hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ ثبوت الهلال ـ القسم التاسع)

تاريخ الاعداد: 4/23/2026 تاريخ النشر: 4/23/2026
70
التحميل

 

 

 


 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(16 ـ 4 ـ 2026م)

 


 

الفصل السادس

ثبوت الهلال‌

...

مسألة 1044: إذا رؤي الهلال في بلدٍ كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الأفق، بحيث إذا رؤي في أحدهما رؤي في الآخر، بل الظاهر كفاية الرؤية في بلدٍ ما في الثبوت لغيره من البلاد المشتركة معه في الليل..

ومنه يظهر أنّ ذهاب المشهور إلى ذلك، ليس من جهة الروايات، بل من جهة ما ذكرناه من قياس هذه المسألة بمسألة طلوع الشمس وغروبها، وقد عرفت أنّه قياسٌ مع الفارق([1]).


 

الرأي الثاني: كفاية رؤية الهلال في أيّ بلد بصرف النظر عن الاشتراك في الليل

([1]) هذا الرأي يطابق الرأي الأوّل في أصل الفكرة وفي الأدلّة، غير أنّ هناك اختلافاً جوهريّاً بينهما، هو الذي تطلّب فصلَهما عن بعضهما في البحث، وهو شرط الاشتراك في الليل، حيث اختار أمثال السيد الخوئي هذا الشرط، بينما يقول الرأي الثاني بأنّ فكرة الاشتراك في الليل لا داعي لها، من هنا سيكون البحث الأساس في هذه المسألة هو فكرة الاشتراك.

 

معنى شرط الاشتراك في الليل والنقاش حوله بين أنصار كفاية الرؤية في أيّ بلد

قد يتصور لشرط الاشتراك في الليل الذي تبنّاه السيد الخوئي معنيان:

المعنى الأوّل: التزامن اللحظي الليلي أو التقاطع الليلي الفعلي، وهو المعنى المشهور المتداول في تفسير الفكرة، ويقضي بأنّ البلد الذي رئي فيه الهلال يجب أن يكون مشتركاً ـ ولو في برهة قصيرة ـ في الليل مع البلد الآخر، فلو رئي الهلال في غرب القارة الأمريكيّة ليلة الثلاثاء بعيد الغروب، وكانت ليلة الثلاثاء ما تزال موجودة في لبنان، غاية الأمر أنّ فجر الثلاثاء يقترب من البزوغ هناك، ففي نفس اللحظة التي رئي فيها الهلال يكون الليل في لبنان مخيماً، هنا نقول بأنّ لبنان وأميركا يشتركان في الليل.

ومرجع فكرة الاشتراك في الليل هو أنّ الهلال إذا رُئي في مكانٍ ولم يكن بيننا وبين ذلك المكان الذي رئي فيه اشتراكٌ في الليل، بمعنى كان في بلد الرؤية ليلٌ، فيما كان قد دخل عندنا النهار، فلا يكون الهلال ثابتاً عندنا في هذا اليوم الذي نحن فيه الآن، بل يكون أوّل الشهر عندنا هو اليوم التالي.

ولا فرق في موضوع الاشتراك في الليل بين كون النقطة التي رئي أو يمكن أن يُرى فيها الهلال من اليابسة أو الماء، فلو فرضنا إمكان رؤية الهلال في المحيط الهادئ فقط، وكانت الجزائر تشترك في الليل مع هذه النقطة، كفى ذلك في ثبوت الهلال في الجزائر، حتى لو لم تكن رؤية الهلال ممكنةً في أيّ نقطةٍ من اليابسة تشترك مع الجزائر في الليل.

وينبغي ملاحظة أمر أيضاً، وهو أنّه لا يمكن تحديد الاشتراك في الليل بمعيار جغرافيّ ثابت؛ لأنّ الليل والنهار لا يبقيان على نفس التوزّع الزمني بين البلدان طوال السنة، فالليل يطول ويقصر، وكذا النهار، كما تختلف زاوية ميلان الأرض، وهذا يجعل المناطق التي تشترك في الليل مختلفة من فصل لآخر، فيلزم التنبّه لذلك.

المعنى الثاني: التزامن العنواني (اسم اليوم بين البلدين)، بمعنى أن يكون اليوم في أميركا عند رؤية الهلال هو يوم الثلاثاء، فتكون كلّ المناطق الشرقيّة التي ما تزال تعيش في يوم الثلاثاء ليله أو نهاره ـ إلى الزوال ـ مما يصدق عليها الاشتراك في الليل مع بلد الرؤية، فالغروب في أميركا هو دخول ليلة الثلاثاء، والمفروض أنّ عنوان الثلاثاء ما يزال موجوداً في البلاد الشرقيّة، ولو لم يكن الوقت عندهم هو الليل بل قد دخل النهار. وبعبارة أخرى: إذا كانت رؤية الهلال في بلدٍ ما تقع مساء الاثنين (بداية ليلة الثلاثاء)، بينما كان الوقت في بلدٍ آخر نهار الثلاثاء، فإنّهما يشتركان في اليوم الشرعي الذي يبدأ بتلك الليلة، وإن لم يشتركا في الليل الفلكي، فالاشتراك هنا هو في اسم اليوم الذي يبتدئ عند غروب الشمس، لا في الظرف الليلي الحسّي.

واستشهد هذا التفسير ببعض النصوص للسيد الخوئي التي اعتدّ فيها برؤية الهلال إلى ما قبل الزوال، وأنّه صرّح بالفكرة بهذا المعنى في حواريّته مع العلامة الطهراني. وهذا ما ادّعاه الشيخ محمد السند في فهم فكرة الاشتراك في الليل عند الخوئي، وبنى هو عليها أيضاً. ولو ضممنا كلام السيد الخوئي هنا في المنهاج إلى بعضه فقد يقال بصحّة نسبة هذا التفسير إليه على قاعدة أنّه وافق على رؤية الهلال قبل الزوال من جهة، ومن جهة أخرى وافق على فكرة كفاية الرؤية في بلد للحكم ببداية الشهر في بلدٍ آخر يشترك معه في الليل، فتكون النتيجة إنّه لو رُئي في الليل هناك، وكنّا نحن ما نزال قبل الزوال، فيصدق أنّه رئي قبل الزوال بالنسبة إلينا، فيثبت بداية الشهر.

