hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

المقالات

دروس تمهيديّة في الهرمنوطيقا وعيّنات حديثة من قراءة النصّ الإسلامي

تاريخ الاعداد: 4/28/2026 تاريخ النشر: 4/28/2026
240
التحميل


تقرير لمحاضرات الشيخ حيدر حبّ الله([1])

 

بقلم: الشيخ حسين جهجاه


 

مقدّمة المقرّر

تُعدّ مسألة فهم النصوص ـ وخاصةً الدينية ـ من أبرز الإشكاليّات المعرفية التي شغلت الفكر الإنساني قديماً وحديثاً، ولا سيّما مع تطوّر المناهج التأويليّة في الفكر الغربي ضمن ما يُعرف بعلم الهرمنوطيقا، الذي سعى ـ في جملةٍ من مسائله ـ إلى دراسة آليات الفهم وحدود التفسير والعلاقة بين النصّ والقارئ والسياق. كما شهدت الساحة الإسلاميّة انعكاسات لهذه المناهج في قراءة نصوصها، فبرز العديد من الشخصيات التي نظّرت وروّجت لها وسعت إلى تطبيقها.

وفي هذا الإطار، تأتي هذه المحاضرات التي ألقاها فضيلة الشيخ الدكتور حيدر حبّ الله، تحت عنوان "الهرمنوطيقا والنصّ الديني"، لتقدّم عرضاً تمهيدياً منهجياً لأهمّ المدارس الهرمنوطيقيّة الغربية، مع تعريفٍ بأبرز أعلامها، وبيانٍ لمبانيها الفكريّة، والفوارق الدقيقة بينها. فقد سعت هذه الدروس إلى رسم خريطة واضحة لتطوّر الفكر الهرمنوطيقي، مع التركيز على المحطات الأساسية التي شكّلت تحوّلاته الكبرى، بحيث يتمكّن القارئ من الإحاطة العامة بهذا الحقل المعرفي المركّب دون الوقوع في التعقيد أو الإغراق في التفاصيل الدقيقة. وكذلك لتتبّع ارتدادات هذه المناهج على الساحة الإسلامية ـ سنّياً وشيعياً ـ حيث تمّ رصد بعض النظريّات المعاصرة في فهم النصوص الدينية التي تأثّرت ـ بدرجات متفاوتة ـ بالتيارات الهرمنوطيقيّة الحديثة. ومن خلال ذلك، يفتح البحث نافذةً على التحوّلات التي شهدها علم الفقه وعلوم القرآن والتفسير، في ضوء التفاعل مع المناهج الغربيّة، سواء في سياق القبول أم النقد أم إعادة التوظيف.

هذا، وتمتاز هذه المحاضرات بجملةٍ من الخصائص المنهجيّة التي تجعلها ذات قيمة علمية وتمهيدية في آنٍ معاً؛ فهي تتسم بالوضوح والسلاسة والتدرّج المنطقي في عرض الأفكار، فضلاً عن اعتمادها على الأمثلة التوضيحيّة التي تقرّب المفاهيم المجرّدة إلى الذهن، وتُسهم في ترسيخ الفهم. كما أنّها تحافظ على التوازن بين الشرح والتحليل، بحيث توفّر للقارئ أرضية معرفية صلبة تمكّنه من متابعة الدراسات المتخصّصة في هذا المجال.

ومن هنا، جاءت فكرة إعداد هذا التقرير، حيث تمّ العمل على تفريغ المحاضرات وإعادة صياغتها في قالبٍ علميّ منسّق، يراعي وحدة الموضوع وتسلسل الأفكار، مع الحفاظ على المضامين الأصلية وروح الطرح التي تميّزت بها. فسعى هذا الجهد إلى تحويل المادة الشفهية إلى نصّ مكتوب يتسم بالتماسك والوضوح، ليكون في متناول الباحثين والمهتمين، ويُسهم في تقديم مدخلٍ منهجيّ ميسّر إلى عالم الهرمنوطيقا وانعكاساته على النصّ الديني.

    الفصل الأوّل

    علم الهرمنوطيقا: التاريخ، التعريف، المدارس

مقدمة

يُعدّ موضوع الهرمنوطيقا موضوعاً ذات صبغة خاصّة؛ إذ ترجع أكثر النظريّات المطروحة في علم الكلام الجديد ـ على مستوى مرجعيّاتها المعرفية ـ إلى هذا العلم. بل يمكن القول: إنّ تحليل بعض النظريات التي طُرحت في الفضاء الإسلامي، كنظرية القبض والبسط للدكتور عبد الكريم سروش، يكشف عن جذورها الهرمنوطيقيّة الغربية، وإن لم يُفصح صاحبها صراحةً عن هذه المرجعيّات المعرفيّة. وقد وُجّه اتهام مشابه أيضاً إلى الدكتور محمد عابد الجابري (2010م) من قِبل مجموعة من الباحثين، أبرزهم الدكتور جورج طرابيشي.

في ضوء ذلك، يمكن القول ـ من دون مبالغة ـ إنّ علم الهرمنوطيقا يُعدّ من العلوم بالغة الأهميّة بالنسبة إلى طالب الحوزة العلميّة، نظراً لشدّة ارتباطه بطبيعة العمل الحوزوي نفسه؛ إذ يرتبط جانب أساسي من هذا العمل بدراسة النصّ. فنحن نقضي أعمارنا العلميّة في علومٍ كالفِقه والتفسير وأصول الفقه والأخلاق، وهي علوم تتمحور في جوهرها حول النصوص المقدّسة، حيث نسعى إلى فهم مداليلها المطابقيّة والتضمنية والالتزامية، القريبة منها والبعيدة، بل يتجاوز بعض الباحثين ذلك إلى محاولة استكشاف بطون القرآن الكريم. وعليه، يتبيّن أنّ النصّ وفهمه وتحليله يحتلّان حيّزاً واسعاً من النشاط العلمي الحوزوي، ولا سيّما في صيغته الراهنة التي تقوم بنيتها المعرفية أساساً على الفقه والأصول، حتى أنّ بعضهم يعبّر عنها بـ"الحوزة الفقهيّة" بدلاً من "الحوزة العلميّة"؛ لكثرة ما يُهتم فيها بهذين العلمين.

ومن جهة أخرى، تمثّل الهرمنوطيقا ـ في بعض مدارسها ـ وجذورها التاريخيّة مشروعاً لفهم النص، لكن ضمن الإطار الغربي؛ إذ نشأت في بداياتها بوصفها محاولة لوضع مناهج وأساليب جديدة لفهم النص، كما سيتّضح لاحقاً.

وهنا تجدر الإشارة إلى ملاحظة منهجية مهمّة؛ فنحن في الدراسة الحوزويّة، حين نبدأ بتعلّم علم المنطق مثلاً، نتعرّف إليه بوصفه مجموعة القواعد الأوليّة والبديهيّة للتفكير العقلي، أي الأساس الذي يبني عليه العقل أنظمته المعرفية والفكرية. غير أنّنا ـ مع الأسف ـ لا نلتفت غالباً إلى أنّ هذا المنطق ليس سوى واحد من بين العديد من المناهج المنطقيّة المطروحة عالميّاً، بل هو واحد من ستة مناهج منطقيّة أساسية، وقد تعرّض عبر التاريخ ـ صواباً أو خطأً ـ إلى نقدٍ واسع وحملات فكرية عنيفة استمرّت قروناً طويلة. والأمر نفسه ينسحب على علم أصول الفقه؛ إذ نقضي زمناً طويلاً في دراسته وبناء نظرية فهم النصّ من خلاله، من دون الالتفات الكافي إلى أنّه يمثّل مدرسةً واحدة ضمن طيف واسع من المدارس والاتجاهات. والمقصود هنا ليس الحكم ببطلان هذه المناهج، بل التنبيه إلى ضرورة وعي الطالب الحوزوي بأنّ ما يدرسه لا يمثّل المنهج الوحيد في العالم، بل توجد إلى جانبه مقاربات ومدارس أخرى؛ فعلى سبيل المثال ليست بعض المباني الأصولية ـ كتقييد المطلقات المنفصلة أو اعتبار قرينة الحكمة ـ قضايا متّفقاً عليها بين جميع العقلاء، بل هي محلّ نقاش وتعدّد في الآراء؛ ولا نقصد هنا فحصها وتقويمها بالقدر الذي نسعى فيه إلى الإلفات إلى وجود مناهج أخرى مغايرة.

وبعد اتضاح أهميّة هذا البحث بالنسبة إلينا، سنسعى في البداية إلى تفكيك مصطلح الهرمنوطيقا وبيان مدارسه وتاريخه، ثم رصد مسار تطوّره في الفكر الغربي والتعريف بأبرز الشخصيات التي أسهمت في تأسيس نظرياته، لننتقل بعد ذلك إلى الساحة الإسلامية ودراسة المشهد فيها وحضور هذه المناهج وتأثيراتها فيها.

وعليه، ينتظم البحث في ثلاثة مباحث رئيسة:

1.       تفكيك المصطلح وما يرتبط به من مفاهيم؛

2.       دراسة تطوّر الهرمنوطيقا في الغرب وأبرز مدارسها وشخصياتها؛

3.       دراسة مسألة التأويل بصيغتها المعاصرة في الساحة الإسلامية من خلال أنموذجين تطبيقيين.

 

المبحث الأوّل: تفكيك المصطلح ودراسة ما يرتبط به

نسعى في هذا المبحث إلى معالجة مفهوم الهرمنوطيقا من خلال الوقوف على تعريفاتها المختلفة، وتتبع تطوّرها التاريخي عبر تحليل معناها اللغوي واستعمالاتها الاصطلاحيّة في الفكر الغربي. كما سنعمل على بيان أقسامها واتجاهاتها الرئيسة، بما يتيح تكوين صورةٍ إجماليّة واضحة عن هذا الحقل المعرفي.

1 ـ معنى الهرمنوطيقا

يصعب تقديم تعريف جامع ومانع لمفهوم الهرمنوطيقا؛ وذلك بسبب تعدّد الاتجاهات والمدارس التي تشكّلت ضمن هذا الحقل عبر التاريخ، حيث قدّم كلّ اتجاه تعريفاً خاصاً به، الأمر الذي يجعل جمعها ضمن تعريف واحد أمراً معقّداً. من هنا، سنكتفي بالإشارة إلى أبرز معانيها، وذلك بعد الوقوف على جذرها اللغوي وبدايات استعمالها التاريخي.

1 ـ 1 ـ الجذر اللغوي وبدايات الاستعمال

الهرمنوطيقا كلمة يونانيّة تعود في استعمالها إلى عصر أفلاطون، كما ورد ذكرها عند أرسطو في كتابه الأرغانون ضمن أبحاثه المنطقيّة المتعلّقة بأقسام القضايا وبنيتها. وقد استمرّ استعمال هذه الكلمة خلال فترات طويلة دون أن تتحوّل إلى علمٍ مستقل، بل بقيت مجرّد مصطلح متداول في سياقات منطقيّة ومعرفية متفرّقة. ظلّ الوضع على حاله حتى بدايات عصر النهضة الأوروبيّة، ولا سيّما خلال القرنين السادس والسابع عشر الميلاديّين، حيث بدأت الهرمنوطيقا تتحوّل تدريجيّاً من مجرّد استعمال لغوي إلى علم قائم بذاته، ثم إلى نظريّة متكاملة ومشروع معرفي مستقل.

وفيما يرتبط بأصل الاشتقاق، يُذكر أنّ الكلمة قد تكون مأخوذة من اسم "هرمس"، وهو الإله اليوناني الذي كان يُنظر إليه بوصفه الناطق الرسمي باسم الآلهة عندهم. فقد كان اليونانيون يعتقدون بتعدّد الآلهة، وكان هرمس يمثّل الوسيط اللغوي بينها وبين البشر، بل نُسب إليه تأسيس اللغة والخطّ، لكونه الإله الوحيد الذي يتكلّم وينقل رسائل الآلهة ويُمثّل لسانهم. من هنا قيل: إنّ مصطلح الهرمنوطيقا مشتقّ من اسمه، لارتباطه بالكلام واللغة والنصّ ونقل المعنى، غير أنّ بعض الباحثين ناقش هذا الرأي وعدّه مجرّد فرضية لا تقوم على دليل حاسم.

1 ـ 2 ـ بداية تشكّل الهرمنوطيقا بوصفها علماً

يصطلح الباحثون على فترة ما قبل القرن السابع عشر الميلادي بحقبة ما قبل تاريخ الهرمنوطيقا، بحيث لو أردنا دراسة هذا العلم تاريخياً لَزِمَنا الشروع من بداية هذا القرن أو قبله بقليل؛ لأنّه تَشَكّلَ كنظريات في هذه الفترة بالتحديد وإن كان موجوداً كمماراسات متفرّقة قبل هذا التاريخ.

ولإيضاح المسألة، لا بدّ من الالتفات إلى أمر مهم، وهو أنّ كثيراً من النظريّات لا تبدأ بوصفها نظريّات مكتملة دفعةً واحدة، بل تظهر أوّلاً في صورة ممارسات عمليّة، ثم تتحوّل لاحقاً إلى بناءٍ نظري مفهومي. فربما مارس بعض علماء الحوزة ـ كالشيخ الطوسي أو السيد المرتضى ـ أنماطاً من التفكير أو الفهم تُصنَّف اليوم ضمن نظريّات محدّدة، إلا أنّها في زمانهم لم تكن قد صيغت في إطار نظري واعٍ، بل كانت مجرّد ممارسة عملية.

ولهذا يُطرح في الدراسات الإنسانية سؤال أساس: مَن هو مؤسّس النظرية؟ هل هو الذي مارسها عملياً، أو الذي حوّل تلك الممارسة إلى منظومة مفاهيمية واعية؟

ولتقريب الفكرة، يمكن القول: إنّ جميع البشر يعتمدون في تواصلهم على الظهورات اللفظيّة بطريقة عفويّة، لكنّ ذلك لا يعني أنّ "نظريّة الظهور" كانت موجودة منذ وجود الإنسان؛ لأنّها لم تتحوّل إلى نظريّة إلا عندما جرى تأصيلها وصياغتها مفاهيمياً. وعليه، فإنّ صاحب النظرية هو من يحوّل الممارسة إلى بناء نظري، لا من يكتفي بممارستها.

أمّا فيما يخصّ الهرمنوطيقا، فتشير الدراسات إلى أنّه لم يكن لها وجود بوصفها علماً مستقلاً قبل القرنين السادس والسابع عشر الميلاديين، بل كانت حاضرة فقط في شكل ممارسات تفسيريّة لفهم النصوص. ولهذا تُسمّى تلك المرحلة بـ"فترة ما قبل تاريخ الهرمنوطيقا"؛ إذ مارس العلماء ـ ولا سيّما اللاهوتيون المسيحيون ـ أنماطاً من الفهم والتفسير والتأويل عند تعاملهم مع نصوص الإنجيل، وهي ممارسات يمكن وصفها بالفعل الهرمنوطيقي، غير أنّها لم تكن قد تبلورت بعد في صورة علم مستقل أو نظرية قائمة بذاتها، وهو ما لم يتحقّق إلا مع عصر النهضة الأوروبيّة.

ثم جاءت المحاولة الأولى في هذين القرنين لتبلور الهرمنوطيقا بوصفها مشروعاً معرفيّاً ناشئاً، حيث بدأت تظهر أفكار متفرّقة في هذا الاتجاه. فقد أخذ اللاهوتيون المسيحيون ـ أثناء اشتغالهم بتفسير الكتاب المقدّس ومحاولة فهمه ـ يطرحون تساؤلات حول ضرورة تدوين منهج منظَّم لتفسير النصّ الإنجيلي ويدعون بشكلٍ صريح لذلك، على نحوٍ يشبه ما قام به علماء أصول الفقه في التراث الإسلامي. ففي المرحلة الأولى، كان تفسير الإنجيل يتمّ بطريقة تلقائية وعفويّة، قائمة على الممارسة المباشرة، دون إطارٍ نظري واضح. غير أنّ الحاجة بدأت تبرز تدريجياً إلى وضع قواعد منهجية تضبط عملية الفهم والتفسير، ومع بدايات عصر النهضة انطلقت بالفعل حركة تنظير في هذا المجال. فشُرع في تأليف رسائل وكتب أولية وبسيطة تبحث في كيفيّة التعامل مع النصّ الإنجيلي وآليات فهمه.

ولم تقتصر هذه المحاولة على علماء الدين فحسب، بل شارك فيها أيضاً الأدباء، فكتبوا حول مناهج قراءة النصوص الأدبية، كما أسهم علماء القانون في البحث عن طرق فهم النصّ الحقوقي وتفسيره. وبهذا تشكّلت داخل العلوم الإنسانية ـ ولا سيّما العلوم التي تتمحور حول النص ـ حركة يمكن وصفها بالحركة الهرمنوطيقيّة، أي الدعوة إلى تأسيس منهج عام لتفسير النصوص بمختلف أنواعها: الدينية، والأدبية، والقانونيّة.

وعليه، يمكن القول: إنّ الهرمنوطيقا وُلدت في الغرب ضمن هذا السياق، ثم بدأت مسيرة تطوّرها التدريجي بوصفها علماً مستقلاً.

ويُعدّ دان هاور (1654م) من أوائل الذين دعوا صراحةً إلى تدوين علم من هذا النوع؛ إذ طرح بشكلٍ واضح ضرورة وضع منهج علمي لدراسة النصوص المقدّسة وفهمها، وأطلق على هذا المشروع اسم "الهرمنوطيقا". ومنذ ذلك الحين توالت الدعوات والجهود التي أسهمت في ترسيخ هذا العلم وتوسيع مجالاته.

2 ـ تعاريف الهرمنوطيقا

يمكن القول ـ بنحوٍ إجمالي ـ إنّ الهرمنوطيقا تُعرَّف غالباً بأنّها "علم التفسير"، غير أنّ هذا التعريف يثير بدوره سؤالاً أساسياً: ما المقصود بعلم التفسير هنا؟ وهل هو المعنى نفسه الذي نفهمه في إطار علم تفسير القرآن الكريم في التراث الإسلامي، أو أنّه يختلف عنه جزئياً، أو أنّنا أمام مفهوم مغاير تماماً؟

قبل الإجابة عن ذلك، ينبغي التذكير مرّة أخرى بصعوبة صياغة تعريف جامع لعلم الهرمنوطيقا، وذلك بسبب التحوّلات التي طرأت على موضوعه ووظيفته عبر المراحل التاريخيّة المختلفة، كما سيتّضح لاحقاً. ولهذا تكتسب أهمية خاصّة الملاحظةُ التي أشار إليها ريتشارد بالمر، أحد أبرز الباحثين المعاصرين في هذا المجال، وصاحب كتاب علم الهرمنوطيقا، والذي يُعدّ من أهم الدراسات الغربية في بحث مفهوم هذا العلم وتعريفه، حيث صرّح بالمر في مقدّمة كتابه بأنّ مفهوم الهرمنوطيقا ما يزال مفهوماً غير واضح المعالم حتى في الأوساط الأكاديميّة، بحيث إنّ طلاب الجامعات والدارسين قد يسمعون المصطلح من دون أن تتكوّن لديهم صورة دقيقة عن معناه. ومن هنا أفرد فصلاً كاملاً في بداية كتابه لبحث تعريف الهرمنوطيقا، رغم أنّ هدف الكتاب الأساس لم يكن تعريف هذا العلم، بل دراسة نظريّات أربعة من كبار مفكّري الهرمنوطيقا في الغرب. غير أنّ غموض المفهوم اضطره إلى معالجة مسألة التعريف بصورة مستقلّة.

وقد رصد بالمر ستة تعاريف أساسية للهرمنوطيقا، يتبيّن من خلالها أنّ هذا العلم لا يمتلك حدوداً ثابتة أو تعريفاً منغلقاً عند نقطة معيّنة؛ فمع أنّه يُوصَف عادةً بأنّه علم تفسير النصّ أو علم فهم النصوص، إلا أنّه لم يبقَ محصوراً في هذا الإطار، بل اتّسع مجاله تدريجياً، ولا سيّما مع ظهور الهرمنوطيقا الفلسفيّة في القرن العشرين، حيث تجاوزت الهرمنوطيقا نطاق تفسير النصوص إلى آفاق معرفيّة أوسع تتعلّق بفهم الإنسان والوجود.

وعليه، يبقى الالتباس قائماً على مستوى التعريف، وإن كان المتداول في الترجمات العربية ـ كما في المقالات والدراسات الثقافية ـ ترجمة المصطلح بأحد معنيين "علم تأويل النص" أو "علم تفسير النص"، أي أنّه غالباً ما يتمّ التركيز على النص، لكنّه تاريخياً لم يكن كذلك.

وسنعرض فيما يأتي التعاريف الستّة التي ذكرها ريتشارد بالمر، مع إضافة تعريفين آخرين، بهدف تتبّع مسار تطوّر مفهوم الهرمنوطيقا وكيفية تحوّله عبر مراحله التاريخية المتتالية:

2 ـ 1 ـ التعريفات الأولى لعلم الهرمنوطيقا

يُعدّ أقدم تعريف طُرح لعلم الهرمنوطيقا هو القول بأنّه: العلم المعنيّ بتفسير الكتاب المقدّس فقط. وبمقتضى هذا التعريف، ينحصر مجال هذا العلم في تفسير النصّ الديني المسيحي، ولا يمتدّ إلى تفسير القصائد الشعريّة والمقطوعات الأدبية أو اللوحات الفنيّة، بل يظلّ مرتبطاً حصراً بالكتاب المقدّس.

ويكشف هذا التحديد الضيّق عن الخلفيّة التاريخية لنشأة الهرمنوطيقا؛ إذ وُلد هذا العلم في أحضان الكنيسة، ولا سيّما ضمن السياق البروتستانتي والإصلاح الديني في الغرب، الذي أولى عناية خاصة لمسألة فهم النصّ المقدّس وتفسيره. غير أنّ هذا التعريف لم يعد معتمداً في الدراسات المعاصرة، بعد أن شهدت الهرمنوطيقا توسّعاً ملحوظاً.

ومن اللافت أنّ هذا التعريف يجد ما يشابهه في التراث التفسيري الإسلامي، ولا سيّما في المقدمات التي عقدها علماء التفسير لبيان أصول فهم القرآن الكريم؛ كما نلاحظ ذلك في مقدّمة مجمع البيان للطبرسي (548 هـ)، وكذلك في كتاب البيان للسيد الخوئي (1413 هـ)، حيث جرى البحث في القواعد الممهّدة لفهم النصّ القرآني قبل الشروع في تفسيره.

 

2 ـ 2 ـ تعريف جان مارتن كلادينيوس واتساع مفهوم الهرمنوطيقا

مع القرن الثامن عشر، ظهر تعريف أكثر تطوّراً قدّمه جان مارتن كلادينيوس سنة 1759م، حيث عرّف الهرمنوطيقا بأنّها: «فنّ فهم الكلام المقول والمكتوب ـ ولا سيّما الغامض والمبهم منه ـ فهماً تامّاً كاملاً، اعتماداً على قواعد خاصّة تشبه قواعد المنطق».

ويُلاحظ في هذا التعريف تحوّل مهم؛ إذ لم يعد الحديث عن الكلام المقدّس، بل عن الكلام المقول والمكتوب، فهو فنّ يسعى لفهم أيّ كلام مطلقاً. وهذا يكشف عن اتّساع دائرة الهرمنوطيقا، بعد أن كانت منحصرة في النصوص الدينية المكتوبة، لتصبح علماً يُعنى بفهم كلّ خطاب إنساني أيضاً، سواء أكان أدبياً أم قانونياً أم فكرياً.

ومن هذه الجهة، شبّه كلادينيوس الهرمنوطيقا بعلم المنطق؛ فكما نضع في المنطق قواعد عامّة للتفكير الصحيح ثم نطبّقها في الفلسفة وسائر العلوم العقلية، كذلك تقدّم الهرمنوطيقا مجموعة قواعد للفهم، تُكتسب أولاً بوصفها أصولاً نظرية، ثم تُطبّق لاحقاً على مختلف النصوص والخطابات.

ومع ذلك، ورغم هذا الاتساع، يبقى تعريف كلادينيوس محدوداً من زاوية أخرى؛ إذ حصر الحاجة إلى الهرمنوطيقا في النصوص الغامضة والمبهمة فقط. فبحسب هذا التصوّر، لا يُلجأ إلى هذا العلم إلا عندما يلتبس معنى النصّ أو يتعقّد فهمه، أمّا النصوص الصريحة ذات الدلالة الواضحة فلا تحتاج إليه. ولتقريب الفكرة يمكن التمثيل بالآية 102 من سورة البقرة:﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ..﴾، حيث أشار العلامة الطباطبائي إلى أنّ الاحتمالات التفسيرية المرتبطة بهذه الآية تتجاوز الألف احتمال، بسبب التعقيد الكبير في مرجع الضمائر. وفي مثل هذا المورد تبرز الحاجة إلى أدوات هرمنوطيقيّة تساعد على ضبط الفهم وترجيح المعنى. أمّا في نصّ واضح كقوله تعالى:﴿أقيموا الصلاة﴾، فلا تظهر الحاجة إلى مثل هذه الآليات؛ لأنّ الدلالة بيّنة لا يكتنفها غموض.

وهذا المعنى يذكّر بما ذكره بعض علماء التفسير المسلمين في تعريف التفسير نفسه، حين اعتبروه كشف القناع؛ إذ إنّ اللفظ الظاهر لا قناع عليه أساساً، فلا يحتاج إلى تفسير، بل إلى شرح أو بيان فحسب. وعليه، فإنّ قول المفسّر: إنّ معنى ﴿أقيموا الصلاة﴾ هو وجوب إقامتها وأدائها لا يُعدّ تفسيراً بالمعنى الدقيق، لأنّ المعنى واضح، وإنما التفسير الحقيقي هو تجلية ما استبهم وخفي من الدلالة.

2 ـ 3 ـ تعريف فريدريك أوغست وولف واتّساع مفهوم العلامة

مع تعريف فريدريك أوغست وولف (1824م) شهد علم الهرمنوطيقا توسّعاً جديداً وأكثر عمقاً، حيث عرّفه بأنّه: «العلم بالقواعد التي تساعدنا على معرفة معنى العلائم»، أي كلّ علامة دالّة على معنى ما.

بهذا التعريف لم يعد مجال الهرمنوطيقا مقتصراً على النصوص اللغويّة، بل اتّسع ليشمل كلّ نظام دلالي قائم على العلامة؛ فاللوحة الفنية تُعدّ علامة تشير إلى مراد الفنان، والإشارات التي يصدرها الإنسان من مكان بعيد تدخل ضمن منظومة العلامات، بل حتى لغة الجسد نفسها تصبح موضوعاً قابلاً للفهم والتفسير ضمن الإطار الهرمنوطيقي.

لكن رغم هذا الاتساع الملحوظ، يبقى دور الهرمنوطيقا ـ بحسب هذا التعريف ـ منحصراً في عملية التفسير فحسب، دون أن يتجاوز ذلك إلى المباحث الأعمق التي ستظهر لاحقاً في تطوّر هذا العلم.

فالغاية هنا ـ كما يذكر وولف ـ تتمثّل أولاً في فهم اللغة وبنيتها وتركيباتها ومداليلها، ثم الانتقال ثانياً إلى فهم المحيط التاريخي للمتكلّم. وتُعدّ هذه النقطة الأخيرة منعطفاً أساسياً في تاريخ الفكر التأويلي؛ إذ نلاحظ أنّ الفكر الغربي ـ منذ القرن الثامن عشر تقريباً ـ بدأ يلتفت إلى فكرة ستبقى مركزيّة إلى يومنا هذا، وهي أنّ فهم الكلام متوقّف على فهم تاريخ قائله وظروفه، فلا يمكن إدراك معنى الجملة بمعزل عن البيئة التاريخية التي صدرت فيها.

ولتقريب هذه الفكرة يمكن الاستعانة بمثال أصولي معروف؛ فقد بحث علماء أصول الفقه في كيفية الجمع بين روايتين من قبيل: «ثمن العذرة سحت»، ورواية أخرى تقول: «لا بأس ببيع العذرة». وهنا ينصرف اهتمام الفقيه غالباً إلى تحليل الألفاظ نفسها: ما معنى "السحت"؟ وما دلالة "لا بأس"؟ حتى أنّ المحقّق النراقي أفرد في كتاب "عوائد الأيام" رسالة مستقلّة بعنوان "رسالة في معنى لا بأس"، كما وقع البحث في تعبيرات من قبيل "لا ينبغي"، حيث ذهب السيد الخوئي إلى دلالتها على الحرمة، بينما حملها كثيرون على الكراهة؛ إلى غير ذلك.

غير أنّ الملاحَظ أنّ الفقيه ـ في الغالب ـ لا يلتفت إلى احتمالٍ آخر، وهو أنّ اختلاف الروايات قد يرجع إلى اختلاف الظروف التاريخيّة والسياقات الواقعية التي صدرت فيها. فلعلّ الرواية الأولى جاءت جواباً عن سؤال خاص لم يصل إلينا، بينما صدرت الثانية في سياق مغاير، أو أنّ الحكم تغيّر تبعاً لتبدّل الظروف الاجتماعية والاقتصادية؛ كأن يكون الفعل موجباً للضرر في مرحلة معيّنة فصدر المنع، ثم أصبح ذا منفعة عقلائية مقصودة في ظرف لاحق فصدر الترخيص.

