hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ثبوت الهلال ـ القسم السادس)

تاريخ الاعداد: 4/2/2026 تاريخ النشر: 4/2/2026
60
التحميل

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(26 ـ 3 ـ 2026م)

 


 

الفصل السادس

ثبوت الهلال‌

يثبت الهلال بالعلم([1]) الحاصل من الرؤية أو التواتر أو غيرهما، وبالاطمئنان الحاصل من الشياع أو غيره، أو بمضيّ ثلاثين يوماً من هلال شعبان فيثبت هلال شهر رمضان، أو ثلاثين يوماً من شهر رمضان فيثبت هلال شوال، وبشهادة عدلين. وفي ثبوته بحكم الحاكم الذي لا يعلم خطأه ولا خطأ مستنده إشكال بل منع. ولا يثبت بشهادة النساء، ولا بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين، ولا بقول المنجّمين، ولا بغيبوبته بعد الشفق ليدلّ على أنّه لليلة السابقة، ولا بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية، ولا يبعد ثبوته برؤيته قبل الزوال، فيكون يوم الرؤية من الشهر اللاحق، وكذا بتطوّق الهلال، فيدلّ على أنّه لليلة السابقة([2]).


([1]) ...

([2]) تشتمل هذه المسألة على سلسلة من الموضوعات التي ينبغي التعرّض لها ـ ولغيرها ـ ضمن نقاط عدّة:

1 ـ ثبوت الهلال بالعلم والاطمئنان

...

2 ـ مضي ثلاثين يوماً من الشهر السابق

...

3 ـ نقصان شهر رمضان وعدمه، أو الجدال بين مسألة الرؤية ومسألة العدد

...

4 ـ شهادة العدلين

...

5 ـ عدم ثبوت الهلال بشهادة العدل الواحد ولو مع اليمين

..

6 ـ عدم ثبوت الهلال بحكم الحاكم

...

7 ـ شهادة النساء في الهلال

...

8 ـ مديات ثبوت الهلال بقول المنجّمين (الموقف من قول الفلكي أو إثبات الشهور بالحساب والتقدير)

..

9 ـ غيبوبة الهلال بعد الشفق

...

10 ـ رؤية الهلال قبل الزوال

...

11 ـ عدم ثبوت الهلال بالتطوّق

..

12 ـ ثبوت الهلال بالعدّ

..

13 ـ في هويّة الشهر المأخوذ موضوعاً لترتيب الأحكام(الولادة الفلكيّة ـ الإشراق ـ قابليّة الرؤية..)

...

14 ـ هل شهر رمضان شهرٌ شمسيٌّ أو قمريّ أو مركّب منهما أو..؟

اتفق جمهور علماء الإسلام بمذاهبهم المختلفة عبر العصور على أنّ شهر رمضان المبارك ـ كسائر الشهور العربية ـ مبنيّ على توقيت متحرّك قياساً بفصول السنة الشمسيّة، ومن هنا قد يأتي في الصيف وقد يأتي في الشتاء، وليس له وقت محدّد ثابت بالقياس لفصول السنة الشمسيّة، فالسنة الهلاليّة متحركة بطبيعتها وفق ما قلنا.

ويأتي ذلك انطلاقاً من التمييز بين التقويم العربي الهجريّ والتقويم الميلادي والتقويم العبري:

أ ـ أمّا التقويم الميلادي، فهو تقويم شمسي خالص في وضعه الحالي، فهو يعتمد حركة الشمس ولا علاقة له بالقمر، وقد جاءت فكرة التقويم فيه أساساً لتصحيح الحسابات؛ وكان الأساس في ذلك أنّ حركة الأرض حول الشمس تقع في 365 وربع اليوم تقريباً؛ فلهذا اضطرّوا في التقويم لإضافة يومٍ في السنة الكبيسة كلّ أربع سنوات؛ لأنّهم لو لم يفعلوا ذلك، فسوف تنزاح الشهور بعد مرور سنين طويلة، إذ في كل سنة هناك ربع يوم يتغيّر موقعه، وبعد سنين طويلة سوف يصبح شهر شباط/فبراير في الصيف مثلاً، بمعنى سوف تنزاح الفصول بالنسبة لتواريخ الشهور، أي لولا قواعد الكبس لَانزاحت المواسم الفعليّة تدريجياً عن تواريخ الشهور حتى تتبدّل علاقة الشهور بالفصول، وهكذا، فلتنظيم الزرع والأمور الأخرى وتطابقها مع الفصول والمواسم يفعلون ذلك، وربما لهذا سمّي التقويم تقويماً؛ لأنّه يقوّم هذا الانحراف الجزئي المتراكم عبر السنين ولا يسمح له بالحصول.

وهناك الكثير من التغييرات التي طرأت على هذا التقويم عبر العصور الرومانيّة وبعدها، فمثلاً كانت السنة عشرة أشهر، ثم أضيف إليها شهران، وحرّر يوليوس قيصر التقويم تماماً من أيّ ارتباط بالقمر، فيما صحّح التقويم الغريغوري المعتمَد اليوم مشاكل وقعت في السنوات الكبيسة ووضع لها معياراً نهائياً وهكذا.

ب ـ وأمّا التقويم العربي الهجري، فهو يعتمد القمر أساساً، لهذا فهو تقويم قمري خالص، على عكس التقويم الميلادي الغريغوري، وسيأتي مزيد من الحديث المرتبط به.

ج ـ وأمّا التقويم العبري، فهو تقويم شمسي قمري معاً، والشهر الأوّل من السنة الدينيّة هو شهر نيسان عندهم، ويعتمدون نظام إضافة شهر كلّ عدّة سنوات لتصحيح الانحراف وإرجاع الأمر إلى وضعه الأوّل.

غير أنّ وجهة نظر طرحت مؤخّراً أثارت جدلاً واسعاً في العالم العربي خلال العقد الأخير تتحدّث عن أنّ شهر رمضان له وقت واحد تقريباً في السنّة الشمسيّة (يُفهم من بعضهم أنّه في فصل الصيف، ومن آخرين ـ وهو الغالب ـ أنّه في بدايات الخريف)، وأنّ المسلمين أخطؤوا في فهم هذه القضيّة خطأ فاحشاً، وأنّ شهر رمضان الذي نصومه اليوم قد تمّ نسؤه، أي تأخيره عن وقته المحدّد، فلم يعد يقع صومنا في رمضان!

وممن قال بهذا الرأي الدكتور يوسف زيدان والمستشار أحمد عبده ماهر والدكتور حسني أحمد المتعافي وغيرهم من مصر، كما نُسب هذا الرأي لباحث تركي أرمني اسمه سيفون نيشانيان، واختار السيد فرقد الحسيني القزويني (من العراق) الفكرة مصنّفاً كتاباً في ذلك تحت عنوان "فيض العليم في معرفة التقويم". كما ظهرت أسماء أخرى كثيرة مثل محمّد جواد الخزعلي وغطفان أحمد رمّو. وبين هؤلاء جميعاً اختلافات واتفاقات في التفاصيل والتخريجات، وقد قيل بأنّ بعض الأسماء المتداولة على صعيد هذا الرأي وهميّةٌ.

الفكرة هنا في الغالب هي محاولة لتغيير هويّة التقويم الهجري من كونه قمرياً إلى كونه شمسياً قمريّاً معاً، بالاعتماد على فكرة النسيء، فبعد إثبات أنّ الأشهر ثابتة بحسب المواسم والفصول، لا يتخلّى هؤلاء عن فكرة الرجوع للهلال، لأنّهم يعتبرون أنّ شهر رمضان مثلاً يبدأ هذا العام وفقاً لرؤية هلاله في 1 اكتوبر، وفي العام القادم سوف يبدأ في 19 سبتامبر، وفي السنة اللاحقة سوف يبدأ في 8 سبتامبر، وما سيحدث هو أنّه في السنة التي تليها سوف يتم إضافة شهر تقريباً من أوّل سبتامبر الى آخره ـ على فرض أنّ شهر رمضان نعتبره بداية العام ـ ثم يبدأ شهر رمضان مجدّداً في 1 أكتوبر، وهكذا، فالانتقال هنا ليس من النظام القمري إلى الشمسي تماماً، بل من القمري الخالص إلى مركّب الشمسي والقمري على طريقة التقويم العبري، باعتماد نظام النسيء الذي قال كثير من هؤلاء بأنّ العرب كانت تعتمده منذ القرن الخامس الميلادي وأنّ عمر بن الخطّاب ـ أو غيره ـ هو الذي ألغى شهر النسيء، وأنّ النسيء المنهيَّ عنه في القرآن هو شيء آخر غير هذا، وهو تغيير حرمة الشهور أو هو الربا أو غير ذلك، كما سيأتي بيانه. فالعرب عند هذا الفريق كانوا لا يعملون بالنسيء (الكبس)، لكنّهم قبل البعثة بحوالي مائة سنة، وقال بعضهم: مائتين، بدؤوا يعملون به.