وبصرف النظر عن كون ذلك هو مراد الخوئي، بل أجد أنّه ـ على تقديره ـ تكون تسمية «الاشتراك في الليل» رديئة، فإنّ التقييد بالزوال لا دليل عليه يمكن قبوله؛ بصرف النظر عن أصل فكرة ثبوت بداية الشهر بالرؤية قبل الزوال، بل نحن قلنا سابقاً بأنّه لا يثبت بداية الشهر برؤيته قبل الزوال، حتى في بلد الرؤية، فراجع.

 

إشكال الشيخ اليعقوبي على شرط الاشتراك في الليل، عرضٌ ومناقشة

وعلى أيّة حال، فقد أشكل الشيخ اليعقوبي هنا، فقال بأنّ هذا القيد ـ الاشتراك في الليل ـ لا معنى له؛ وذلك لأنّ: «بلاد العالم كلّها تشترك بالليل مع البلد الذي رُئي فيه الهلال وقت المغرب؛ لأنّه حينما يُرى الهلال في أوّل أزمنة إمكانه في بلد، فإنّ بلدان العالم بين نصفٍ سبقته في الليل حتى وصل بعضها إلى آخره، وبين نصف سيلحقه بالليل حتى يكون هو في آخره، فهي جميعاً تشترك معه في الليل.. (كما) أنّ المشهور ـ ومنهم السيد الخوئي قدّس سرّه ـ يلتزم بأنّ الهلال إذا رئي في بلد، فإنّه يكفي لثبوته في البلاد التي إلى غربه، وبضمّ هذه الكبرى إلى هذا القول الرابع ينتج أنّ العالم كلّه بهلال واحد؛ لأنّ البلدان بين من تشترك مع بلد الرؤية بالليل، وهي التي إلى شرقه، فيثبت فيها الشهر بموجب القول الرابع، وبين ما يكون عندها نهار، وهي التي إلى غربه، فيثبت فيها الشهر بموجب الكبرى المذكورة» (فقه الخلاف 4: 332، 333).

ويمكن مناقشة ما أفاده الشيخ اليعقوبي؛ وذلك:

أوّلاً: إنّ فكرة الاشتراك في الليل لا تعني إمكان كون هذه النقطة من اليابسة مشتركة في ليلٍ ما مع تلك النقطة التي رئي فيها الهلال، فهذا ليس هو مدّعى القائلين بالاشتراك في الليل، بل العبرة بواقع الاشتراك في لحظة الرؤية أو في ليل الرؤية نفسه؛ لأنّ نكتة الاشتراك في الليل ترجع لفكرة أنّ الشهر يبدأ من الليل، لا من النهار، وعلى هذا ارتكاز الفهم المتشرّعي والعربي في عصر النصّ، ولهذا يقولون: ليلة الجمعة لتلك الليلة التي تسبق يوم الجمعة، وتسعفه طريقة التعبير في النصوص عادةً، والمبنيّة على مرجعيّة الليل، حتى أنّه إذا رئي في النهار قال النص: إنّ هذا يدلّ على أنّه لليلة السابقة، ما يؤكّد مرجعيّة الليل في بداية الشهر..

وعليه، فلو رئي الهلال في نقطةٍ وكانت الشمس قد طلعت في نقطةٍ أخرى، فلو نفينا شرط الاشتراك في الليل، فسيعني هذا أنّ الشهر في تلك النقطة التي طلعت فيها الشمس بدأ من النهار، وهذا خلاف المرتكز، وهذا لا يُشكل عليه بأنّ العالم كلّه يشترك في الليل، بل العبرة عنده بليل الرؤية نفسه حذراً من التورّط في هذه المشكلة، فلا يصحّ إشكال الشيخ اليعقوبي بأنّ كلّ نقاط العالم مشتركة في الليل.

ثانياً: إنّ التزام السيد الخوئي بفكرة كفاية الرؤية في الشرق للثبوت في الغرب، لا يعني أنّ الشهر الجديد قد بدأ في الغرب بعد طلوع الشمس، بل مع أخذ فكرة الارتكاز المشار إليها يصبح الهلال ثابتاً في غرب بلد الرؤية، بمعنى أنّ أوّل ليلٍ يحلّ عليهم سيكون هو بداية الشهر، بلا حاجة لهم في أن يستهلوا ويروا الهلال، إذ لا يعقل أن تكون بداية الشهر في الليلة الماضية بالنسبة إليهم؛ لأنّه يلزم حلول بداية الشهر قبل رؤية الهلال.

وعليه، فكلا إشكالَي اليعقوبي نشأ من عدم ملاحظة العلّة في أخذ فكرة الاشتراك في الليل في كلمات الخوئي.

نعم، يمكن لنا صياغة فكرة الاشتراك في الليل بهذه الطريقة: إنّه إذا رئي الهلال في نقطةٍ ما من الأرض، ثبتت بداية الشهر لكلّ المنطقة المعتمة لحظة الرؤية من الأرض، فكلّ البلدان التي فيها ليل لناحية شرق بلد الرؤية ستكون هذه الليلة هي أوّل ليالي الشهر عندها، وهذا الليل الكوني ـ وليس المحلّي ـ الذي سوف يسير على مدار الكرة الأرضيّة، سيكون هو الليلة الأولى للشهر، فمن حلّ عنده هذا الليل دخل الشهر عنده، دون من لم يحلّ عنده الليل بعد، وبهذا تكون رؤية السيد الخوئي منسجمةً لا تناقض فيها.

فالصحيح ـ بناء على عدم اشتراط الاتحاد في الأفق، كما هو مذهب الخوئي ـ هو شرط الاشتراك في الليل، فما ذهب إليه بعضٌ العلماء من نفي هذا الشرط مطلقاً أو قولهم بكفاية الرؤية مع كون البلد الآخر لم يحل فيه الزوال بعدُ، لم يثبت بدليل، فالاشتراك في الليل قدرٌ متيقّن، وغيره لا دليل عليه.