ومن هذا الباب ما أشار إليه الشيخ المطهري، من أنّ الروايات الدالّة على استحباب زيارة الإمام الحسين× صدرت في الأوضاع الاعتياديّة، بينما الروايات التي تفيد الوجوب ارتبطت بمرحلة حكم المتوكّل العباسي، حيث كان المراد من حظر زيارة الحسين آنذاك إلغاء ذكره×، فصدر الحكم بوجوبها؛ لأنّها مثّلت في ذلك الظرف العصيب موقفاً خاصاً.

وخلاصة الفكرة: إنّ هذا الوعي التاريخي لم يكن حاضراً بصورة منهجية في الدراسات التراثية لدينا إلا نادراً، في حين تنبّه الفكر الغربي منذ القرن الثامن عشر إلى أنّ فهم كلام المتكلّم يقتضي الدخول في عالمه الحياتي وفهم ظروفه الاجتماعية والسياسية والثقافية. ولهذا نلاحظ في الدراسات الجامعيّة المعاصرة أنّ الباحث، حين يتناول شخصية فكرية معيّنة، يبدأ عادة بدراسة حياتها وسياقها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بل وحتى الظروف العسكرية لعصرها، قبل الانتقال إلى تحليل أفكارها ونظرياتها؛ لأنّ فهم الفكر يمرّ بالضرورة عبر فهم صاحبه وزمانه.

2 ـ 4 ـ شلايرماخر ومشكلة سوء الفهم بوصفها أساس الهرمنوطيقا

ظهر مع فريدريك شلايرماخر (1834م) ـ وانطلاقاً من هذه الفكرة التي مهّدها وولف ـ التحوّل الأعمق في مسار الهرمنوطيقا وذلك حينما عرّفها بأنّها: «مجموعة قواعد منظَّمة وممنهجة تهدف إلى رفع مشكلة سوء فهم النصّ».

ويمثّل تعبير سوء الفهم هنا إضافة مفهوميّة جديدة في تاريخ هذا العلم؛ إذ انطلق شلايرماخر من فرضية مفادها أنّ كلّ عمليّة تفسير معرّضة بطبيعتها للخطأ. فلو قُدّم أيّ نص ـ مهما كان بسيطاً أو واضحاً ـ لأيّ إنسان ـ عادياً أو عالماً ـ فإنّ احتمال إساءة فهمه يبقى قائماً دائماً.

ومن ثمّ، تصبح عملية التفسير محفوفة بالمخاطرة، لا بسبب تقصير المفسّر فحسب، بل نتيجة طبيعة العلاقة التكوينية بين الذهن البشري والنصّ المكتوب؛ إذ إنّ هذه العلاقة تظلّ قابلة للانحراف وسوء الفهم على نحو دائم. وعلى هذا الأساس رأى شلايرماخر أنّ الحاجة إلى الهرمنوطيقا تنشأ من ضرورة تفادي سوء الفهم، سواء أكان متعمّداً أم غير متعمّد.

وبعبارة موجزة: الأصل الأوّلي في تفسير النصوص هو إمكان الخطأ، والهرمنوطيقا إنّما تُؤسَّس بوصفها علماً يهدف إلى الحدّ من هذا الخطأ وضبط عملية الفهم.

وهذه الرؤية قريبة إلى حدٍّ كبير من موقع علم المنطق في التراث الإسلامي؛ إذ عُرّف المنطق بأنّه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في التفكير؛ فكما نظروا إلى علم المنطق بوصفه علماً مصحّحاً لعملية التفكير، كذلك نظر شلايرماخر إلى الهرمنوطيقا بوصفها الأداة الحامية لعمليّة التفسير من الوقوع في الخطأ كأصل أوّلي لأيّ عملية تفسير، الأمر الذي يكشف عن نوعٍ من التحفّظ أو سوء الظنّ المنهجي المسبق تجاه عملية الفهم نفسها، وهو موقف نابع من رؤيته النظرية لطبيعة التفسير.

2 ـ 5 ـ دلتاي وتحويل الهرمنوطيقا إلى منهج للعلوم الإنسانيّة

شهدت الهرمنوطيقا مع دلتاي تحوّلاً جذرياً، حيث عرّفها بأنّها: «العلم المتكفّل بتقديم منهج معرفي للعلوم الإنسانيّة». ويلاحظ هنا تغيّرٌ نوعي في بنية التعريف؛ إذ اختفت مفردتا "النص" و"التفسير" تماماً، ما يدلّ على انتقال الهرمنوطيقا إلى أفق جديد مختلف عن مراحلها السابقة.

فدلتاي كان يرى أنّ العلوم الإنسانية تعاني نوعاً من الشعور بالنقص ـ لو صحّ التعبير ـ أمام العلوم الطبيعية والرياضية؛ فالرياضيات والفيزياء والهندسة تقوم على قوانين دقيقة ومناهج صارمة، بينما تبدو العلوم الإنسانية ـ كعلم الاجتماع أو علم النفس أو الدراسات اللغويّة ـ ساحةً تتعدّد فيها النظريات بتعدّد أصحابها، دون معيار منهجي حاسم يفصل بينها.

وهذه الحالة تشبه ـ إلى حدّ ما ـ ما أشار إليه السيد محمد باقر الصدر في بحث الظهورات الشخصيّة؛ إذ يعتمد المفسّر أحياناً على ما يراه ظهوراً شخصياً للنص، فيقول أحدهم: ظاهر العبارة كذا، بينما يرى آخر خلاف ذلك. ومن هنا تنشأ الحاجة ـ بهدف وضع معايير مائزة ـ إلى مطالبة مدّعي الظهور بإقامة برهان عقلي أو غيره على الظهورات أو لا أقلّ تقديم منبّهات وجدانية تجعل الآخر يلتفت إلى وجه الفهم ويقتنع به، بما يخرج عملية التفسير من الطابع الاستنسابي والذوقي إلى الطابع المنهجي.

وهذا هو الهدف الذي سعى إليه دلتاي؛ فقد أراد تجاوز حالة الفوضى المنهجيّة في العلوم الإنسانية، والسير بها ـ ولو بدرجة ما ـ نحو مستوى من الانضباط يقارب ما تتمتّع به العلوم التجريبية والرياضيّة. ولم يكن مقصوده تحويلها إلى علوم طبيعية بالمعنى الكامل، بل إيجاد قانون ومنهج معرفي خاص يمنحها قدراً من النظام والموضوعية ويُعطي ضماناً لسلامة الاستنتاجات في العلوم الإنسانيّة.

وعلى هذا الأساس، اعتبر دلتاي أنّ علم الهرمنوطيقا هو علم منهج العلوم الإنسانية بأسرها. وبهذا التحوّل خرج من الإطار التقليدي القائم على النصّ والتأويل، لندخل مرحلة جديدة تمثّل مدرسة مستقلّة في فهم المعرفة الإنسانية نفسها ومنفصلة تمام الانفصال عن المدرسة السائدة اليوم، التي تتناول تفسير النصّ وتأويله وتاريخانيته وأمثال ذلك. ومن هذه المرحلة فصاعداً ستكون مسألة التأويل بصورتها التقليدية وراء ظهورنا وندخل بفضاء آخر للهرمنوطيقا.

2 ـ 6 ـ بادنير وتحويل الهرمنوطيقا إلى تعلّم الفهم

يمثّل تعريف بادنير للهرمنوطيقا بوصفها "تعلّم الفهم" مرحلة جديدة في تطوّر هذا العلم، بل يمكن اعتباره تحوّلاً أساسياً في زاوية النظر إليه، فبعد أن كان البحث موجّهاً إلى النصوص أو إلى قواعد تفسيرها، أصبح الاهتمام منصبّاً على الفهم نفسه بوصفه ظاهرة معرفيّة.

وبعبارة أخرى، لم يعد السؤال: كيف نفسّر النص؟ بل أصبح: كيف يفهم العقل أساساً؟ أي ما الآلية التي يعمل بها الذهن الإنساني عند إدراك المعاني والفهم، بغضّ النظر عن طبيعة الموضوع المفهوم، سواء أكان نصّاً، أم تفسيراً، أم خطاباً، أم أيّ معطى معرفي آخر.

2 ـ 7 ـ بول ريكور وتحليل فعل الفهم

في السياق نفسه، عرّف بول ريكور الهرمنوطيقا بأنّها: «علم عمل الفهم في علاقته بتفسير النصّ».

والمراد بذلك دراسة الكيفية التي يتحرّك بها العقل وعمليّة الفهم في تفسير النصوص؛ أي تحليل العملية الذهنية التي ينتج عنها الفهم. فالاهتمام لم يعد منصبّاً على النصّ وحده، بل على التفاعل القائم بين القارئ والنص.

ولتقريب الفكرة يمكن الإشارة إلى ما طُرح في نظرية القبض والبسط، حيث قيل: إنّ العقل لا يواجه النصّ بوصفه صفحةً خالية، بل يدخل إلى عمليّة الفهم وهو يحمل مخزوناً معرفياً سابقاً وخبراتٍ متراكمة، يستعين بها في تفسير النصّ وإنتاج معناه؛ وكأنّ العقل يحمل هذه المخزونات السابقة ويضعها على عينيه ثم يقرأ النصّ من خلالها. فهذه الفكرة هي بمثابة دراسةٍ لكيفية تحقق عملية فهم النص، بحيث تفرض نفسك بعيداً عن العقل البشري ثم ترصده لتراه كيف يفسّر نصاً وما الذي يفعله أثناء التفسير.

2 ـ 8 ـ تعريف ريتشارد بالمر والاتجاه الفلسفي للهرمنوطيقا

أمّا ريتشارد بالمر نفسه فقد اقترح تعريفاً أوسع، حيث اعتبر الهرمنوطيقا المعاصرة «حركة التأمّل الفلسفي الألماني والفرنسي في كشف حقيقة الفهم».

ويشير هذا التعريف إلى مسار فكري متكامل بدأ مع شلايرماخر ودلتاي، وتطوّر لاحقاً لدى غادامير وريكور، حيث تحوّلت الهرمنوطيقا إلى مشروع فلسفي يبحث في ماهية الفهم ذاته وكيفيّة تحققه. ولهذا اكتسبت طابعاً معقّداً ومتشابكاً، نظراً لارتباطها الوثيق بالعديد من العلوم، كالفلسفة، ومباحث نظريّة المعرفة، بل وعلم النفس أيضاً. لذا فعلم الهرمنوطيقا أضحى علماً متشابكاً مع العديد من العلوم ولم يبقَ علماً منضبطاً بعلمٍ محدد كما في التعاريف السابقة؛ كتعريف دلتاي مثلاً، الذي حدّده بالمنهج المعرفي للعلوم الإنسانيّة.

خلاصة الاتجاهات في تعريف الهرمنوطيقا

ومن خلال استعراض هذه التعاريف المتعاقبة، يتّضح أنّ الهرمنوطيقا مرّت بثلاثة اتجاهات رئيسة:

1.       الاتجاه التفسيري: حيث كانت الهرمنوطيقا علماً لتفسير النصوص وضبط فهمها.

2.       الاتجاه المعرفي: الذي نظر إليها بوصفها منهجاً معرفياً للعلوم الإنسانية يهدف إلى تنظيمها وإخراجها من الطابع الاستنسابي.

3.       الاتجاه الفلسفي: الذي تجاوز النصّ والتفسير معاً، واتجه إلى تحليل الفهم ذاته من حيث كيفيّة تحقّقه وشروط إمكانه.

وبناءً على اختلاف هذه التيارات، تبيّن أنّ موضوع الهرمنوطيقا يدور ـ تارةً ـ حول النصّ، وأخرى حول الفهم نفسه.

3 ـ أقسام الهرمنوطيقا

بعد اتّضاح المسار التاريخي لتعريفات الهرمنوطيقا وتحوّلاتها المفهوميّة، يمكن تقسيم هذا العلم أيضاً إلى ثلاثة أقسام رئيسة:

3 ـ 1 ـ الهرمنوطيقا الخاصّة

يُقصد بالهرمنوطيقا الخاصّة ذلك الاتجاه الذي يُعنى بتفسير النصّ المكتوب أو المقول، وهو الاتجاه الذي تبنّاه شلايرماخر وعدد من روّاد هذا العلم.

ويقوم هذا التصوّر على فكرة أساسيّة مفادها أنّ كلّ نص يمتلك طبيعته الخاصّة، ومن ثمّ يحتاج إلى قواعد تفسيريّة تناسب تلك الطبيعة، فلا توجد ـ بحسب هذا الاتجاه ـ قواعد عامّة تصلح لفهم جميع النصوص على نحوٍ واحد، فالنصّ الأدبي، مثلاً، تحكمه قواعد تختلف عن النصّ التاريخي، كما يختلف كلاهما عن النصّ الديني أو القانوني؛ ولذلك يتّجه البحث هنا إلى دراسة قواعد فهم كلّ نوع من النصوص بصورة مستقلّة؛ فتُبحث مناهج فهم النصّ الأدبي على حدة، وقواعد فهم النصّ الديني على حدة، وهكذا في النصوص التاريخيّة والحقوقيّة.

وبناءً على ذلك، فإنّ التمكّن من قواعد فهم نوعٍ معيّن من النصوص لا يستلزم القدرة على فهم نوعٍ آخر؛ فالإلمام بقواعد تحليل النصّ الأدبي ـ مثلاً ـ لا يمنح بالضرورة أهلية تفسير النصّ الديني، ومن هذا المنطلق فُتح باب واسع للنقاش حول طبيعة اللغة الدينيّة، ومنها لغة القرآن الكريم: هل هي لغة تمثيليّة؟ رمزية؟ تقريريّة؟ قانونية أو توجيهيّة؟ وما هو المنهج المناسب لفهمها في ضوء خصوصيتها النصّية؟

3 ـ 2 ـ الهرمنوطيقا العامّة

وعلى خلاف الاتجاه السابق، ترى الهرمنوطيقا العامة إمكان الوصول إلى مجموعة قواعد كلّية مشتركة يمكن تطبيقها على مختلف النصوص، بصرف النظر عن نوعها أو مجالها.

وبحسب هذا التصوّر، توجد مبادئ عامّة تحكم عمليّة الفهم ذاتها، بحيث يمكن اعتمادها في تفسير النصّ الأدبي والتاريخي والديني والقانوني على السواء، من هنا يصبح الهدف هو اكتشاف القواعد المشتركة التي تنتظم عملية الفهم الإنساني للنصوص بوصفها ظاهرة واحدة، لا ظواهر متفرّقة.

3 ـ 3 ـ الهرمنوطيقا الفلسفيّة

أمّا الهرمنوطيقا الفلسفية فتمثّل المرحلة الأحدث والأعمق، إذ لم يعد اهتمامها منصبّاً على النصّ أساساً، بل على الفهم نفسه. فهي لا تبحث في كيفيّة تفسير النصوص، وإنّما في تحليل الفهم تحليلاً فلسفياً ومعرفياً شاملاً، من حيث شروط تحقّقه وبنيته وآلياته.

إذن، يتبيّن من مجموع ما تقدّم أنّ علم الهرمنوطيقا شهد خلال ما يقارب ثلاثة قرون تطوّراً لافتاً، انتقل فيه من كونه علماً محدوداً بتفسير الكتاب المقدّس، إلى نظرية عامّة في الفهم، ثم إلى مشروع فلسفي يبحث في ماهية الفهم الإنساني ذاته. وقد رافق هذا التطوّر إنتاج علمي واسع وظهور عدد كبير من الدراسات والمؤلّفات.

وتبرز أهمية هذا العلم بالنسبة إلى الدراسات الإسلاميّة بوجه خاص؛ إذ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلم التفسير، ومناهج المفسّرين، بل وبعلم أصول الفقه أيضاً، من حيث اشتراك الجميع في البحث عن قواعد وضوابط فهم النصّ.

المبحث الثاني: التمييز بين الهرمنوطيقا وبعض العلوم القريبة منها

بعد تبيّن معالم علم الهرمنوطيقا واتجاهاتها، تبرز الحاجة إلى التمييز بينها وبين عدد من العلوم المجاورة التي قد يقع الخلط بينها، نظراً لاشتراكها جميعاً في البحث عن المعنى وآليات فهم النصوص وتفكيكها. وهي علوم يكثر استخدامها في الكتب المعنيّة بتأويل النصوص اليوم، كما في بعض كتابات الدكتور حسن حنفي أو الدكتور محمد أركون.

1 ـ بين الهرمنوطيقا وعلم السيميوطيقا (السيميا)

يُعرف علم السيميوطيقا ـ أو ما يُترجم أحياناً بعلم السيميا ـ بأنّه علم العلامات والدلالات، ولا ينبغي الخلط بينه وبين علم السيمياء القديم الذي أشار إليه ابن خلدون في المقدّمة، والذي كان مرتبطاً بأنواع من السحر والشعوذة.

ويُترجم هذا العلم في العربية غالباً بتعبيرين: علم معاني الألفاظ أو علم الدلالة العامة، غير أنّ تحديد تعريف جامع له ما يزال أمراً صعباً نسبياً، نظراً لحداثة هذا الحقل العلمي حتى في البيئة الغربية نفسها.

وأصل المصطلح مشتقّ من الكلمة اليونانية سيما، بمعنى الرمز أو الدلالة أو الإيحاء، الأمر الذي يكشف عن اهتمام هذا العلم بدراسة كيفية تولّد الدلالة من العلامات المختلفة. ومن أبرز من أسهم في تأسيس أبعاده الفلسفية رودولف كارناب، الذي تبنّى اتجاهاً يرى أنّ وظيفة الفلسفة الأساسية تتمثّل في تحليل اللغة لا الكون ولا المبدأ ولا المعاد، وذلك انطلاقاً من فكرة أنّ تحليل البنية اللغوية يكشف عن المشكلات الفلسفية ويحلّها. ومن ثمّ، كان أوّل من وضع الجذور المنطقية القديمة لهذا العلم.

ويركّز علم السيميوطيقا على عدّة مستويات من البحث، من أهمّها دراسة العلاقة بين بنية الكلمة الصوتية والحرفية وبين معناها بالشكل الواقعي، فبعض الباحثين يذهب إلى وجود نوع من المناسبة بين الإيقاع الصوتي للكلمة والمعنى الذي تدلّ عليه؛ فمثلاً في كلمات من قبيل "يضخّ" أو "مضخّة" يُلاحظ حضور صوت الخاء بما يحمله من إيقاع صوتي يشابه عملية الضخّ ويوحي بالفعل المعبَّر عنه، وكأنّ البنية الصوتية تحاكي العملية التي تشير إليها الكلمة نفسها.

واللافت أنّ كثيراً من هذه الملاحظات تمتلك جذوراً في التراث اللغوي العربي، وإن لم تتبلور فيه بوصفها علماً مستقلاً قائماً بذاته. أمّا الدراسات السيميوطيقية الحديثة فتحاول إقامة علاقة منهجية بين الأصوات والحروف وطريقة انتظامها داخل الكلمة، وبين المعاني التي وُضعت لها.

من هنا، نشأت فرضية لدى بعض الباحثين مفادها إمكان ردّ لغات العالم المختلفة إلى أصول مشتركة، انطلاقاً من التشابهات الصوتية المرتبطة بالمعاني الأساسية، رغم أنّ عدد لغات العالم يتجاوز خمسة آلاف لغة، مع الإشارة إلى أنّ ظاهرة العولمة أسهمت في اندثار عدد كبير من اللغات الصغيرة. فرغم كثرة هذه اللغات، يعتقدون أنّه حيث هناك تناسب بين المعنى التي تحكي عنها وبين الكلمة وتركيب حروفها وإيقاعها الصوتي، فإنّ كلّ اللغات عندما تريد أن تتكلم عن معنى واحد تتشابه في هذا الإيقاع الصوتي الذي تعطيه ويدلّ على المعنى نفسه؛ فالذي يجمع بين اللغات بأجمعها هو المعنى نفسه الذي تحكيه.

وبذلك يتّضح أنّ السيميوطيقا يعمل على تحليل بينة اللغة فقط ولا يعنيه اصدار توصيات وتوجيهات، بينما تهتمّ الهرمنوطيقا أساساً بعملية فهم المعنى وتأويله، وهو فارق منهجي جوهري بين المجالين، وإن اشتركا في الاهتمام العام بمسألة الدلالة والمعنى.

2 ـ بين الهرمنوطيقا وعلم الأسلوب (الأسلوبيّة)

من العلوم القريبة من الهرمنوطيقا أيضاً ما يُعرف بعلم الأسلوب أو الأسلوبيّة، وهو علم يبحث في كيفية تشكّل التعبير اللغوي. وقد مرّ هذا العلم بمرحلتين أساسيّتين:

2 ـ 1 ـ الأسلوبيّة القديمة

تعود البدايات الأولى للأسلوبيّة إلى أوائل القرن العشرين، ولا سيّما مع الباحث الفرنسي شارل بالي، الذي ألّف كتاباً اسمه "مبحث في علم الأسلوب الفرنسي" متأثّراً بأستاذه فرديناند دي سوسير، صاحب كتاب علم اللغة العام، والذي ترك تأثيراً واسعاً في الدراسات اللغوية العالمية والعربية على السواء.

وقد ميّز دي سوسير ـ وهو تمييز أثّر بعمق في الأسلوبيّة ـ بين المعنى والمغزى، وهو التفصيل الذي تبنّاه بالي وطوّره ضمن مشروعه العلمي؛ ثمّ مضى أكثر الأسلوبيين بعده، والذين كانوا من تلامذته، على هذا المنوال.

عموماً كان اهتمام بالي منصبّاً على دراسة اللغة في واقعها الراهن، لا في تطوّرها التاريخي؛ أي إنّ السؤال عنده لم يكن: كيف تطوّرت اللغة عبر الزمن؟ بل: كيف يعبّر الإنسان الآن، باللغة المتاحة بين يديه، عن وجدانه الداخلي؟ وقد حاول تحليل العملية التي تتحوّل فيها المشاعر والانفعالات الداخلية إلى تعبير لغوي، أي قصد العمل على تحليل كيف يتمّ صناعة الأسلوب اللغوي؟ وماذا يحصل عندما يقوم الإنسان بالتعبير عمّا في داخله عبر تحويله إلى لغة؟ وكيف تُصاغ الوجدانات داخل بنية نصّية معيّنة. وذهب ـ متأثراً بدو سوسير ونظريته حول المعنى والمغزى ـ إلى أنّ كلّ جملة لغوية تحمل مستويين دلاليّين:

1.       المعنى: وهو المدلول المباشر الذي تمنحه الكلمات بحسب وضعها اللغوي.

2.       المغزى: وهو الفكرة أو الدلالة الكامنة التي يُراد إيصالها من خلال الجملة.

فلو قيل مثلاً: ذهبت إلى السوق واشتريت اللحم، فإنّ المعنى المباشر هو الإخبار عن القيام بفعل الذهاب إلى السوق وشراء اللحم، وهو ما تمدّني به اللغة؛ أمّا المغزى فقد يشير ـ بحسب السياق ـ إلى أنّني غنيّ أو أنّني لست عزوفاً عن أكل اللحم ولا أكتفي بأكل الخضار. وهذا قريب ممّا تعرفه البلاغة العربيّة في باب الكناية والتمييز بين المدلول الأوّلي للجملة والمعنى الكنائي، كقولهم: زيدٌ كثير الرماد؛ فالمعنى كثرة الرماد عند زيد، أمّا المغزى فهو الكرم.

ويرى بالي أنّ هذا التمايز يسري في النظام اللغوي بأكمله، ولذلك يعدّ من الخطأ اختزال تفسير الجملة في معناها المباشر فقط؛ لأنّ المعنى لا يساوي المغزى دائماً، وكثيراً ما يقع الانفصال بينهما.

غير أنّ إدخال هذا التصوّر في تفسير النصوص الدينية الروائية يثير إشكالات مهمّة؛ إذ قد يُقال ـ كما يطرح بعض الفقهاء المعاصرين على نحوٍ احتمالي ـ إنّ روايات الطهارة مثلاً، وإن دلّت في معناها الحرفي على الغسل أو التكرار أو التعفير، إلا أنّ مغزاها النهائي هو مجرد الدعوة إلى النظافة، بالنظر إلى أنّ العرب آنذاك لم يكونوا على درجة كافية من العناية بها.

وكيف كان، فإنّ مقتضى هذه النظرية أنّ وراء أيّ جملة مغزى أصلياً هو المراد، والجملة الظاهرة ما هي إلا مظهر خارجي له ينبغي إهماله. وللتوضيح نضرب هذا المثال، لو أنّ بثوراً ظهرت على يدك، فماذا يصنع الطبيب؟ ربما يعطيك مرهماً لمسحه على اليد، فتزول البثور عنها لكنّها قد تظهر لاحقاً على القدم؛ أمّا الحلّ الصحيح فيكمن في معالجة السبب الحقيقي لها عبر أخذ دواء خاصّ للمعدة مثلاً؛ فبمعالجة السبب الباطن، تنتهي الأعراض الظاهرة كلّها. وما نحن فيه شبيه بهذا، فهذه الصور من المعاني التي يلقيها المتكلّم هي من قبيل المظاهر والأشكال التي لا ينبغي الوقوف عندها، بل ينبغي العبور إلى ما ورائها مما أراده المتكلم، تماماً كما يُدرس في علم البلاغة ما يُسمى بلازم الخبر، فإذا قال قائل: اعلم أنّ زيداً قد مات، فقد لا يكون غرضه الإخبار بموته، بل إعلامك بأنّه على علم بالخبر.

إنّ هذا التفكيك في فهم النصوص في غاية الأهمية، وتُبنى عليه الكثير من الدراسات في علم تأويل النصّ في الهرمنوطيقا.

2 ـ 2 ـ الأسلوبيّة الجديدة

بعد بالي ظهر اتجاه جديد مع المفكّر ليو شبتيتزر، الذي يُعدّ مؤسس الأسلوبية الحديثة، حيث قدّم تحوّلاً مهماً في دراسة اللغة من جهة جديدة.

وبحسب هذا الاتجاه، كلّ نصّ صادر عن متكلّم يشتمل على عنصرين متلازمين:

1.       كلمات ذات دلالات لغوية تُدرس ضمن علم اللغة.

2.       شخصية المتكلّم نفسها المنعكسة داخل النص.

فأسلوب التعبير ليس أمراً اعتباطياً؛ إذ تختلف طرائق البيان تبعاً لاختلاف البنية النفسية والاجتماعية والفكرية والأخلاقية للأفراد، ومن هنا اعتُبر النصّ بمثابة صورة فوتوغرافية لصاحبه.

فكما أنّ تجميع عدد كبير من الصور عن حياة شخص ما يكشف ملامح شخصيته وتجربته؛ حيث تراه مثلاً وهو جالس مع طفل في الحديقة، وأخرى وهو في مقعد جامعي في الصين، وأخرى مع شخصية مهمّة؛ فهذا كلّه يحكي لك تجربته، بحيث لو جمعت عدداً معتداً به ومنضماً إلى بعضه عن حياته استطعت فهمها؛ لأنّها تحكيها لك.. كذلك فإنّ جمع نصوص إنسان واحد وتحليلها يمكّن الباحث من اكتشاف خصائصه النفسية والفكرية؛ فلو طالعت مثلاً جميع كتب الملا هادي السبزواري أو السيد الخميني أو أيّ متكلمٍ آخر، استطعت أن تكوّن صورةً عن حياته وشخصيته. فشخصية المتكلّم كامنة في نصّه، والنصّ يكشف عن صاحبه؛ الواثق يظهر وضوحه في خطابه، والمضطرب تنعكس تعقيداته في أسلوبه، وهكذا الغضوب والانتقامي وغيره.

على هذا الأساس، ترى الأسلوبية الجديدة أنّ الطريق الأساس لفهم المتكلّم يمرّ عبر نصوصه نفسها؛ بل يُفهم عبر نصّه فقط؛ فهو السبيل الوحيد لذلك. وهذا خلافاً لبعض الاتجاهات التي أعلنت ما عُرف بـ "موت المؤلّف" واعتبرت قصد المتكلّم أمراً غير ذي صلة بالتفسير. بل على العكس، كلّما ازداد حجم النصوص المتاحة للكاتب أمكن الاقتراب أكثر من فهم شخصيته وعالمه الداخلي.

وبذلك يتبيّن أنّ علم الأسلوب يركّز على كيفية تشكّل التعبير وارتباط النصّ بصاحبه، وسنرى كيف أنّه سيؤثر في علم الهرمنوطيقا بشكلٍ أو بآخر.