ويعتبر كتاب الباحث السوري وسام الدين إسحاق، والذي نشر عام 2017م تحت عنوان: " براءة النسيء"، من الكتب التي أخذت أهمية كبيرة؛ كونه شكّل دراسة شاملة للموضوع من زوايا متعدّدة، أعني لموضوع النسيء في التاريخ العربي، وأجرى تقويماً دقيقاً للشهور العربيّة لفترة زمنية طويلة من 512م إلى عام 2100م.

ويرى هذا الفريق ـ على اختلاف اطيافهم وطريقة مقاربتهم ونتائجهم ـ أنّنا لو قمنا بإعادة المواءمة بين السنة القمرية والشمسيّة، فسوف يصبح الحجّ وكذلك صيام شهر رمضان في أوقات معتدلة مناخياً، أي في أوائل الخريف وأواخره، وكذلك ستكون مدّة الصيام وطول نهاره متقارباً لأهل الأرض جميعاً شمالاً وجنوباً، ومستويات الحرارة معقولة في كلّ أنحاء العالم تقريباً، وهذا مظهر من مظاهر التيسير وحلّ لمشكلات عظيمة.

تبدو هذه الفكرة غريبة اليوم؛ إذ كيف يعقل أنّ المسلمين عبر مئات السنين بنوا على قمريّة وهلاليّة الشهور العربيّة المعتمدة في الإسلام، والحال أنّ العرب والمسلمين الأوائل كانوا يعتمدون معياراً آخر تماماً، فمن أين أتت كلّ هذه التحوّلات؟ ولماذا؟ وكيف يمكن فهم هذا من خلال وثائق التاريخ ومن الكتاب والسنّة؟

 

أوّلاً: أدلّة القول بـ (قمريّة ـ شمسيّة) الشهور العربيّة

وفقاً لذلك، طرح أنصار هذه الفكرة مجموعة من الأدلّة أو الشواهد، لا بأس باستعراض المهمّ منها باختصار كالعادة، وهي:

 

أ ـ تسمية الشهور بطبائع الفصول الشمسيّة، تحليل وتعليق

الدليل الأوّل: تسمية الشهور بطبائع الفصول الشمسيّة، كالربيع والجمادى والرمضان الذي هو الشهر الذي يأتي بعد انتهاء الصيف، فكلمة رمضان تأتي من كلمة الرمضيّ، وهو أوّل مطر يأتي بعد الصيف، فيكون عادةً أواخر شهر أيلول/سبتامبر، ويشهد لذلك أنّ تشريع الصوم في رمضان جاء في السنة الثانية، ووقعت في رمضان معركة بدر، والمفروض أنّ قافلة الصيف كانت راجعة من بلاد الشام، والقرآن يتكلّم عن نزول المطر على المجاهدين، مما يعني أنّ هذا الوقت كان أوّل نزول للمطر في ذلك العام، فيعني أنّ رمضان جاء في حدود شهر سبتامبر ـ أكتوبر من العام الثاني من الهجرة، وفي معركة تبوك تعلّل المنافقون بالحرّ (التوبة: 81)، وهذا يعني أنّها وقعت في ذروة فصل الصيف، والمعروف تاريخيّاً أنّها وقعت في رجب، ما يدلّ على أنّ رجب وقع في فصل الصيف، وبالتحديد في ذروة مراحل الحرّ التي هي تموز وآب، وعندما نرصد التاريخين نكتشف أنّ رمضان جاء في أكتوبر، ورجب جاء في آب، فتتطابق السنة العربية مع الميلاديّة بهذا المعنى.

وربما يناقش:

أوّلاً: بما ذكره بعضٌ من أنّنا لو سرنا خلف أسماء الشهور، وقلنا بأنّ رمضان من الرمضاء، وهو الحرّ، فيلزم أن ربيع الأوّل والثاني في فصل الربيع، وجمادى الأوّل والثاني في فصل الشتاء، فصار الربيع قبل الشتاء؟! فإذا كان رمضان في الحرّ سيكون فصل الربيع قبل الشتاء!

لكنّ بعضهم قال هنا بأنّ تعبير «جمادى» لا يُراد منه شدّة البرد، بل المقصود به موسم جماد الحبوب ووقت الثمار.

ومن الواضح أنّنا أمام معطيات تاريخيّة مبهمة للغاية في تأكيد هذه التعليلات التي دفعت لتسمية الشهور بهذا الأسماء، فمن هو القادر على إثبات أنّ العرب قبل مائتين أو ثلاثمائة سنة من الإسلام أطلقوا هذه التسميات بملاحظة هذا السبب أو ذاك بعينه، إذ بإمكاننا اختراع تفسيرات متعدّدة للأسباب، فرمضان من الرمضاء فيكون في الصيف، وهذا أكثر استعمالاً في اللغة العربية، ورمضان من الرمَض ـ وهو أوّل المطر ـ فيكون في الخريف، وربيع يمكن تفسيره بفصل الربيع، وقد تكون من ربع أي أقام ومكث، فيكون فصل إقامتهم في مكان مثلاً وهو أحد الأشهر الحرم مقابل خروجهم للحرب، والربيع ربما من ربعت الإبل أي خرجت للرعي وأكلت كيف شاءت، فلعلّه كان وقتاً تخرج فيه الحيوانات بأكثر من سائر الأوقات، إلى ما شاء الله من الاحتمالات التفسيريّة لهذه الأسماء، والتي يمكن إيجاد توفيق بينها وبين اللغة العربيّة. وادّعاء أنّ هذه التعليلات قطعيّة ويقينية أو موثوقة، وأنّ هذا هو سبب التسمية قبل الإسلام بمئات السنين أمرٌ أجد فيه الكثير من المبالغة والجرأة حتى لو صدر من متقدّمي مؤرّخي الإسلام، إذ كيف عرفوا ذلك؟!

ثانياً: إنّ تسمية الشهور لا نعرف منشأها التاريخي بالضبط، فمن المحتمل أنّ حدثاً أو مناسبة معيّنة وقعت اتفاقاً وصدفةً، فأطلق هذا الاسم، وربما تكون ترجمات لأسماء أخرى، لهذا فما لم نعرف الحيثيّات التي جاءت الأسماء على أساسها، لا يمكننا التأكّد من أنّ التسمية ترجع لعنصر الفصول الأربعة في السنة تحديداً.

وعليه، فمن الممكن ـ كما تفيد بعض الشواهد التاريخية ـ أنّ العرب قد سمّوا الأشهر لمرّة واحدة، حين صادفت تلك الفصول، ثم بقيت الأسماء ولم تتغيّر، وهذا معروف في العديد من اللغات الأخرى، فمثلاً شهر سبتامبر اسمه أتى من الرقم سبعة في اللغة اللاتينيّة، رغم أنّه الشهر التاسع من السنة، حيث كان الرومان القدماء يعدّون شهور السنة ابتداء من شهر آذار/مارس، قبل أن يضيفوا شهرَي: شباط/فبراير، وكانون الثاني/يناير، للتقويم الغريغوري.

فلعلّ العرب كانوا يسمّون الأشهر تبعاً لأحداث أو ظواهر وقعت زمن التسمية، ثم ثبتت الأسماء وتوحّدت بين القبائل، بل إنّ هذه الشهور ليس لها اسم واحد، بل أسماء متعدّدة، غاية الأمر أنّه جرى لاحقاً استقرار التسمية على واحد منها، وهذا كلّه يضعف فكرة الربط القهري بدورة فصليّة ثابتة.