 

الرأي الثالث: كفاية رؤية الهلال في أيّ بلد من بلدان العالم القديم (القارات الثلاث) بصرف النظر عن الاشتراك في الليل

هذا الرأي هو ما ذهب إليه السيد محمد سعيد الحكيم، فإنّه بعد أن ناقش السيدَ الخوئي في قضيّة الاشتراك في الليل وغير ذلك، أبدى موافقته على رفض فكرة شرط الاتحاد في الأفق، لكنّه لم يقم بتعميم الموقف لمطلق الكرة الأرضيّة، وفي الوقت عينه لم يجعل المعيار هو الاشتراك في الليل، بل جعله ما أُطلق عليه اسم: العالم القديم أو القارّات الثلاث، فإذا رئي الهلال في آسيا كفى في ثبوته في كلّ من آسيا وأوروبا وأفريقيا، ولا يثبت في القارة الأمريكيّة، والعكس صحيح، فإذا ثبت في القارّة الأمريكيّة فإنّه لا يثبت في القارات الثلاث المشار إليها (انظر له: منهاج الصالحين 1: 367).

كما يظهر هذا القول ـ أو قريب منه جداً ـ من الميرزا محمد علامي الهشترودي (2019م)، حيث ذكره في بعض فتاويه (انظر له: مجمع الاستفتاءات: 22 ـ 23).

والمستند عند الحكيم هو انصراف النصوص، حيث قال: «إنّه حيث كان الظاهر اتحاد حكم البلاد مع اختلاف آفاقها، تبعاً للنصوص المذكورة، فالمتعيّن الاقتصار على رقعة الأرض المكتشفة حين صدور تلك النصوص، وهي التي تبدأ بالشرق الأقصى من بلاد الصين وما حاذاها مما يقارب بعض أمصار المسلمين، وتنتهي غرباً بالمحيط الأطلسي المحاذي المحادّ لبعض أمصار المسلمين حينئذ في غرب إفريقيّة والأندلس، أمّا ما اكتشف بعد ذلك من بلاد أمريكا ونيوزلندة فهو خارج عن مفاد النصوص المتقدّمة. وأمّا إلحاق أمريكا في تاريخ اليوم بشرق المحيط الأطلسي حتى صارت أقصى غرب الأرض، وعدم بدء تاريخ اليوم بها لتكون أقصى شرقها، فهو محض اصطلاح عالمي متأخّر عن اكتشاف البلاد المذكورة، لا مجال لاستفادة إمضائه من نصوص المقام، بل مقتضى القاعدة المتقدّمة عدم إلحاق بلاد شرق المحيط الأطلسي به لو بدأ ظهور الهلال من المحيط المذكور فما دونه..» (مصباح المنهاج، كتاب الصوم: 325).

ويمكن التعليق على هذا الكلام:

أوّلاً: إنّه لا يوجد انصراف هنا؛ إذ الذهن العرفي الذي يتحرّر من شرطَيّ: الاشتراك في الليل واتحاد الأفق، لا ينصرف إلى بقاع جغرافيّة محدّدة، بل يرى إطلاقاً هنا، غاية ما في الأمر أنّ هذا الإطلاق حيث لم يكن يخطر في بالهم وجود القارّتين الأمريكيّتين ونيوزلندا وأستراليا، لهذا لم يكونوا ليطبّقوا الحكم على أوسع من القارات الثلاث، وهذا يأتي في مرحلة لاحقة على مرحلة فهم النصوص، فهو انصراف في مرحلة التطبيق، لا في مرحلة الفهم والتفسير، لو صحّ وجود انصراف بمعنى من المعاني، فوجود أفراد للموضوع لم يكونوا يعرفون بها لا يمنع عن شمول العنوان لهذه الأفراد ما دامت أفراداً حقيقيّة للموضوع.

ثانياً: إنّه لا خصوصيّة للعالم القديم، فالعرف قادر على إلغاء الخصوصيّة هنا؛ لأنّه لا يرى أنّ للعالم القديم ميزة في باب ثبوت الأهلّة تجعله يختلف عن العالم الجديد، وإلا يلزم أن نجري المعيار نفسه في مختلف الأبواب الفقهيّة، فمثلاً نقول: إنّ السفر إلى القارّة الأمريكيّة ربما تكون له أحكام أخرى، وللسفر إلى أحد بقاع العالم القديم خصوصيّة؛ وكذا غيرها من الموارد، مع أنّ هذا يحرز أنّ العرف لا يعير له بالاً.

إنّ ظهور القارة الأمريكيّة لم يغيّر حركة الليل والنهار في الكرة الأرضيّة، بل كلّ ما في الأمر أعاد تنظيم "الزمن العالمي" كما هو معروف اليوم. وبعبارة أخرى: إنّ ظهور أمريكا لم يغيّر شيئاً في النظام الكوني، وإنّما أدّى لاحقاً إلى تنظيم اصطلاحي للمناطق الزمنيّة وخطّ التاريخ الدولي؛ لأنّ تنظيم الزمن العالمي حدث أساساً في القرن التاسع عشر بسبب الملاحة والسكك الحديديّة، لا لمجرّد اكتشاف أمريكا.

 

الرأي الرابع: لزوم اتحاد الأفق لثبوت الهلال (ومذهب السيد السيستاني)، الأدلّة والشواهد والمحاكمات

استدلّ القائلون بلزوم اتحاد الأفق وعدم ثبوت الهلال مع اختلاف الآفاق، بجملةٍ من الأدلّة، وقد أوضحها السيد السيستاني ونذكر أدلّته.

استدلّ السيستاني وغيره بضرورة أن يكون لكلّ منطقة حكمها المنفصل بأدلّة، وهي:

الدليل الأوّل: إنّ العرب اعتمدت الشهر القمري لكون القمر سهل الرؤية بالنسبة إليهم في مناطق صحراويّة مفتوحة، فرؤية القمر لديهم أمرٌ متوفّر في وسط الصحراء، غير عسير، فيمكن اعتماده بسهولة لمن لا يعرف الحساب وقضاياه، ومن المناسب بناءً على ذلك أنّهم كانوا يرون كلّ منطقة تابعة لما تراه من هلالها، فلا يعقل أنّهم يتّبعون رؤية القمر في بلاد فارس أو الروم؛ إذ هذا لا ينسجم مع طبيعة اعتمادهم على رؤية الهلال الواضحة لديهم في المناطق الصحراوية؛ فاعتمادهم على خارج مناطقهم مما لا يتيسّر لهم في العادة، ولو كانوا يبنون عليه لرأينا أنّهم كانوا يتريّثون في إعلان بداية الشهر حتى تأتي الأخبار من بلاد أخرى، مع أنّ هذا لا عين ولا أثر له في حياة العرب، وعندما جاء الإسلام أقرّ العرب على طريقتهم ولم يغيّر فيها، بل اعتبر أنّ الأهلّة مواقيت للناس والحجّ، ولم يظهر منه ردع عن تلك السنّة الجارية بينهم قبل الإسلام (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 10 ـ 13).