3 ـ بين الهرمنوطيقا والفيلولوجيا (فقه اللغة/فلسفة اللغة/أصول اللغة/سرّ اللغة)

يُقصد بعلم الفيلولوجيا ـ الذي يُترجم أحياناً بفقه اللغة أو فلسفة اللغة أو أصول اللغة أو سرّ اللغة ـ تحليل البنية العميقة للغة معيّنة وتحليل خصائصها الكلّية، لا البحث في قواعدها النحوية الجزئية. فهو لا يهتمّ ـ مثلاً ـ ببحث الفاعل وتأخيره، أو أحكام المفعول به، أو تصريف الألفاظ، بل ينصرف إلى سؤالٍ أعمق: بماذا تتميّز هذه اللغة في بنيتها وأصولها عن سائر اللغات؟

فإذا أخذنا اللغة العربية مثالاً، نجد أنّها تقوم على نظام اشتقاقي مميّز، وقد كُتب في ذلك كثير، كما نجد من تبنّى فكرة إرجاع المفردات إلى أصول جذريّة جامعة، كما هي الحال عند المصطفوي أو ابن فارس، حيث يُرجَع عدد من الألفاظ إلى أصل ثلاثي مشترك، ثم تُفهم سائر الاشتقاقات في ضوئه، ومثال ذلك كلمة "البصير" في العربية، التي هي من الأضداد، فتُطلق على الأعمى والمبصر؛ فيُذكر أنّ أصل هذه الكلمة هو الباء والصاد والراء، ثمّ يُعمل على تحليل من أين أتى أصلها؟ وكذلك بالنسبة إلى كلمة "الفسق" يُبحث في معناها الأصلي الجذري، ويُقال إنّها مأخوذة من قولهم: «فَسَقَت الرُّطبَةُ عَن قِشرِهَا»، أي خرجت، ومن هذا المعنى الأصلي تُفهم سائر المعاني الجديدة للكلمة. وأيضاً مثال أوضح؛ كلمة "الوطء" التي استُعملت في سياق العلاقة الزوجية، فقد يُثار اعتراض بدعوى أنّ اللفظ يوحي بالإهانة، لكونه يُستعمل أيضاً في وطء الشيء بالرِّجل.

هنا يتدخّل فقيه اللغة ليعود إلى الجذر اللغوي للكلمة، فيبحث: هل معنى الوطء بالرجل هو الأصل؟ فربما كان الوطء بالرجل ليس هو الأصل لها، بل فرع لأصل آخر، فيكون المعنيان ـ أي الوطء بمعنى المجامعة وبمعنى الوطء بالرجل ـ فرعين مشتقّين من أصل آخر. إذن، اعتبار الكلمات ذات المعاني المتعدّدة راجعة إلى معنى واحد اشتقّت منه البقية هي نظرية ـ يعتقد بها بعض ـ في بناء اللغة العربية، أي أنّه نوع من فهم اللغة العربية فهماً بنائيّاً.

فوظيفة الفيلولوجيا هنا تتمثّل في فهم بنية اللغة وميزتها عن غيرها وتحليل أساليبها في التعبير بشكل كلياني عام. ومن هذه الجهة يمكن تشبيه هذا العلم بعلاقة علم أصول الفقه بالفقه، كنظرية وتطبيق؛ فهو بمثابة أصول اللغة وفلسفتها وفقهها قياساً إلى اللغة ذاتها وتطبيقاتها من النحو والصرف وغيرهما. ولذلك أصبح حاضراً بقوّة في الدراسات المعاصرة للنصوص الإسلامية، لما له من دور في إعادة قراءة المفردات في ضوء جذورها وأبنيتها.

4 ـ بين الهرمنوطيقا وعلم الفونتيك (علم الأصوات اللغويّة)

الفونتيك هو علم الأصوات من الناحية الفيزيائيّة والفسيولوجيّة، فهو يدرس الصوت اللغويّ دراسة تجريبية: كيف يتكوّن في جهاز النطق؟ ما دور الحنجرة واللسان والحنك والدماغ؟ كيف تنتقل الذبذبات الصوتية عبر الهواء إلى السمع؟ كيف تستقبلها الأذن؟ وكيف تُترجم في الدماغ إلى وحدات ذات معنى؟

إذن، هو علم معنيّ بالبُعد المادّي للصوت، وتحليل آلية إنتاجه واستقباله، دون أن يكون بحثه منصبّاً مباشرةً على الدلالة أو المعنى.

5 ـ بين الهرمنوطيقا والفنولوجيا (وظائف الأصوات)

يتفرّع عن دراسة الأصوات علمٌ آخر يُعرف بعلم وظائف الأصوات (الفنولوجيا)، وهو يختلف عن الفونتيك من حيث تركيزه على الدور الوظيفي للصوت داخل اللغة، فهنا لا يُبحث في كيفيّة إنتاج الصوت فحسب، بل في علاقته بالمعنى داخل نظام لغوي معيّن.

فمثلاً يُدرس أثر النبر والتنغيم وارتفاع الصوت وانخفاضه في أداء معنى مخصوص، فالكلام المنطوق ليس ألفاظاً مجرّدة فقط، بل يصاحبه تموّج صوتي وإشارات جسديّة وحركات معيّنة، وهذه كلّها تشكّل ما يمكن تسميته بـ "نصّ شفهي" له دلالاته الخاصة، ويؤثّر في فهم الخطاب وتركيبته. ومن ثمّ، فالنصوص المكتوبة الواصلة لا تكون كاملة الدلالة؛ لأنّ هناك قسماً آخر لم يصل، وهو هذا الأداء الصوتي والإشارات وأمثالها. فهناك إذن فرق أساسي بين النصّين المكتوب والملفوظ، ولهذا، هناك بعض الباحثين أمثال الدكتور محمد أركون، لا يعبّرون بالنصّ القرآني، بل بالخطاب القرآني؛ لأنّه كتاب شفاهي سمعي.

6 ـ علم اللغة المقارِن

علم اللغة المقارن يُعنى بدراسة الخصائص المشتركة والمختلفة بين لغات العالم، ما يتيح للباحث رؤية أوسع حول طبيعة اللغة وكيفيّة تأثيرها في التعبير عن المعاني والثقافات المختلفة، فهو لا يدرس لغةً واحدة بمعزل عن غيرها، بل يقارن بينها ليكشف عن الأنماط المشتركة والفروقات البنيويّة والدلاليّة.

وكمثال على ذلك، ما قام به بعض الباحثين العرب، مثل الباحث المصري سيّد القمني، في دراساته حول الأسطورة والميثولوجيا في الثقافة الإسلاميّة، ففي اللغة العربية، كما يُلاحظ، هناك تغليب للمذكّر على المؤنث في الخطاب الشامل؛ فعند ذكر "الذكر والأنثى" غالباً يُستخدم الجمع بالمذكّر، أو في خطاب مثل:﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يشمل الإناث رغم صياغته بالمذكر، بينما في اللغة الفارسية لا وجود للتذكير أو التأنيث في الضمائر، فتستخدم صيغة واحدة شاملة للجنسين.

وعليه، يرى بعض الباحثين في تحليلهم للقرآن الكريم أنّه جاء ملتزماً بنظام اللغة العربيّة دون تعديل أو تجاوز لهذا النظام، ومن هنا ظهرت تفسيرات تقول: إنّ النصّ يعكس طابعاً ذكوريّاً أو يقتصر على خطاب الذكور، وهو ما أدّى إلى استنتاجات عن موقفه من حقوق المرأة. ومن هذه الزاوية يظهر أنّ علم اللغة المقارن أتاح بعض هذه الاستنتاجات التي استُقيت منها إشكاليات وملاحظات نقدية، وهو ما يبرز أهميّة دراسة هذه العلوم الأساسيّة، ليس لتقليدها، بل لفهم أصول هذه الأفكار نقدياً وتمييزها قبل الاستناد إليها في التحليل.

وبذلك يصبح علم اللغة المقارن أداةً استشرافيّة ومنهجية تساعد الباحث الإسلامي على نقد ـ إيجاباً أو سلباً ـ أو دراسة النصوص أو الأفكار المستمدّة من مقارنة اللغات والثقافات بطريقة علمية دقيقة، بعيداً عن التعميمات السطحيّة أو الاستنتاجات غير المحكمة.

وفي ضوء ذلك، يتّضح أنّ هذه العلوم ـ السيميوطيقا، والأسلوبية، والفيلولوجيا، وغيرها الكثير ـ تشترك مع الهرمنوطيقا في اهتمامها بالمعنى واللغة، غير أنّ لكلٍّ منها مجالاً خاصاً وزاوية نظر مختلفة، وهو ما يقتضي التمييز المنهجي بينها عند الاشتغال بتحليل النصوص، ولا سيّما في الدراسات الإسلامية المعاصرة.

المبحث الثالث: المدارس الهرمنوطيقيّة وتطوّرها التاريخي

نستعرض في هذا العنوان الأفكار المحوريّة للمشروع الهرمنوطيقي الغربي ومسارات تطوّره التاريخي باختصار، فقد اختُلف في الحقبة التي بدأ بها البحث التأويلي في الغرب، فبينما يُرجع بعض الباحثين جذور التأويليّة الحديثة إلى حركة الإصلاح الديني في أواخر العصور الوسطى، يذهب اتجاه آخر إلى اعتبار فريدريك شلايرماخر المؤسّس الفعلي لهذا العلم؛ إذ شهد القرن التاسع عشر نضجاً معرفياً لافتاً في هذا الحقل، تلاه التحوّل الجوهري والأعمق في القرن العشرين.

1 ـ فريدريك شلايرماخر: من "قواعد التفسير" إلى "فلسفة الفهم"

يُمثل شلايرماخر (1834م) نقطة تحول بنيويّة في الفكر التأويلي، ويمكن تكثيف إسهامه في النقاط الآتية:

1 ـ 1 ـ الانتقال من الطابع القواعدي إلى تحليل عمليّة الفهم

 اقتصرت الهرمنوطيقا في الوسط الكنسي قبل شلايرماخر على كونها "مجموعة قواعد عمليّة" لتفسير النصوص المقدسة، تهدف إلى وضع ضوابط عمليّة (كقواعد التخصيص والتقييد) تُشبه إلى حدّ بعيدّ المباحث اللفظيّة في مقدمات كتب التفسير وأصول الفقه التقليديّة، إلا أنّ شلايرماخر تجاوز هذا ـ أي وضع "الضوابط العملية" للفهم ـ إلى تحليل "عملية الفهم" ذاتها كظاهرة ذهنية ونفسية.

وعلى سبيل المثال، إنّنا في علم أصول الفقه، ضمن مباحث العام والخاص، لا نحلّل كيفيّة تحقّق عمليّة الفهم، بل نمارس عملية تقعيد من خلال وضع ضوابط وقواعد لها، فنقول: إذا ورد لفظ عام ثم أعقبه مخصّص منفصل، فإنّ المخصّص لا يهدم ظهور العام في عمومه، بل يهدم حجيّته فقط. فهذه ضوابط موردية تُظهر أنّ المتكلّم ما زال قد استعمل العام في عمومه ولم يستعمله في معنى مجازي. وفي المقابل، فإنّهم يفعلون شيئاً آخر حين يبحثون في نظريّات أعمق، كبحثهم في نظريّة الاستعمال، ولا سيما عند السيد محمّد باقر الصدر، حيث يتساءلون عن ماهيّة استعمال اللفظ في المعنى؛ وكذلك ما يطرحونه في مبحث الوضع والسؤال عن كيفيّة تحقّق عملية وضع اللفظ للمعنى، وكيف يتمّ الربط بينهما في الذهن، فهذان بحثان مختلفان؛ فالأوّل هو ضوابط متفرقة تمنهج عملية فهم النصّ، والآخر نظريّة في التفسير نفسه للنص.

على هذا الأساس، طالب شلايرماخر بتجاوز المناهج التجزيئية للنصوص الإنجيليّة نحو صياغة منهجيّة نظرية شاملة تحلّل كيفية فهم القارئ أو السامع للنص تحليلاً فلسفياً وبنيوياً. وبذلك، حقّق طفرةً نوعية تماثل انتقال علم الأصول من المباحث المتفرقة ـ كما عند الشريف المرتضى والعلامة الحلّي ـ إلى النظريّات الأصولية المتكاملة والعميقة في الاستعمال والوضع والدلالة، كما عند الآخوند الخراساني والشيخ الأنصاري ومدرسة النجف الحديثة. من هنا، انتقل شلايرماخر من مرحلة وضع ضوابط لتفسير الجمل والفقرات الجزئيّة في الإنجيل إلى وضع تحليل منطقي عام يدرس ظاهرة فهم النصّ بذاتها، فجرّد علم الهرمنوطيقا عن كونه مجرد قواعد جزئية متفرّقة.

1 ـ 2 ـ تجاوز النصّ إلى سيكولوجية المؤلّف

يُقدّم شلايرماخر أطروحة مغايرة للمنهج التفسيري التقليدي السائد في الدوائر العلمية، ففي القراءات التقليديّة، ينصبّ التركيز غالباً على تحليل ألفاظ النصّ ـ كتعارض "يجوز" و"لا يجوز" ـ ومحاولة التوفيق بينها عبر مجازيّة إحداهما أو الجمع التبرّعي، أي بحمل إحداهما على المعنى المجازي أو تقييد إطلاقها أو غير ذلك. وهو مسلك قد يفتقر أحياناً إلى القواعد الأصوليّة المتينة. لكنّ شلايرماخر يرى أنّ الاكتفاء بظواهر النصوص ـ مهما كثرت ـ لا يفضي بالضرورة إلى إدراك المقصد النهائي للمتكلّم، فعلى النقيض من النظريات التي ترى أنّ النصّ مرآة عاكسة لمراد المؤلّف بتمامه، يذهب شلايرماخر إلى أنّ النصّ يمتلك "دلالة ناقصة" بطبعه؛ فهو يشير إلى مراد المتكلم إشارة ضبابيّة غير مكتملة، تشبه إلى حدّ كبير مفهوم "العلم الإجمالي" عند المحقّق العراقي، حيث يدرك الذهن وجود معلوم ما (كالشبح من بعيد) دون القدرة على تمييز تفاصيله أو كنهه.

من هنا، يُقرّر أنّ جلاء الحقيقة وإزالة هذا التشويش لا يتمّان بدراسة النصّ فحسب، بل بإضافة "نفسيّة المتكلم" إلى "لغة النص"، فبدلاً من الغوص في الألفاظ وحدها، يجب على المفسّر ممارسة نوع من فهم المتكلّم نفسه؛ ففهم المتكلم هو المدخل الوحيد والضروري لإتمام الدلالة الناقصة. بعبارة أخرى، يقول شلايرماخر: إنّ النصّ يرشدني إلى شيء في ذهن المتكلّم، لكنّه لا يُريني إياه إلا رؤية ضبابيّة غير مكتملة، وفهم المتكلّم هو الذي يُجلي هذه الضبابيّة.

لكن يطرح هذا المنهج إشكالاً منطقياً مفاده: إذا كان فهم مقاصد المتكلّم متوقفاً على كلامه، وفهم كلامه متوقفاً بالضرورة على فهم شخصيته، فهل نقع هنا في حبائل الدور؟

يجيب شلايرماخر عن ذلك بفتح مسارٍ موازٍ للفهم يقع خارج حدود النص، وهو "التحليل التاريخي والسياقي". فالمتكلم لا يُفهم من خلال ألفاظه فحسب، بل عبر استنطاق الظروف الموضوعيّة المحيطة به؛ من أوضاع سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وصولاً إلى حالته الشخصيّة وموقعه الطبقي، ويظهر تطبيق هذا الاتجاه بوضوح في الدراسات التي تُفسر النظريّات العلمية أو الفلسفية بناءً على الخلفيّة السيكولوجية والاجتماعيّة لصاحبها؛ فالباحث الذي يحلّل تباين موقف الفارابي وابن سينا من إمكانية تحويل المعادن (الخيمياء)، يربط نزوع الفارابي نحو إمكانيّة التحويل بظروف فقره وحاجته، بينما يفسّر إنكار ابن سينا لها باستغنائه المادّي ووجاهته السياسيّة. إنّ هذا النوع من التفسير يجد جذوره في أطروحة شلايرماخر التي تجعل من "الظرف التاريخي" حاملاً أساسياً للمعنى، لا يقلّ أهميّةً عن النصّ نفسه.

وعليه، يلخّص شلايرماخر عملية فهم مراد المتكلّم في مسارين متكاملين: الأوّل هو "التفكيك اللغوي والقواعدي" للنصّ، والثاني هو "القراءة السيكولوجية والتاريخيّة" لشخصيّة المتكلم وسياق عصره. وقد أصبحت هذه الثنائية منهجاً مهيمناً في الدراسات الأكاديمية المعاصرة، سواء في الغرب أم في القراءات الحديثة للتراث الإسلامي، حيث لا يُكتفى بتحليل الأفكار مجرّدةً، بل يتمّ تشريح حياة المؤلّف وبيئته بوصفهما جزءاً أصيلاً من عمليّة التفسير.

1 ـ 3 ـ تعميم الفهم وتجاوز النصّ المُشكل

تمثّلت الخطوة الثالثة في كسر الحصر التقليدي للهرمنوطيقا في دائرة النصوص المستغلقة أو المُشكلة؛ فبينما كان الرائج حتى القرن الثامن عشر قصر التأويل على النصوص الغامضة معتبراً النصوص الواضحة مستغنية عن ذلك، وهو توجّه يتقاطع مع رؤية السيد الخوئي وبعض المفسّرين في قصر التفسير على رفع الإبهام ولا علاقة له بما هو ظاهر، ذهب شلايرماخر إلى أنّ أي نص ـ مهما بدا واضحاً وسلساً ـ يتطلّب بالضرورة عمليّة تأويلية منهجية. وبذلك، تحوّلت الهرمنوطيقا من أداة استثنائية لعلاج النصوص المشكلة إلى دراسة النصوص بشكلٍ عام، المشكلة وغير المشكلة. كما لا فرق ـ من جهةٍ أخرى ـ أيضاً بين النصّ المقروء والنصّ المكتوب.

1 ـ 4 ـ الهرمنوطيقا بمثابة علم للنصوص كافّة

 استكمالاً لهذا التوسّع، كسر شلايرماخر الحاجز الوظيفي الذي كان يحصر هذا العلم بخدمة النصّ المقدّس بعهديه القديم والجديد فقط، ولا شأن له بالنصوص الأخرى؛ فقد طرح رؤية تجعل من الهرمنوطيقا علماً عاماً يخدم كافة النصوص؛ فالمعايير التأويلية التي تُطبق على الإنجيل هي ذاتها التي يجب أن تُطبق على النصوص التاريخية، والأدبية، والحقوقية. بهذا التحوّل، لم يعد العلم مجرّد خادم للدين، بل أصبح منهجية عامة تعالج كافة النصوص، دينية وغير دينيّة.

1 ـ 5 ـ إشكاليّة إمكانية الفهم

وتُتوج هذه التحوّلات بطرح التساؤل الأكثر جذريّةً في الفكر الغربي، وهو: هل يمكن فهم النصّ أصلاً؟ فبينما تُعد "إمكانية الفهم" من البديهيّات المسلّمة في مدارسنا الإسلاميّة ـ إذ إنّ كل الجهود التفسيريّة والأصولية قامت لاستنباط مراد الله سبحانه ـ يظلّ هذا السؤال في الغرب محلّ جدل عميق بين المدارس التأويليّة والألسنية. وعلى الرغم من وجود نقاشات إسلامية حول "حدود الفهم"، كموقف الميرزا القمي في قصر حجيّة الظواهر على "من خوطب به" وما ترتب عليه من القول بالانسداد، إلا أنّها لم تصل إلى حدّ التشكيك المطلق في إمكان فهم النص. أمّا في السياق الغربي، فقد انقسم الفكر حول هذا السؤال إلى فريقين رئيسيين، وهو ما يشكّل الصراع المركزي في الهرمنوطيقا المعاصرة.

يتوزّع المشهد التأويلي الغربي حيال إشكالية "إمكانية الفهم" بين تيارين متمايزين:

يتبنى الاتجاه الأوّل نزعة نقدية حادّة تبدأ بعدم إمكانية فهم النصّ بتاتاً، وتنتهي إلى إعلان "موت المؤلف"، حيث يُعزل المتكلم تماماً عن العملية التفسيريّة، ويتحوّل النصّ من جسر للعبور نحو مراد صاحبه إلى موجود مستقلّ بذاته تماماً كالقارئ، وفي هذا المنظور، تنحصر العلاقة بين القارئ وبنية النصّ حصراً، وتصبح المهمة هي استنطاق ما يمنحه النصّ من دلالات بمعزل عن القصد الذاتي للمنشئ، سواء وافق ذلك مراده أم لم يوافقه.

أمّا الاتجاه الثاني، والذي يمثله شلايرماخر، فينتصر لإمكانية فهم النصوص دون ادّعاء الوثوقية المطلقة أو الإحاطة التامة؛ فهو يرى أنّ الوصول إلى مراد المتكلّم ليس مستحيلاً إذا ما تآزر التحليل اللغوي للنصّ مع قراءة الظروف التاريخيّة للمؤلف، بحيث يظلّ النصّ محتفظاً بوظيفته "المرآتية" التي تعكس أغراض صاحبه ولا يتخذ وجوداً مستقلاً.

 هذا، ويؤسّس شلايرماخر إمكانية هذا الفهم على فلسفة "القواسم المشتركة"؛ فبين الأنا والهو ـ أي بين ذات المفسّر وذات المتكلّم ـ مساحة من الإمتياز تُفضي إلى الغربة بينهما وتجعل لكلّ منهما عالمه الخاص، لكنّهما يلتقيان في الماهية والذات، وفي أساليب التفكير والوجدان والأحاسيس إلى أمثال ذلك. فهذا التشابه في البنية الوجودية هو ما يمنح المفسّر القدرة على تمثّل شخصيّة الآخر وفهمه، فمن جهة أتصل به عبر القواسم المشتركة، ومن جهةٍ أخرى أختلف معه عبر موجبات الامتياز. وعلى هذا الأساس، يقول: كما أنّني لا أتماهى معه تماماً، لأدعي أنّني أفهم مراده كأنّني هو، كذلك لا أدّعي أنّني غريب عنه تماماً، بحيث لا أفهم مراده أصلاً، بل بالإمكان فهمه ضمن دوائر محددة.

بهذا أخرج العمليّة التأويلية من دائرة الاستحالة المطلقة الناجمة عن الغربة بين الذوات، ومن دائرة التماهي الكلّي الذي يدّعي الفهم اليقيني الكامل. فالفهم عند شلايرماخر هو مقاربة تجري ضمن دوائر نسبيّة، تنطلق من الاتحاد في المشتركات الإنسانية وتتوقف عند الفوارق الفردية.

بيد أنّ هذا التنظير يواجه تحدياً جوهرياً عند اصطدامه بالنصّ الإلهي؛ فإذا كان الفهم مشروطاً بوجود قواسم مشتركة بين الطرفين، فكيف يتحقّق حيال خطاب الله الذي يتسامى عن الماهيّة البشرية؟ يظلّ هذا السؤال معلّقاً في مشروع شلايرماخر، وبخاصّة أنّ المنظور اللاهوتي الذي ينطلق منه يرى في الأناجيل نصوصاً دوّنها الحواريون بتسديد روحي، وليست خطاباً إلهياً مباشراً بالمعنى الذي تتبناه العقيدة الإسلاميّة، مما جعل تركيزه ينصب على البعد الإنساني في النصّ أكثر من غيره.

1 ـ 6 ـ مبدأ "احتمال الخطأ" وتراجع اليقين التفسيري

يقرّر شلايرماخر أنّ الفهم، وإن كان ممكناً بفضل القواسم المشتركة، يظلّ عرضةً للخطأ الدائم بسبب عنصر "الغربة" القائم بين الذوات. وقد أحدث هذا الطرح زلزالاً في الأوساط الدينية المسيحيّة؛ إذ أسقط إمكانية الجزم المطلق بمراد النص، وألغى مفهوم "النصّ الصريح" ـ بالاصطلاح الأصولي الإسلامي ـ الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً، معتبراً أنّ كلّ تفسير يحتمل الخطأ والصواب معاً، فلا توجد دلالة محصّنة ضدّ التأويل أو منزّهة عن الخطأ، مهما بدت العبارات جليّةً ومفكّكة. هذا الاعتبار جعل من احتمال الخطأ قاعدة تفسيريّة كبرى، مما أدّى إلى تراجع حالة الجزم والوثوقيّة التي ما زالت تهيمن على الممارسات الفقهيّة والاجتهادية، ليحلّ محلّها نوع من التوجّس المعرفي الذي صبغ التيارات الهرمنوطيقيّة اللاحقة.

1 ـ 7 ـ تحجيم دور اللغة في عمليّة الفهم

وفي ملمح آخر، يرفض شلايرماخر الاختزال اللغوي الذي يتبنّاه علماء الأدب واللغة، والذين يرهنون فهم النصّ بالتمكّن من علوم الصرف والنحو والبلاغة. فبينما يقرّ بفائدة هذه القواعد، إلا أنّه يرى ضرورة عدم تضخيم دورها؛ إذ إنّ إتقان اللغة ليس كافياً وحده للنفاذ إلى جوهر النصّ ومراد المتكلم، فاللغة ليست الفاعل الوحيد في ميدان التفسير، بل هي مجرّد أداة ضمن منظومة معقّدة تشمل السياقات النفسية والتاريخية والموضوعية التي لا تقلّ عنها أهميّةً في جلاء المعنى.

هذه كانت أبرز ركائز مدرسة شلايرماخر، لكن على الرغم من هذه الإسهامات التأسيسيّة، إلا أنّ مشروعه لم يتبلور في دورة علميّة متكاملة، بل ظلّ يتسم بنوع من الضحالة المعرفيّة والثغرات الأساسية التي تركت تساؤلات كثيرة دون إجابات. وهذا الضعف الأوّلي يُعد ظاهرة طبيعيّة في نشأة أي فكرة جديدة؛ فالمعرفة نظام تراكمي لا يولد مكتملاً، بل ينمو عبر القرون من أفكار بسيطة لتتحول إلى أبنية متينة. ومن هنا، انطلق نقّاد شلايرماخر وتلامذته ليس لهدم مشروعه، بل لسدّ تلك الثغرات وتطويرها، وهو ما مهّد لظهور فيلهلم دلتاي الذي نقل الهرمنوطيقا إلى مرحلة أكثر نضجاً ومؤسّسيةً.

2 ـ فيلهلم دلتاي: مؤسّس منطق العلوم الإنسانيّة

انتقالاً من التأسيس الهرمنوطيقي عند شلايرماخر إلى مرحلة النضج الفلسفي الشامل، برز فيلهلم دلتاي (1911م) كشخصية محوريّة أعادت صياغة أهداف هذا العلم وغاياته. لم تكن حركة دلتاي مجرّد ترميم لثغرات من سبقه، بل كانت طموحاً معرفياً يضاهي مشروع عمانوئيل كانط؛ فكما سعى كانط في نقد العقل المحض لتقنين أسس العلوم التجريبيّة، أراد دلتاي أن يكون كانط العلوم الإنسانية عبر كتابه: نقد العقل التاريخي.

تتلخّص النقلة النوعية التي أحدثها دلتاي في النقاط المترابطة الآتية:

2 ـ 1 ـ تأسيس منطق العلوم الإنسانيّة

 انطلق دلتاي من رؤية مفادها أنّ العلوم الإنسانية (التاريخ، الاجتماع، علم النفس) تنتمي إلى عائلة معرفيّة واحدة، ولها "جذر مشترك" يمكن اكتشافه، ومن هنا، سعى إلى صياغة قواعد منطقيّة موحّدة تحكم هذه العلوم، مؤسّساً لما يمكن تسميته بمنطق الفهم الإنساني، بوصفه بديلاً للمنطق التجريبي المتّبع في العلوم الطبيعيّة.

2 ـ 2 ـ تجاوز النصّ إلى "دائرة الفعل"

بناءً على ما مرّ، ووفقاً لما يشير إليه بول ريكور في كتاب: من النصّ إلى الفعل، أحدث دلتاي تحوّلاً جذرياً بالخروج من أسر النصّ الضيق إلى رحاب الفعل الإنساني الشامل بما فيها النصّ. فالتأويل عنده لم يعد محصوراً في تحليل الكلمات المكتوبة أو المنطوقة، بل امتدّ ليشمل كلّ التجليات والممارسات؛ فكلّ فعل بشري، سواء كان واقعة تاريخيّة، أم ظاهرة اجتماعية، أم سلوكاً فردياً، هو "نص" يحتاج إلى فهم وتأويل.

2 ـ 3 ـ الهرمنوطيقا بمثابة فلسفة للعلوم

بهذا التوسّع، تحوّلت الهرمنوطيقا على يد دلتاي من أداة لتحليل النصوص إلى "فلسفة شاملة للعلوم الإنسانيّة" ولم يعد السؤال: كيف نفهم هذا النص؟، بل أصبح: كيف نفهم الإنسان وتاريخه ومجتمعه؟. هذا التحوّل هو الذي جعل هرمنوطيقا شلايرماخر تصنّف اليوم ضمن التراث الكلاسيكي، بينما مهّدت أطروحات دلتاي الطريق لسيادة الهرمنوطيقا الفلسفيّة التي تهيمن على الفكر الغربي المعاصر؛ والتي يمثّلها فلاسفة من أمثال هايدغر وغادامير وريكور وهابرماس.