ولا بأس بالإشارة إلى أنّ التسميات المتعدّدة للأشهر القمريّة ليست محلّ اتفاق تاريخي لكنّها متداولة جداً، كما أنّ العرب لم يكونوا موحَّدين على تقويم واحد في كلّ الجزيرة العربية، لهذا نجد اختلافات في تسميات الشهور بين القبائل والمناطق، ويرى بعض المؤرّخين أنّ الأسماء الحالية استقرّت بين أغلب العرب في القرن الخامس الميلادي، وينسب توحيدها إلى كعب بن مُرّة أو فترة قريبة منه.

ومن نماذج تعدّد أسماء الشهور عند العرب كما ورد في بعض كتب التاريخ واللغة:

محرّم = المؤتمر

صفر = ناجر

ربيع الأوّل = خوان

ربيع الآخر = وبصان

جمادى الأولى = الحنين

جمادى الآخرة = رنّى أو ربّى

رجب = الأصم أو رجب مُضَر

شعبان = عاذل

رمضان = ناتق

شوال = وعل

ذو القعدة = ورنة أو هواع

ذو الحجّة = برك

وهناك من يرى أنّ بعض هذه الأسماء عرض عليها تصحيف أو تحريف، فمثلاً «وعل» هو في الأصل «واغل»، و«ناتق» هو في الأصل «نافق»، وهكذا.

ثالثاً: إنّ نزول المطر في غير موسمه كثيرٌ في الجزيرة العربيّة، وبخاصّة في فصل الربيع، بل أحياناً في فصل الصيف نتيجة العواصف، فلا يمكن الاستدلال بمعركة بدر على أنّ رمضان كان في أوائل الخريف، بل لعلّ نزول المطر في تلك الواقعة كان معجزةً إلهيّة خاصّة واستثنائيّة. بل وفق حسابات بعضهم وقعت معركة بدر في حدود 13 مارس /آذار أي ليس في الخريف ولا في الصيف. وبالقياس الى كون فتح مكّة وقع في 20 رمضان عام 8 للهجرة سنرى أنّه كان موافقاً للعاشر أو للحادي عشر من يناير /كانون الثاني مما يؤكّد أنّه كان يتحرّك. كما أنّ الجزيرة العربية ذات مساحة واسعة جداً، وفيها تنوّع موسمي ومناخي غير مستقرّ، بما لا يسمح باستنتاجات حاسمة هنا. وكما قلنا فالجزيرة العربية ـ وبخاصّة منطقة الحجاز ـ تعاني من "الأمطار الفجائية" أو السيول الصيفيّة التي تنتج عن منخفضات حرارية، فنزول المطر في الصيف بالمدينة أو بدر ليس أمراً مستحيلاً مناخياً حتى اليوم، فلا يشترط أن يكون خريفاً.

رابعاً: إنّ رحلة الشتاء والصيف لا تعني أنّ معركة بدر وقعت في نهاية فصل الصيف وأوائل فصل الخريف؛ لأنّ التجارة الموسميّة كانت تمتدّ لزمن طويل، ومن ثم فحركة القوافل ـ ذهاباً وإياباً ـ تكون متحرّكة جداً ومن الصعب ضبطها، ولا يوجد نصّ تاريخي حاسم هنا.

خامساً: إنّ الاستدلال بغزوة تبوك والحرّ هو أيضاً رغم كونه التفاتة وجيهة، لا يصلح لحسم الموضوع هنا؛ لأنّ موسم الحرّ وبخاصة في شمال الجزيرة العربيّة كثيراً ما يمتدّ من مايو/أيّار إلى نهايات أيلول/سبتامبر، بل أحياناً يكون في الخريف، حتى اشتهر ـ إلى اليوم ـ بين أهل بلاد الشام تعبير «بين تشرين الأوّل(أكتوبر) وتشرين الثاني(نوفمبر) صيفٌ ثانٍ»، فليس هناك ما يؤكّد أنّ المعركة وقعت بالضرورة في تموز/يوليو، وآب/أغسطس. كما أنّ الروايات التاريخيّة تصف الحرارة بالقويّة، وهذا وصف عامّ لا يمكن تحديده بالدقّة للتأكّد من أنّه في شهر تمّوز أو آب. علماً أنّ تأكيد أنّ هذه الغزوة وقعت في شهر رجب ليس سوى خبر آحادي، فكما يمكن أن تكون الغزوة وقعت في رجب، وفي الوقت عينه كان حاراً، كذلك يمكن أن تكون وقعت في جمادى الأولى أو الآخرة فيكون الحرّ منطقياً أكثر هنا، فلماذا نرجّح فرضيّة حصول الكبس على فرضية خطأ النقل التاريخي؟!

بل يمكن فرض شاهد عكسي هنا ـ من باب التأييد فقط ـ وهو أنّ الروايات التاريخيّة تحدّثت عن حجّة الوداع أنّها كانت في أيام حرّ شديد، فوفقاً لفكرة أنّ شهر رمضان يكون في الصيف أو في أوائل الخريف دوماً، يفترض أن يكون الحجّ كذلك في أواخر الخريف وبدو فصل الشتاء، وهذا ما قد لا ينسجم مع كون الطقس حاراً جداً في تلك السنة، وربما كذلك وقائع يوم عاشوراء، وهكذا.

والنتيجة: إنّ الاعتماد على أسماء الشهور وبعض الوقائع التاريخيّة المرتبطة بها لا يثبت (شمسيّة ـ قمريّة) السنة العربية والإسلاميّة.

 

ب ـ فكرة النسيء وأشكاله، عرض وتقويم

الدليل الثاني: فكرة النسيء، حيث رأى بعضٌ أنّ النسيء هو إضافة شهر كلّ 32 شهراً تقريباً، لكي يعالج تطابق الأشهر القمريّة مع فصول السنة الشمسيّة، فهو مثل إضافة يوم كلّ أربع سنوات على شهر شباط/فبراير، فتسمّى السنة بالكبيسة، وبهذا تبقى الشهور القمرية في موقعها بالقياس إلى الفصول وحركة الشمس. ويفهم يوسف زيدان من النسيء المذكور في الآية معنى الزيادة، وهو مربوط بالربا، لكن في العصر الأموي ـ على الأرجح ـ تمّ تحويل تفسير الآية من الربا إلى التاريخ، فتمّ إلغاء النسيء الذي يعدّل حركة الأشهر القمريّة مع الفصول الشمسيّة. وليس الرسول أو القرآن هما من ألغى النسيء بمعناه التاريخي.

على خطّ آخر، وبعيداً عن الربا، قال كثير من أنصار هذه الفكرة هنا أنّ النسيء المنهيَّ عنه في القرآن والسنّة هو تغيير حرمة الشهور، بينما النسيء الذي نعتمده هنا هو لضبط الشهور وتقويم السنين، وهذا لم ينهَ عنه القرآن، بل انحرف المسلمون عنه بقرار من عمر أو غيره بعد وفاة النبيّ، لهذا المطلوب منّا العودة للنظام العربي القديم أو للتقويم المحمّدي، كما يسمّيه بعضٌ من هذا الفريق.

ومن الضروري هنا التمييز بين أمرين: جعل عمر بن الخطاب أوّل شهر المحرّم هو بداية السنة آخذاً بعين الاعتبار السنة التي هاجر فيها النبيّ ـ وفي بعض الروايات الشيعيّة أنّ بداية السنة هو شهر رمضان وليس المحرّم ـ وبين فكرة أنّ عمر ألغى شهر النسيء الذي يعيد ترتيب الشهور القمريّة ويحقّق تناسقها مع الفصول الشمسيّة، فالأمر الأوّل شكلي لا علاقة له بشيء هنا، ولهذا لا يضرّ سكوت العلماء والأئمّة عنه؛ لأنّه محض اعتبار تنظيمي، فيما الأمر الثاني هو المهم ويحتاج تأمّل ودراسة.