ويجاب بأنّ العرب لم يكونوا أمّةً واحدة لها نظامها ولها دولتها التي تعلن بداية الشهر أو نهايته، وإنّما في الغالب يعتمدون على ما يرونه في مناطقهم؛ إذ في العادة هم عاجزون عن معرفة وضع الهلال في البلدان الأخرى، أو يكون صعباً عليهم متابعة شيء من ذلك، فجروا على الاكتفاء بما يرونه هم في المنطقة المحيطة بمكان سكناهم، ولم يكن الموضوع تعبديّاً فيه خطورة دينيّة بتلك المثابة بالنسبة إليهم حتى يبذلوا قصارى جهدهم في تتبّع وضع القمر ورؤية الهلال في المناطق البعيدة، وعندما جاء الإسلام لم يفرض عليهم تتبّع الوضع في مناطق أخرى لمصلحة التسهيل عليهم، فإنّ في ذلك عسراً وبخاصّة المناطق البعيدة جداً، فما المانع من أنّ سكوت الشريعة عن ذلك كان لمكان كونه أمراً عسيراً عليهم كما قال الدليل نفسه، فلعسره تمّ غض النظر عن ضرورة التتبّع والاكتفاء بما يتوفّر لديهم؟

وإنّما يصحّ هذا الدليل لو ثبت العكس، وهو أنّ العرب كانت تأتيهم أخبار الهلال من المناطق البعيدة، ولا يبالون بها، فجاء الإسلام وأقرّهم على ذلك، فيكون هذا الدليل تامّاً، أمّا أنّه ولكون الأمر في العادة فيه نوع عُسرٍ، فسكت الشارع عن أمرهم بتتبّع أحوال الهلال خارج مناطقهم، فذلك لا يكشف بكشفٍ يقيني عن أنّ الشريعة حصرت الهلال بالهلال المحلّي.

وبعبارة أخرى: إنّ غاية ما يُثبته هذا الدليل أنّ الشريعة لم تُلزم المكلّفين بالبحث عن ثبوت الهلال في المناطق البعيدة، وبخاصّة في حالات العسر وشبه العُسر، فما يتوفّر لهم ـ دون بحثٍ وتنقيب ـ من معلومات عن الهلال يمكنهم العمل به، أمّا أنّ الشريعة ـ لعدم طلبها من المكلّفين البحث والتقصّي عن وضع الهلال في كلّ البلدان ـ تكون قد أعلنت أنّ المعيار لديها منحصر بالهلال المحلّي، فهذه قفزة غير متضمّنة في هذا الدليل.

الدليل الثاني: إنّ مقتضى الالتزام بدخول الشهر في البلاد الواقعة في شرق بلد الرؤية من جهة اشتراكهما معه في جزء من الليل هو إما تبعّض الليلة الواحدة فيها بين شهرين، بأن يكون أوّلها إلى اللحظة التي رئي فيها الهلال في ذلك البلد الغربي من الشهر السابق وما بقي من الشهر اللاحق، وإمّا ابتداء الشهر قبل قابليّة الهلال للرؤية في أيّ مكان في الأرض، وكلا الأمرين بعيد عن المرتكزات العرفيّة (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 13 ـ 14).

وأورد عليه الشيخ محمد الجواهري «بالنقض والحلّ، أما النقض فإنه بناءً على أنّ لكلّ مكان أفقه الخاص به يأتي هذا الكلام أيضاً، فإنّه لو رئي الهلال بعد الغروب بخمس دقائق، فإنّ اللازم تبعّض هذه الليلة حتّى في بلد الرؤية، فيكون قسمٌ منها داخلاً في الشهر السابق والقسم الآخر داخلاً في الشهر اللاحق، أو أنّ ابتداء الشهر فيها قبل قابليّة الهلال للرؤية في أيّ مكان في الأرض، وكلا الأمرين ـ على فرض البعد ـ بعيدٌ عن المرتكزات العرفيّة.. وأمّا الحلّ فعُلم مما سبق من أنّ رؤية الهلال وإن كانت بعد المغرب، فالمعروف عند المتشرّعة أنّ هذه الليلة من أوّلها هي ليلة أول الشهر، وليس الملاك هو لحظة رؤية الهلال، بل رؤيته الكاشفة عن خروجه من المحاق ومن تحت شعاع الشمس حتّى لو كانت لحظة رؤيته قبل انتهاء الليل بقليل بالنسبة إلى البلاد الواقعة شرق بلد الرؤية مع اتحادهما بجزءٍ من الليل، بل وكذا من كان بلد الرؤية شرقه مع فرض اتحادهما في جزء من الليل.. ثم إنّه لو فرض أنّ شيئاً قد قام الدليل عليه من الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو العقل وكان خلاف المرتكزات العرفيّة، فهل كونه على خلاف المرتكزات العرفيّة مانع من الأخذ به، فلا بدّ حينئذ من تقييد الأدلّة الدالة على الأحكام الشرعيّة بأن لا تكون على خلاف المرتكزات العرفيّة، على أنّه تقدّم أنّ الدليل على المرتكزات العرفيّة الذي هو الملاك في عدم صحّة مخالفتها هو الدليل على أنّ الهلال إذا رئي في بلد ما أو كان قابلاً للرؤية فهو مقتضٍ لدخول الشهر الجديد لجميع بقاع الأرض، لا أنّه ينافيها» (الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 31 ـ 32).

