّة كما مرّ ـ ثم تبعه غير واحد في استفتاءاته، مثل السيد محمود الهاشمي، والسيد محمد حسين فضل الله في رأيه الثاني، والشيخ محمّد إسحاق الفياض، والسيد كمال الحيدري، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي، وغيرهم. وهو المنسوب للسيد موسى الصدر وغيره.

وعليه، فحيث يمكن إثبات تولّد القمر وظهور الهلال وإمكان رؤيته لأهل الأرض، فإنّ ذلك كافٍ، حتى لو لم يُرَ الهلال بالفعل، فضلاً عمّا لو رئي كذلك، فقول الفلكي في ذلك سيكون مثبتاً لبداية الشهر، على تقدير إفادته العلم، كما صار واضحاً.