وعلى أيّة حال، فلكي نفهم فكرة النسيء باختصارٍ شديد، نشرح وجهة نظر جمهور علماء الإسلام، ثم نبيّن وجهة النظر هذه، فهنا رأيان:

الرأي الأوّل: يرى جمهور علماء الإسلام أنّ النسيء في اللغة هو التأخير والتأجيل والإرجاء، وأنّ العرب كانت لديهم شهور أربعة حرم، لا يقاتلون فيها، لكنّهم في بعض الأحيان كانوا يحتاجون للقتال والغزو في شهرٍ منها، فكانت بعض القبائل تقوم بتأخير هذا الشهر للشهر القادم أو بتأخير حرمته للشهر القادم، فهم لا يضيفون شهراً جديداً، بل يقولون بأنّنا الآن ندخل شهر المحرّم، فنعتبر هذا الشهر هو شهر صفر، فيجوز لنا القتال فيه، ثم نعتبر الشهر القادم الذي هو شهر صفر بالأصل شهرَ محرّم، وبهذا نقوم بترتيب الأمور دون أيّ تعديل في الشهور. وكان ذلك يتمّ عبر إعلان بني كنانة ذلك في موسم الحجّ، فإذا تمّ إعلان ذلك، تبعتهم العرب وتبانوا على الموضوع.

وفقاً لهذا التفسير، تبقى السنة قمريّة، وتبقى اثني عشر شهراً، ويتمّ التلاعب فقط في الشهور أو في حرمتها تقديماً وتأخيراً.

قال الفخر الرازي: «وأمّا المفسّرون، فإنّهم ذكروا في سبب هذا التأخير وجهاً آخر، فقالوا: إنّ العرب كانت تحرّم الشهور الأربعة، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وكان العرب أصحاب حروب وغارات، فشقّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، وقالوا: إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئاً لنهلكنّ، وكانوا يؤخّرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرّمونه ويستحلّون المحرّم. قال الواحدي: وأكثر العلماء على أنّ هذا التأخير ما كان يختصّ بشهر واحد، بل كان ذلك حاصلاً في كلّ الشهور، وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قرّرناه» (التفسير الكبير 16: 56 ـ 57).

الرأي الثاني: إنّ السنة القمريّة أقلّ من السنة الشمسيّة بأحد عشر يوماً، وهذا يعني أنّه إذا جاء شهر محرّم مثلاً في أوّل فصل الربيع، فإنّه سيكون العام القادم في حوالي التاسع من شهر مارس/آذار، والذي بعده سيكون في أواخر شهر شباط/فبراير وهكذا، مما يؤدّي لوقوع الشهور القمرية في أوقات ومواسم مختلفة من السنة كما هي الحالة القائمة اليوم، فأراد العرب أن يحافظوا على موقع الشهر القمري قياساً بالشهر الشمسي أو الفصول، فكانوا في كلّ ثلاث سنوات تقريباً يزيدون شهراً، فتكون السنة كبيسة، فيعود شهر المحرّم في نفس الوقت الذي كان فيه قبل ثلاث سنوات وهو بداية فصل الربيع، ويبقى موسم الحجّ وغيره في موقعه الزمني من الفصول والشهور الشمسيّة ثابتاً. وهذا ما يسمّى بالتقويم القمري الشمسي معاً، وتعتمده ـ بصرف النظر عن بعض التفاصيل ـ بعض التقاويم، مثل التقويم العبري والتقويم الصيني.

يشرح الفخر الرازي هذا الرأيَ في نصّ مهم، فيقول: «إنّ القوم علموا أنّهم لو رتّبوا حسابهم على السنة القمريّة، فإنّه يقع حجّهم تارة في الصيف وتارة في الشتاء، وكان يشقّ عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات؛ لأنّ سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلا في الأوقات اللائقة الموافقة، فعلموا أنّ بناء الأمر على رعاية السنة القمريّة يخلّ بمصالح الدنيا، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسيّة، ولما كانت السنة الشمسيّة زائدة على السنة القمريّة بمقدار معيّن، احتاجوا إلى الكبيسة، وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران: أحدهما: أنّهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهراً بسبب اجتماع تلك الزيادات. والثاني: أنّه كان ينتقل الحجّ من بعض الشهور القمريّة إلى غيره، فكان الحجّ يقع في بعض السنين في ذي الحجّة وبعده في المحرّم وبعده في صفر، وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدّة مخصوصة مرّة أخرى إلى ذي الحجّة، فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران: أحدهما: الزيادة في عدّة الشهور. والثاني: تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر.. والحاصل من هذا الكلام أنّ بناء العبادات على السنة القمريّة يخلّ مصالح الدنيا، وبناؤها على السنة الشمسيّة يفيد رعاية مصالح الدنيا، والله تعالى أمرهم من وقت إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ ببناء الأمر على رعاية السنة القمريّة، فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمريّة، واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا، وأوقعوا الحجّ في شهر آخر سوى الأشهر الحرم، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سبباً لزيادة كفرهم..» (التفسير الكبير 16: 56).

وفقاً لهذا كلّه، فإنّ هذا الدليل الثاني هنا يريد أن يتبنّى أصل التفسيرَ الثاني للنسيء، ويقول بأنّ العرب كانت تعتمده، ومن ثمّ فالشهور القمريّة هي شهور ثابتة غير متحرّكة، ولما جاء الإسلام لم يقم بإلغاء ذلك، بل أبطل النسيء الذي هو الربا، فخلط العلماء بين آية النسيء التي تعني تحريم الربا ونقلها إلى تحريم النسيء بمعناه التاريخي الزمني، أو خلطوا بين تحريم النسيء بمعنى تحريك حرمة الشهور والنسيء بمعنى الكبس، وهذا هو الذي أدّى إلى خروج التقويم القمري عند المسلمين بعد النبيّ من حالة الثبات النسبي الذي كان يملكه إلى حالة الحركة المتواصلة، والمفروض علينا العودة لذلك، أي للتقويم القمري الشمسي.

ويستند لتقوية هذا الدليل بأنّ النسيء في اللغة نقل أنّه يعني الزيادة، قال الفخر الرازي: «قال قطرب: النسيء أصله من الزيادة، يقال: نسأل في الأجل وأنسأ إذا زاد فيه، وكذلك قيل للبن: النسيء لزيادة الماء فيه، ونسأت المرأة حبلت، جعل زيادة الولد فيها كزيادة الماء في اللبن، وقيل للناقة: نسأتها، أي زجرتها ليزداد سيرها. وكلّ زيادة حدثت في شيء فهو نسيء» (التفسير الكبير 16: 55 ـ 56).

لكن يمكن أن يناقَش هذا الدليل:

أوّلاً: إنّ المشكلة ليست في إثبات أيّ نوع من النسيء كان شائعاً بين العرب قبل الإسلام، بل في مقصود الآيات والأحاديث التي تكلّمت عنه، فتفسير آية النسيء بأنّها بمعنى الربا بعيدٌ كلَّ البعد عن دلالتها اللغويّة، والربا هو الزيادة بينما النسيء دلالاته اللغويّة الأصليّة هي التأخير والإرجاء، فإذا ثبت أنّ العرب كانت تعتمد التقويم القمري الشمسي معاً، فهذا يعني أنّ نصوص النهي عن النسيء قد تكون بنفسها دليلاً على منع الإسلام من اعتماد هذا التقويم، ومطالبته بحصر التقويم بالتقويم القمري الخالص، وهذا ينتج نقيض ما يريده المستدلّ، فما هي الدلالة اللغوية والقرينة السياقيّة اللفظية أو غير اللفظيّة التي تؤكّد أنّ المراد بالنسيء في الآية وفي النصوص الحديثيّة هو الربا؟!

وأمّا ما نقل عن قطرب، مما أسلفناه عن الفخر الرازي، فهو اجتهادٌ منه، على الأرجح، قال الرازي: «قال الواحدي: الصحيح القول الأوّل، وهو أنّ أصل النسيء التأخير، ونسأت المرأة إذا حبلت لتأخّر حيضها، ونسأت الناقة أي أخّرتها عن غيرها، لئلا يصير اختلاط بعضها ببعض مانعاً من حسن المسير، ونسأت اللبن إذا أخّرته حتى كثر الماء فيه» (التفسير الكبير 16: 56)، فمن تتبع موارد استعمال النسيء في اللغة والكتاب والسنّة يظهر بوضوح أنّ المعنى ليس هو الزيادة، بل التأخير والتأجيل، ومنه بيع النسيئة.

ثانياً: إنّ سياق آية النسيء واضح في الحديث عن قضايا القتال والأشهر الحرم مما لا صلة له بموضوع الربا، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة: 36 ـ 38).