ويمكن الجواب عن هذا الإيراد بأنّ قيام الدليل عند الناقد ـ أعني الجواهري ـ على اعتماد الآفاق البعيدة لا يعني قبول السيستاني بهذا الدليل، بل قد ناقشه السيستاني بالفعل، وبهذا فعنده تكون هذه المرتكزات والأعراف العربيّة غير مردوع عنها، وهذا كافٍ بالنسبة إليه، فيكون النقاش مبنائياً لا بنائيّاً، على خلاف ما يظهر من الناقد، وأمّا الإشكال بالنقض، فالإنصاف أنّه لا يرد على السيستاني؛ لأنّ مجرّد التغيير في بضع دقائق لا يعني زوال اسم الليل عن هذه الليلة بالنسبة لجميع البلدان المتحدة بالأفق، فيصدق عرفاً أنّهم قضوا ليلة كاملة أو غالبها تكون هي بداية الشهر، بينما على رأي الخوئي لا يكون هنا ليلة أساساً في بعض الموارد، بل بضع دقائق، فقياس هذا على هذا قياسٌ مع الفارق، فروح الإشكال على الخوئي هو أنّه إذا رئي الهلال في نقطةٍ وكانت أقصى نقطة ليليّة لناحية الشرق تحتاج لدقيقتين لطلوع الفجر فيها، فماذا نعتبر تلك الليلة الماضية هنا، هل نقول بأنّ اليوم الأوّل من أيّام هذا الشهر ليلته دقيقتان ونهاره معتادٌ؟! أو نقول بأنّ الليل كلّه يكون داخلاً ضمن الشهر الجديد، مع أنّه لم يكن يمكن الرؤية في هذا الليل قبل دقيقتين من طلوع الفجر، فهل هذا معقول؟! وهذا الإشكال لا يرد على السيستاني، فالمسألة ليست دقيّةً، بل صدق عنوان الليل على من هو في أقصى الشرق بالنسبة لبلد الرؤية.

لكن قد يقال ـ وفقاً لما تقدّم ـ: إنّ غاية ما يفيده دليل السيستاني هو ضرورة صدق عنوان الليل على البلد المشترك في الليل مع بلد الرؤية، بحيث يقال بأنّ يومه الأوّل كان فيه شيء معتدّ به من الليل، وإلا فسوف يأتي إيراد الجواهري النقضيّ.

أو يمكن الانتصار للناقد مجدّداً والردّ على السيستاني بالقول بأنّ المسألة ليست مسألة كم هو المقدار المتبقّي من الليل، بل المسألة هي أنّ هذا الليل ولو القصير هو ليلٌ ظهر فيه القمر لأهل الأرض، فهو ليلُ اليوم الأوّل، وهو ليل الأربعاء مثلاً، فالالتزام بأنّ البلاد الشرقيّة رغم ظهور القمر ليل الأربعاء عندها، يلزمها أن تعتبر بداية الشهر ليلة الخميس، هو الذي فيه تكلّف ويحتاج لتفسير، بل مسلك السيد السيستاني يلزم منه أنّ نقاطاً في الأرض مبعثرة ـ على حسب خطوط الطول والعرض معاً ـ أوّل الشهر عندها هو السبت مثلاً، ونقاطاً أخرى مبعثرة كذلك أوّل الشهر عندها هو الأحد، وهذا لا يقلّ تكلّفاً ـ لو سلّمنا ـ عن فكرة أنّ الليلة الأولى كانت قصيرة بالنسبة لسكان المناطق الواقعة شرق بلد الرؤية.

وبهذه الطريقة ندفع الإشكال الذي يطرح هنا، وهو أنّ الرؤية في البلاد الشرقيّة قد تكون مستحيلة، بينما الرؤية في بلد الرؤية قد تحقّقت غرباً، فكيف يعقل أن يكون الشهر الجديد قد بدأ في البلاد الشرقيّة رغم أنّ القمر لم يظهر لهم ولو إمكاناً؟!

إذ الجواب عن ذلك هو بالتمييز الذي أشار له السيد الخوئي في المتن أعلاه، وهو أنّ التعامل مع القمر يختلف عن التعامل مع الشمس، فالعبرة هنا بالأيّام، بحيث نقول: إنّ هذه الليلة ـ أي ليلة الأربعاء بتاريخ كذا وكذا ـ هي الليلة الأولى من الشهر؛ لأنّها الليلة التي ظهر فيها القمر لأهل الأرض. ومن لحظة ظهوره، تكون هذه الليلة ـ أينما وجدت ـ هي بداية الشهر، وهكذا، فلحظة ظهور القمر تعني أنّ هذا الليل ـ أي هذا الجزء المظلم من الأرض الآن لحظة ظهور القمر ـ هو الليلة الأولى، وأنّه بدأ الشهر فيه.

الدليل الثالث: «إنّ مقتضى كون العبرة في دخول الشهر الجديد في بلد المكلّف برؤية الهلال ولو في بلد آخر بعيداً عنه جداً هو أنّ صيام النبيّ‘ والأئمّة ـ عليهم السلام ـ وفطرهم وحجّهم وسائر أعمالهم التي لها أيّام محدّدة في الأشهر القمريّة لم تكن تقع في كثير من الحالات في أيامها الحقيقيّة؛ لوضوح أنّهم ـ عليهم السلام ـ كانوا يعتمدون في تعيين بدايات الأشهر الهلاليّة على الرؤية في بلدانهم أو البلدان القريبة منها، مع أنّ في كثير من تلك الشهور كانت الرؤية متيسّرة في الليلة السابقة في بعض الأماكن البعيدة جداً، كما يعرف ذلك بمراجعة البرامج الكمبيوتريّة الحديثة التي تبيّن أوضاع القمر لآلاف السنين الماضية والآتية، أي إنّه في حالات غير قليلة كان هلال شوال ـ مثلاً ـ قابلاً للرؤية في أستراليا أو جنوب أفريقا أو أمريكا الجنوبية في ليلة السبت مثلاً، ولكنه لما لم يكن قابلاً للرؤية في المدينة المنوّرة أو العراق في تلك الليلة ـ كما يحدث مثله في زماننا كثيراً ـ كان النبيّ‘ أو الإمام× يصوم ذلك اليوم، مع أنّه في واقع الحال كان عيد الفطر الذي لا يشرع فيه الصوم في حقّه، وهذا بعيد في حدّ ذاته. ويزيده بُعداً أنّهم ـ عليهم السلام ـ لم يكن ينقصهم العلم بما يعرف به وضع الهلال في الأماكن الأخرى؛ لأنّه لا يتوقّف إلا على إجراء محاسبة علمية دقيقة للتوصّل إلى درجة ارتفاع الهلال على الأفق ومقدار بعده الزاوي عن الشمس ونسبة القسم المنار إلى أكبر قطر يبلغه القرص، وهذه المحاسبة لم تكن بعيدة عن معرفة أهل الحساب من العرب وغيرهم حتّى في عصرهم ـ عليهم السلام ـ فمتى علم أنّ الهلال سيكون في أستراليا مثلاً بارتفاع اثنتي عشرة درجة، وبعيداً عن الشمس بمقدار ثماني درجات، وتبلغ قسمة القسم المنار (3 %) مثلاً، يقطع عندئذ بكونه قابلاً للرؤية بالعين المجرّدة في تلك البلدان لولا الموانع من غيم أو نحوه، وإن لم يكن قابلاً للرؤية في الجزيرة العربية أو العراق، ولا حاجة في معرفة ذلك إلى علم الغيب لكي يقال: إنّهم ـ عليهم السلام ـ لم يكونوا يستخدمونه في هذه المجالات، بل لم تكن معرفة ذلك ـ إجمالاً ـ بالذي يتوقّف على إجراء المحاسبة الدقيقة، وإنّما يكفي فيها الوقوف من خلال الاختبار والتجربة على اختلاف حال الأمكنة والبلدان من حيث إمكانية رؤية الهلال فيها، وهو ما كان معلوماً للكثيرين» (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 14 ـ 15).