وعليه، يمكن التمييز بين ثلاث حقب أساسية في تاريخ الهرمنوطيقا، وهي: الهرمنوطيقا الكلاسيكيّة، والهرمنوطيقا الرومانسيّة، والهرمنوطيقا الفلسفية التي مهّد لها دلتاي وعُرفت مع هايدغر ومن تبعه. وهذه الأخيرة هي التي تضخّ أفكارها اليوم وتؤثر على جملة واسعة من المفكّرين المسلمين في عصرنا الحالي، ممن يتبنّى طرائق جديدة في فهم النصوص والاجتهاد الديني عموماً، ابتداء من فضل الرحمن في باكستان، مروراً بعبد الكريم سروش وشبستري في إيران، وصولاً إلى نصر حامد أبو زيد في مصر ومحمد أركون وغيره في العالم العربي.

3 ـ مارتن هايدغر: مؤسّس الهرمنوطيقا الفلسفيّة

لا بدّ أوّلاً من استعراض شخصية مارتن هايدغر (1976م) كأحد العلماء الغربيين البارزين والمؤثرين في القرن العشرين، خاصةً حين نريد فهم المشهد الفلسفي الغربي وتأثيراته على الحقل الإسلامي والفكري في ساحتنا. الهدف من هذا الاستعراض هو إدراك أوجه الارتباط والاقتباس التي حدثت بين المفكّرين الغربيين والمفكّرين في السياق الإسلامي، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع آرائهم.

يُعتبر هايدغر مؤسّس الهرمنوطيقا الفلسفيّة، وقد مهّد لهذا المشروع ـ كما أسلفنا ـ دلتاي، الذي أسهم في إطلاقه، ثم توالى التأثر به وبأفكاره من قبل عدد كبير من الباحثين في العلوم الإنسانية والهرمنوطيقا. وامتدّ تأثيره أيضاً إلى الفكر المسيحي المعاصر داخل الكنيسة البروتستانتيّة في القرن العشرين، حيث أعيد إنتاج أفكاره وتوظيفها في فهم النصوص الدينية المسيحيّة.

كما أنّ رودولف بولتمان يُعتبر أحد أبرز من وظف أفكار هايدغر في الفكر المسيحي، الذي استند إلى الكثير من مفاهيم هايدغر وأعاد صياغتها بما يتوافق مع الداخل الديني المسيحي، كما حصل في الوسط الشيعي لدى مفكّرين مثل الدكتور عبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري، اللذين استفادا من أفكار هايدغر وغادامير وحاولا تطبيقها وفق المنظور الشيعي والمعايير الفكرية والدينية المعاصرة.

لكنّ المشكلة الجوهرية عند هايدغر كانت لغته فائقة التعقيد والغموض، بحيث قد لا يفهم القارئ أو المستمع ما يقصده بدقّة؛ بحيث يمكن ـ بنحوٍ ما ـ تشبيهه في هذا الصدد بمحي الدين ابن عربي في بعض كتبه، إذ ربما يكاد القارئ لا يفقه ما يُريد ويحتاج إلى شروح وتفسيرات لاحقة من أمثال القونوي أو الإصفهاني أو صدر المتألهين لتقريب ما قصده، مع احتمال إسقاط فهوم جديدة أثناء الشرح. على أيّ حال، يُذكر أيضاً أنّ هايدغر كلما تقدّم في العمر، ازداد تعقيد لغته ومصطلحاته الفلسفيّة، مما أدّى إلى انقسام واسع بين المفكّرين الغربيّين تجاهه:

1.       فئة اعتبرته أحد أعظم فلاسفة الغرب على الإطلاق في القرن العشرين، ووضعوه في مصافّ كانط وأفلاطون وديكارت وغيرهم من عمالقة الفلسفة.

2.       فئة أخرى رفضت أعماله واعتبرت لغته معقّدة جداً، وأنّ أفكاره لا تصل إلى نتيجة واضحة، ولم تصدر عن فلاسفة ماهرين، أي أنّها بعيدة عن القدرة على الفهم حتى من قبل كبار الطلاب.

لكن رغم هذا الانقسام، لا يمكن إنكار أنّ هايدغر أثّر بشكل عميق في الأجيال اللاحقة، ومنهم: غادامير، وبولتمان، وبول ريكور، وجاك داريدا، وغيرهم، من الذين طوّروا أفكار الهرمنوطيقا الفلسفيّة واستفادوا من رؤيته الأساسيّة.

ويمكن تلخيص الخطوات الجوهريّة التي قام بها مارتن هايدغر والتي أحدثت تحوّلاً جذرياً في الدراسات الهرمنوطيقيّة على النحو الآتي:

3 ـ 1 ـ الهرمنوطيقا ودراسة الفهم

الخطوة الأساسيّة التي ميّزت هايدغر عن سابقيه في الهرمنوطيقا تمثّلت في تحويل محور البحث من وضع ضوابط وقواعد لفهم النصوص إلى دراسة حقيقة الفهم ذاته، وبعدها ستُصاغ النتائج تلقائياً في ضوابط الفهم. ففي السابق، كان التركيز منصبّاً على استنباط قواعد تفسيريّة سواء في التراث الديني، كما هو الحال عند المفسّرين والأصوليين، أو في الفكر الغربي، كما تجلّى في أعمال دلتاي وشلايرماخر، حيث كانت الهرمنوطيقا تهدف إلى ضبط عملية تفسير النصوص وتحديد أساليبها، لكن هايدغر غيّر هذا الاتجاه جذرياً، قائلاً إنّه بدل البحث عن قواعد لفهم النصوص، ينبغي دراسة الظاهرة الأساسيّة نفسها التي تسمّى "الفهم". فطرح تساؤلات جوهريّة عن طبيعة الفهم، وشروطه، وكيفيّة حدوثه، معتبرًا أنّ دراسة هذه الظاهرة توفّر أساسًا أكثر عمقاً لاستنباط القواعد، بدل أن تُستنتج القواعد جزئياَ وبشكل سطحي.

وقد تجلّت هذه الرؤية لأوّل مرة في مشاركته في مؤتمر عام 1923م، ثم توطّدت في كتابه الشهير: الوجود والزمان، حيث ركّز على فهم الفهم بحدّ ذاته أكثر من التركيز على النصوص نفسها. ومن أهم نتائج هذا التوجّه أنّه دفع الباحث إلى إهمال القواعد والمناهج مؤقّتاً، والتفرّغ لتحليل الظاهرة الجوهريّة للفهم بوصفه واقعاً وجوديّاً وفلسفيّاً، وهي النقطة التي ما تزال تؤثر بشكل مباشر في الدراسات الهرمنوطيقيّة المعاصرة، إذ أصبحت عمليّة فهم النصوص متجذّرة في تحليل الفهم ذاته.

3 ـ 2 ـ توسيع دائرة الهرمنوطيقا

اعتبر هايدغر أنّ الفهم الذي ينبغي دراسته هو الفهم العام، على عكس ما قام به دلتاي، الذي اقتصر في تحليله على دائرة العلوم الإنسانية، محدّدًا قواعده ومناهجه ومنطقياته ضمن هذا المجال فقط. أمّا هايدغر، فقد وسّع دائرة البحث، معتبراً أنّ دراسة الفهم يجب أن تشمل جميع مجالات المعرفة بلا استثناء، سواء كانت العلوم الطبيعية التجريبيّة أم العلوم الإنسانيّة، بما يجعل الهرمنوطيقا علماً على تماس مع جميع العلوم البشريّة تقريباً. ويرتكز هذا التوسّع على فكرة أنّ الفهم هو ممارسة جوهريّة تتفاعل مع كافّة مظاهر التجربة الإنسانيّة، وأنّ حدود فهم الإنسان لا يمكن حصرها في نطاق معيّن دون غيره.

3 ـ 3 ـ الهرمنوطيقا، دراسة وجوديّة

عادةً، حين يُذكر الفهم، ينصرف التفكير مباشرةً إلى كونه مسألة معرفيّة، أي دراسة فلسفة المعرفة والمعرفيّات وليس الوجود نفسه، إلا أنّ هايدغر قدّم تصوّراً جوهرياً قريباً من بعض أفكار الفلاسفة والمتصوّفة في التراث الإسلامي، مفاده أنّ دراسة الفهم يجب أن تكون دراسة وجوديّة، فنحن لا نبحث عن معايير أو معرفيّات أو أخلاقيّات، بل عن ظاهرة وجوديّة بالمعنى الفلسفي، تشبه دراسة أيّ جسم موجود في الخارج؛ فكما يمكن للباحث دراسة أيّ موجود مادي وجودياً، يمكن أيضاً دراسة الفهم وجودياً، ليس كمعرفة نظريّة أو قاعدة، بل كحقيقة قائمة بذاتها.

ومن هذا المنطلق بالذات، ذهب هايدغر إلى نقطة أوسع، فرأى أنّ تحليل الفهم يكشف في النهاية عن وجود الإنسان ذاته، إذ إنّ الإنسان بما هو إنسان هو الفهم. وهذا يقودنا إلى تجاوز النظريّة الأرسطية التقليديّة في نظريّة التجريد، التي تحدّد الإنسان بالناطقية والعقل وإدراك الكليّات، والتمييز بين ما تدركه الحيوانات من المحسوسات والمتخيّلات والموهومات، وصولًا إلى العقليّات المجردة. فقد طرح هايدغر رؤيته النقدية هذه، وأشار إلى أنّ هذا التصوّر يركّز على ما يميّز الإنسان عن الحيوان بشكلٍ نظري، في حين أنّ الإنسان يساوي الفهم ذاته، أي أنّ جوهر الإنسان يكمن في فعل الفهم ذاته وليس في مجرّد خصائص معرفيّة أو عقلية محدّدة، فلكي نفهم حقيقة الفهم، علينا بالضرورة إدراك الإنسان ذاته ووجوده؛ إذ إنّ دراسة الإنسان بمعزل عن الفهم ستكون دراسة غير واقعيّة.

وبهذا يظهر أنّ الدراسات التقليديّة، سواء في الفلسفة الغربية أم في الهرمنوطيقا في عصر شلايرماخر، كانت مقصورة على تفسير النصوص وتحديد قواعدها، بينما بعد مرور مئة عام ظهرت مدارس جديدة تتجاوز مجرد النصّ إلى دراسة الفهم كظاهرة وجوديّة، وهو ما يفسّر طبيعة التعريفات المتعدّدة والمختلفة للهرمنوطيقا. فمثلما نجد في التراث الإسلامي، حين يُسأل الصوفي عن الزهد أو الرجاء أو التصوف، نجد عشرات التعريفات، لكن الحقيقة أنّ كلّ معرِّف يصف تجربته الذاتيّة، وليس هناك تناقض في التعريفات بقدر ما هو انعكاس لخصوصية كلّ باحث، ينطبق الأمر نفسه على الهرمنوطيقا، فكثرة التعريفات ناتجة عن أنّ كلّ فيلسوف يتحدّث عن مشروعه الخاص، الذي يشترك مع غيره ـ في الغالب ـ في الاسم العام للعلم لا أكثر.

عموماً، في المحصّلة خرج هايدغر من التركيز على قواعد النصوص إلى دراسة الفهم ذاته، ثم إلى ملاصقة الفهم لوجود الإنسان، ومن ثم إلى دراسة ما أسماه الوجود العام، مما يجعل فلسفته فلسفة وجوديّة بحتة. ولتقريب هذا التصوّر يمكن الاستعانة بما نسمّيه في الفلسفة وأصول الفقه بالوجود السِّعي، كما جاء في فلسفة ابن سينا، حين تحدّث عن الرجل الهمداني الذي دار معه نقاش حول الكلّي والمصاديق. ففي هذا الإطار، تعتبر نظرية أنّ الكلي الطبيعي موجود بوجود أفراده خاطئة، إذ إنّ الكلّي الطبيعي قائم بذاته، وأفراده مجرّد انعكاس له، وقد أطلق على هذا اصطلاحاً "الكلي الهمداني" أو "نظرية الرجل الهمداني". وفي المقابل، يسعى هايدغر إلى أنّ يوسّع دائرة البحث لتشمل الوجود العام، بما يتجاوز الحدود الجزئية للأفراد مثل زيد أو عمرو أو بكر، بحيث يصبح الحديث عن ظاهرة الوجود بشكلٍ عام، وهو تصوّر يقترب من بعض مدارس الفلسفة الإسلاميّة.

ولتوضيح الفكرة أيضاً نشير إلى أنّ هايدغر كان قد واجه المسلك الذي تأسّس عليه الفكر الغربي في عصره، فكما نعرف أنّ أوغست كونت ذكر أنّ البشرية مرّت بثلاث مراحل تاريخيّة: المرحلة الدينية، التي تقوم على الإيمان بأنّ الله وراء كلّ شيء؛ ثم المرحلة الفلسفيّة، حيث يتمّ البحث عن علل الأحداث دون التمكّن من تحديدها بدقّة، فمثلاً يُقال: إنّ الحريق له علّة، لكنّها تبقى غير معروفة، لأنّ تحديدها ليس من وظيفة الفيلسوف؛ وأخيراً المرحلة العلميّة التي ظهرت في عصر النهضة، حيث بدأ الإنسان يحاول فهم الأشياء والأحداث وفق علل واضحة ودقيقة. لكن هايدغر يقول في هذا الصدد، بأنّ هذا المسار الذي سلكته الفلسفة الغربيّة في دراسة الوجود كان اشتباهاً وخطأ؛ فقد ركّز الفلاسفة الغربيّون على علاقة الوجود بالأشياء دون دراسة حقيقة الوجود ذاته بما يشمل جميع الوجودات. ومن هذا المنطلق، دعا إلى أن يكون البحث الفلسفي مركّزاً على دراسة حقيقة الوجود العام، ومن خلال فهم هذا الوجود العام يمكن حينها التطرّق إلى فهم الوجود الإنساني.

ويُلاحظ هنا أنّ فلسفة هايدغر قد سارت مساراً مختلفاً جذرياً عن المسار الذي انتهجه فلاسفة مثل كانط وغيره، إذ انتقل بها من الاهتمام بقواعد تفسير النصوص إلى دراسة الفهم ذاته، ومن ثم إلى الإنسان، قبل أن يمتدّ إلى الوجود العام الذي يغطّي جميع الوجودات ويستوعبها، بما يشبه ما نسمّيه في الفلسفة الإسلامية بالوجود السِّعي. وبهذا، تحوّلت فلسفة هايدغر إلى فلسفة وجوديّة، لا معيارية ولا معرفيّة بالمعنى المصطلح، مقدّماً تصوراً مختلفاً تماماً لطبيعة الفلسفة والبحث الفلسفي.

3 ـ 4 ـ فهم الإنسان هو فهم الوجود

ومن أبرز مبادئه في هذا السياق، اعتقاده بوجود كلّي عام يغطّي جميع الوجودات الجزئيّة الخاصة، وأنّ دراسة هذا الوجود الشامل لا يمكن أن تتحقّق إلا عبر فهم الوجود الإنساني، على نحو يشبه المنهج الذي اتبعه ديكارت، حين انطلق من فهم ذاته ليصل إلى فهم العالم، إذ يرى هايدغر أنّ فهم حقيقة الوجود الإنساني هو الخطوة الأولى والضروريّة لفهم أيّ شيء آخر في العالم، فبدون تحليل الفهم الإنساني لا يمكن الوصول إلى تحليل أيّ شيء في هذا العالم.

3 ـ 5 ـ عناصر نظريّة الفهم عند هايدغر

وبهذه الطريقة، يرسم لنا هايدغر خارطة عمل فلسفيّة تقوم على تسلسل منهجي يبدأ من الفهم، ثم يتّجه إلى الإنسان، وصولاً إلى الوجود العام الشامل، لتقديم فلسفة وجوديّة متكاملة تتجاوز ما كان قبله. وعليه، يأتي السؤال الآن: ما هي نظرية هايدغر في الفهم؟

سوف نقتصر على عرض نقاط خمس أساسيّة من نظريّته المتشعّبة؛ لأنّ الغاية لنا هنا ليس التعمّق في فلسفة الغرب بقدر ما هو فهم ما جرى ويجري في الساحة الفكريّة الإسلامية، وكيف يمكن ربطه بتصوّرات الفهم.

3 ـ 5 ـ 1 ـ الفهم ليس فعلاً إنسانيّاً

 يرى هايدغر أنّ الفهم ليس فعلاً إنسانيّاً صادراً من الإنسان كما نتصوّره عادةً، فنحن في حياتنا اليومية نربط الفهم بالأفعال: "أنا أضرب زيداً"، "أنا أشرب الماء"، ونفترض أنّ "أنا أفهم" أيضاً فعل صادر من قوى الإنسان النفسيّة، لكنّ هايدغر يؤكّد أنّ الفهم يتجاوز هذه النظرة، فهو ليس مجرّد فعل، بل هو رتبة وجوديّة من رتب الإنسان في سلّم الوجود. بمعنى آخر، الفهم يمنح الإنسان رتبة وجوديّة ومنزلة خاصّة، فيرتفع بها في سلّم الوجود الصعودي وتتسع سعته الوجوديّة بحسب تعبير العرفاء؛ فالفهم ليس شيئاً يصدر عن الإنسان، بل ذات الإنسان وعينه في رتبة من رتب وجوده، وإذا لم يتحقّق الفهم فإنّ الإنسان لا يكتمل في رتبة وجوده.

ويمكن توضيح ذلك بمثال عملي: إذا التحق شخصٌ بدورة علميّة أو دينيّة، ثم اكتسب معلومات على مدى سنتين أو ثلاث، فإنّ ذلك ليس بتلك البساطة، بحيث يعني فقط أنّ معلومات جديدة دخلت إلى ذهنه، بل إنّ النفس الإنسانيّة ارتقت في سلّم وجودها، فكان قبل ذلك في رتبة وجودية معيّنة، ثمّ أصبح وجوده أوسع وأغنى فانتقل إلى رتبة أعلى. هكذا يظهر الفهم كحالة وجوديّة متّسعة، لا مجرّد فعل صادر، بل حالة من حالات الإنسان تقوّمه بدرجة معيّنة.

3 ـ 5 ـ 2 ـ الفهم واحدٌ لا يقبل التجزئة

 يشدّد هايدغر على أنّ الفهم واحد لا يقبل التجزئة، أي أنّ فهم الإنسان للمسائل الطبيعيّة هو نفسه فهمه للمسائل الإنسانيّة، ولذا يختلف مع دلتاي الذي ركّز على دراسة الفهم ضمن دائرة العلوم الإنسانيّة فقط، معتقداً أنّها تختلف عن العلوم الطبيعيّة. أمّا هايدغر فيرى أنّ الفهم، كظاهرة وجوديّة، موحّد في جميع المجالات. صحيحٌ أنّ طبيعة المعطى قد تختلف؛ فالفهم ـ كظاهرة ـ لموضوع مادي لا يختلف عن فهم الله تعالى، نعم، ربما تختلف نتيجة المعطى والمتعلّق، فكلامنا عن وجود عينيّ مادي يغاير الحديث عن وجود الله سبحانه، لكنّ الفهم كظاهرة وجوديّة (أي كتحقّق في الخارج) هو نفسه لا يتعدّد. وعليه، لا وجود لأنواع مختلفة من الفهم أو أشكال متمايزة له؛ فالفهم، بصفته حالة وجوديّة، يبقى واحداً لا يتجزأ أو يتنوّع بتنوّع المفهومات المادية أو المعنوية أو الإنسانية أو التجريبية. ومن هنا، خطّأ دلتاي في حديثه عن الفهم في دائرة العلوم الإنسانيّة فحسب، بل هو نفسه في دائرة العلوم الطبيعيّة؛ فلماذا اقتُصر على تحليل حقيقة الفهم في تلك الدائرة بالخصوص ليُصار إلى أخذ قواعد تضبطها دون غيرها! فالفهم هو الفهم بما هو ظاهرة وجوديّة.

3 ـ 5 ـ 3 ـ بُعدا الفهم عند هايدغر

 تتعلّق النقطة الثالثة في نظريّته بالبُعد المزدوج للفهم، وهي من الركائز الجوهريّة التي تميّز فلسفته الوجوديّة، حيث يرى هايدغر أنّ الفهم له بُعدان: فمرّة تقصده بمعناه الذاتي أي بما هو هو في ذاته مستقلاً عن أيّ شيء آخر؛ ومرّة بمعناه كمرآة أو كحاكٍ عن الخارج. وبعبارة أخرى: الفهم يُقرأ أوّلاً باعتباره مستقلاً وبما هو هو، وثانياً على نحو المرآتية والآلية كانعكاس للواقع الخارجي، حيث يعكس ما يحصل في العالم ويجعل الإنسان يراه ويعيه.

إنّ هذا البُعد المزدوج للفهم يجعل له طابعين: وجودي وهرمنوطيقي، فالبُعد الوجودي يظهر في كونه حالة من حالات الإنسان، وظاهرة قائمة في الخارج، تتجلّى في تجربة الإنسان وعلاقته بالوجود. أمّا البُعد الهرمنوطيقي، فيتجلّى في قدرة الفهم على أن يكون حاكياً عن شيء، أي أنّه يعكس لنا الحقائق الخارجيّة ويكشف عن مظاهر العالم. ومن هنا، يشدّد هايدغر على أنّ دراسة الفهم يجب أن تكون دراسة وجوديّة قبل كلّ شيء، لكي يتسنّى لنا ـ كخطوة لاحقة ـ فهم بُعده الهرمنوطيقي الحكائي، يعني بذلك أنّ علينا أوّلاً تحليل حقيقة الفهم، لمعرفة كيف يُريني حقيقة الأشياء في الخارج؛ فإذا لم نستطع تحليل بنية الفهم الوجوديّة، فلن نتمكّن من معرفة كيف يرينا الواقع أو كيف ينعكس على إدراكنا، فهل ينعكس مثلاً بصورة كاملة أو ناقصة؟ هل تظهر الأشياء كما هي في الواقع أو يحرّفها؟ وهل هناك قيمة لإرائته أو ليس لها قيمة؟

ولتوضيح هذا بصورة عمليّة: عندما أنظر إلى عامود أمامي، أراه مؤلّفاً من الحجارة ولونه أزرق، فأقول: هذا عامود أزرق من حجارة. فإنّ هذا الفهم هو ظاهرة وجوديّة قامت في ذهني، وفي الوقت عينه هو هرمنوطيقي؛ لأنّه يعكس شيئاً من الخارج ويحكي لي الواقع الذي أمامي.

وهذا ما يشبه في جوهره ما قام به الفلاسفة الإسلاميّون حين بحثوا في حقيقة الوجود الذهني وكيفيّة تماهيه مع الموجودات، فقد ذكروا أنّ للوجود الذهني صورة ذهنية تمثّل الشيء الخارجي، ثمّ قاموا بتحليل هذه الصورة، ثم سألوا: كيف نعرف أنّ هذه الصورة الذهنية لهذه السُبحة بطولها ولونها، تتطابق مع الواقع الخارجي؟ وللإجابة على هذا السؤال، طرحت نظريّات متعددة، مثل نظرية الشبح، وأخرى تقول بأنّ نفس الشيء موجود في الذهن، أي أنّ للسبحة وجودات متعدّدة ورتب وجودية: رتبة وجوديّة عليا، ووجود ذهني، ووجود سفلي خارجي. وتُعد المماهاة بين الصورة الذهنية والصورة الخارجيّة مماهاةً حقيقيّة، أي هي هو وهو هي، غير أنّ رتب الوجود مختلفة، فهي واحدة لكنّها متعددة في الرتب.

وهذا كالمأخوذ من الشيخ ابن عربي في نظريّة التجلّي والظهور، حيث يُشبّه الأمر بالضوء المنبعث من المصباح إلى الجدار: القطعة الأولى التي تخرج من المصباح ليست مختلفة عن القطعة الذي تظهر على الجدار، بل هي عينها، لكنّها تختلف في شدّتها وضعفها بحسب الرتبة. وفي هذا السياق، يوضح ابن عربي أنّ الله تعالى هو نحن في الظهور والتجلّي، لكن هو في رتبة الذات الأحديّة في جميع الجهات، ونحن هو في أسفل رتبة ممكنة وهي رتبة المادة.

وما نحن فيه يُشبه هذا، فالنظريّة التي طرحها هايدغر في دراسة الفهم، مآلها إلى أنّ الفهم في حقيقته الوجوديّة إنّما يُدرس ليتسنّى الوقوف على كيفيّة إراءته للواقع، وكيف تتمّ ـ في مقام هرمنوطيقيّته ـ حكايتُه عن الواقع؟ ولأيّ درجة تبلغ حكايته؟ وما هي علاقة الفهم بالواقع وعلاقة الواقع به؟

3 ـ 5 ـ 4 ـ كيفيّة تحقّق الفهم

 بناءً على ما مرّ، يعتقد هايدغر أنّ الفهم لا يتمّ بمعزل عن مخزون سابق موجود في ذهن الإنسان، فهو يرى أنّه من المستحيل فهم نص أو فكرة أو لوحة فنية أو شعر دون وجود مجموعة من التصوّرات المسبقة والفرضيات القبليّة، أو ما يمكن تسميته بالمخزون القبلي للفرد؛ أي أنّه لو فرض شخص لا يملك أيّ مخزون قبلي فلن يفهم شيئاً، بل لا بدّ من وجودها لكي يفهم المرء النصّ أو غيره على وفقها. فالفهم عمليّة مركّبة تتألف من جزأين متكاملين: جزء يأتي من طرف الفاعل، أي من ذهن المتلقّي أو الفاهم ومخزونه القبلي، وجزء يأتي من طرف النصّ نفسه، أي المادّة المقدَّمة من المؤلف أو الفنان. وعليه، فإنّ أي فهم أو تفسير أو شرح لأيّ نص لا ينشأ من طرف واحد، بل هو ثمرة امتزاج هذين الجزأين.

ويضرب هايدغر مثالاً عمليّاً لذلك، مشيراً إلى أنّ الفيلسوف حين يقرأ رواية، فإنّه يفهمها وفق ما يملكه من نظرات فلسفيّة؛ فإذا وضع نظارات سوداء، يرى الأشياء سوداء، وإذا وضعها خضراء، يراها خضراء. المخزونات القبلية للفهم تساهم، إذاً، في تشكيل النتيجة النهائية للفهم.

وهذه النظرية تُفسّر أيضاً سبب الاختلاف في نقل الأخبار أو فهمها عند تكرارها، حيث إنّ كلّ عمليّة نقل أو تفسير تضيف بُعداً من المخزون القبلي للمتلقّي، فيتغيّر المعنى تدريجيّاً عبر النقل المتعدّد. وقد أضحت هذه النظرية مسلّماً بها في الدراسات الغربية المعاصرة، ووجدت صدى واضحاً لدى بعض المفكّرين المعاصرين في العالم الإسلامي، الذين اعتمدوا عليها في تطوير مناهجهم الهرمنوطيقية. فمثلاً، لولا هذه النظريّة لما استطاع محمد مجتهد شبستري أن يؤلّف كتابه هرمنوتيك كتاب وسنت (هرمنوطيقا الكتاب والسنّة)، وكذلك عبد الكريم سروش ما كان كتب القبض والبسط، فضلاً عن مفكّرين آخرين سواء في العالم العربي أم غيره، فالأثر الفلسفي لهايدغر هنا لم يكن مجرّد نقل للمفهوم الغربي، بل أصبح أداة أساسيّة لتطوير الفكر التأويلي والهرمنوطيقي في السياقات الإسلاميّة المعاصرة.

3 ـ 5 ـ 5 ـ إعلان موت المؤلّف

في هذا السياق، تؤكّد نقطة هايدغر الخامسة على مفهوم جوهري لم يترسّخ بعدُ في الأوساط الدينيّة الإسلاميّة، وهو إعلان موت المؤلف. فقد دعا هايدغر إلى الابتعاد عن محاولة التقصّي المستمر وراء مراد المؤلّف أو قصد المتكلّم عند قراءة النصوص، فالفهم، وفق رؤيته، ليس محاولة عبور من النصّ إلى فهم المؤلّف، كما كان سائداً في الهرمنوطيقا الرومانطقيّة للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث يرى شلايرماخر أنّ فهم النصّ يكمن في الوصول إلى مراد المؤلّف، بل على العكس، ينقل هايدغر الفهم إلى مستوى آخر؛ فالنصّ هو الكيان الذي تتعامل معه مباشرة ويتعامل معك هو أيضاً، والفهم ينشأ من هذه المواجهة بين القارئ والنصّ نفسه، بل هو ثمرة هذا الامتزاج والتفاعل مع عبائر النصّ ودلالاته ومعانيه، بحيث يعطيك فهماً أزيد ووعياً أرقى، ففهم النصّ هو محاولة الاختلاط به بما هو دالّ وحاكٍ لكي تترفّع رتبتك الوجوديّة.

وبعبارة ثانية، وفق هذا المنظور، يصبح فهم النصّ تجربة وجوديّة ترتبط مباشرة برتبة وجود القارئ نفسه؛ إذ إنّ كلّ عمليّة قراءة ليست مجرّد التقاط للمعلومات، بل هي مواجهة وجوديّة مع المعاني والدلالات التي يحملها النص؛ والفهم هو نتيجة تفاعل القارئ مع النص، وما ينتج عن هذا التفاعل من رؤى وتصوّرات ومفاهيم ينعكس على تطوّر فهم القارئ وارتقائه في سلّم الوجود. ومن هذا المنطلق، تكون عمليّة التفسير عبارة عن هذا التفاعل نفسه، بحيث يأخذ من خلاله القارئ دلالات تتولّد على إثرها تصوّرات ورؤى ومفاهيم جديدة في ذهنه، وهذه هي الغاية المرجوّة، ولا حاجة لبذل الجهد في الوصول إلى المراد الجدّي للمؤلّف أو مراده الاستعمالي أو الدلالات التصوريّة والتفهيميّة، وأمثال ذلك، فكلّ ذلك ينبغي طرحه جانباً؛ والمهم هو التفاعل ذاته وما يولّده من نموّ وجودي للفاهم.