فهذه الآيات سياقها واضح، كغالب سياق سورة التوبة أيضاً، كما أنّ تفسيرها بالمعنى المشهور منسجمٌ؛ إذ سيكون المعنى هو أنّ النسيء، سواء كان بمعنى زيادة شهر كلّ ثلاث سنوات أو تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر غير محرّم وبالعكس، كفرٌ إضافيّ؛ لأنّه تلاعب بشرع الله، فهم يحلّون لأنفسهم فعله في عام، فيعملون ذلك، ويحرّمونه في عام آخر، على أساس أنّهم إذا فعلوا ذلك فقد وافقوا عدّة الأشهر الحرم، فكأنّهم يقولون بأنّنا ما زلنا نحافظ على أربعة أشهر حُرم في السنة، فبعمليّة التحليل عاماً والتحريم عاماً آخر يكونون في كلّ سنة قد حافظوا على رقم الأربعة، وهذا معنى المواطأة على عدد الأشهر التي حرّمها الله. وتذييلُ الآية بتزيين العمل منسجمٌ جداً؛ لأنّهم بهذه العمليّة كأنّما يحتالون ويزيّنون الأمر القبيح بحجّة أنّهم حافظوا على عدد الأشهر الحرم في كلّ سنة.. أمّا لو فسّرنا الآية بالربا، فما معنى التحليل عاماً والتحريم عاماً؟! وما معنى مواطئة عدّة ما حرّم الله؟! وما معنى السياق؟! وهكذا، وبهذا يبدو تفسير النسيء بالربا ضعيفاً جداً هنا.

بل يخطر في بالي شيء آخر محتَمَل في تفسير هذه الآيات ولا أدري إذا ما تبنّاه أحد، وهو ادّعاء أنّ العرب كانوا يمارسون النسيء في عام بمعنى يؤخّرون شهر رجب المحرّم مثلاً إلى العام القادم، وفي العام القادم يكون لديهم خمسة أشهر حرم، وربما لهذا يظهر لديهم ـ كما نرى في بعض المعطيات التاريخية ـ فكرة رجب الثاني، ففي العام الأوّل يلغون رجب ويؤخّرونه، وفي العام الثاني يضيفون شهراً حراماً زائداً، فيكون لديهم في العام الأوّل عمليّاً ثلاثة أشهر حرم، وفي العام الثاني خمسة أشهر حرم، وهذا يتسق مع الآيات وبيانه: إنّ تأخير الشهر الحرام للعام القادم هو زيادة في الكفر، فهم يحلّون هذا الشهر في العام الأوّل ويستحلّونه، فيما يحرّمونه في العام الثاني، بحجّة أنّهم بهذه الطريقة وافقوا عدد الأشهر الحرم؛ إذ الأشهر الحرم هي أربعة، فيكونون في عامين قد التزموا بثمانية أشهر حُرم، فيتفق العدد، وهذا لعلّه أقرب إلى معنى: «يحلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً»، كما ولعلّه أكثر انسجاماً مع تعبير المواطأة لعدّة الشهور، إذ على غير هذا التفسير تظلّ تركيبة الآية غامضة؛ إذ لو كانوا يقولون بتأجيله في السنة نفسها، فما معنى أنّهم يحلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً، فلا بدّ من فرض أنّهم أحلّوه في عام وهو نفسه حرّموه في عام آخر، وبهذا أيضاً تنتهي فكرة الشهر الكبيس كلّ ثلاث سنوات هنا حيث لا تتسق مع الآية، وهذا ما يفسّر أنّه لماذا في الآية التي قبلها قال بأنّ عدّة الشهور اثنا عشر شهراً، فإنّه يريد أن يقول بأنّ الاثني عشر شهراً فيها أربعة حرم، بينما أنتم خرقتم هذه القاعدة، وجعلتم ثمانية حرُم في أربع وعشرين شهراً، فمن الاثني عشر توجد أربعة حرم لا من الأربع وعشرين توجد ثمانية، فيحقّق ذلك الانسجام التام بين الآية الأولى والثانية.

ولعلّه لذلك استخدم تعبير «زيادة»، فكأنّه يريد أن يعرّض بهم؛ فإنّهم حيث يزيدون هذا الشهر الذي أنقصوه على شهور الحرم في السنة القادمة، فيعتبرون أنّهم حلّوا المشكلة بزيادتهم شهراً، فإنّ القرآن استخدم كلمة الزيادة بشكل معكوس، ليقول لهم بأنّ هذه الزيادة التي قمتم بها في السنة الثانية ليست زيادةَ حقّ تجبُر ما فعلتم، بل هي زيادة كفر، فالنسيء بنفسه في عمليّة التأخير ينتج هنا زيادة في السنة القادمة على عدد الأشهر الحرم.

وهذا نطرحه بوصفه احتمالاً في فهم الآيات، ومن ثم في فهم الواقع التاريخي من خلالها، والله العالم.

ثالثاً: ما يراه بعضٌ من أنّ هناك تشكيكاً حقيقيّاً في وجود وثائق تاريخيّة حاسمة ـ وليس مجرّد أخبار متفرّقة شاذّة وآحادية ـ تؤكّد أنّ العرب كانوا يعتمدون النسيء، بمعنى زيادة شهر كلّ ثلاث سنوات، فما لم نثبت هذا الأمر بطريقة قاطعة لا يمكننا البناء على شيء هنا.

وبصرف النظر عن ذلك، وإذا أردنا فهم هذه الآيات في سياق احتمال وجود نسيء بمعنى زيادة شهر كلّ ثلاث سنوات، فإنّ النتيجة سوف تكون على عكس ما يريده أنصار شهر النسيء هنا؛ إذ قد بيّن الله في القرآن بأنّ عدّة الشهور اثنا عشر شهراً، وهذا يعني أنّه يريد التعريض بزيادتهم شهراً في السنة الكبيسة التي سوف تصبح شهورها ثلاثة عشر، وهذه الزيادة سوف تجعل موقع الأشهر الحرم مختلاً في السنوات القادمة باستمرار، وربما هذا هو ما قصده النبيّ في خطبة الوداع في كلمته المشهورة: «الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان..» (صحيح البخاري 4: 74)، فقوله بأنّ الزمان قد استدار وعاد لحالته الأولى، بمعنى أنّ حركة الأشهر القمريّة في تلك السنة رجعت لوضعها الطبيعي الأصلي، فحافِظوا عليها، ولا تشرعوا بالزيادة هذه حتى لا تختلّ الشهور الحرم، وتعاكسوا قانون الله في خلق الأشهر اثنا عشر شهراً.

وربما يتأيّد هذا المعنى بتعبير «يُضَل» الوارد في الآية، فإنّه اعتبر أنّ النسيء يوجب تيهانهم وضلالهم عن الشهر الحقيقي، فلو كانوا يزيدون كلّ ثلاث سنوات شهراً أو كلّ سنتين شهراً كما قيل، فهذا يعني أنّهم بعد فترة سوف لا يعرفون موقع الشهر الحقيقي لذي الحجّة، وهذا معنى محتمل لصيرورتهم ضالّين، لا بضلالة دينيّة، بل بمعنى عدم اهتدائهم للشهور الحقيقيّة.

والنتيجة: إنّ الآية القرآنية هنا لا علاقة لها بالربا، بل بالتأكيد لها علاقة بموضوع الشهور، فهي تحتمل نقل حرمة الشهور وتحتمل إضافة الشهر الكبيس، وتحتمل الجمع بين الأمرين معاً، فلا يمكننا استخدامها في إثبات حليّة الشهر الكبيس أو في إثبات وقوعه وتداوله بين العرب، كما لا يمكننا بهذه الآية إثبات أنّ الآية ناظرة لتحريم الشهر الكبيس إلا من خلال تعبير الاثني عشر الوارد هنا، فهو جديرٌ بالانتباه، وعلى أيّة حال فالآية لا تصلح دليلاً لهم، إن لم نقل بأنّ فيها نحو دلالةٍ على رفض فكرة الأشهر الثلاثة عشر.

 

ج ـ النصوص القرآنيّة التي تؤكّد دور الشمس ـ إلى جانب القمر ـ في الحساب

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (الأنعام: 96)، فإنّ هذه الآية الكريمة تجعل الشمس والقمر معاً ذا دور في الحساب، كما أنّ قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (يونس: 5)، يدلّ على أنّ الشمس والقمر معاً يلعبان دوراً، ويدخلان في عمليّة حساب السنين، فالشمس تدلّ على السنة، والقمر يدلّ على الشهور، وهذا ما يقف على النقيض من التقويم الهجري اليوم الذي يقصي الشمس تماماً.