وقد يناقش:

أوّلاً: إنّه «يكفي في ردّ هذا الشاهد اعتراف من أقامه بأنّ هذا بعيد، لا أنّه مانع من صحّة الدليل، وهذا البعد ـ على فرضه ـ لا يضرّ بعد قيام الدليل على المقصود، فإن كان في الدليل خلل فاللازم بيان وجه الخلل في الدليل. ثم إنّ البعد المذكور إنّما يتمّ بعد فرض أنّ النبيّ‘ والأئمّة ـ عليهم السلام ـ كانوا يعتمدون في تعيين بدايات الأشهر الهلاليّة على الرؤية في بلدانهم أو البلدان القريبة منهم، وهو محتاج إلى دليل، ولم يثبت ذلك أيّ دليل. ودعوى أنّهم ـ عليهم السلام ـ كغيرهم من الناس لا طريق لهم إلى معرفة أوّل الشهر بالطرق العادية إلاّ الرؤية في بلدانهم أو البلدان القريبة منهم، دعوى من لم يكن يرى الفرق بين النبيّ‘ والأئمّة ـ عليهم السلام ـ وباقي الناس، فإنّ محاسبة سير القمر غير خفيّ عنهم ـ عليهم السلام ـ بل عن بعض الخواص من الناس، وليس ذلك مبنياً على الغيب حتّى يقال: إنّهم ـ عليهم السلام ـ لم يستخدموه في هذه المجالات، فقد يكون حساب سير القمر عندهم بمثابة ما نقوله اليوم من قيام إجماع الفلكيين على عدم إمكان الرؤية في ليلة اليوم الذي أفطر فيه× في جميع الأماكن من الأرض، أو عدم الخلاف في ذلك بين الفلكيّين في عدم إمكان الرؤية في أيّ مكان من الكرة الأرضية، فمن أين كان من الواضح أنّهم ـ عليهم السلام ـ كانوا يعتمدون على الرؤية في بلدانهم أو البلدان القريبة منهم، خصوصاً مع بنائهم على أنّ الرؤية للهلال في أيّ مصر من الأمصار كافٍ لثبوت أوّل الشهر في بقيّة الأمصار، كما هو الوارد في النصوص الواردة عنهم عليهم السلام.. وهي عدّة صحاح..» (الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 33).

ثانياً: إنّه بصرف النظر عن مناقشة هذا الدليل في الأبحاث الماضية من عدّة جهات، فإنّ دعواه أنّهم يمكنهم معرفة وضع الهلال بسهولة، تحتاج مراجعة؛ لأنّنا إذا بنينا على إمكان الرؤية فليست الحسابات بالتي تعطيني نتيجة يقينيّة دوماً، فنحن اليوم بناء على إمكان الرؤية نجد اختلافات غير قليلة بين الفلكيّين في المعايير، ولهذا قد يختلف في العديد من السنوات في أنّه حتى على المعايير الفلكيّة، متى يكون يمكن رؤيته ومتى لا يمكن، فليس واضحاً أنّهم كانوا يقدرون على ذلك بسهولة دوماً، بل لعلّهم لم يكونوا على يقين من صحّة هذه المحاسبات حتى لو اكتشفنا نحن اليوم أنّها صحيحة.

ولمزيد تعميق لهذه القضية بالغة الأهميّة، يمكن السؤال: هل كان العرب والمسلمون في القرن الأوّل والثاني الهجريّين قادرين على تحديد إمكان رؤية الهلال في مناطق مختلف الآفاق عبر الحساب بطريقة يقينيّة بالنسبة إليهم أو لا؟

الجواب: لا، وذلك أنّ ما كان متوفّراً لديهم هو إجراء حسابات تقريبيّة لمواضع القمر، لكن ربط ذلك بإمكان الرؤية البصريّة في أقاليم مختلفة بدقّة معتبرة لم يكن متيسّراً لهم على نحوٍ يولّد يقيناً نوعيّاً مستقراً، فالعرب كانوا يعرفون أجزاء مبسّطة من الفلك اليوناني قبل الإسلام عبر الحيرة والغساسنة، لكن لم يكن لديهم نظام حساب دقيق ولا جداول بطلميوس، فالمعرفة الفلكية كانت مبعثرة، والحسابات الفلكيّة الدقيقة لم تدخل العالم الإسلامي بشكلٍ منهجيّ غير مبعثر إلا في أواخر القرن الثاني وبداية الثالث الهجري مع حركة الترجمة العباسيّة، ولهذا كان المعتمد هو الرؤية الحسيّة والتجربة، ومع دخول القرن الثاني بدأت المعرفة بالحساب الفلكي عبر الاحتكاك بالفرس والهنود، فظهر الحُسّاب والمنجّمون، لكن حساباتهم كانت تتعلّق بولادة القمر (الاقتران)، أو بتقدير مكثه فوق الأفق، لا بإمكان الرؤية البصريّة التفصيليّة بمعايير فيزيائيّة؛ لأنّ إمكان الرؤية يتوقّف على عناصر معقّدة من نوع عمر الهلال (الزمن بعد الاقتران)، وارتفاعه عن الأفق عند الغروب، والبعد الزاوي عن الشمس، ونسبة الإضاءة، وصفاء الجوّ، وزاوية مسار القمر بالنسبة للأفق والتي تتأثر بخطّ العرض، وهذه المعايير لم تُصَغ رياضياً إلا بعد تطوّر طويل، وحتى اليوم يوجد اختلاف بين المعايير الفلكيّة المعاصرة، فكيف بالقرن الأوّل والثاني؟!