بيد أنّ هذا القول لا ينبغي فهمه على أنّه دعوة إلى العبثيّة، فهايدغر لا يطرح ذلك اعتباطاً، بل حاله أشبه بحال السوفسطائي الذي لا يؤمن بوجود شيء، لكنّه إن ضُرب تألّم وصرخ، فهو يعيش في حياته العمليّة على نقيض نظريّته؛ كذلك هايدغر، لا يهدف إلى الدعوة لترك القراءة كلياً، بل يرى أنّ هذه المحاولة لا بأس بها، لكنّه لا يوجد معيار حاسم يضبطها ويحدّد مراد المتكلّم من النص، وهو معنى ما ذكره من أنّ النصّ لا نمرّ به لنصل إلى المتكلّم؛ فلا معنى للهث وراء مراده. نعم، من الممكن أن تكون التصوّرات الناشئة في الذهن بعد قراءة النصّ هي ذاتها ما أراده، ولكن لا يوجد معيار يضمن هذه المطابقة؛ فالأحرى إذن ترك التكلّف في طلب ذلك، وما في ذهن القارئ بعد قراءة النصّ هو نتيجة مباشرة لملاقاته مع النصّ وتفاعله معه، وهذه النتيجة هي ما يشكّل الفهم الحقيقي وفق النظريّة الوجوديّة لهايدغر.

من الواضح أنّ هايدغر هنا يضع الأساس لفهم النصوص على نحو مختلف تماماً عما اعتدنا عليه في التراث الإسلامي؛ فهو يقلب فلسفة الفهم السائدة عندنا رأساً على عقب، فنحن ـ كما درجت ممارسات العلماء والفقهاء والمفسّرين منذ القرن الهجري الأوّل وحتى عصرنا الحالي ـ نبحث في الآيات والروايات عن مراد الله تعالى أو مراد النبيّ‘، حيث كان الهدف الأساس هو الوصول إلى المراد الجدّي، أمّا هايدغر، فيطرح نظريّة معاكسة تماماً، ترى أنّ هذا السعي قد يكون عبثياً، وأنّ التركيز الحقيقي يجب أن يكون على تجربة الفهم نفسها، أي على الثوران المعرفي والوجودي الذي يحدُث في ذهن القارئ، والذي يمكن أن يؤدّي إلى نتائج متغيّرة وغير متوقّعة، وربما لا تتطابق أبداً مع قصد المتكلّم، ولذلك، فإنّها تزرع الشكّ المستحكم في إمكانيّة الوصول إلى مراد المتكلّم بنحوٍ يقيني. وهو ما يجعل من فهم النصّ عملية ذاتية، متجدّدة، ومتصلة بوجود القارئ لا بمرادات المتكلّم.

4 ـ غادامير والعودة مجدّداً إلى التأويل

يمكن إيضاح فلسفة غادامير (1900-2002م) ـ بشكلٍ موجز ـ في النقاط الآتية:

4 ـ 1 ـ الخلفيّات الفكريّة والتحوّل المنهجي

 يُعدّ هانز جورج غادامير شخصية مركّبة معرفيّاً، إذ يجمع بين إرث الفلسفة اليونانية القديمة والفلسفة الغربية الحديثة، فهو يستحضر باستمرار أفكار أرسطو وأفلاطون ويستشهد بهما، كما يتأثر بأفكار هيغل وهايدغر، فتتكوّن صورة الرجل على أنّها عصارة فكريّة لهؤلاء الفلاسفة. ومن الواضح أنّه ينهل من كلّ واحد منهم ما يخدم رؤيته الفلسفية، فتجده يستعيد مقولات أرسطو وأفلاطون وهايدغر وهيغل؛ وعلى سبيل المثال، كان تأثره بهيغل واضحاً في اهتمامه بنظريّة الجمال والفنّ الخاصّة به.

ويُمثّل كتابه الحقيقة والمنهج محطّة مفصليّة في حياته الفكرية، بحيث يمكن القول: إنّ فترة ما قبل تأليفه تختلف جذريّاً عن الفترة التي تلته، فهو يوضح في هذا الكتاب انتقاله إلى مرحلة نضج معرفي وفلسفي عميق،؛ فهذا الكتاب يُعدّ بحقّ مفصلاً بين حقبتين من مسيرته الفكريّة: حقبة يمكن اعتبارها مرحلة التأسيس والبداية، وحقبة تمثّل قمّة الإبداع والعطاء.

وإذا أردنا أن نلخّص أهم إنجاز هذا الكتاب، يمكن القول: إنّه يمثل شرحاً وتوضيحاً وتوسيعاً لنظريات هايدغر في كتابه الوجود والزمان، إذ يعيد صياغتها ويبسّطها ويوضحها للقارئ، مع احتفاظه بالعمق الفلسفي للموضوع. لكن، هناك فارق أساس بين الرجلين: فقد أحدث هايدغر قطيعة مع الهرمنوطيقا التقليديّة قبل القرن العشرين، التي كانت تهتم أساساً بفهم النصوص ووضع مناهج لذلك وتحليل حركة فهم النصوص، فحوّلها إلى نظريّة في الوجود، أي نظريّة الفهم وحقيقة الإنسان؛ بينما غادامير، على الرغم من تبنّيه لنظريات هايدغر وتوسيعها، أعاد مدّ جسور مع الهرمنوطيقا السابقة، فأعاد الاهتمام بتحليل فهم النصوص تحديداً، سواء كانت نصوصاً أدبية أم لوحات فنية أم نصوصاً نثرية وشعريّة، بعيداً عن التحليل العام للفهم والوجود كما فعله هايدغر.

وهكذا، يمكن القول بأنّ غادامير حافظ على روح الهرمنوطيقا الفلسفيّة، لكنّه أضاف إليها بعداً جديداً، يتمثل في إعادة مدّ الجسور مع ما قبل القرن العشرين، والجمع بين النظريّة الوجوديّة للفهم عند هايدغر والتركيز على دراسة النصوص وتحليل فهمها بالتفصيل مرّة أخرى. ومن هنا، عاد اليوم الحديث في الدراسات الهرمنوطيقية المعاصرة حول فهم النصوص، ليس على مستوى تحليل ظاهرة الفهم في ذاتها والوجود العام، بل على مستوى التفاعل مع النصوص نفسها، ما يجعل غادامير حلقة وصل بين ما قبل القرن العشرين وما بعده في علم الهرمنوطيقا.

4 ـ 2 ـ الفراغ الداخلي عند الإنسان

فيما يتعلق بالتصوّر العام لديه، يمكننا الإشارة إلى نقطة مركزية في منهجه، تتقاطع إلى حدّ ما مع بعض محاولات كانط، إذ كان غادامير يرى أنّ الحضارة الغربية قد أوهَمت نفسها بوهمٍ كبير، مفاده أنّ العلوم الحديثة قادرة على إسعاد الإنسان وتنظيم حياته بشكل كامل، وبناءً على هذا، شدّد غادامير على أنّ جميع منظومات العلوم ـ سواء كانت فلسفية، رياضية، طبيعية، تجريبية أو إنسانية ـ لا يمكنها بمفردها إعادة بناء حياة الإنسان ضمن إطار سليم. فهي مفيدة، لكنّها لا تكفي لتحقيق الهدف النهائي للإنسانيّة، أي تحقيق سعادة الإنسان وطمأنينته الوجوديّة.

رأى غادامير أنّ الحضارة الغربية كرّست اهتمامها بالعلوم، لكنّها أخفقت في معالجة أعمق القضايا الإنسانيّة، فحتى مع التطوّر التكنولوجي والعلمي والفكري، وظهور نظريّات متقدّمة في علم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد، يبقى الإنسان مشغولاً بالفراغ الداخلي، ويزداد شعوره بالغربة والقلق واللاطمأنينة والاضطراب الوجودي في هذا العالم. وهذا، برأيه، يشير إلى وجود فراغ واضح في الجانب العملي والأخلاقي من حياة الإنسان، وهو ما دعا غادامير لإعادة دراسة العقل العملي والأخلاق الإنسانيّة ضمن ما أطلَقَ عليه الفلسفة العملية. والمقصود هنا ليس بناء المساجد أو الكنائس أو الاكتفاء بالمواعظ والتوجيهات الدينية، بل إعادة تحليل البناء الإنساني نفسه، ودراسة كيف يمكن للعقل العملي أن يحقّق تكاملاً بين المعرفة الإنسانيّة والوجود الفردي، بحيث يشعر الإنسان بأنّ علومه ونظرياته وخبراته لا تكتفي بالممارسة النظريّة، بل تُسهم في حياته الواقعية وحقيقته الوجوديّة، وهذا الموقف يشكّل أساساً مركزياً في تفكير غادامير، ويبيّن اهتمامه العميق بربط الفلسفة بالوجود والواقع، وليس الاكتفاء بالتحليل النظري المجرّد.

4 ـ 3 ـ البُعد التاريخي أو التاريخاني

النقطة الأساسية الأخرى التي يركز عليها غادامير هي البُعد التاريخي أو ما يسمّيه التاريخانيّة، وهو جانب سبق وطرحه هايدغر لكن غادامير وسّعه وأعطاه اهتماماً خاصاً، فبحسبه، لا يمكن فهم أيّ ظاهرة أو قيمة أو نصّ إلا ضمن سياقها التاريخي، أي داخل الإطار الزمني والمكاني الذي نشأت فيه. وبذلك تصبح النزعة التاريخانيّة عنده قمّة في الاهتمام، فهي لا تقتصر على دراسة الأحداث التاريخيّة، بل تشمل كلّ جوانب الحياة الإنسانيّة، بما في ذلك القيم والمبادئ والأخلاق والعلوم الإنسانيّة، فالإنسان، من منظوره، كائنٌ تاريخي بطبيعته، لا يمكن التعامل معه بعيداً عن تاريخيّة وجوده وتجربته في الزمان والمكان.

طبعاً، هذا البُعد التاريخي أصبح اليوم محوريّاً على المستوى الثقافي والفكري في الغرب، وامتدّ تأثيره إلى الدراسات الإسلاميّة المعاصرة، حيث يُعد موضوع من أبرز نقاط الجدل بين التراثيين والحداثيّين، فالطرف الأول لا يقبل التاريخية إلا في حالات محدودة واستثنائية، ويرى أنّ الأصل في النصوص والأحكام والقيم هو الثبات ما لم يثبت العكس، بينما الطرف الآخر يعتقد بالنسبية التاريخيّة ويعتبرها الأصل، فيرى أنّ الديمومة والاستمرارية تحتاج إلى دليل، حتى في القضايا الأخلاقيّة، فمثلاً، فيما يتعلّق بالعدل والظلم، يختلف الطرفان في تحديد مدى ثباتها أو خضوعها للتحوّلات التاريخية، مما يبرز أهمية فهم التاريخيّة ليس فقط في الفكر الغربي، بل في سياق النقاشات الإسلاميّة المعاصرة حول تفسير النصوص وتطبيق القيم.

المبحث الرابع: الفوارق الأساسيّة بين المنهج التراثي والهرمنوطيقي

بعد هذا الموجز حول المدارس الهرمنوطيقيّة، أصبح بالإمكان الانتقال إلى استعراض الفوارق الأساسيّة بين محورين في فهم النصّ: المحور التراثي الكلاسيكي لفهم النصّ، والمحور الهرمنوطيقي المعاصر. وذلك ضمن فوارق عديدة على هيئة ثنائيات متقابلة.

1 ـ محوريّة المؤلّف أو المفسّر

 أي أنّ المؤلف هو المركز التي يطوف حوله المفسّرون ليفهموا مراده؛ وهو الذي يقع محلاً للبحث لا المفسّر؛ فالنصّ والمؤلّف ـ بحسب النظريّة الكلاسيكية ـ هما الأصل والمصدر، أمّا المفسّر فهم الفرع الذي ينبغي أن يصبّ جهده ليفهم مراد المؤلّف؛ بينما يعكس الفكر الهرمنوطيقي المعاصر الآية تماماً، فيغدو المفسّر هو الأصل ومحلّ الدراسة، أمّا المؤلّف فيأتي تالياً، إن لم يتمّ تنحيته بالكليّة.

هذا هو الفارق الأوّل بين مدارس التفسير والكلام والأصول والفقه في تراثنا من جهة، والمدارس الهرمنوطيقية الحديثة، بما في ذلك التيارات المتأثرة بها في وسطنا الإسلامي من جهة ثانية.

2 ـ ثبات المعنى أو تغيّره

 أي أنّ المؤلف لا بدّ وأنّه قصد معنى محدّداً عندما أنتج النصّ، وهذا المعنى ثابت، والأفهام التي تدور حوله هي المتبدلّة والمتغيّرة؛ والتحوّل المقصود هنا هو التغيّرات الطبيعية، فقد يفهم زيد من الناس المعنى بنحوٍ معيّن، ويفهمه عمرو بنحوٍ آخر، لكنّ يظلّ المعنى ثابتاً لا يتغيّر. وبعبارة أصوليّة: هناك ثبات في عالم الثبوت، وفي عالم الإثبات تتطرأ التغيّرات. وهذا ما تتبناه النظرة التراثية الكلاسيكية عندنا.

أمّا الدراسات الهرمنوطيقية المعاصرة فترى ـ على العكس من ذلك ـ أنّه ما دامت الأصالة للمفسّر، فلا ثبات للمعنى، بل المعنى صنيعة القارئ الذي ينتجه في سياق فهمه الخاص للنصّ، ومن ثمّ، قد يكون للنصّ الواحد معنيان أو أكثر بحسب فهومات المفسّرين؛ لا أنّ له معنى واحداً ثابتاً وقارّاً والفهومات هي السيّالة، بل المعنى نفسه أصبح سيّالاً.

3 ـ مسألة الصواب والخطأ

هذه النقطة تكمل النقطة السابقة، وتبرز فرقاً جوهريّاً آخر بين التصوّرين، وتتعلّق بمسألة الصواب والخطأ في فهم النص، ففي التيار التراثي، بما أنّ المعنى ثابت ومراد المؤلّف جليّ وواضح، فهناك إمكانيّة للإصابة أو الخطأ؛ أي أنّ المفسر قد يفلح في إدراك المعنى الصحيح، وقد يخطئ في فهمه، ويُسمّى هذا الفهم صحيحاً أو خاطئاً بحسب مدى مطابقة تصوّر المفسّر للمعنى المقصود، ومن هنا تأتي مقولات مثل "تفسير خاطئ للنصّ" أو "اشتباه المفسّر"، التي نراها كثيراً عند الفقهاء والمحدّثين، حيث يُقيمون تفسير شخص ما ويقارنونه بالمعنى المقصود، ليخلصوا إلى صحّة الفهم أو خطئه، ويستدلّون لذلك بالشواهد والقرائن. هذا الإطار يضع الفهم ضمن ضوابط محدّدة، ويجعل عمليّة التفسير مرهونة بالمعايير المعرفيّة واللغوية والفقهية.

أمّا في التصوّر الهرمنوطيقي، فالأمر مختلف جذرياً، لأنّ النصّ لا يمتلك معنى ثابتاً مستقلاً عن المفسّر، بل المعنى يُنتج في لحظة التفاعل بين النصّ والقارئ، وعليه، لم يعد منطق "الصواب والخطأ" ينطبق، فالفهم ليس إصابة لمعنى محدّد، بل هو إنتاج لمعنى من النص. هنا لا يمكن القول بأنّ المفسّر أصاب أو أخطأ، فالنصّ لا يحتكم إلى معيار خارجي ثابت يُقيّم به صحّة الفهم، بل يُنظر إلى كلّ فهم على أنّه إنتاج قائم بذاته، له وجود في سياقه التاريخي والثقافي والوجودي.

وبعبارة أخرى، في التيار التراثي، الفهم إمّا أن يُصيب أو يُخطئ، بينما في التيار الهرمنوطيقي، الفهم إمّا أن يحدث ويوجد أو لا يحدث؛ فإذا وُجد، فإنّ النتيجة هي معنى خاص بذلك القارئ، بغض النظر عن أيّ معيار موضوعي خارجي.

4 ـ مسألة المنهج في فهم النصّ

 كان التركيز في المدارس الهرمنوطيقيّة القديمة وحتى شلايرماخر، منصباً على وجود منهج محدّد لفهم النصوص؛ بمعنى أنّه إذا أردت فهم جملة أو نصّ ما، يجب اتّباع شروط معينة، يعدّدها الباحثون مسبقاً، كما نجد في مباحث الألفاظ في أصول الفقه أو في مقدّمات التفسير، حيث تُوضَع قواعد منهجيّة لفهم الآيات والروايات بما يؤدّي إلى إدراك مراد المؤلّف، أي أنّ وجود منهج واضح كان من المسلّمات الأساسيّة لدى هؤلاء، تماماً كما هو معمول به في التراث الإسلامي في الفقه، وأصوله، والتفسير، والكلام.

أمّا التيارات الهرمنوطيقيّة المتطرّفة ـ دون تعميم ـ فقد ذهبت أبعد من ذلك، حيث اعتبرت أنّ فكرة وجود منهج لفهم النصوص أصلاً فكرة خاطئة، وأنّ كلّ فهم هو نتاج تجربة ذاتيّة وحركة شخصية للقارئ، فلا حاجة للاعتماد على قواعد أو مناهج ثابتة، فالمواجهة مع النصّ انسيابيّة، والفهم الذي يتولّد هو نتيجة طبيعيّة لتفاعل القارئ مع النصّ، ولا يمكن فرض منهج عليه. وإذا حاول أحدهم إقناع شخص بوجود منهج صارم، فسيواجه بأنّه لا وجود لمنهج، فالمسألة برأيه مسألة شعوريّة وذاتيّة بالكامل، وما يحدث مع القارئ هو النتيجة والمعنى والفهم، دون الحاجة للالتزام بأسلوب محدّد أو خطوات مسبقة.

كثير من هذه التيارات الهرمنوطيقية تعتبر اللهث وراء المنهج من العبث، وهذا يضعها على النقيض الكامل من التراث الإسلامي الذي يؤكّد على ضرورة وجود منهج لفهم النصوص.

من هنا، يمكن تقسيم منهج فهم النصوص في التراث الإسلامي إلى نوعين رئيسيّين:

أوّلاً: المنهج العرفي الظهوري، وهو المنهج السائد في العلوم الإسلاميّة، مثل أصول الفقه، والفقه، والتفسير، والحديث، والكلام.

هذا المنهج يعتمد على قواعد اللغة وموازينها، ويجمع القرائن داخل السياق أو المحيطة بالنص، ليصل إلى فهم عرفي ظاهر. ووجود الأخطاء في التطبيق أمر طبيعي بسبب اختلاف العلماء، لكنّ المبدأ الأساس هو وجود ضوابط واضحة تحدد كيفيّة الفهم والاقتراب من مراد المؤلّف بحسب الفهم العرفي لأبناء اللغة.

ثانياً: المنهج الصوفي العرفاني، الذي لا يعتبر المنهج العرفي الظهوري المعيار الوحيد لفهم النصوص، بل يرى أنّ للنصوص الدينية بالخصوص وجهين: ظاهر يُفهم لعامّة الناس لإصلاح شؤونهم الظاهريّة، وباطن لا يدركه إلا الخواصّ أو أخصّ الخواص، بحسب تعبيرهم. وهذا المنهج يقوم على مفهوم "البطون"، أي وجود طبقات متعدّدة للمعنى في النصوص. وفي هذا السياق، تقرّر أهم نظريّة عرفانية أنّ للقرآن وجودات متعددة: فهناك النسخة العليا في اللوح المحفوظ عند الله تعالى، ونسخة نزوليّة من خلال النبيّ‘، ثم النسخة العقلية والمثالية، وأخيراً النسخة الماديّة الأدنى في عالم الظهور والتجلّي والمتمثلة في النصوص المكتوبة والجمل والتي لا تُمثّل حقيقة القرآن، ويستأنسون بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ فِی أُمِّ ٱلكِتَـٰبِ لَدَینَا لَعَلِیٌّ حَكِیمٌ﴾ (الزخرف: 4).

يرى هؤلاء أنّ المنهج العرفي يهتمّ بتفسير النسخة الدنيا، أي النصّ الظاهر، بينما المنهج العرفاني يسمح للصعود إلى المراتب العليا للوصول إلى الفهم الحقيقي للقرآن، ليس من خلال الظاهر، بل من خلال إدراك معانيه وشهودها. وبعبارة أخرى: إذا لم يكن المنهج العرفي كفيلاً بفهم حقيقة القرآن، فكيف هو السبيل؟ والجواب: إنّه لا يمكن معرفة القرآن بالوقوف على الصورة الظاهريّة له، بل ينبغي العروج إلى حقيقته وباطنه. ولتقريب الفكرة، فإنّ السالك يصعد لعالم المثال، ليجد نسخة أخرى من القرآن فيفهمها فهماً إدراكياً ومعنائياً لا جملاً وألفاظاً؛ فإذا ارتقى إلى مرتبة أعلى، وجد نسخة أخرى، يفهمها فهماً شهودياً. وهذا النحو من الفهم هو الأصل عندهم.

طبعاً، وردت روايات ـ سنيّة وشيعية ـ كثيرة تتحدّث عن بطون القرآن مع اختلافات طفيفة في التعابير. وهناك عدّة تفسيرات لمفهوم البطون، ليست مجال بحثنما هنا.

5 ـ إمكانيّة الوصول إلى المنهج

يتفرّع على ما سبق أنّ التيار التراثي المدرسي ـ فضلاً عن اعتقاده بوجود منهج لفهم النصّ ـ يعتقد أيضاً بإمكان الوصول إليه، أي أنّ القواعد والضوابط اللغويّة والمعرفيّة قابلة للإدراك والدراسة، فمثلاً، إذا قلنا: إنّ المنهج عبارة عن اللغة، يطرح السؤال: هل يمكن الوصول إلى القواعد العربيّة فعلاً أو لا؟ وهذا موضوع إشكاليّ حتى اليوم، فقد طرحه الدكتور طه حسين حين شكّك في أصالة أغلب الأشعار المنسوبة للعصر الجاهليّ، مما يؤدّي إلى فقدان الشواهد اللغويّة كلّها في لحظة واحدة وضياع اللغة التي قام عليها النصّ القرآني. كذلك، ثمة إشكالات حول صحّة قواعد البلاغة التي وضعها العلماء مثل الزمخشري، فهي اجتهاديّة وتستند إلى حدس لا حسّ، وقد كُتبت في القرن الرابع الهجري، ما يجعل الوصول إلى المنهج أمراً غير مطلق.

إنّ التيار التراثي يرى أنّه مع ذلك يمكن الوصول إلى المنهج، مستنداً إلى تراث ضخم ودراسات متراكمة تتيح الوصول إلى جميع قواعد اللغة العربيّة، كما أكد السيد محمد باقر الصدر بأنّه يوجد نوعان من الظهور: ظهور ذاتي وموضوعي، ويمكن الوصول إلى تطابق بينهما، وبالتالي إمكانيّة الوصول إلى منهج؛ في حين يُلقي المشكّك سؤاله: ما الذي يضمن أن يكون هذا الظهور الذاتي، أي ما فهمته شخصياً من النصّ، مطابقاً للظهور الموضوعي في العقل الجمعي للغة؟ فإذا تمّ البرهان على هذا التطابق ـ كما فعل السيد الصدر ـ تأكّدت إمكانية الوصول إلى منهج؛ وإلا فلا.

أمّا التيار الهرمنوطيقي فلديه إشكالات كبيرة على هذا المستوى، ويشكّك في إمكانيّة الوصول إلى منهج ثابت.

6 ـ مراتب دلالة النصّ

في النظرية التراثية لفهم النص، يُنظر إلى الفهم على أنّه مؤلَّف من درجات مختلفة:

أ ـ النصّ الصريح (دلالته يقينيّة)؛

ب ـ والظاهر، أي ما كانت دلالته ظنية راجحة، وهو ظنّ معتبر لدى العقلاء وحجيّته من الواضحات، كما يذهب أمثال السيد الخوئي؛

ج ـ والمتشابه والمجمل، وهو ما استوى طرفا الاحتمال فيه.

هذا التقسيم الثلاثي شكّل قاعدةً لفهم النصوص في التراث الإسلامي عند جميع المسلمين، وهو أساس كتب التفسير والأصول والفقه وشروح الحديث.

أمّا الفكر الهرمنوطيقي المعاصر، فهو يتجاهل غالباً هذا التقسيم، معتبرين أنّه لا يمكن الوصول إلى أيّ شيء إلا من خلال النصّ، أي الذي تكون دلالته يقينيّة، ويقلّلون أو ينفون قيمة الظهورات، ويبرّرون ذلك بأنّ الظهورات حجّة أصوليّة وليست منطقيّة. وهذه نقطة حسّاسة للغاية، لأنّ الظهور في أصول الفقه يُعدّ حجّة للتنجيز أو التعذير ويخضع للعقل العمليّ، بينما الفهم الذي نبحث عنه هنا هو مسألة منطقيّة من شؤون العقل النظري، أي معرفة ما إذا كان النصّ ممكن الفهم أم لا، وهو سؤال وجودي لا عملي.

بعبارة أخرى: منطقياً، إذا كان النصّ يُفهم بنسبة 70%، فهذا يعني أنّ الفهم ليس مكتملاً، أي أنّ وجود هذه النسبة من الفهم لا يُعدّ كافياً، ومقتضى ذلك من الناحية المنطقيّة أنّه لا سبيل لفهمه؛ إذ هذا إقرار بتعذّر بلوغ الفهم على وجه اليقين. إذاً، ينبغي التمييز بين حيثيتين: حيثيّة التنجيز والتعذير، أي لحاظ العقل العملي، حيث يمكن البحث في كيفيّة عمل الظهورات مع الشارع المقدّس دون أيّ إشكال؛ وحيثية فهم النصّ في ذاته. والبحث في فهم النصّ بحثٌ عن حقيقة ميدانية واقعيّة؛ بمعنى أنّنا مثلاً نريد أن نعرف هل يمكنني سحب هذه الورقة من الدرج أو لا؟ أمّا مسألة حُسن سحبها وقبحه ورضا المولى بذلك وعدمه، فهو مسألة أخرى لا صلة له هنا. والظهور بما هو ظهور ليس فهماً للنصّ وإن أفاد الحجيّة في علاقتنا بالمولى، أي لا يوجد ضامن بأنّه فهم صحيح، فهو لا يعدو كونه ظنّاً واحتمالاً مقابل احتمالات أخرى. ومن ثمّ، لا يكون المنهج منهجاً ـ من الناحية المنطقية ـ إلا إذا ضمن الوصول اليقيني إلى النتيجة. وهذه نقطة أساسية تُعرّض بناء علم الأصول برمته لتغييرات من الناحية النظرية لا العملية، وهذا هو منطلق بعضهم في إشكاله على التقسيم الثلاثي للدلالة الذي تحدّثنا عنه.

7 ـ إمكان اختزال البُعد الزمني

في التصور التراثي، يُنظر إلى البُعد الزمني للمؤلف على أنّه لا يضرّ في فهم النصّ، ويمكن اختزاله بالاعتماد على مبادئ مثل أصالة الثبات في اللغة وأصالة عدم النقل، مما يسمح بفهم النصّ كما أراده المؤلّف حتى بعد قرون.

أمّا التيار الهرمنوطيقيّ، فيرى صعوبة كبيرة في تجاوز البُعد الزمني، وبالتالي فإنّ الوصول إلى معنى النصّ الأصلي أو إلى قصد المؤلّف يواجه عقبات منهجيّة كبيرة.

8 ـ مسألة التفسير بالرأي

فرّق التراثيون بين التفسير المقبول المنطقي والتفسير بالرأي (غير المنطقي)، ورفضوا التفسير بالرأي بشكلٍ قاطع، معتبرينه انحرافاً عن الفهم الصحيح.

أمّا الهرمنوطيقيّون، فلا يعترفون بهذا التمييز، فالمعيار لديهم هو المفسّر نفسه، وما يقدّمه من فهم للنصّ هو واقع قائم، لا يُذمّ ولا يُدان.

9 ـ مسألة النسبيّة في فهم النصّ

 يؤمن الهرمنوطيقيّون بأنّ فهم النصوص نسبي، يتغيّر بتغيّر البيئة الثقافيّة والتجربة الفردية للمفسّر، وهذا يعني ـ كما بات واضحاً ـ أنّ النصّ ذاته يُنتج معاني مختلفة بحسب سياق كل مفسّر.

أمّا في المنهج التراثي، فالنسبية ـ عادةً ـ مرفوضة، والتفسير إمّا صحيح أو خاطئ، فلا اعتبار للتأويلات الفردية إلا إذا كانت متوافقة مع القواعد والأصول المتعارف عليها.