ويمكن أن يجاب: إنّ الآية التي تشير لجعل الشمس والقمر حسباناً كما تحتمل هذا المعنى، تحتمل معنى آخر قريباً جداً، وهو أنّ الله جعل الشمس والقمر يجريان بحساب دقيق، أي يسيران بحساب لا يختلّ، فتكون الآية في معنى قوله تعالى في آية أخرى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: 40).

بل بصرف النظر عن ذلك، وبملاحظة مختلف آيات هذا الدليل، فإنّنا نرى أنّه لا يشكّل أيّ معطى لصالح هذا الفريق؛ وذلك عندما نفهم كيف كان العرب يستفيدون من الشمس والقمر، فالعرب لم تكن لديهم قبل عمر بن الخطاب فكرة ما يسمى بالتاريخ الرقمي الموحّد، بل كان لديهم ـ في الغالب ـ ما يُعرف بالتاريخ الحدثي أو الأحداثي، فهم يقولون مات فلان قبل عام من حرب الفجّار، أو بعد عام من حرب البسوس، أو قبل عامين من عام الفيل وهكذا، ولم يكن لديهم أرقام للسنوات كما نقول اليوم: نحن في عام 2026م أو عام 1447هـ، وإنّما صاروا يعرفون هذا الشيء في عام 17هـ عندما قرّر الخليفة عمر بن الخطاب بدء التاريخ الرقمي للسنوات بمشورة عليّ بن أبي طالب، عقب رسالة أبي موسى الأشعري المشهورة له.

بناءً عليه، فإنّ العرب كانت تعتمد القمر لحساب الشهور، فكان لديهم اثنا عشر شهراً، أمّا الشمس فكانت العرب تعرف من خلالها الاعتدال والحرّ والبرد (الفصول الثلاثة) وتنظّم حركة الزراعة ومواسمها وأيّام الحصاد، ورعي الماشية والاهتمام بالحيوانات وغير ذلك مما يرتبط بالأنواء، وبعبارة أخرى كانت الشمس تساعدهم على فهم الفصول، وكذلك على طول الأيام والليالي وقصرها، فيقدّرون فصول السنة والوقت النهاري للزراعة والحياة اليوميّة.

وفقاً لذلك، فإنّ الشمس والقمر كانا مستخدمين معاً في مجتمع زراعي بسيط من هذا النوع لفهم الزمان ولحساب الأمور، وليس لترقيم السنين أو نحو ذلك، وقد استخدمت الآية تعبير «عدد السنين»، ليس لأنّهم يعتمدون التاريخ الرقمي، بل لأنّهم يستطيعون معرفة الزمن ومعدّل السنين حتى لو لم يكن لديهم تاريخ رقمي، فيقولون مثلاً: عامان قبل عام الفيل، ويعرفون أنّه مضى على الحادثة الفلانية سبعة أعوام من خلال رصد كلّ من حركة القمر وحركة الشمس.

وبعبارة أخيرة واضحة: إنّ الشمس تساعد في مجتمع يعتمد التقويم القمري على حساب الفصول ومواسم الزرع والحصاد، والقمر يمكنه أن يساعد في تحديد الشهور، ومن ثم فعودة الشهور نفسها مرّة أخرى، يعني بداية السنة الثانية، وبهذا تتمّ معرفة كلّ من عدد السنين والحساب معاً بمساعدة الشمس والقمر، وعليه لا تصلح هذه الآيات دليلاً على دعوى أنّ التقويم العربي كان تقويماً شمسيّاً قمرياً معاً كالتقويم العبري والتقويم الصيني، بل يمكن فهمها في سياق التقويم القمري الخالص أيضاً.

 

د ـ الشواهد التاريخيّة على اعتماد العرب التقويم الشمسي ـ القمري معاً

الدليل الرابع: إنّ العرب كانت تعتمد التقويم الشمسي القمري معاً، وكان حاضراً بينهم وثمة شواهد عديدة على ذلك، وما حصل هو أنّ المسلمين في عصر عمر بن الخطاب أجروا تغييراً على هذا الأمر أدّى إلى حصول انحراف كبير، وانتقال من الشمسيّة إلى القمريّة.

ويناقش بأنّه لا شك أنّ بعض الأمم كانت تعتمد الشمس أساساً أو مساهماً في التقويم مثل الفرس والصينيين والروم، أمّا العرب فكانوا يعتمدون في الحساب والزمان على القمر والشمس لكن بطريقة أخرى كما قلنا آنفاً، ومن الممكن أنّ بعض المناطق العربية عرفت التقويم الشمسي أو الشمسي القمري معاً، لكنّ السؤال الرئيس الذي يحتاج للتأكّد من جوابه هو أنّ حياتهم اليوميّة كانت قائمة على أيّ شيء؟ فنحن لا نشكّ في علمهم بالكثير من الأمور المتعلّقة بالنجوم والأفلاك والحساب وأنواع التقاويم، لكنّ السؤال هو على أيّ معيار اعتمدوا في حياتهم وبخاصّة أهل الحجاز؟ فالخلط بين هذين الأمرين خطأ حقيقي. وسوف يأتي التعليق على فكرة أنّ عمر بن الخطاب أجرى تعديلات.

 

هـ ـ الروايات الخاصّة، بيان وتعليق

الدليل الخامس: الاستناد لبعض الروايات المتفرّقة، ونذكر بعض الأمثلة فقط؛ للاختصار:

منها: ما ورد في بعض الروايات عند السنّة والشيعة، من أنّ السائلين يتوجّهون للنبيّ أو للإمام أحياناً بالسؤال بأنّ السماء تطبق علينا اليوم واليومين والثلاثة، فهذا يدلّ على أنّ شهر رمضان كان يقع في فصلٍ غائم، ولا يكون ذلك في فصل الصيف وأمثاله، ومن ثمّ فلا يكون متحرّكاً عبر فصول السنة.

والجواب: إنّه لا مانع في بعض الأحيان من إطباق السماء لفترة من الزمن حتى في فصول الصيف، لكن الأهم من ذلك أنّه ما دام شهر رمضان يتحرّك عبر الفصول فإنّ هؤلاء السائلين ـ وهي مجرّد بضع روايات قليلة جداً ـ صادف أنّ شهر رمضان الذي يسألون عن ذلك فيه كان قد وقع في موسم غائم، ومن الطبيعي أنّه لو وقع شهر رمضان في شهر مارس فإنّه يتوقّع بقاؤه كذلك غائماً لحوالي خمسة عشرة عاماً حتى يمرّ على فصلَي الشتاء والخريف، وهذا لا يعني أنّ شهر رمضان يقع دائماً في موسم غائم.

يضاف إلى ذلك أنّه من المعلوم أنّ أهل البيت عاشوا فترة تغيّر التقويم الهجري تبعاً لما فعله عمر بن الخطاب بناء على الدعوى التي يتبنّاها هذا الفريق، فلو كان مرتكزاً في أذهان السائلين والشيعة أنّ رمضان ثابت، فكيف لم نجد شيئاً ذا بال من النقاش والأسئلة حول هذه القضيّة في تلك الفترة؟! وسيأتي مزيد توقّف عند هذه النقطة.

ومنها: ما ورد في دعاء الإمام زين العابدين، في وداع شهر رمضان، حيث قال: «اللَّهُمَّ إِنَّا أَهْلُ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي شَرَّفْتَنَا بِه، ووَفَّقْتَنَا بِمَنِّكَ لَه حِينَ جَهِلَ الأَشْقِيَاءُ وَقْتَه، وحُرِمُوا لِشَقَائِهِمْ فَضْلَه» (الصحيفة السجّادية: 200)، فإنّ تعبير: جهل الأشقياء وقته، يشير إلى وقوع انحرافٍ في وقت رمضان، وهو تعريض بما آلت إليه أمور الأمّة بعد تغيير التقويم المحمّدي النبوي في عهد عمر بن الخطاب أو بعده.