فلو سألنا: هل كان يمكنهم معرفة إمكان الرؤية في أستراليا أو الأندلس مثلاً؟ فالجواب إنّ هذا يتطلّب نظريّاً معرفة دقيقة بخطوط العرض والطول، ومعرفة فروق التوقيت، وحساب ارتفاع القمر لحظة الغروب في ذلك البلد، ومعرفة زاوية الاستطالة، وهذه كلّها تحتاج لجداول فلكيّة دقيقة، وأدوات حساب مثلثات كرويّة، وخرائط جغرافيّة مضبوطة وهو ما لا يتوفّر بشكل منهجي إلا بعد تطوّر علم الهيئة في القرن الثالث والرابع الهجريّين. فربما كان يمكن لبعض أهل الخبرة أن يقولوا مثلاً: إذا وُلد القمر اليوم فسيُرى غداً غالباً في الغرب، لكنّ هذا ظنٌّ تجريبي، ولا يرقى إلى يقين موضوعي، كما لا لا يكفي لضبط اختلاف آفاق بعيدة جداً، وحتى اليوم، ومع كل التقدّم العلمي، لا يُقال دائماً بـ"اليقين" في الرؤية، بل بـ"إمكان الرؤية وفق معيار كذا".

بناءً على ذلك، فنحن على مشارف القرن الثالث عندما بدأت تدريجياً تظهر المنظومة الفلكيّة بين المسلمين، فعلى قواعد الاجتهاد السنّي نحن عبرنا عصر النص منذ قرنين تقريباً، وأمّا على معايير الاجتهاد الإمامي، فإنّ فترة ما بعد الإمام الرضا هي فترة تراجع حادّ في حضور الأئمّة وقدرتهم على المشاركة والتواصل، ولهذا رواياتهم قليلة للغاية، قياساً بالأئمّة من الباقر إلى الرضا، ولهذا فالسكوت أو عدم ظهور شيء يغدو معقولاً، وبخاصّة أنّ تحوّل هذه المعايير إلى معايير معتمدة ومنتشرة يحتاج لمرور وقت أيضاً، ولسنا نقدر من خلاله إثبات أنّهم ـ عليهم السلام ـ لم يكونوا يبالون بالحسابات الفلكيّة الدقيقة في المناطق البعيدة لو سلّمنا أنّ القرن الثالث حمل معه شيئاً من ذلك.

الدليل الرابع: خبر معمّر بن خلاد، عن أبي الحسن×، قال: كنت جالساً عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائماً، فأتوه بمائدة، فقال: «أدنُ»، وكان ذلك بعد العصر، فقلت له: جعلت فداك صمت اليوم، فقال لي: «ولِمَ ؟» قلت: جاء عن أبي عبد الله× في اليوم الذي يشكّ فيه أنّه قال: يومٌ وفّق له. قال: «أليس تدرون إنّما ذلك إذا كان لا يعلم أهو من شعبان أم من شهر رمضان، فصامه الرجل فكان من شهر رمضان كان يوماً وفّق له، فأمّا وليس علّة ولا شبهة فلا».

وذلك أنّ الإمام× «قد جعل المناط في مطلوبيّة الاحتياط بصيام اليوم الذي يعقب التاسع والعشرين من شعبان هو عدم العلم بكونه من شعبان أو من رمضان، مع أنّ أقصى ما يقتضيه خلوّ السماء من الغيم ونحوه وعدم الشبهة في وجود ما يمنع من رؤية الهلال في بلد المكلف هو العلم بعدم ظهوره فيه بنحو قابل للرؤية بالعين المجرّدة، فلو كان يكتفى في دخول الشهر في بلد بقابليّة الهلال للرؤية ولو في أُفق بلد آخر لصدق على ذلك اليوم أنّه مما لا يعلم كونه من شعبان أو رمضان، فلا يتّجه نهي الإمام× عن صيامه احتياطاً» (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 17 ـ 18).

وأجيب بأنّ الإمام قد يكون ذلك اليوم لا شبهة في عدم إمكان رؤيته في المناطق التي تشترك معه في الليل، فلا دليل على أنّ نفي الشبهة أو الشكّ هو بملاحظة خصوص المنطقة التي هو فيها (الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 34).

وهذا الجواب دقيق؛ فإنّ الإمام لم يبيّن متى ترتفع العلّة والشبهة، فمن المحتمل أنّه ناظر لارتفاعها بارتفاع الغيم وأمثال ذلك من الموانع إلى جانب عدم احتماليّة الرؤية في بلدان أخرى، فضلاً عن كونه خبراً آحاديّاً.

الدليل الخامس: خبر محمّد بن عيسى، قال: كتب إليه أبو عمرو: أخبرني يا مولاي أنّه ربما أشكل علينا هلال رمضان، فلا نراه ونرى السماء ليس فيها علّة، فيفطر الناس ونفطر معهم، ويقول قومٌ من الحسّاب قبلنا: إنّه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وإفريقية والأندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتّى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقّع×: «لا تصومنّ من الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته».

وذلك أنّ «وجه الاستشهاد بهذه الرواية هو دلالة كلام السائل على ارتكاز فكرة اختلاف الآفاق في ذهنه، بحيث لم يكن شكّ في أنّه على تقدير صحّة قول الحسّاب من رؤية الهلال في تلك الليلة بمصر وإفريقية والأندلس سيختلف الفرض على أهل الأمصار، أي يكون صيام رمضان واجباً على خصوص من كان الهلال قابلاً للرؤية في بلدانهم، ولم يخطر بباله احتمال أن يجب الصيام على أهل بلده بالرغم من عدم قابليّة الهلال فيه للرؤية وإن رئي في بلد آخر. وأمّا جواب الإمام×، فلا يدلّ على ردع السائل عن المرتكز المذكور إن لم يدل على إقراره عليه» (أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها: 18 ـ 19).