      



الفصل الثاني

فهم النصّ الديني في الفكر الإسلامي المعاصر

ـ نماذج وعيّنات ـ

مقدّمة

بعد الفراغ من الإلمامة الموجزة بتطوّر الدرس التأويلي في الغرب، ينتقل البحث إلى استعراض أنموذجين إسلاميّين: أحدهما عربي والآخر إيراني، أو بتعبير آخر: أنموذج سنّي وآخر شيعي؛ وذلك لاستجلاء كيفيّة تعاطي كلّ منهما مع النص، سواء أكان نصّ الكتاب العزيز أم نصّ السنّة الشريفة.

ومع أنّ التركيز الأكبر سيكون على العينة الشيعيّة؛ لكونها الأقرب إلى مجال البحث والاحتكاك العلمي في الحوزات، إلا أنّ هذا المبحث يُخصَّص لاستعراض التجربة السنّية العربية، ممثّلة في مشروع الدكتور نصر حامد أبو زيد (1943 ـ 2020م).

المبحث الأوّل: مشروع نصر حامد أبو زيد في فهم النصّ

توطئة في سياق مشروع أبي زيد

برز اسم الأكاديمي المصري الدكتور نصر حامد أبو زيد، في تسعينيّات القرن الماضي، حين تقدّم بنتاجه العلمي للحصول على درجة الأستاذيّة في إحدى الجامعات المصريّة، وأثناء نظر لجنة التحكيم في ملفّه العلمي، وقع بين يدي الدكتور عبد الصبور شاهين ـ وكان عضواً في لجنة الترقية ـ أحد أبرز مؤلّفات أبي زيد، وهو كتاب مفهوم النص.

اتخذ شاهين موقفاً حاداً من هذا الكتاب، إذ رأى أنّ ما ورد فيه يخالف أصول الإسلام ويناقض ثوابته العقديّة، ومن هنا تحوّلت القضية من نقاش أكاديمي محدود إلى جدل واسع في الأوساط الثقافية والدينيّة، قبل أن تنتقل إلى ساحات القضاء المصري.

وانتهت القضيّة بصدور حكم قضائي يقضي بردّة أبي زيد والتفريق بينه وبين زوجته، الأمر الذي اضطرّه إلى مغادرة مصر والهجرة إلى هولندا، خشية أن يلقى مصيراً مشابهاً لما تعرّض له بعض المفكّرين من قبله، مثل فرج فودة. وهناك أقام مدّة من الزمن، وعمل أستاذاً ومحاضراً في عدد من الجامعات الهولنديّة والأوروبية. وقد دُوّنت هذه الحادثة في عدد من الدراسات والمؤلفات التي تناولت القضية توثيقاً وتحليلاً ودفاعاً عنه، ومن بينها كتابات الدكتور جابر عصفور.

خلّف نصر حامد أبو زيد مجموعة من المؤلّفات الفكرية، من أبرزها في مراحله المتأخرة كتاب هكذا تكلّم ابن عربي، إلى جانب دراساته السابقة حول المعتزلة وقضايا التأويل في التراث الإسلامي. غير أنّ الكتاب المثير للجدل، والذي يُعدّ أهم أعماله في مجال تفسير القرآن ومنهجيته، هو كتاب مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، وقد طبع مرّات عديدة وتداولته الأوساط الأكاديميّة.

ويمثل هذا الكتاب خلاصة المشروع الفكري لأبي زيد في قراءة النصّ القرآني، حيث حاول إعادة النظر في علوم القرآن التقليديّة، وتفسير النصّ في ضوء المناهج الهرمنيوطيقيّة الحديثة، مستفيداً من مناهج التأويل المعاصرة في دراسة النصوص الدينية.

يتّضح من خلال المقارنة أنّ كتاب نصر حامد أبو زيد لا يندرج في حقل التفسير بالمعنى الاصطلاحي الدقيق، بخلاف ما قام به محمد أركون الذي قدّم قراءات تأويلية مباشرة لبعض السور القرآنية، مثل سورة يوسف وسورة الفاتحة. فمباحث كتاب أبي زيد لا تتجه إلى تفسير الآيات تفسيراً تفصيلياً، بل تندرج ضمن إطار علوم القرآن، حيث يعالج موضوعات منهجية عامة تتصل بالدراسات القرآنية، من قبيل أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وسائر القضايا التي تشكّل محاور هذا العلم.

ومن المعلوم أنّ التمييز بين علم التفسير وعلوم القرآن قد استقرّ اصطلاحاً في الأزمنة المتأخرة؛ إذ أصبح لكلّ منهما مجال بحث مستقلّ وموضوع خاصّ، فعلم التفسير يعنى ببيان معاني الآيات القرآنية وشرح دلالاتها، في حين تتناول علوم القرآن القضايا المرتبطة بالقرآن من حيث نزوله وجمعه وترتيبه وأنواع علومه المختلفة. وعلى هذا الأساس يُصنَّف كتاب أبي زيد ضمن علوم القرآن لا ضمن علم التفسير.

وتستند علوم القرآن في التراث الإسلامي إلى مرجعين أساسيّين لهذا الحقل، هما كتاب البرهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي، وكتاب الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي. وقد ظلّ هذان المصنَّفان بمنزلة المرجعيّة الرئيسة لمباحث علوم القرآن عبر قرون طويلة.

ومع ذلك، يُلاحظ أنّ هذه المباحث لم تشهد تطوّراً ملحوظاً منذ عصر هذين العَلَمين وحتى أواسط القرن الرابع عشر الهجري. بل إنّ كتاب الإتقان نفسه لا يُعد ـ من حيث الإبداع العلمي ـ نقلة نوعيّة مكتملة؛ إذ تعرّض السيوطي لجملة من الانتقادات، من بينها الاتهام بالإكثار من الجمع والنقل من مؤلّفات سابقة مع نسبتها إلى نفسه، فضلاً عن كثرة إنتاجه العلمي بما لا يتناسب ـ بحسب بعض النقّاد ـ مع عمره.

وعلى الرغم من هذه الملاحظات النقديّة، فقد بقيت الخارطة المعرفيّة التي رسمها كلٌّ من الزركشي والسيوطي مهيمنة على مباحث علوم القرآن لدى الشيعة والسنّة معاً، واستمر تأثيرها حتى ما قبل النصف الثاني من القرن العشرين. وفي هذا السياق تبرز ملاحظة لافتة للسيد محمد باقر الصدر، إذ يرى أنّ علوم القرآن والتفسير، منذ القرن الخامس الهجري وحتى عصره، لم تشهد تجديداً جوهريّاً، بل ظلّت تدور في إطار التكرار والاجترار للمباحث السابقة. ووفق هذا التقييم فإنّ ما ظهر من محاولات لاحقة لم يتجاوز حدود الجهود الجزئيّة، دون بلوغ مستوى التحوّل النوعي الذي أحدثه الزركشي في زمانه ومن سبقه.

ضمن هذا السياق بالتحديد، يبرز مشروع نصر حامد أبو زيد بوصفه محاولة لإعادة بلورة علوم القرآن وتطوير أدواتها، وقد انقسمت الآراء حول منجزه؛ حيث يرى حسن حنفي أنّ أبا زيد حقق إبداعاً مزدوجاً؛ تمثّل الأوّل في تحرّره من سلطة التراث التقليدي أثناء معالجته، وتمثّل الثاني في استيعابه للمدرسة الهرمينوطيقيّة الغربية وتجاوزها، بخلاف مشاريع مغاربيّة يرى حنفي أنّها اكتفت بالتبعية المنهجيّة لتلك المدرسة تأليفاً وترجمةً.

في المقابل، يتبنى فريق آخر طرحاً أكثر تحفّظاً، مؤكداً أنّ أطروحات أبي زيد لم تشكّل قطيعة معرفيّة كاملة، بل يمكن تتبّع جذور العديد من تصوّراته وتأصيلها داخل الموروث الإسلامي نفسه.

خطوتان عامّتان في مشروع أبي زيد

وكيف كان، يمكن إيجاز مشروع نصر حامد أبو زيد في الخطوتين الآتيتين:

1 ـ إشكاليّة المنهج في دراسة النصّ القرآني بحسب نصر حامد أبو زيد

يمكن تلخيص الخطوة الأولى المنهجيّة التي يعتمدها نصر حامد أبو زيد في مقاربة النصّ القرآني ـ والتي تُعدّ من أبرز التجارب الهرمينوطيقيّة المعاصرة في الفكر العربي ـ في إطار تمييزه بين نمطين رئيسيين سائدين من مناهج قراءة القرآن في العالم المعاصر، الأعم من المسلم وغير المسلم.

فالمنهج الأوّل يطلق عليه أبو زيد المنهج الأيديولوجي الديني، ويصفه أحياناً بالمنهج الغيبي الأسطوري. أما المنهج الثاني فيسمّيه المنهج العلمي أو الهرمينوطيقي، ويرى أنّه الأقرب إلى مقتضيات البحث العلمي الحديث.

ويرى أبو زيد أنّ المنهج الأيديولوجي لا ينطلق من أدوات البحث العلمي، بل يقوم على مجموعة من المسلّمات العقديّة المسبقة التي يُسقِطها القارئ على النصّ القرآني، فالقارئ ـ وفق هذا المنهج ـ يتعامل مع القرآن على أساس كونه كلاماً صادراً من الله تعالى، ولذلك إذا واجه آيتين يظهر بينهما تعارض ـ ولو كان صريحاً ـ فإنّه يسعى إلى رفع هذا التعارض بأيّ وسيلة تأويليّة ممكنة؛ لأنّ صدور التناقض من الله الكامل أمر غير متصوّر في الإطار العقدي الذي ينطلق منه هذا القارئ.

وبذلك يكون القارئ قد استحضر مفهوم كمال الله من خارج النصّ ليعالج به إشكالاً يبدو داخلياً في بنية النصّ نفسه، من هنا يذهب أبو زيد إلى أن جوهر المنهج الأيديولوجي يتمثل في قيام المفسّر بسدّ الثغرات أو الإشكالات الظاهريّة في النصّ من عنديّاته واعتماداً على معتقداته المسبقة، فهو يفترض ابتداءً أنّ الله كامل والقرآن كلامه، ومن ثم لا بدّ أن يكون النصّ منسجماً خالياً من التناقض، فيعمل على إيجاد روابط وتأويلات تضمن هذا الانسجام. وهو ما فعله أيضاً الشيخ الطوسي في كتاب الاستبصار، حيث سعى إلى التوفيق بين الروايات المتعارضة اعتماداً على مبدأ عقدي مفاده أنّ المعصوم لا يمكن أن يصدر عنه كلام متناقض، وقد كانت مسألة تعارض الأخبار ـ تاريخيّاً ـ من الحجج التي استند إليها بعض القدماء للتشكيك في عصمة أئمّة أهل البيت شيعياً، والقول بأنّهم مجتهدون قد يختلف كلامهم باختلاف الاجتهادات بينهم.

وانطلاقاً من هذا التحليل يخلص أبو زيد إلى أنّ المنهج الأيديولوجي الموروث يقوم أساساً على افتراض جملة من المسلّمات العقدية الكليّة، ثم توظيفها ـ أو الخضوع لضغطها ـ في معالجة الإشكالات التي يثيرها النص. ولهذا السبب يرفض هذا المنهج رفضاً تاماً.

وفي مقابل ذلك يدعو أبو زيد إلى اعتماد المنهج العلمي الهرمنوطيقي، وهو المنهج الذي تأثّر فيه بأستاذه أمين الخولي. ويقوم هذا الاتجاه على مبدأ منهجي أساس، يتمثل في تعليق البحث في مصدر النصّ الإلهي مؤقتاً، والتعامل مع القرآن بوصفه نصّاً لغوياً وأدبياً يخضع لأدوات التحليل النقدي، بمعزل عن مسألة مصدره.

وعليه، فإنّ المقاربة التي يقترحها أبو زيد تقتضي النظر إلى القرآن بوصفه نصاً أدبياً بحتاً يمكن دراسته وفق مناهج النقد الأدبي واللغوي، مع وضع طبيعته الدينية بين قوسين منهجيّاً خلال عملية التحليل. وبناءً على ذلك، فإذا خضع النصّ القرآني لمعايير النقد الأدبي، فلا ينبغي ـ في نظره ـ أن يتردّد الباحث في الإشارة إلى ما قد يراه خللاً أو إشكالاً أدبياً في بنية النص؛ لأنّ حضور المتكلّم ـ أي الله سبحانه وتعالى ـ قد جرى تعليقه مؤقتاً بوصفه فرضية منهجية أثناء عملية الفحص والتحليل.

يقوم المنهج الذي يتبناه نصر حامد أبو زيد على افتراض منهجي مفاده أنّ الباحث، عند تناوله النصّ القرآني، لا ينبغي أن يتعامل معه بوصفه متديّناً ملتزماً بمنظومة عقدية مسبقة، فهو، وإن لم ينكر في إطار البحث حقيقة الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى، يتعمّد ـ من الناحية المنهجية ـ تعليق الإشارة إلى صفة الألوهيّة المنسوبة إلى صاحب النصّ أثناء عمليّة التحليل العلمي. والمقصود بذلك إقصاء الاعتبارات العقديّة مؤقتاً عن ساحة البحث، بما يسمح بدراسة النصّ وفق أدوات التحليل النقدي المعاصرة. ويفترض أبو زيد أنّه لا يتعامل في منهجه هذا بوصفه إنساناً متديناً، وإن كان لا يغفل عن حقيقة وجود الله تعالى أثناء البحث، أي كونه تعالى هو صاحب النصّ، كما سيتبيّن.

هذا، وقد ذهب عدد من الباحثين إلى أنّ هذه الرؤية المنهجية تعود في أصلها ـ كما ألمحنا ـ إلى تأثير أستاذه أمين الخولي، الذي عُدّ من أبرز المنظّرين لهذا الاتجاه في القرن العشرين. فقد دعا الخولي إلى التعامل مع القرآن الكريم بوصفه نصاً أدبياً بالدرجة الأولى، وإخضاعه لمناهج النقد الأدبي وقواعده التحليليّة، باعتبار ذلك مدخلاً علميّاً لدراسته.

غير أنّ هذا التصوّر لم يخلُ من اعتراضات نقدية؛ إذ يرى بعض الباحثين أنّ الاقتصار على البعد الأدبي معياراً وحيداً لقراءة النصّ القرآني يُعدّ اختزالاً منهجياً لا ينسجم مع الطبيعة المركّبة لهذا النص، وفي هذا السياق يذهب الباحث اللبناني علي حرب إلى أنّ أبا زيد أخطأ عندما جعل المعيار الأدبي المعيار العلمي الحاسم في دراسة القرآن، في حين كان محمد أركون ـ بحسب رأيه ـ أكثر توفيقاً حين وسّع إطار المنهج ليشمل جملة الأدوات العلميّة التي توفّرها العلوم الإنسانيّة المعاصرة؛ فالأمر يتطلّب مقاربة متعدّدة التخصّصات تشترك فيها حقول معرفيّة مختلفة، مثل الدراسات الأدبيّة، وعلم الاجتماع، واللسانيات بفروعها المتعدّدة، وعلم التاريخ والنقد التاريخي، ومن ثمّ فإنّ القرآن لا يُعد نصاً أدبياً فحسب، بل يمثّل بنية مركّبة تتداخل فيها الأبعاد اللغويّة والتاريخيّة والاجتماعيّة والأنثروبولوجيّة، إلى ما هنالك.

على هذا الأساس، تتحدّد نقطة الانطلاق في مشروع نصر حامد أبو زيد؛ إذ يقوم على التمييز بين منهجين رئيسيين في دراسة النصّ القرآني: الأوّل هو المنهج الديني التقليدي الذي يصفه بالأيديولوجي؛ والثاني هو المنهج العلمي الذي يدعو إلى اعتماده.

غير أنّ بعض منتقدي أبي زيد يرون أنّه لم يلتفت إلى إشكالية أخرى موازية، تتمثّل فيما يُعرف اليوم بأيديولوجيا العِلموية؛ أي تحوّل المنهج العلمي نفسه إلى منظومة مغلقة ذات مسلّمات صارمة لا تقبل المراجعة أو التجاوز. وقد شكّلت هذه المسألة محوراً مهماً في النقاشات التي دارت حول أطروحاته. وخلاصة القول: إنّ مشروع أبي زيد ينطلق من فرضية أساسيّة مؤدّاها النظر إلى القرآن باعتباره نصّاً أدبياً يمكن إخضاعه لمناهج التحليل العلمي الأدبي، مع تعليق المرجعيّات الدينية والأحكام المسبقة أثناء عمليّة القراءة. وبهذا المعنى يمكن فهم مشروعه بوصفه امتداداً فكرياً لبعض الاتجاهات النقديّة الحديثة في الفكر العربي، ولا سيما تلك التي ارتبطت بمحاولة طه حسين إدخال المناهج الحديثة في دراسة التراث والنصوص الدينيّة.

2 ـ القرآن بوصفه منتجَاً ثقافيّاً

تمثّل الخطوة الثانية في مشروع نصر حامد أبو زيد ـ وهي من أكثر أطروحاته إثارة للنقاش والجدل ـ قوله إنّ القرآن يمكن النظر إليه بوصفه "منتجَاً ثقافياً". وقد استدعت هذه العبارة منذ طرحها ردود فعل واسعة في الأوساط الفكريّة والدينيّة، لما تنطوي عليه من دلالات تتصل بطبيعة النصّ القرآني وعلاقته بالبيئة الثقافية واللغوية التي ظهر فيها.

كما يرى أبو زيد أنّه ينبغي قبل دراسة دلالات النصّ دراسة أنطولوجيا النصّ، أي وقائعية النصّ، بمعنى أنّه ينبغي التعامل معه كموجود مادي بصرف النظر عن قيمه ومعارفه المختزنة، وتحليله كموجود وكتاب أدبي. ونحن سنشرح تعامله معه بهذا النحو من خلال بيان ثلاث خطوات أساسية عرضها في مجمل كتابه:

2 ـ 1 ـ الحروف المقطّعة بمثابة علامة تميّز للقرآن

يذكر أبو زيد في كتابه ثلاثة عشر تفسيراً للحروف المقطعة، ويعتبرها جميعها تفاسير أيديولوجيّة، والتفسير الصحيح ـ كما يرى ـ أنّها نحو من إعلان وجود، ولا تملك أيّ دلالة، بل وجودها بحدّ ذاته هو المغزى، بمعنى أنّ الكتاب يريد إلقاء كلمةٍ غير مفهومة ليشير لنا إلى أنّه موجود متمايز عن بقيّة النصوص العربيّة، ولا يتقصّد إيصال أيّ دلالة لهذه الحروف، فالقرآن يريد أن يقدّم مقطوعة أدبية ليس لها نظير؛ ولهذا أتى بهذه الحروف كعلامة مائزة له.

2 ـ 2 ـ القرآن وليد الثقافة العربيّة

وهذه الخطوة مهمّة للغاية وصائبة في الجملة، حيث يرى أبو زيد أنّ القرآن الكريم وُلد في الثقافة العربيّة، ولهذا عبّر بعبارة "منتج ثقافي" أي وليد الثقافة العربيّة. ويشرح أبو زيد مقصوده من هذه الفكرة انطلاقاً من تصوّر يتعلّق بدور اللغة في تشكيل الوعي والفكر، فصاحب الرسالة ـ حين أراد التأثير في المجتمع العربي وإعادة بناء الإنسان والهيمنة على فكره ـ لم يكن أمامه سوى اللغة بوصفها الأداة الأساسيّة للتفكير والتواصل. من هنا يستند إلى مسلَّمة مأخوذة من الدراسات اللسانيّة الحديثة، مؤدّاها أنّ نظام اللغة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظام التفكير؛ إذ إن تطوّر البنى اللغويّة داخل اللغة الواحدة يعكس في الوقت نفسه تحوّلات في أنماط التفكير السائدة في المجتمع.

ولتوضيح ذلك يُستشهد أحياناً بظواهر لغويّة معينة، مثل غلبة صيغة التذكير على التأنيث في اللغة العربيّة، وهي ظاهرة يرى بعض الباحثين أنّها تعكس بنية ثقافية وذهنيّة تميل إلى ترجيح موقع الذكر في النظام الاجتماعي. وبناءً على هذا الفهم، فإنّ أيّ مشروع يسعى إلى إحداث تحوّل في المجتمع لا يمكنه أن يتجاوز اللغة؛ لأنّها الإطار الذي تتشكّل في داخله أنماط التفكير وتصوّرات العالم. وانطلاقاً من هذا التصوّر يرى أبو زيد أنّ القرآن، حين جاء ليؤسّس منظومة قيم وثقافة جديدة، لم يتوجّه إلا إلى اللغة العربيّة ذاتها بوصفها الحامل الرئيس للتفكير في البيئة التي نزل فيها، ووفقاً لهذا التحليل لا يوجد نظام تفكير ملموس خارج اللغة التي تعبّر عنه، ومن ثم يذهب إلى أنّ النصّ القرآني تشكّل داخل الفضاء اللغوي العربي، وأنّ معانيه السامية ولدت من بطن اللغة العربيّة وبنيتها الدلالية، أي ضمن الثقافة ونظام التفكير العربي الذي تمثله تلك اللغة. وقد كانت هذه الفكرة من أكثر نقاط مشروعه إثارة للحساسية؛ إذ واجه بسببها انتقادات حادّة من عدد من الباحثين.

يتفرع عن هذا التصوّر عنصر آخر في تحليله، يتمثّل في أنّ القرآن وإن جاء حاملاً لمنظومة قيم جديدة صاغها وأولدها من بطن اللغة والثقافة العربيّتين اللتين ظهر فيهما، لكنّه قام في الوقت عينه بتطوير اللغة، بمعنى أنّ القيمة الكبيرة التي حملها القرآن أخضعت اللغة وهيمنت عليها، بحيث ـ بما تمتلكه من قوّة معنوية وتأثير ـ أفضت إلى إعادة صياغة كثير من الدلالات اللغويّة وإكسابها معاني جديدة. من هنا، يرى أنّ عدداً من المفاهيم الأساسية في القرآن، مثل الصلاة والزكاة والإيمان والتقوى والهدى، لم تكن ألفاظاً مستحدثة تماماً في العربيّة قبل نزول القرآن، بل كانت ـ بأغلبها ـ معروفة في الاستعمال اللغوي، غير أنّ القرآن أعاد تنظيم دلالاتها، فانتقلت إلى معاني أخرى مع مرور الزمن. وعلى الرغم من أن القرآن صيغ بلغة عربيّة خالصة، فإنّ كثيراً من مصطلحاته ـ بحسب هذا التحليل ـ شهدت تحوّلات دلالية مع الزمن، بحيث ظهرت في النصّ معانٍ جديدة تختلف عمّا كانت تشير إليه تلك الألفاظ في الاستعمال العربي قبل نزول القرآن. فتمّ بذلك تغيير اللغة العربية، ومن ثمّ تغيير الثقافة، فهيمن بذلك على العقل العربي. وهذا بالتحديد المائز الذي ميّز القرآن عن غيره من المعجزات، بحيث جعله أقوى من معاجز موسى×.

والخلاصة: إنّ القرآن ـ بحسب أبي زيد ـ قد وُلد وأُنتج بدايةً من رحم اللغة والثقافة العربية، ثمّ أعطى ضخّاً معنوياً للمصطلحات المستعملة قبله، الشيء الذي أدّى إلى تطويرها؛ وهذا التطوير عاد ليؤثر في الثقافة ويغيّرها، وبهذا هيمن على الإنسان والعقل، وكلّ النصوص العربية التي جاءت بعده كانت متفرّعة على الضخّ المعنوي الذي أمدّ بها هذه الكلمات والمصطلحات.

وهناك مثالٌ متداول في هذا السياق: لماذا يكثر ذكر الجنّة والأنهار في القرآن؟ يجاب بأنّ السبب يعود إلى أنّ العرب كانوا يعيشون في بيئة تفتقر إلى المياه، ومن ثمّ أصبحت صورة الماء والأنهار رمزاً مثالياً للنعيم. ويذهب بعضهم إلى أنّه لو نزل الوحي في أوروبا، حيث الماء متوافر بكثرة، لما احتلّ هذا العنصر تلك المكانة البارزة في التصوير القرآني. أمّا الحلّ الذي يقدّمه نصر حامد أبو زيد لهذه الإشكالية، فيقوم على أنّ صاحب القرآن الكريم لم يكن أمامه طريق آخر؛ إذ كان مضطراً إلى استخدام نظام لغوي قائم بالفعل، وإذا كان مضطراً إلى ذلك، فإنّ هذا يعني ـ في نظره ـ أنّه خضع لبنية هذه اللغة، وبما أنّ بنية اللغة تعبّر عن الثقافة والفكر والعقل العربي، فإنّ النتيجة التي يصل إليها هي أن القرآن ـ من هذه الجهة ـ منتج عقلي عربي.

2 ـ 3 ـ القرآن حادث غير قديم

وهي الخطوة الأخيرة والخطيرة والتي كانت السبب الثاني في تكفيره؛ لأنّها تخالف معتقدات الأشاعرة من أهل السنّة، وهي تبنّيه لفكرة حدوث القرآن كما قالت المعتزلة قديماً. يقوم هذا التصوّر على فكرة مؤدّاها أنّ القرآن حادث مخلوق، شأنه في ذلك شأن سائر الموجودات التي يخلقها الله تعالى. وبناءً على هذا الفهم، فإنّ النصّ ـ بعد صدوره ـ لا يبقى متصلاً اتصالاً مباشراً بخالقه، بل يصبح كياناً مخلوقاً داخل إطار الزمان والتاريخ.

ومما يجدر التنبيه إليه أنّ هذه المسألة لا تثير إشكالاً كبيراً في الأوساط الفكريّة الشيعيّة؛ إذ إنّ القول بحدوث القرآن حاضر فيها منذ زمن بعيد، كما أنّ قضية خلق القرآن معروفة في التاريخ الفكري الإسلامي، وقد كانت محور جدالات كلاميّة واسعة بين المدارس العقدية المختلفة، وارتبطت بسجالات فكرية حادّة في مراحل متعدّدة من التاريخ الإسلامي. غير أنّ السؤال الذي يطرح في سياق دراسة مشروع نصر حامد أبو زيد هو: ما الدافع إلى إعادة إحياء هذه النظرية في العصر الحديث؟

بحسب تحليله، لم يكن استحضار هذه الفكرة مجرّد اهتمام نظري أو استعادة لقضيّة كلامية قديمة، بل كان خطوة مقصودة ضمن بناء تصوّره الفكري العام. فقد سعى أبو زيد إلى تأسيس منظومة تفسيريّة تقوم على علاقة ثلاثية الأطراف: الله، والقرآن، والواقع (الإنسان وحياته بكلّ تموجاتها). وفي هذا الإطار يرى أنّ الاتجاه الأشعري في علم الكلام قد أقام علاقة اتحاد بين القرآن والذات الإلهيّة، أي بين النصّ وصاحبه؛ وحيث إنّ صاحب النصّ قديم وثابت لا يتبدّل أو يتحرّك، فيجب أن يبقى القرآن مثله، ساكت وصامت وجامد. غير أنّ هذا التصور ـ في نظره ـ يثير إشكالية، مفادها أنّ النصّ إذا كان مرتبطاً بالذات الإلهية ارتباطاً أزلياً ثابتاً، فهل يعني ذلك بقاءه في حالة من السكون والثبات الدائمين؟

من هنا، يطرح أبو زيد فكرة حركية النصّ القرآني؛ لأنّ الثقافة الحديثة تقوم على مبدأ الحركيّة والتغير المستمر، وترفض التصوّرات التي تقوم على الجمود والثبات والسكون؛ لأنّ هذه التصورات ـ بحسب رأيه ـ تؤدّي إلى تجميد النصّ الديني وسكونه. لكن تحقيق هذه الحركية ـ في تصوّره ـ يقتضي إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين النصّ ومصدره. ولذلك يقترح تصوراً يقوم على قطع الصلة بين النصّ القرآني والذات الإلهيّة، مع التأكيد ـ كما يصرّح مراراً ـ على أنّ القرآن كلام الله وأنّ مصدره الإلهي غير موضع إنكار. فالمقصود عنده ليس نفي المصدر الإلهي للنص، بل النظر إليه باعتباره نصّاً محدَثاً مخلوقاً داخل إطار الزمان والمكان، ومتفاعلاً مع الواقع وخاضعاً له ومتغيراً تبعاً لنظام الحياة.

من هنا يذهب أبو زيد إلى أنّ العلاقة بين القرآن والواقع ليست علاقة أحاديّة الاتجاه، بل هي علاقة جدليّة يتفاعل فيها النصّ مع السياق التاريخي والاجتماعي الذي نزل فيه.

والحصيلة: تمثّل إعادة طرح فكرة حدوث القرآن ـ في نظره ـ بديلاً عن نظرية قدم القرآن التي تربط النصّ بالذات الإلهية ربطاً ثابتاً، إذ يرى أنّ اعتبار القرآن صفة أزلية لله قد يؤدّي إلى تصوّر النصّ بوصفه كياناً ساكناً منفصلاً عن حركة الواقع، أمّا تصوّره هو فيسعى إلى إبراز القرآن بوصفه نصاً حيوياً متفاعلاً مع الحياة الإنسانية، قادراً على الاستجابة لتحوّلات الواقع.