والجواب: إنّ النص يتكلّم عن حرمانهم من الثواب والفضل الذي لشهر رمضان، ويكون المراد به أنّ الأشقياء لم يقدّروا وقته حقّ التقدير، فخسروا فضله، ولم يغتنموا فرصته، فحمل الرواية على كونهم لم يحدّدوا وقت رمضان غير واضح، إذ الجهل في اللغة العربيّة يطلق على عدم العلم، كما يطلق على سوء التقدير وفقدان التدبير في مقابل العقل، علماً أنّ هذا الدعاء هل كان يدعو به زين العابدين في شهر رمضان المعمول به بين المسلمين آنذاك أو في وقت آخر؟! وهذا ما سيأتي التعليق عليه.

وأمّا ما ذكره بعض من الردّ على كون الصوم ثابتاً دوماً في فصل الشتاء أو الخريف من الاستناد إلى ما ورد من أنّ علي بن أبي طالب قال لرسول الله: «وحبّب إليّ ثلاث يا رسول الله، قال: وما ذاك يا عليّ؟ قال: الصوم في الصيف، وقرى الضيف، والضرب بين يدي رسول الله‘ بالسيف» (مناحل الشفا ومناهل الصفا 6: 23). فعليّ هنا يشير إلى الصيام في الصيف وهذا يعني أنّ الصوم كان يقع في غير الفصل الذي أشاروا له، وقد يوظّف بعضٌ الروايةَ لتأكيد أمر معاكس، وهو أنّها تدل على أنّ شهر رمضان كان يقع في وقت محدّد دائماً.

والجواب: إنّه لا يعلم أنّ الإمام علياً يقصد أساساً صوم رمضان هنا، بل ربما يتكلّم بشكل عام عن الصيام وأنّه يفضّل صوم التطوّع مثلاً في الصيف على غيره لأجل المشقّة وكسب الأجر، بل لو سلّمنا أنّه يتكلّم عن شهر رمضان، فهو يريد أن يبين أنّه يحب وقوع رمضان في الصيف لا في غيره، فتكون دلالة الرواية على تحرّك رمضان في السنة أقوى، والرواية آحادية ضعيفة، فالأفضل عدم الاستناد إليها للفريقين معاً هنا.

 

و ـ آية الأهلّة، محاولة لإعادة تفسيرها في سياق مختلف، نقد وتعليق

الدليل السادس: وهو أقرب لنفي دليل الطرف الآخر منه لإثبات دليل الفريق القائل بشمسيّة وقمريّة الشهور العربيّة، حيث يستدل الفريق المشهور بنصوص الأهلة الواردة في الكتاب والسنّة، ومعياريّة الهلال وغير ذلك. وهنا يقول أنصار الفريق الآخر بأنّ آية الأهلّة وأنّها مواقيت للناس والحجّ لا تفيد في إثبات فكرة أنّ السنة العربيّة الإسلاميّة هي سنة قمريّة، والدليل على ذلك أنّ كلمة أهلّة من هلّ ومن الهليل، والهليل هو الإعلان عن شيء، فالمقصود بالأهلّة هنا ليس القمر ومنازله، فالعرب كانوا يعرفونها، فلا معنى لأن يسألوا عنها، بل كانوا يسألون النبيّ عن الإعلان، بمعنى أنّ القوانين والمقرّرات التي تصدر يجب إعلانها وإعلام الناس بها، والحجُّ من هذا النوع يجب الإعلان عنه ليجتمع له الناس، وهذه هي مناسبة ذكر الحجّ في هذه الآية.

ويناقَش بأنّ كلمة الأهلّة في اللغة العربية وإن أطلقت واستعملت فيما ذكر، لكنّها في غالب النصوص والاستخدامات تشير للهلال، فتحمل على المعنى المنصرف إليه اللفظ، بل ما معنى أن يسألوه عن الأهلّة ـ جمع هليل ـ ثم يجيبهم بأنّ الهليل هو لبيان المواقيت والحجّ، فهل هذا أمر جديد أيضاً عليهم أقلّ وضوحاً من معرفتهم بمنازل القمر وسؤالهم عن سبب وقوعها وتحقّقها؟!

بل إنّني أحتمل احتمالين هنا ـ والمجال ليس مجال التوسّع في تحليل آية الأهلّة ـ:

الاحتمال الأوّل: إنّ السؤال عن الأهلّة جاء من خلال النقاش مع اليهود؛ فكأنّ اليهود أشكلوا على المسلمين بأنّ اتّباعكم الهلال والسنة القمريّة الخالصة يجعلكم تخسرون الانضباط في السنة، بينما نحن نجمع بين التقويم القمري والشمسي معاً، فتنضبط شهورنا، فجاء جواب القرآن بأنّ الأهلّة كافية، وقد جعلها الله مواقيت للناس والحجّ، بلا حاجة للتقويم القمري الشمسي معاً، فيكون الجواب مفهوماً بهدف التأكيد على ضبط الهلال للسنة، وأنّ هذا الضبط الموجود في السنة القمريّة، ولو تحرّكت، كافٍ بلا حاجة لفكرة النسيء العبري، والله العالم.

الاحتمال الثاني: إنّ الحديث عن الأهلّة هنا جاء في سياق إبطال النسيء بمعنى زيادة شهر كلّ ثلاث سنوات لضبط موسم الحجّ في وقت معيّن، فكأنّ الآية تريد أن تقول بأنّهم يجادلون في موضوع اتّباع الهلال فقط، دون القيام بإضافة شهر النسيء، فقل لهم بأنّ الأهلّة هي المواقيت، وتخصيص الحجّ بالذكر في الآية كان لأنّ الغرض الأساس عند العرب من وراء زيادة الشهر كلّ ثلاث سنوات هو ضبط حركة الحجّ، لكي يقع في موسمٍ واحد يكون مناسباً في الطقس والمناخ وأنواع التجارات والمأكولات لمختلف قبائل العرب، فالآية ـ على هذا التقدير ـ تكون جواباً لهم وإرشاداً لضرورة الاعتماد على الأهلّة فقط دون النسيء.

بل لعلّ هذا ما يريده المولى عزّ وجل من قوله: «معلومات» في آية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ..﴾ (البقرة: 197)، فإنّ التأكيد على هويّة أشهر الحجّ هو بهدف التأكيد ـ ولو احتمالاً ـ على عدم تغيير هذه الشهور وإيجاد زحزحة وانزياح فيها، فتأمّل جيّداً.

 

ز ـ نصوص العَدَد بمثابة دليل على تركيبيّة الشهور العربيّة، نقد وتفنيد

الدليل السابع: الاستناد إلى روايات العدد، والتي عمل بها فقهاء الشيعة قبل القرن الخامس الهجري، فهي تفيد الضبط في الأشهر.

والجواب بأنّنا ناقشنا روايات العدد سابقاً فلا نعيد، بل لا ربط بينها وبين التقويم الشمسي القمري فيمكن الجمع بين القمريّة الخالصة في التقويم وفكرة العدد.

إلى غير ذلك من الأدلّة والشواهد التي ذكروها ولا يسعفنا هذا المختصر للتعرّض لها بالتفصيل، فلتُراجع. والحق أنّ كثيراً منها ـ أي من الشواهد التي لم نذكرها ـ لا يستحقّ التوقف عنده، بل هو ضعيف للغاية.

 

ثانياً: شواهد مضادّة لفكرة الهويّة التركيبية للشهور العربيّة

هذا، وتوجد شواهد مضادّة لفكرة التقويم القمري الشمسي معاً التي تُطرح، ومنها:

1 ـ إنّ شهر الكبيس لا معقوليّة له كلّ عام؛ لأنّه ينسف فكرة بداية الشهور بالهلال، كما هو واضح، ولهذا ذهبوا لفكرة كلّ ثلاث سنوات تقريباً، لكن هذا معناه أنّنا قبل السنة الثالثة نكون في الحقيقة قد صمنا بعض رمضان خارجه في لوح الواقع، ففكرة الشهر الكبيس يعني أنّنا خرجنا عن وضع الشهور في مكانها لثلاث سنوات، ثم أعدنا الحلّ، ثم خرجنا ثلاث سنوات، وهكذا.

ويدافع هؤلاء عن أنفسهم بالقول: «إنّ الزمن المحدّد هو شهر رمضان، وليس تشرين أو تموز أو آب أو غيرها من الشهور السريانية أو البابليّة، بل هو زمن متعلّق بمنزلة (العواء)، حيث تبدأ السنة العباديّة وفق روايات أهل البيت، وطلوع هذه المنزلة الآن في شهر تشرين الأوّل، علماً أنّها كانت تطلع في عهد الرسالة في شهر أيلول، وهذا الذي دعا بعض الباحثين للاعتقاد أنّ شهر الصيام في أيلول وقد فاتهم ترنّح محور الأرض، وهذا التعيين ـ طلوع العواء ـ يعتمد معنى الشهر لغويّاً».