وأجيب:

أوّلاً: إنّه «ليس في ذلك تقرير من الإمام له على ذلك، بل إعراض عما هو المرتكز في ذهن السائل والجواب له بأنّه لا يجب عليه صوم يوم الشكّ، هذا أوّلاً. وثانياً: أليس في قوله×: «أفطر لرؤيته وصم لرؤيته» ردعٌ عن ذلك ودلالة على أنّ الصوم والفطر إنّما يجبان برؤية الهلال، ورؤية الهلال فيه مطلقة لم تقيّد بأيّ مقيّد، ففي أيّ بلد كانت الرؤية متحقّقة صدق صم «للرؤية» وأفطر «للرؤية»، ولذا ورد عنهم ـ عليهم السلام ـ عدّة صحاح.. دالّة على أنّه إذا رئي الهلال في مصر من الأمصار فاقضه، أي بالنسبة إلى يوم الشك أنّه من رمضان أو لا. وليس الملاك في الصوم والفطر هو حساب الحسّاب. وثالثاً: لو فرض تقرير الإمام× له، فهو تقرير لحساب الحسّاب الذي قد يصيب وقد يخطأ، ولا شكّ أنّه× بقوله: «افطر لرؤيته وصم لرؤيته» ردع عن «حساب الحسّاب» فإنّ الهلال لا يثبت بقول الحسّاب، وإنّما الملاك في ثبوته إنما هو الرؤية، وهي الموجبة للفطر أو الصوم لجميع المكلّفين، فلا يكون صومهم خلاف صومنا ولا فطرهم خلاف فطرنا» (الواضح في شرح العروة الوثقى (الحج) 1: 35).

ثانياً: إنّ «ظاهر الرواية أنّ السائل يسأل عن إمكان اختلاف الفرض على أهل الأمصار واقعاً وعدمه بحيث لو ثبت هناك ثبت هنا أيضاً وإن لم ير فيه الهلال، غاية الأمر جعل حساب المنجّمين وقولهم منشأ هذا السؤال؛ لعدم إمكان منشإ آخر للعلم بثبوت الهلال في بلد كتلك البلاد البعيدة وقتئذ في يوم الشكّ. فالسؤال بحسب الحقيقة عن حكم صومهم عند احتمال صحّة ما يقوله أهل الحساب بشأن تلك البلاد من حيث كفاية ذلك لهم وعدمها، فيكون جواب الإمام× بعدم الاعتبار بقول أهل الحساب وعدم الصوم مع الشكّ ظاهراً في أنّه مع العلم بذلك كان يجب الصوم. والقرينة على هذا الاستظهار ما ذكره السائل في صدر السؤال من «أنّه أشكل علينا هلال شهر رمضان» ممّا يعني أنّ قول أهل الحساب أوجب الإشكال عنده في حكمهم، كما أنّه لو كان المركوز في ذهنه عدم كفاية الثبوت والرؤية في تلك البلاد فأيّ فائدة عملية في حقّه في السؤال عن صحّة وجواز ما يقوله أهل الحساب بشأن الهلال في تلك البلاد؟ ولماذا ينهاه الإمام عن صوم يوم الشكّ في مقام الجواب؟ فالرواية ظاهرة في الاكتفاء لو ثبت رؤية الهلال في تلك البلاد وأنّ عدم الاعتداد بقول أهل الحساب من جهة عدم حصول العلم بقولهم» (الهاشمي، ثبوت الشهر برؤية الهلال في بلد آخر، مجلة فقه أهل البيت، العدد 31: 52 ـ 53).

وبهذا يتبيّن أنّه لم يقم دليلٌ معتبر على ما ذهب إليه الكثير من الفقهاء ـ ومنهم السيد السيستاني ـ في موضوع وحدة الأفق وتعدد الآفاق.

 

نقد معياريّة الغرب والشرق وخطّ الطول

ذكر العديد من الفقهاء أنّ الهلال إذا رئي في مكانٍ فإنّه يُرى إلى الغرب منه حتماً؛ لأنّ الهلال يزداد ولا يرجع أو ينقص، وإذا رئي في خطّ طولٍ ما فإنّه يرى في جميع البلدان التي تقع على خطّ الطول نفسه. قال السيد محسن الحكيم: «مع العلم بتساوي البلدين في الطول لا إشكال في حجيّة البينة على الرؤية في أحدهما لإثباتها في الآخر، وكذا لو رئي في البلاد الشرقيّة، فإنّه يثبت رؤيته في الغربيّة بطريق أولى..» (مستمسك العروة الوثقى 8: 470).

لكنّ هذا الكلام غير دقيق علميّاً؛ كما أفاده أيضاً السيد السيستاني؛ لأنّ المسألة ليست في العمر الزمني للهلال فقط، بل أيضاً في درجة ارتفاعه عن الأفق، فاختلاف خطوط العرض يؤثر هنا في تحديد إمكانيّة الرؤية وإن كانت ثنائيّة الغرب والشرق لها دورٌ في ازدياد حجم الهلال بازدياد عمره. والأمر عينه في أنّ البلدين الواقعين على خطّ طول واحد لا يلزم إذا رئي في أحدهما أن يُرى في الآخر، من هنا فالطريقة ليست حساب الشرق والغرب، ولا حساب خطّ الطول، بل إجراء الحسابات الفلكيّة الدقيقة المرتبطة بكلٍّ من: حجم الهلال، وارتفاعه عن الأفق عند الغروب، وبُعده الزاوي عن الشمس في كلا البلدين ونحو ذلك.

 

الرأي الراجح في موضوع وحدة الأفق وتعدّدها

وفقاً لمجمل ما تقدّم، فإنّ ما يترجّح بنظرنا هو القول بكفاية إمكان الرؤية في أيّ نقطة في العالم مع الاشتراك في جزءٍ من الليل. والمراد بالليل ـ كما قلنا سابقاً في مباحث الصلاة ـ الزمن الواقع بين لحظة الغروب والفجر دون شروق الشمس، وفاقاً للمشهور، والله العالم.