ولتعزيز أطروحته القائمة على الجدلية بين النصّ القرآني والواقع، يلجأ نصر حامد أبو زيد إلى الاستفادة من بعض مباحث علوم القرآن التي نشأت داخل التراث الإسلامي نفسه، فيجعل منها شواهد تؤيّد تصوّره النظري. ومن أبرز هذه المباحث: المكي والمدني، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.

ففي تقديره أنّ هذه المفاهيم التراثية تكشف عن أنّ القرآن مقطوع الصلة عن الله تعالى بالمعنى الذي يريده الأشعري وأنّه على تماس مع الواقع؛ إذاً هو يقبل التحوّل وليس نصاّ جامداً وثابتاً ويقرّ بوجود علاقة وثيقة بين النصّ القرآني والظروف التاريخية والاجتماعية التي نزل فيها. إذ إنّ تقسيم الآيات إلى مكيّة ومدنية واختلاف لغة القرآن بين المرحلتين يدلّ، بحسب هذا التحليل، على ارتباط النصّ بمراحل مختلفة من الواقع الذي عاشه المجتمع الإسلامي الأوّل؛ وهذا الاختلاف دليلٌ على تفاعل النصّ القرآني مع البيئة التي نزل فيها.

ويرى أيضاً أنّ المعيار الحقيقي للتمييز بين المكّي والمدني لا يكمن في الروايات؛ لأنّ كثيراً منها ـ في رأيه ـ روايات ضعيفة، بل في طبيعة النصّ ذاته وعلاقته بالواقع.

وكذلك الحال في مبحث أسباب النزول، الذي يفترض وجود وقائع وأحداث محددة كانت خلفيّة لنزول بعض الآيات، بما يعكس حضور الواقع في عملية تشكّل النص.

وأيضاً فيما يخصّ مبحث الناسخ والمنسوخ؛ حيث يرى أنّ نزول القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة مع وجود النسخ في التشريع القرآني يعكس حقيقة مفادها أنّ التحوّلات التي تطرأ على حياة المجتمع تستلزم أحياناً تغييراً في الأحكام أو تعديلاً في صياغتها. ومن ثم فإنّ ظاهرة النسخ ـ في نظره ـ تمثل دليلاً إضافياً على العلاقة التفاعليّة بين النصّ والواقع، وعلى أنّ النصّ القرآني لم يكن منفصلاً عن حركة الحياة، بل كان يتجاوب مع تطوّراتها في سياق نزوله التاريخي. علماً أنّ نسخها لا يعني عنده حذفها بل تجميدها، وإلا ما معنى إبقائها فيه؛ ومن ثمّ بقيت لاحتمال أن يزول زمن الناسخ ويعود زمن المنسوخ، فيستعاد العمل به من جديد.

هذا كلّه، خلافاً لما تذهب إليه بعض الاتجاهات الأصوليّة التي تميل إلى تأكيد طابع النسخ الثابت، وقد تناول بعض الباحثين هذه الفكرة بالدراسة والتطوير، ومنهم الباحث يحيى محمد الذي ناقش مفهوم جدلية النصّ والواقع، محاولاً توسيع أبعاده النظرية وإدخاله في سياق النقاشات الفكرية داخل البيئة الشيعيّة.

المبحث الثاني: دراسة مشروع محمد مجتهد شبستري

توطئة

عند تناول المشروع الفكري للأستاذ محمد مجتهد شبستري، يمكن ملاحظة أنّه يقوم على مجموعة من المرتكزات النظريّة التي تشكّل الإطار العام لرؤيته في مجال الهرمينوطيقا الدينيّة. فقد بدأ عرض هذه المرتكزات ببحث طبيعة لغة الدين وخصائصها، بوصفها المدخل الأساس لفهم النصّ الديني وتأويله، فشبستري يرى أنّ لغة الدين تتميّز بجملة من الخصائص التي تميّزها عن سائر أنماط اللغة، فهي أولاً لغة تفسيريّة وتاريخية ونقدية ورمزيّة، وكذلك ممتازة عن غيرها.

أمّّا الركيزة الثانية في تحليله فتتصل برصد الاتجاهات الفكرية التي وقفت إزاء الفهم الديني التقليدي، سواء في الوسط الإسلامي الشرقي أم المسيحي الغربي. وفي هذا السياق يشير شبستري إلى عدد من التيارات الغربيّة التي انتقدت هذا الفهم أو سعت إلى تجاوزه، ومن أبرزها تيار الوضعيّة المنطقية، وتيار أصالة التاريخ (التاريخانيّة)، والتيار الذي يدعو إلى فكرة "أخلاق بلا دين" أو الحياة الروحيّة بلا حاجة إلى دين.

أمّا الركيزة الثالثة في مشروعه فتتمثل في العلاقة الوثيقة بين النزعة الهرمنوطيقيّة ومفهوم تعدّد القراءات التي اشتهر بها. وأخيراً، عرض شبستري أساسيّات فهم النص، محدداً سبع نقاط جوهرية تشكل قاعدة منهجية لنظريّته، ليصل المقام إلى الركيزة الخامسة، وهي مقوّمات التفسير عند شبستري.

1 ـ مقوّمات العمليّة التفسيريّة من وجهة نظر شبستري

يرى شبستري أنّ هناك خمسة مقومات أساسية، تقوم عليها عملية التفسير والتأويل وفهم النص، وتمثّل الإطار لنظريّته، وهي:

1 ـ 1 ـ الدور الهرمنوطيقي أو قبليّات المفسّر

يتمثل المقوّم الأول فيما يسمّيه بالدور الهرمينوطيقي، أو ما يُعبَّر عنه أيضاً بقبليات المفسّر. والمقصود بمصطلح الدور هنا معناه الفلسفي، لا بمعنى الوظيفة؛ إذ يذهب شبستري إلى أنّ فهم أيّ نص لا يمكن أن يتحقّق ما لم يكن لدى القارئ قدرٌ من المعلومات المسبقة عنه، ولو كانت هذه المعلومات إجمالية أو أولية.

ولتقريب الفكرة يذكر مثالاً عملياً: لو أراد شخص السفر بالطائرة من طهران إلى شيراز، فإنّه يتصل بالمطار للاستعلام عن مواعيد الرحلات، غير أنّ هذا الاتصال ـ كمحاولة للفهم والمعرفة ـ يسبقه بالضرورة قدر من المعرفة الأوليّة، ولو كانت بسيطة، وهي العلم بوجود رحلات جويّة بين المدينتين. هذه المعلومة الأولى تدفع إلى الحركة نحو معلومة ثانية، وقد تقود هذه بدورها إلى ثالثة، وهكذا تتوالد المعلومات تباعاً؛ إذ إنّ المعرفة لا تنشأ من عدم، بل هناك عمليّة توالد دائمة.

ينطبق هذا الأمر كذلك على فهم النصوص؛ إذ لا يمكن للمفسّر مباشرة قراءة النصّ دون امتلاك معلومة أو تصوّر مسبق عن موضوعه، مهما كان هذا التصوّر عاماً أو بسيطاً؛ لأنّ هذه المعرفة السابقة تسهم في توجيه عملية الفهم وتيسير إدراك معاني النص.

بناءً على ذلك، يقرّر شبستري مقولته الأساسية، ومفادها أنّ أيّ تفسير للنص وأيّ محاولة لفهمه يسبقها بالضرورة وجود معلومات مرتكزة في ذهن المفسّر ومرتبطة بالنص، ولو على نحو إجمالي. ويشكّل هذا المبدأ المقوّم الأوّل من مقوّمات العملية التفسيرية في مشروعه الهرمنوطيقي.

ثم يوضح شبستري كيفيّة تشكّل الدور الهرمنوطيقي في عملية الفهم والتفسير، مستعيناً بمثال عملي للتوضيح: فإذا شرعت في تأليف كتاب، فإنّك لا تكتب الفصل الأوّل ثم تضعه جانباً لتبدأ الثاني، ثم تضع الثاني فوق الأوّل بلا عودة، بل عادةً ما يحدث أن تنتهي من الفصل الأوّل وتبدأ في الثاني، ثم تعود تلقائياً إلى الأوّل لإجراء تعديلات أو لإضافة ما استجدّ لديك من معارف غيّرت فهمك لما كتبته سابقاً. بعبارة أخرى، يكون فهم الفصل الأوّل ـ مسامحةً ـ موقوفاً على فهمك للفصل الثاني، وكذلك فهم الفصل الثاني موقوف على فهمك للفصل الأوّل. وبهذا تنشأ علاقة جدليّة مستمرّة بين المعلومة السابقة واللاحقة، وهو ما يسمّيه شبستري بالدور الهرمنوطيقي. فكلّما أراد المفسّر استخلاص معلومة جديدة، تتدخّل معلوماته المسبقة في عملية الفهم، وهكذا يصبح الفهم دائماً عملية ديناميكيّة تتطوّر مع التدرّج في الاطلاع والمعرفة.

ولذلك، يؤكّد شبستري أنّه لا يوجد نص يُفهم دفعةً واحدة، ولا قراءة أولى تمنح الفهم الكامل، فإذا قرأت الصفحة الأولى من كتاب، فإنك تحصل على مقدار معيّن من المعنى، لكن عند قراءة الصفحة الأخيرة ثم العودة للصفحة الأولى مجدّداً، سيتكشّف لك معنى أعمق مختلف تماماً عن فهمك الأوّل. وهكذا، فإنّ فهم أيّ نص يكون دائماً في حالة سيولة وتطوّر، إذ يزداد العمق والدقة كلّما زادت المعلومات المسبقة لدى القارئ.

هذا الأمر ليس مقصوراً على القرآن الكريم، بل ينطبق على كلّ كتاب يُقرأ أكثر من مرّة، فالقراءة المتكرّرة تكشف طبقات جديدة من الفهم، وتتيح للقارئ إعادة تقييم ما قرأه سابقاً. على سبيل المثال، عند دراسة كتاب كفاية الأصول، يقرأ الطالب في البداية فهماً محدوداً، ثم مع إعادة القراءة والدراسة يتضح له فهم أعمق، ومع بلوغه رتبة الاجتهاد، تتشكّل لديه قراءة أكثر نضجاً ودقة، وهكذا تبقى عمليّة الفهم في حالة تزايد واطراد مع زيادة المعرفة المسبقة للنص.

ويخلص شبستري إلى أنّ المعلومات والأفكار المسبقة للمفسر لها دور محوري في فهم النص، سواء كان هذا التطوّر في الفهم طولياً أم عرضياً بتفاعل القارئ مع نصوص متعددة أم سياقات معرفية متجددة، وهو ما تمّ ربطه سابقاً بمفهوم "القبض والبسط النظريّين في المعرفة الدينية". ويعزّز شبستري هذا الطرح في كتابه هرمنوتيك كتاب و سنت، الذي يمثّل خلاصة أطروحته في هذا المجال.

لقد تمّ الاعتماد في عرض نظريّته عليه، لا سيما الفصل الأوّل منه، الذي يرسم فيه معالم مشروعه الهرمنوطيقي، بينما استخدم الفصول اللاحقة لدراسة تجارب تطبيقية تؤكد صحّة رؤاه؛ فحاول قراءة تجارب الفقهاء والمفسّرين والعرفاء والمعتزلة في فهم النصوص الدينية؛ وخلص إلى أنّ اختلاف هذه التجارب إنّما يرجع إلى اختلافهم في القبليّات والأساسيّات المعرفية عندهم.

عموماً، سنقتصر هنا على بيان ثلاثة نماذج من بين النماذج الكثيرة التي ذكرها، غير أنه يصرّح، بصورة عامة، في الفصل الأوّل من الكتاب بأنّ الشاهد على كون النصّ مرهوناً دائماً بالقبليّات هو أنّ المعرفة تنشأ من السؤال، وهو يركّز كثيراً على هذه الفكرة، شأنه في ذلك شأن ملكيان وسروش؛ فالمعرفة لا تأتي دفعةً واحدة، بل تتولّد من سؤال ينقدح في الذهن فتنبثق عنه معلومة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحليل طبيعة السؤال نفسه، فلو استمع شخص إلى محاضرة حول نظريّة التأويل عند شبستري، فلا بدّ أن تتولد في ذهنه أسئلة، وهذه الأسئلة ليست إلا أفكاراً ومعلومات ممتزجة بتصوّراته المسبقة، وهي التي تدفعه إلى توجيه سؤاله نحو النصّ. وعليه، عندما يوجّه القارئ سؤاله إلى نصّ شبستري وهو محمّل بهذه الأسئلة والتصوّرات، فإنّه يستخرج من النصّ أجوبة جديدة، وإذا تطوّرت معلوماته فتطوّرت معها أسئلته كماً ونوعاً، ثم عرضها على النصّ مرّة أخرى، فإنّه سيحصل على أجوبة مختلفة تبعاً لهذا التطوّر. ومن هنا يكون فهم النصّ سيالاً؛ إذ مع تطوّر المعلومات تتطوّر الأسئلة، ومع تنوّع الأسئلة تتنوّع الأجوبة المستنبطة من النص.

ومن الواضح أنّ الجواب الذي يقدّمه النصّ عن السؤال الأوّل يختلف عن جوابه عن السؤال الثاني، وليس المقصود بالاختلاف هنا التناقض أو التباين التامّ، بل نوع من الاختلاف؛ ففهم النصّ يصبح تابعاً للأسئلة، والأسئلة بدورها تابعة للمعلومات المسبقة، وبذلك يكون فهم النصّ في النهاية تابعاً لهذه المعلومات السابقة، وهو ما يشكّل الأساس في هذا المقوّم من مقوّمات العملية التفسيريّة عند شبستري.

ومن القبليات التي يؤكّد عليها شبستري ضرورة امتلاك المفسّر تصوّرات نظريّة عن اللغة، وهي مسألة ستتضح أهميتها عند تحليل منهج المعتزلة في فهم القرآن والسنّة. ولا يُراد بالنظرية هنا أن يكون المفسّر فيلسوفاً في اللغة؛ فالمصطلح وإن بدا كبيراً، إلا أنّ مضمونه أبسط من ذلك، إذ يكفي أن يمتلك المفسّر تصوّراً عن بناء اللغة يتيح له فهم النص، فلو افترضنا شخصاً يعتقد ـ وفق نظريّة شائعة في علوم القرآن ـ بعدم وجود المجاز في القرآن الكريم أصلاً، وأنّ المجاز يساوق الكذب، وهو محال على الله تعالى، فإنّ النتائج التي سيصل إليها في تفسيره ستختلف جذرياً عن نتائج من يعتقد أنّ القرآن حافل بالمجاز والكناية والاستعارة. ومن الطبيعي أيضاً أن تتباين النتائج بين مفسّر أشعري يضيّق دائرة المجاز، وآخر معتزلي يقوم منهجه على التوسّع فيه. وهذا يبيّن أنّ النظرية المسبقة حول بنية اللغة، والتصوّرات التي يحملها المفسّر عنها، تؤثر حتماً في فهمه للنصّ المكتوب أو الملفوظ، وهي نقطة محوريّة في الدور الهرمنوطيقي الذي يطرحه شبستري في مجال التفسير وفهم النصّ.

إلا أنّه يوضح في ختام هذه النقطة أنّه لا يقصد أنّ كلّ تفسير مسبوق بالضرورة بالقبليّات، أو أنّ القبليات هي العامل الوحيد في عمليّة التفسير، ولا يرى أنّ وجود القبليات يعني بالضرورة تلاعب الناس بالنصوص. فهناك أشخاص أمناء وصادقون يستمعون إلى القرآن بصدق وإخلاص، فلا يمكن افتراض أنّ جميع الناس يطوّعون النصوص بحسب أهوائهم ويلوون عنقه كيفما يشاؤون. بل المقصود أنّ فهم النصّ الإطلاقي الكامل مستحيل، فلا يمكن لأيّ قراءة أن تكون صحيحة من جميع الجهات وكاملة من كلّ وجه، بل دائماً ما يعتري الفهم نقص أو ثغرة ما.

وعليه، فإنّ أوّل عماد تقوم عليه عمليّة تفسير النصّ عند شبستري هو القبليات، وهي الفكرة التي يشترك فيها مع الدكتور سروش في نظرية القبض والبسط، ويشارك فيها أيضاً مع آخرين ممن طرحوا فكرة توقّعات الناس من الدين أو ما يُعرف بـ "انتظارات بشر از دين". فكلّ هؤلاء يعتمدون على هذه الفكرة الغربيّة في تفسيرهم للنصوص، معتبرين أنّ المعلومات المسبقة والمعارف السابقة هي المدخل الأوّل لفهم أيّ نص ديني أو فلسفي.

1 ـ 2 ـ ميول المفسّر وتطلّعاته

لدى شبستري نظريّة خاصة في ما يتعلّق بتوقّعات البشر من الدين، ويُعتبر ما سنطرحه تالياً الأساس الهرمنوطيقي لتلك النظريّة، فهو يرى أنّ أيّ إنسان إذا توجّه إلى نصٍّ ما يأخذ منه أجوبةً بقدر ما يملك من توقعات وتطلّعات وميل مسبق.

ولتوضيح هذا المعنى، يطرح شبستري عدة نقاط مهمة:

أولاً، عندما يقرأ الإنسان نصّاً ما ـ ولنفترض أنّه نصّ فلسفي ـ فمن الطبيعي أن تكون توقّعاته فهم نظريّة في الوجود أو مسألة فلسفيّة معينة، لا أن يتوقع من النصّ الإجابة عن أحداث تاريخيّة محدّدة، مثل معرفة ما إذا كان المأمون العباسي قد قتل الإمام الرضا× أو لا. أو إذا قرأت كتاباً للملا صدرا، فلن تتوقع من نصّه أن يعطيك تفاصيل عن علاقة المأمون بالإمام الرضا؛ إذ إنّ النصّ الفلسفي، بطبيعته، يبحث مسائل فلسفيّة وتجريدية، وليس أحداثاً تاريخيّة. وبالمثل، إذا قرأت كتاباً تاريخيّاً مثل كتاب حسن الأمين عن صلاح الدين الأيوبي، وكنت ترغب في معرفة ما إذا كان صلاح الدين خائناً للأمّة الإسلامية أو شهماً مقداماً كما هي الصورة النمطيّة، فإنّك لا تتوقع من هذا النصّ أن يعطيك حلاً لمسألة أصالة الوجود أو أصالة الماهية. وهكذا، يصبح توقّع القارئ من النصّ مرتبطاً بميدان اهتمامه وسياق قراءته، وهو ما يوضح أنّ التوقع المسبق يشكل مدخلاً أساسيّاً لفهم النصّ وطريقة استيعابه.

وعليه، فإنّ هذا التوقّع المسبق يعني أنّ القارئ يتوجّه إلى النصّ وهو محمّل بميل مسبق وتطلّعات نحو الحصول على جواب أو حلّ في ميدان معرفي محدد. وبحسب شبستري، توقّعات الإنسان المسبقة وميوله تجاه النصّ هي التي تحدّد طريقة فهمه له، وهو ما يبرز الدور الهرمنوطيقي للقبليّات في عملية التفسير.

ولتوضيح المثال بشكلٍ عملي، يمكن الاستعانة بما طرحه الدكتور سروش سابقاً، وربطه برأي السيد أبي القاسم الخوئي في مسألة الخمس، حيث يرى الخوئي أنّ الخمس بشقّيه ـ سهم السادة وسهم الإمام ـ هو بمثابة ضريبة شخصيّة، أي أنّ المسلم يعطيها للنبيّ‘ وأهل بيته، كحقّ شخصي، فلا ينبغي تصويرها على أنّها مشروع اجتماعي شامل، فالنبيّ‘ يخصّص عشرة بالمائة من الأرباح لنفسه ويصرفها حسب حاجته، ويخصّص النصف الآخر لأقاربه. أمّا عند السيد الخميني، فالأمر مختلف تماماً؛ إذ يرى أنّ الخمس ضريبة للدولة الإسلاميّة وليست مجرّد عطاء جزئي للنبيّ‘ وأهله؛ إذ إنّ مشروعه يتجاوز حدود الفرد ليشمل تنظيم الحياة في المجتمع الإسلامي كلّه، فالخميني كان يتوقّع من القرآن الكريم والسنّة الشريفة حلّ مشاكل الإنسان وتنظيم الحياة بشكلٍ عام، لذلك اعتبر أنّ موضوع الخمس أكبر من حجم تداول بسيط للأموال بين الأفراد.

ويشرح الخميني بأسلوب واضح: هل النبيّ‘ بحاجة إلى عشرة بالمئة من أملاك جميع المسلمين في العالم؟ إنّ نسبة ضئيلة جداً تكفيه للعيش الكريم، فكيف يُعقل أن يُخصّص له عشرة بالمئة من أملاك المسلمين؟! فإذا بلغت أملاك المسلمين خمسة مليارات دولار، فسيصل سهم النبيّ‘ شخصيّاً إلى نصف مليار دولار، وهو مبلغ هائل لا يمكن تصديقه أو قبوله منطقيّاً، ويشير السيد الخميني في كتابه الحكومة الإسلاميّة إلى أنّ الحديث عن سهم السادة بهذه الطريقة غير دقيق، موضحاً أنّ سوق بغداد ـ في المنطقة التي كان يعيش فيها ـ وحده يمكنه تلبية احتياجات فقراء السادة في العالم دون أن يُسأل أحد، فكيف يُطلب من جميع المسلمين في العالم سدّ حاجة هؤلاء الفقراء؟

وينشأ هذا الاختلاف ليس من فروق في قراءة الروايات أو البحث في القرائن والروايات أو توثيقها وضعفها، بل هو أعمق من ذلك، ويعود إلى أنّ أحد الطرفين يقرأ الإسلام قراءة خاصّة به ويتوقّع من النصّ أن يملي عليه تصوّرات معينة، بينما يقرأ الآخر النصّ منتظراً منه أن يملي عليه تصوّرات أخرى، أي من منظور ضرورة استقلال المسلمين وتنظيم شؤونهم على مستوى العالم.

هنا يوضح شبستري أنّ مصطلح "الميول" لا يحمل دلالة سلبيّة بالضرورة، بل يشير إلى التطلّعات المسبقة للقارئ أو المفسّر تجاه النص. وعموماً، هذا الاختلاف في التوقّعات المسبقة هو الذي يفسّر التباين في تفسير النصوص.

وعليه، يرى شبستري أنّ أغلب حالات الخطأ في تفسير نصٍّ ما تعود إلى التوقّعات المسبقة للقارئ أو المفسر، فمثلاً إذا افترضنا على المستوى الفلسفي أنّ الحديث عن نظام سياسي في الإسلام خطأ، فإنّ نتيجة السيد الخميني في موضوع الخمس ستكون خاطئة، أمّا إذا اعتبرنا أنّ للإسلام مشروعاً سياسيّاً عاماً حتى في عصر الغَيبة، يهدف إلى تنظيم المجتمع وإقامة الدولة، فإنّ تفسيره للخمس يصبح صحيحاً.

وبناء على ذلك، يتضح ـ وفق شبستري ـ أنّ ميول المفسّر وتطلّعاته المسبقة ليست مجرّد عامل جانبي، بل ركن أساس في عمليّة فهم النصوص؛ إذ تحدّد طريقة تفسير النص، ومدى انسجامه مع الواقع الذي يتوقّعه القارئ أو المجتمع. فمعيار الخطأ والصواب في تفسير النصوص ـ بحسبه ـ لا ينبغي أن يُقاس على المستوى الجزئي داخل النصوص، بل يجب أن يُنظر إليه على مستوى الكليات والأساسيات والتوقّعات المسبقة التي اعتمدها القارئ.

وعليه، نجد أنّ الدراسات الجامعيّة الحديثة، عند تحليل فهم شخصيّة معينة، لا تقتصر على دراسة جزئيّات تفسيره للنصوص، بل تركّز على مدى صواب قراءته في الأساسيّات والمبادئ العامة التي تبنى عليها عمليّة الفهم والتفسير. فإذا أصاب المفسّر أو القارئ في هذه الأساسيات، فإنّ تفسيره للنصوص الجزئية سيكون غالباً صحيحاً إلى درجة عالية، بغضّ النظر عن اختلافاته في التفاصيل الثانوية. وهكذا، يؤكّد شبستري أنّ الإطار الكلي للفهم، والقبليّات، والتطلّعات المسبقة للقارئ هي الأساس الذي يُبنى عليه الحكم على صحّة التفسير أو خطئه، وهو ما يعكس المرونة والعمق الهرمنوطيقي في قراءة النصوص.

إلا أنّ مسألة تطلّعات المفسر من النصّ تواجه إشكالية معقّدة جداً، وهي التي أثارت اعتراض خصوم شبستري، يقول شبستري ما معناه: أنا مفسّر للنصّ، ولدي تطلعاتي وتوقّعاتي المسبقة التي أقرأ وأفسّر النصّ على أساسها، ولكن هناك في المقابل صاحب النصّ الذي تكلّم به، وهو عاقل حكيم سواء كان الله سبحانه وتعالى، أو النبيّ‘، أو أهل البيت عليهم السلام، فلا بدّ أنّ له هدفاً من وراء التلفّظ بالنص.

بعبارة أخرى: هناك توقّعات المفسّر التي يقرأ النصّ على أساسها، وهناك توقّعات المتكلم وميوله التي أصدر النصّ وفقها. والسؤال المحوري هنا: ما الضمانة التي تكفل تطابق توقّعات المفسّر مع تلك التي انطلق منها المتكلّم؟ ذلك أنّه إذا تطابقت التوقّعات، ففرصة إصابة المفسّر للمعنى المقصود من النصّ كبيرة؛ أمّا إذا لم تتطابق، فسوف يقع المفسّر في خطأ كبير.

ويزداد تعقيد هذه الإشكاليّة مع الفاصل الزمني البعيد بين المتكلّم والمفسّر، والذي قد يصل إلى ألف ومئتي عام، فما الضمانة التي تؤكّد أنّ التوقعات المسبقة التي انطلق منها المفسّر، والأسئلة التي طرحها على النصّ، متطابقة مع ما كان في ذهن المتكلّم قبل التلفّظ بالنص؟ فإن أمكن اكتشاف هذا التطابق فسيكون الأمر على ما يرام؛ أمّا إذا تعذّر ذلك، فالمفسّر يقع في ورطة الشكّ، وهذا ما يضاعف من تعقيد فهم النصوص، إذ يوجد دائماً احتمال أن ينطلق المفسّر من ميول معينة، بينما لم يقصد المتكلّم أيّاً منها.

وفي هذا الإطار، يضرب شبستري مثلاً من الشعر، فيذكر القصّة المنسوبة لأبي الطيب المتنبي: كان المتنبي يجلس بجانب من يحلّلون شعره، فيقول أحدهم: «قصد أبو الطيب كذا»، ويردّ آخر: «لا، قصد كذا». فيردّ المتنبي قائلاً: «والله ما خطر شيء من هذا ببالي، فأنا أقول جملة بسيطة، وأنتم تأخذونها وتجعلون منها أمراً عظيماً».

وإذا كان تحصيل اليقين من اتحاد ميول المتكلّم والمفسّر أمراً عسيراً، فإنّ المشكلة تتعقّد أكثر حين ندرك أنّ المفسّر نفسه قد لا يعي حقيقة توقّعاته ودوافعه، فقراءة النصّ تتمّ أحياناً عفوياً، ودوافع المفسّر قد تكون خفية أو ضمنيّة، مما يستدعي وجود مفسّر واعٍ يقرأ ذاته قراءة نقديّة ليستكشف أسباب تفسيره للنصّ على نحو معيّن وما انطوى عليه من ميول خفيّة. وعلى سبيل المثال، تفسير الشيخ طنطاوي جوهري المسمّى "الجواهر في تفسير القرآن الكريم"، الذي حاول فيه إيجاد أصول لكلّ اكتشاف علمي حديث في القرآن، فتأثر بالنهضة العلمية الغربيّة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فظهر تفسيره متعرضاً للكيمياء والفيزياء والطبّ والأحياء. ووفق تحليل شبستري، فإنّ طنطاوي نفسه لم يدرك أنّ تفسيراته تلك كانت تحت وطأة الضغط الحضاري للغرب، وأنّها تعكس محاولة نفسيّة للفرار من الشعور بالهزيمة وتحقيق الانتصار على الغرب، وكان يعيش هذه الحالة دون وعي كامل، حتى نبّهه الآخرون إلى خطئه.

وبناءً عليه، إذا كان المفسّر عاجزاً عن تحديد دوافعه وخلفيّاته الخاصة بدقة تامّة، فكيف يمكن أن يُرجى منه الإحاطة بخلفيّات المتكلّم الأصلي ودوافعه عند إصدار النص؟! هذا ما يجعل المشكلة أشدّ تعقيداً.

على هذا الأساس، زاد شبستري الإشكالية تعقيداً وتشابكاً؛ إذ لم يكتف بالتشكيك في إمكانية تطابق ميول المتكلّم والمفسّر، بل شكّك أيضاً في قدرة المفسّر نفسه على الإحاطة بميوله وتصوّراته المسبقة، وهي معضلة عميقة وحقيقية في ميدان الفهم الهرمنوطيقي للنصوص.

مع ذلك، يشرع شبستري بطرح بعض الحلول التي تهدف إلى ترميم هذا الصدع المعرفي، على الرغم من إدراكه لصعوبة تحقيق ذلك بالكامل.