وقد أجبنا عن هذا فيما مضى في مناقشة دليلهم الأوّل، فلا نعيد.

2 ـ إذا صحّ أنّ عمر بن الخطاب قد أجرى تعديلاً خطيراً بهذا الحجم يمكنه تغيير الكثير من الأمور على صعيد الطقوس الدينيّة والأعمال العباديّة، يأتي السؤال: لماذا سكت أهل البيت النبويّ طيلة قرنين ونصف عن هذا التزوير الذي حصل؟! ولماذا ساروا معه تماماً ليس في رمضان فحسب، بل في كلّ شيء كالحج والعدّة والبلوغ، وأعمال الشهور المستحبّة والواجبة، وغير ذلك كثير؟! بل كيف لم يظهر نقاش أصلاً بين الصحابة والتابعين وفقهاء وأئمّة الأمصار حول هذا الموضوع في القرون الأولى؟! وهل يكفي لإثبات وجود نقاش بعض الروايات الآحادية القليلة للغاية وبعضها مبهم الدلالة وضعيف السند، لتأكيد شيء من هذا القبيل، مثل نصّ الصحيفة السجادية المتقدّم؟! بل كلّ نصوص وكلمات وآراء وكتب جميع علماء الإسلام منذ عصر الصحابة ـ ومعهم أهل البيت النبوي ـ قائمة ومبنيّة على التقويم الهجري القمري الخالص، بل يتوقّع أنّ يحدث إرباك اجتماعي اقتصادي بين الناس؛ لأنّ آجال الديون والمعاقدات التجاريّة التي لها آجال وغير ذلك سوف تختلّ وتتغيّر، ومع ذلك لا عين ولا أثر لشيءٍ هنا، فكلّها شواهد على تقوية هذا الاحتمال وتضعيف احتمال التقويم المركّب.

والأغرب أنّ بعضهم قال بأنّ بعض المسلمين لم يرتضِ موقف السلطة (عمر بن الخطاب) في تغيير النسيء فواصلوا العمل فيه! وهذا غريبٌ للغاية؛ إذ لو كان كذلك فلماذا لم ينعكس أيّ شيء من ذلك في نصوص التاريخ؟! ثم أليس هذا دليلاً على تعثر هؤلاء الباحثين هنا، فاكتشفوا أنّ التواريخ تارة تنفعهم في حدوث إلغاء النسيء في زمن ابن الخطاب وأخرى لا تنفعهم، فصاغوا القضيّة على شكل انقسام إسلامي لا عين ولا أثر له في كتب التاريخ ولا الحديث ولا الفقه ولا غير ذلك؟! والحال أنّ الأفضل لهم التشكيك في المنقولات التاريخيّة المتضاربة والآحادية التي اعتمدوا عليها.

وأمّا ادّعاء التقية، فهو يعني ـ كما نلاحظ من دأب الأئمّة والعلماء الذين يعملون بالتقيّة ـ أن ينسجموا مع الواقع تقيةً لكنّهم في الوقت نفسه يبيّنون في حلقاتهم الخاصّة اختلافَهم مع الوضع القائم، ولهذا من النادر وجود أمر مارس أهل البيت فيه التقية ولم يشرحوا حقيقته في مجموعة نصوص أخرى، فما الذي يمنعهم من ذلك لخاصّة أصحابهم والمقرّبين منهم في موضوع شديد الأهميّة وواسع الابتلاء؟! كيف وقد وردت عنهم روايات فيها خطر أكبر من هذا بكثير رويت عبر أصحابهم كما يعرفه المتتبّع في الحديث، فهناك شيء من اللامعقوليّة التاريخية أن يكون أمر بهذا الحجم قد حصل ولم يكن هناك أيّ نقد أو اعتراض أو وجهة نظر مخالفة يتمّ تناقلها في الخفاء وداخل الجماعات أو في العلن، وخاصّة في ظلّ التجاذبات السياسيّة والدينية الصاخبة التي كانت قائمة طيلة القرون الأولى.

بل لو كان فعلها عمر بن الخطّاب أو الأمويّون، فلماذا لم يدوّن ذلك عند خصومهم عبر التاريخ بمثابة عار ارتكبوه هدّدوا فيه عبادات المسلمين وطقوسهم وشعائرهم عبر التاريخ وسجّل عليهم في قسم المطاعن التي تكاد لم تترك شاردة ولا واردة إلا وذكرتها؟!

ويمكن القول بشكل عام: إنّ التعاقب الاجتماعي والتراكم التاريخي يُثبت مقولة جمهور العلماء، فهذا التلقّي التاريخي جيلاً بعد جيل لا يُعقل أن يكون عبثيّاً، ونحتاج لتقديم تفسير عقلاني له لو فرضناه عبثيّاً.

3 ـ عندما نراجع آلية عمل هذا الفريق، نكتشف أنّه افترض أنّ عمر بن الخطاب قام بذلك، وتارةً كان يعتمد على حسابات وأخرى على رسالة أبي موسى الأشعري لعمر بن الخطاب والتي في ضوئها انعقد اجتماع ضمّ عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب، فقرّروا الأخذ بالهجرة أساساً في ترقيم السنوات؛ لأنّ العرب لا يعرفون ترقيم السنوات في حياتهم في كثير من مواضع الجزيرة العربية، ولم أتمكّن من العثور على دليل تاريخي مباشر يقدّمه هؤلاء ـ ولعلّ القصور من عندي ـ يثبت أنّ عمر بن الخطاب أو غيره فعل ذلك؛ لأنّ حادثة أبي موسى الأشعري لا علاقة لها بشهر النسيء (الكبيس)، لكنّهم من خلال دراسة بعض التواريخ قبل وبعد عام 17 أو 18 للهجرة اكتشفوا أنّ شهر النسيء كان معمولاً به قبل ذلك، ولم يعد يعمل به بعد ذلك، وبعضهم قال بأنّ التغيير حصل لاحقاً عام 39هـ، أو 49 هـ، أو 81هـ، وغير ذلك مما قالوه، بل قال بعضهم بأنّ المسلمين كانوا منقسمين، فبعضهم واصل استخدام النسيء وبعضهم تركه! واللافت أنّ بعضهم ـ كما قلنا سابقاً ـ حتى يحلّ بعض المشاكل في المعلومات التاريخية التي وصل إليها وفي بعض الحسابات ـ اعتبر أنّ العرب لم تكن تعمل بالنسيء ثم صارت تعمل به قبل البعثة بحوالي مائة عام أو أكثر.

ما أريد قوله بأنّنا لا نملك وثيقة تاريخية مباشرة على قيام السلطة في العصر الإسلامي بتغيير شهر النسيء على افتراض أنّه كان موجوداً، ولا أستبعد وجوده قبل الإسلام على مستوى بعض قبائل العرب، وأمّا دراسة التواريخ فإنّ أمرها عصيب؛ إذ الروايات المعتمدة كلّها ظنون وتخمينات وآحادية، ومجرّد أمثلة محدودة لا تزيد عن أصابع اليدين، يصعب من خلالها الخروج باستنتاج شامل بهذا الحجم، علماً أنّ أكثر روايات التواريخ كوفاة فلان في يوم كذا، وحصول الحادثة الفلانية في يوم كذا.. أكثره فيه روايات متعدّدة مختلفة ومتعارضة، فكيف يمكن البناء على شيء من هذا القبيل؟! بل يجب علينا أن ندرس ماذا كانت المصلحة للسلطة في ذلك؟

4 ـ إنّ المصادر الإسلاميّة والعربية والبيزنطية والفارسية كلّها تتعامل مع الأشهر العربية على أنّها قمريّة خالصة.

إلى غيرها من الملاحظات التي لا يسمح لنا هذا المختصر بالإطالة بها.

والنتيجة: إنّه لم يثبت لدينا أنّ التقويم الإسلامي مبنيٌّ على الشمس أو على القمر والشمس معاً، بل الظاهر الذي تعضده الشواهد هو أنّه مبنيٌّ على القمر خاصّة، وفاقاً لجمهور علماء الإسلام في ذلك.