1 ـ 3 ـ استنطاق التاريخ

يُعدّ استنطاق التاريخ ركناً محورياً في فهم النصوص عند شبستري، فبعد تحقّق قبليّات المفسّر وتوقّعاته من النص، تبدأ عملية استنطاق التاريخ، ومقتضاها أنّه لا سبيل لفهم أيّ نص إلا في ظرفه التاريخي، ويعني ذلك أنّ المفسّر يجب أن يحقّق حالة من "التماهي" ـ كما في التعبير الهرمنوطيقي المعاصر ـ بينه وبين المؤلّف، فيتقمّص شخصيّته ويعيش في عالمه ليقرأ النصّ من منظوره. وهذا التماهي لا يتحقّق ببساطة بمجرّد النظر إلى البعد الزماني أو المكاني، بل يستلزم جهداً واعياً للدخول في المناخ التاريخي الذي ولد فيه النص (عصر الصدور).

من هنا، فإنّ استنطاق التاريخ يعني العودة إلى التاريخ ليخبرنا عن مراد النصّ ومضمونه وما يحكيه، وهو خطوة لا غنى عنها لفهم النصوص القديمة أو المتباعدة زمنياً عن القارئ.

غير أنّ هذا الركن يثير إشكاليّة جوهرية، وهي أنّ المتكلم وإن قصد إيصال معنى محدّد في ذهنه، فقد لا يكون اللفظ الذي تلفّظ به وافياً في نقل ذلك المعنى بالكامل، فالنصّ قد يكون قاصراً عن تقديم الصورة الكاملة التي أرادها المتكلّم؛ فربما تكون العناصر التاريخيّة المحيطة بالنصّ ساعدت على تكميله؛ فالنصّ هو تماماً كما الشجرة العارية من الأوراق والثمر، بحيث يحتاج إلى التاريخ، الذي يساعد العقل المعاصر على إكمال الصورة الناقصة. فمن يعيش في عصر المتكلّم، ويدرك السياق المشترك بينهما، يفهم المراد بسهولة، بينما لو سمع شخصٌ آخر نفسَ القول بعد زمن، فقد يفسّره على غير وجهه المقصود.

ويعود السبب في ذلك إلى أنّ الإطار الزمكاني يساعد المفسّر على تكميل أجزاء النصّ المفقودة؛ حيث إنّ المتكلّم يعتمد على ما يسمى في علم الأصول بمرتكزات المفسّر، أي القرائن الحالية المشتركة والموجودة لدى السامع، والتي تغني المتكلّم عن التصريح بها كلّ حين؛ بحيث يقول الجملة ويعتمد على أنّ السامع سيكمل أجزائها.

وإذا ابتعد القارئ عن هذا الجوّ التاريخي وغاب الإطار الزمكاني الذي كان يمدّ النصّ ويُساعد على تشجير الشجرة كما قلنا، يصبح النصّ عاجزاً عن إيصال مضمونه الكامل للمفسّر؛ إذ كيف يمكن له أن يُكمل أجزاء الصورة وهو لا يملك المعطيات المطلوبة؟! وهنا يقع في هوّة الشك مجدّداً؛ إذ يصبح فهم النصّ من دون السياق الزمكاني أشبه بمحاولة تركيب صورة مفقودة أجزاؤها ومنقطعة عن بعضها بعضاً.

1 ـ 4 ـ بؤرة المعنى

المقوّم الرابع في نظريّة شبستري، هو ما يسمّيه "بؤرة المعنى" أو مركز المعنى. وتوضيحاً لهذا المفهوم، نستعين بمشروع التفسير البنائي للقرآن الكريم للدكتور محمود البستاني، الذي يرى أنّ كل سورة قرآنية تشبه شجرة متكاملة، لها جذور وركن أساسي، وأغصان رئيسيّة وفرعية، وأوراق وثمار وظلّ. ففي كلّ سورة يوجد جذع رئيسي يمثّل الرسالة المحوريّة، بينما الآيات الأخرى تُعد أغصاناً وأوراقاً وثماراً تخدم هذا الجذع. وهكذا، لكلّ نصّ ـ بحسب شبستري ـ مركز وأطراف، فإذا فشل المفسّر في تحديد هذا المركز، فإنّ فهمه لبقية الأطراف سيكون مشوّشاً أو خاطئاً.

بعبارة أخرى: يحمل كلّ نص رسالة أساسيّة وعنصراً بنيويّاً رئيساً يحدّد المشروع والهدف العمدة من وراء تكلّم المتكلم، وما عدا ذلك تفاصيل تخدم هذا المشروع؛ لذا، على المفسّر أن يحدّد بؤرة المعنى، أي المغزى العام للنص والرسالة الأساسيّة له، تماماً كما تحدّث دي سوسير ـ كما مرّ سابقاً ـ فهذه البؤرة توحّد النصّ وتجمع أجزائه المبعثرة، وبدونها يتحوّل النصّ إلى ركام من الجمل المتناثرة بلا رابط متماسك؛ كما الشجرة التي تفقد جذعها فتتناثر أوراقها وأغصانها وتتشتّت.

وعليه، يجب على المفسّر ألا يبدأ بتفكيك النصّ إلى جزئيّاته الصغيرة في البداية، بل يرصد أوّلاً الرسالة الأساسيّة، التي تُمسك بتمام النص، ثم يعود إلى الجزئيات ليُقيّم كيف تلتحم بها وتخدمها. ويرى شبستري أنّ كثيراً من المفسّرين عبر التاريخ أخطأوا بهذا المعنى، فقرأوا النصوص بأسلوب فسيفسائي، لا كلوحة كاملة، أي أخذوا كلّ جزء منفصلاً عن البقية، وهو خطأ منهجي جسيم. ثمّ يضيف بأنّه لفهم الرسالة الأساسيّة لا بدّ من الرجوع إلى التاريخ، فمثلاً قد تكون الرسالة الأساسيّة في تشريعٍ ما هي حفظ النفس، كما في قوله تعالى:﴿ولا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَة﴾ (البقرة: 195)، فإنّ هذه الرسالة تمثّل مركز المعنى، بينما التفاصيل التطبيقيّة، ككيفيّة النزول عن الحصان لتجنّب السقوط وأمثال ذلك، هي جزئيّات تندرج تحت هذه الرسالة، ولا ينبغي أن تشغل المفسّر عن إدراكها. وبمجرد استقرار النظر على مركز المعنى، يتضح موقع الجزئيات تلقائياً في الخارطة الكليّة للنص.

وهذه الطريقة في التفسير، وإن لم تكن من ابتكارات شبستري ـ كما أغلب النظريات ـ بل نجدها في المناهج الأدبيّة، فتفسير النصّ الأدبي والمقطوعة الشعريّة، يغاير ما يصنعه علم الأصول من تفكيك النصّ إلى مقاطع والعمل على اقتناص ظهوره العرفي مقطعاً مقطعاً، بل يُصار إلى اقتناص الرسالة الأساسيّة كما قلنا، وفهم الأطراف والفروع على أساسها، وهو يُقارب ما طرحه السيد الصدر كلازم لمنهج التفسير الموضوعي، أو ما يسمّيه روح الشريعة في مسألة معارضة الكتاب للسنّة، فيؤكّد على ضرورة عدم أخذ كلّ آية على حدة، بل اقتناص روح القرآن كلّه.

1 ـ 5 ـ ترجمة النصّ

لا يقصد بالترجمة هنا الترجمة اللغويّة، أي الترجمة من لغة إلى أخرى، بل نقل دلالة النصّ من سياقه التاريخي الأصلي إلى سياق المفسّر المعاصر، أي إعادة إنتاج معناه بلغة العصر ومفاهيمه.

يشير شبستري إلى وجود انحرافين خطرين في هذه العمليّة:

الانحراف الأوّل: الشكلانية، ويقصد به أن يكتفي المفسّر بالحفاظ على الصورة القديمة للنصّ كما هي، مع تغيير الصياغة والعبارة فقط، مع إبقاء المضمون على حاله، كما فعل الإسلاميّون الجدد في القرن العشرين في ترجمة التراث. يرى شبستري أنّ هذا انحراف عن حقيقة الترجمة، التي تتطلّب استخلاص لبّ المعنى وجوهره، ثم إعادة إنتاجه بما يتناسب مع العصر الحاضر. ويستشهد على ذلك بمناقشته لمسألة الاحتكار في الفقه، فالمقصود بالاحتكار لا يقتصر على الملح أو الزبيب أو التمر أو الشعير والحنطة، بل يشمل جميع الموارد الاقتصاديّة. إنّ المعنى الحقيقي للاحتكار ولبّه هو منع الضرر عن الناس وحرمان أيّ شخص من التحكّم بمقدّرات الآخرين بغرض رفع الأسعار وتحقيق مكاسب شخصيّة، فهذا هو جوهر الحكم الشرعي، وما عداه من حصر في جزئيّات معيّنة قد يكون مجافياً للمعنى الحقيقي للنص.

الانحراف الثاني: ضمانة المشترك الإنساني، أي أنّ المترجم أو المفسّر كثيراً ما يقع في مواطن الاشتباه، فيقدّم أحياناً، نتيجةَ ميوله الذاتية، ترجمةً أو تفسيراً متوافقاً مع تلك الميول، وهو ما يشكّل المعضلة الكبرى في العمليّة التأويلية. وهذا الخطأ شائع في الأوساط الفكريّة المختلفة؛ إذ ترى على سبيل المثال شخصاً من دعاة التعدّدية يقرأ قوله تعالى:﴿وإنَّا أَو إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مبِينٍ﴾ (سبأ: 24)، فينتج لديه أن لا أحد على يقين مطلق، وأنّ الهدف هو الحوار للوصول إلى اليقين، بينما يذهب آخر إلى أنّ العبارة أسلوب خطابي، والمتكلّم يعلم يقيناً أنّه على الحقّ، وإنّما يخاطب الخصم بأسلوب توجيهي:"إمّا أنا وإمّا أنتم على يقين"، لأغراض التذكير أو إلزام المخاطب، دون المساس بيقينه بحقّانيته. فعمليّة الترجمة هي الخاطئيّة، حيث تدخلت فيها الميول والنزعات الخاصّة، وينطبق هذا أيضاً ـ على سبيل المثال ـ على شخص في المؤسّسة الدينيّة يفسّر قوله تعالى: ﴿فَسْأَلُوا أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، على أنّ المؤسسة الدينيّة في الإسلام لها كيان وهيمنة؛ فيما يميل مثقّف من خارج المؤسّسة الدينية ـ بالاعتماد على بعض الروايات ـ إلى نفي وجود هكذا كيان في الإسلام، ودافعه في ذلك موقعه المهمّش ورغبته في تحسين وضعه، فيستفيد من هذه النصوص ويترجمها على حالاته المعاصرة. وهذا ما يشكّل خطأ منهجياً، فيبقى السؤال بعد الوقوع في الشكّ: كيف يمكن توحيد ميول المفسّر والمتكلّم؟ وكيف يستطيع المفسّر تحديد ميوله هو ذاته؟ وكيف نصل إلى المراد الجدّي للمتكلّم؟

يجيب شبستري عن هذه الإشكالية بأنّ لديه ضمانة واحدة، وهي ما يسمّيه بالمشترك الإنسانيّ، فصحيح أنّ النبيّ محمّداً‘ عاش قبل ألف وأربعمئة عام في ظلّ مناخ زمكاني يختلف عن عصرنا، لكن يمكن فهم كلامه باعتباره إنساناً، وأنا إنسان أيضاً، وهذا ما يشترك فيه الطرفان. وهذه القضية تناولها بعض الباحثين الغربيين أمثال شلايرماخر وغيره، معتبرين أنّ المشترك الإنساني هو القاسم الذي يربط المفسّر بالمتكلّم عبر العصور؛ ومن خلال الإنسانيّة المشتركة يمكن فهم درجة من درجات النصّ، فحتى لو اختلفت الأزمان واللغات والثقافات، توجد هموم وقواسم مشتركة في التفكير والرؤى والتطلّعات والحاجات الإنسانيّة، وهذه القواسم هي التي تمنح قدراً من الاتصال والفهم بين المفسّر وصاحب النصّ، وتمنع القطيعة الكاملة بينهما، وتمكّن من تفسير النصّ بدرجة من الدقّة، حتى لو كان قد مضى على صدوره قرون عدّة.

وبذلك، يعتبر شبستري المشترك الإنساني أهم ضمانة لفهم النصوص التاريخية والدينية؛ إذ من دونه يصبح فهم النصوص القديمة في غاية الصعوبة، ويقف المفسّر أمام مشكلة أساسيّة تتعلّق بإمكانية الاتصال بالمراد الحقيقي للمتكلّم. من هنا، يؤكّد أيضاً أنّ الضمان لفهم نصٍّ ما بنسبة مئة بالمئة أمرٌ مستحيل.

وكما أسلفنا، رسالته الجوهريّة تكمن في عدم وجود تفسير نهائي أو حاسم، فحتى لو افترضنا وجود تفسير حجّة، فإنّ حجية التفسير لا تعني بالضرورة أنّه تفسير صحيح أو مطابق للواقع، وهو يشير إلى أنّ الحجية مرتبطة بالعقل العملي، وغرضها تنظيم شؤون الحياة وإعطاء معيار للعمل، أمّا ما نحن بصدده هنا فهو العقل النظري واكتشاف دلالة النصّ وفهم مراد المتكلّم، فمن الممكن أن تكون الظواهر حجّةً ويؤخذ بها عملياً، رغم أنّها قد لا تعكس المراد الحقيقي للمتكلّم.

2 ـ من تطبيقات نظريّة شبستري على الفِرَق الإسلاميّة

بهذا نكون قد أنهينا شرح الخارطة الأساسيّة لمشروع شبستري. وننتقل الآن إلى ما قام به هو من تطبيق على جميع الفِرَق الإسلاميّة؛ كالمعتزلة والمتكلّمين والفقهاء والعرفاء والمتصوّفة والأشاعرة والسلفيّة وأهل الحديث والعلامة الطباطبائي وابن رشد، وغيرهم؛ مشيراً إلى اختلاف نتائجهم بسبب اختلاف ميولهم وقبليّاتهم.

وسنشير هنا فقط إلى أنموذجين اثنين بوصفهما عيّنة من تلك التطبيقات.

2 ـ 1 ـ أهل الحديث والسلفيّة والأشاعرة ومنطلقاتها

جمع شبستري بين هذه المدارس الثلاث؛ لأنّه يجمعها مسارٌ واحد وقبليّات مشتركة أدّت إلى نتائج متماثلة؛ كالقول بالتجسيم والتشبيه.

والسؤال الأساس لديه يرتبط بالمنطلقات والأسباب التي أدّت بهم للوصول إلى هذه النتائج، وهو يُرجعها إلى ثلاثة أسباب:

2 ـ 1 ـ 1 ـ المناخ الفكري

يرى شبستري أنّ المناخ الفكري الذي سار عليه أهل الحديث هو مناخ التسليم والاتّباع؛ لأنّهم كانوا يرون السلف الصالح في عصر النبي قوماً مسلّمين متبعين، دون أيّ مناقشة أو سؤال، فإذا قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللهَ سَمِيِعٌ بَصِير﴾ (الحجّ:75، لقمان:28، المجادلة: 1)، قالوا: سمعاً وطاعة، هو سميع بصير. أمّا ماهية السمع والبصر وكيفيّة ذلك، فهي أسئلة لم تكن مطروحة بتاتاً، إنّما ظهرت في العقود اللاحقة، فهذا المناخ القَبْلي بالتسليم والافتراض المسبق في التعامل مع النصّ، الذي يفترض وجود علاقة ناطقٍ بمستمعٍ مسلّمٍ دون أيّ سؤال أو نقاش، بل يؤمن بأنّه لا ينبغي السؤال عن أكثر مما يُعطى.. هو الذي أفضى بهؤلاء إلى تبنّي هذا الجوّ، لا سيّما مع التيار السلفي المتأخّر منذ القرن السابع الهجري مع ابن تيمية الحرّاني ومن تلاه، وصولاً إلى عصرنا الحاضر.

2 ـ 1 ـ 2 ـ فكرة المقدّس

وهي من الخلفيّات المسبقة التي ساهمت في تشكيل رؤية مختلفة للأشاعرة وأهل الحديث عن المعتزلة. ويُستشهد في هذا الصدد بكلمة العارف المسيحي الألماني رودولف أوتو الذي قال: «الدين يساوي المقدّس»، ويعني بذلك أنّه لا مجال للحديث عن الدين إذا كان كلّ شيء عرضة للتساؤل والتحليل العقلي؛ بل هناك أشياء مقدّسة لا تقبل التحليل العقلي، بحيث يكون لها حريمٌ خاص، مثل المسجد الأقصى أو القرآن الكريم، حيث قد يُضحّى بأرواح كثيرة دفاعاً عن ذلك المقدّس.

ويشير شبستري إلى أنّ هذا المفهوم وسيع جداً لدى الأشاعرة وأهل الحديث والسلفيّين؛ بحيث أصبح النصّ وكلّ جزئيّاته، بل حتى أقوال الصحابة والتابعين، مقدّساً. ومن الطبيعي، وفق هذا التصوّر، أن لا مجال لحركة العقل أو النقاش؛ إذ تكون الأسئلة والتساؤلات عن النصوص محدودة، وأيّ تجاوز لها قد يُعتبر بدعة أو مخالفة، كما يوضح قول الإمام مالك بن أنس في القرن الثاني الهجري: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

2 ـ 1 ـ 3 ـ الغيب وعجز العقل

حين يُنظر إلى القرآن الكريم والسنّة النبوية على أنّهما من الغيب، ومن عند الله الذي هو عالم الغيب، يصبح الكلام عن النصوص مسألة متعلّقة بموضوعات لا يصل إليها العقل البشري. وعليه، يصبح العقل غير مخوّل للوصول إلى فهم نهائي أو تحليلي كامل للنصوص. ولذلك نلاحظ في التيارات الدينية أنّه كلّما ترسّخت هيمنة الغيب على النصوص الدينيّة أصيب العقل بالشلل؛ وكلّما تقلّص هذا الجانب واعتبر أنّ بعضها عقلائي، تحرّك العقل.

ويتّضح ذلك جليّاً في الفقه، ففي باب العبادات يُنظر إلى النصوص على أنّها أمور غيبيّة خالصة، وبذلك لا يناقش الفقيه هذه النصوص، بل يلتزم بظاهر النص: «افعل كما أمرت»، حتى لو بدا شكل العبادة غريباً؛ لأنّها تعتبر بقعة غيبيّة غير قابلة للفهم العقلي، فلا يسع العقل إدراك سرّها كاملاً؛ ولهذا يتوقّف العقل تلقائياً عن الحركة بشأنها. أمّا في باب المعاملات، فقد اعتُبرت كثير من النصوص إمضائيّةً، أي أنّها تستند إلى الأعراف العقلائية أو إرشادية إلى حكم العقل والعقلاء، ولذلك، نجد أنّ الفقهاء يمارسون في هذا الباب تحليلاتٍ منطقيّة وعقلانية أوسع بكثير، ويستفيدون من النصوص لإبراز البناءات العقليّة وراء الأحكام، ما يدلّ على أنّ العقل قادر على الفهم والتحليل عندما يسمح النصّ بذلك.

وعليه، تتشكّل ـ كما أشرنا ـ علاقة عكسيّة بين حجم الغيب في النصّ ودور العقل، فكلّما توسعت دائرة الغيب في النصوص، تراجع نشاط العقل التحليلي، وكلّما انحصر الغيب في النص، فسح المجال للعقل ليعمل ويحلّل ويستكشف.

ويرى شبستري أنّ الأشاعرة يمارسون هذه الفكرة إلى أقصى حدودها، فيقولون: «كلّ شيء غيب، كلّه من عند الله، فلا تسأل، فالله أعلم بكلّ شيء، والله أعلم بمصالح الإنسان»؛ بخلاف الشيعة الذي يتمتعون بفسحة أوسع في هذا الصدد.

2 ـ 2 ـ المعتزلة

بعد بيان منطلقات الأشاعرة والسلفيّة، ينتقل شبستري إلى تحليل منطلقات المعتزلة، والتي يمكن إجمالها في عدّة نقاط محوريّة عنده:

2 ـ 2 ـ 1 ـ الدين بوصفه مؤيّداً للعقل

يؤكّد القاضي عبد الجبار المعتزلي (415 هـ)، شيخ شيوخ المعتزلة في زمانه، أنّ الدين جاء ليؤكّد ما قرّره العقل، وأنّ كثيراً مما جاء به القرآن هو إرشاد وإمضاء لما يقرّره العقل وليس تأسيساً. والشيعة يقولون: إنّ الأمر في مثل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾ ليس حكماً مولويّاً، بل هو إرشادي.

هذا الموقف يوضح الفرق الجوهري بين فهمٍ يرى النصّ تأكيداً لحكم العقل، وآخر يجعله مندرجاً ضمن عالم الغيب، فلا بدّ أن تختلف النتائج، وعليه، يصبح العقل عند المعتزلة المرجع الأعلى وصاحب المكانة الأرفع، بعكس الأشاعرة الذين يرون النصوص فوق مستوى العقل.

2 ـ 2 ـ 2 ـ التحسين والتقبيح العقليّان

قال المعتزلة بالتحسين والتقبيح العقليّين في مجال الأخلاق والفقه، لكن مع ذلك أقرّوا بالتعبّد بالأحكام؛ أمّا في غير ذلك فذهبوا إلى أنّ العقل قادر على اكتشاف كلّ شيء؛ بينما يرى الأشعري والسلفي أنّ العقل غير قادر على شيء. ولذلك تتباين النتائج، فإذا منح العقل سيادةً نسبيّة، يصبح المفسّر أكثر ثقةً في تحليل النصوص ومراجعتها؛ أمّا إذا اعتبر العقل عاجزاً، فيخضع للنصّ ويقتصر دوره على التسليم دون مساءلة.

وهذا يُشبه ما نجده في بعض الحركات الصوفيّة حيث يتبع المريد الأستاذ بلا نقاش، حتى لو كان الأمر يبدو غير منطقي؛ أمّا المعتزلة، فالعقل يُفترض به أن يسأل عن الأسباب والعلل.

2 ـ 2 ـ 3 ـ نظريّة اللغة عند المعتزلة

كانت للمعتزلة رؤية لغويّة محوريّة في تفسير النصوص؛ إذ إنّهم ينتمون في أصلهم إلى مدرسة أدبيّة، وفهم الاعتزال يقتضي فهم رؤيتهم في اللغة، وهو ما حدا ببعض الباحثين كنصر حامد أبو زيد إلى دراستهم من هذه الجهة؛ لأنّهم كانوا في الواقع أرباب اللغة في التراث الإسلامي.

يرى المعتزلة أنّ نظام اللغة العربية مجازيٌّ في أصله، ونظام الحقيقة أقلّ، بل ذهب بعضهم إلى إنكار وجود الحقيقة مطلقاً في اللغة، وهذا ما سيُفضي بالضرورة إلى اختلاف النتائج التفسيريّة للقرآن، فمن ينظر إليه على أنّه كلّه أو جلّه كنايات واستعارات ومجازات، سيخرج بنتائج مخالفة تماماً لمن يملك نظرةً مختلفة.

وعموماً، يُضيف المعتزلة أيضاً أنّ اللغة ظاهرة إنسانيّة محضة، وأنّ الله سبحانه تكلّم عبر هذه الظاهرة الإنسانيّة، وبالتالي فهي قابلة للتحليل النقدي والتفكيك والفهم والدراسة؛ بخلاف الأشاعرة القائلين بالكلام النفسي، الذي هو شيء غيبي تجلّى في صورة ألفاظ.

هذان أنموذجان يُشيران إلى تأثير المناخات والقبليّات على النتائج التي تخرج بها الفِرَق الإسلاميّة في فهم النصوص؛ وننتقل الآن إلى ذكر بعض الانتقادات التي وُجهت لمشروع شبستري، بشكلٍ موجز.

3 ـ من الملاحظات النقديّة على مشروع شبستري

لقد وجّهت لمشروع شبستري انتقادات من أطراف متعدّدة، ويلاحظ هنا أنّ كثيراً من الإشكالات المسجّلة على نظريّة القبض والبسط عند الدكتور سروش، تتكرّر هنا أيضاً، بما يتعلّق بمسائل القبليّات، وسيولة فهم النصّ، وغياب الضمانة الموضوعيّة للفهم؛ إلى غير ذلك.

لكن نشير إلى بعض الإشكالات الأخرى:

3 ـ 1 ـ تصوير الفرضيات كحقائق

تكمن إحدى المشكلات الأساسيّة في أنّ بعض الفرضيات والنظريّات، التي نشأت في بيئة غربيّة، لا تزال محلّ جدل ونقاش واسع، لكنّها عندما تصل إلى العالم الإسلامي فإنّها تُستقبل وكأنّها قانون علمي أو حقيقة نهائية مسلّمة. وهذا ما سُجّل على مشروع شبستري، كما أشار بعض العلماء، ومنهم الدكتور أحمد بهشتي، الذي رأى أنّ شبستري يعرض قضايا جدليّة في الهرمنوطيقا، مثل دور القبليّات في التفسير، على أنّها بديهيات، مع أنّ هذه الأفكار في بيئتها الأصليّة ما زالت محور معارك فكريّة طاحنة ولم تتبلور بعد، فكيف يمكن تصويرها كحقائق نهائيّة؟!

3 ـ 2 ـ مسألة الأمانة العلميّة

يضاف إلى ذلك إشكال الأمانة العلميّة؛ فمن أبسط مقتضيات البحث الأكاديمي أن يوضح المؤلّف للقارئ أنّ هذه المبادئ ليست من عنده، بل هي مستقاة من الدراسات الغربيّة والعربيّة السابقة، وهو ما لم يشِر إليه شبستري بوضوح أساساً. وهذا يثير مسألة الشفافيّة العلمية في نقل الأفكار وتقديمها كإطار تحليلي جاهز دون الإشارة إلى مصادرها.

3 ـ 3 ـ مشكلة التسلسل اللامتناهي في التأويل والتفسير

بمعنى أنّه إذا كان كلّ نص بحاجة إلى تفسير، والتفسير نفسه عبارة عن جملات، فالتفسير الجديد بحاجة أيضاً إلى تفسير، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. وهو إشكال سُجّل عليه على أيّ حال، ولا نعلّق عليه.

وأخيراً نشير إلى أنّ أهم كتاب لشبستري في هذا المجال هو هرمنوتيك كتاب و سنّت (هرمنوطيقا الكتاب والسنّة) وهو كتاب يستحقّ القراءة والدراسة، وقد وجّهت إليه انتقادات مفصّلة، منها نقد الدكتور أحمد بهشتي المنشور مترجماً في مجلّة المنهاج العدد 37. بالإضافة إلى انتقادات أخرى متفرّقة موجودة في مصادر متعدّدة يمكن الرجوع إليها لمزيد من التفصيل.

المبحث الثالث: إطلالة على مشروع المدرسة التفكيكيّة الخراسانيّة

مدخل

قبل البدء، ينبغي التأكيد على ضرورة عدم الخلط بين مصطلح المدرسة التفكيكيّة في سياقه الإيراني المعاصر ومدرسة التفكيك المعروفة في الدراسات الفلسفيّة واللغويّة الحديثة في الغرب، فالمصطلح هنا لا يرتبط بالاتجاهات النقديّة في اللسانيّات أو الفلسفة التأويليّة أو العلوم الإنسانيّة وأمثال ذلك، وإنّما هو عنوان لتيار فكري عقدي تشكّل في بيئة فكريّة خاصة، ولهذا أطلق بعض الباحثين عليه اسماً آخر أقرب إلى حقيقة دعواه، وهو المدرسة العقائديّة الخالصة، كما سيأتي توضيحه عند الحديث عن نشأة هذا المصطلح والجهة التي قامت بصياغته وتداوله.

كما ينبغي التأكيد أيضاً على أنّ فهم هذه المدرسة لا يستقيم إلا بوضعها في سياقها الإيراني الخاصّ؛ إذ إنّ وجودها ضمن هذا الإطار الجغرافي والثقافي هو الذي يمنحها خصوصيّتها، أمّا إذا أُخرجت من هذا السياق، فقد لا تبدو أطروحاتها غريبة على المتابع للفكر الشيعي في العالم العربي، بل قد يجد لها نظائر وسوابق لدى عدد من العلماء والاتجاهات الفكريّة.

وخصوصية هذه المدرسة في البيئة الإيرانيّة يعود إلى موقفها الحادّ من تأويل الدين تأويلاً عرفانياً أو فلسفياً. ومن المعلوم أنّ للفلسفة والعرفان حضوراً واسعاً ومؤثراً في الحياة الثقافية والاجتماعية في إيران، بل حتى في الأوساط الحوزويّة والدينية، على خلاف كثير من البيئات الشيعية الأخرى التي لم يحتلّ فيها العرفان المكانة ذاتها من التأثير والانتشار.

من هنا، اكتسبت المدرسة التفكيكية طابعها المميّز؛ إذ قامت على رفض قراءة الإسلام وفق معايير الفلسفة المشائيّة السينويّة، كما رفضت تفسيره على أساس مباني الحكمة المتعالية التي بلورها الملا صدرا، وكذلك رفضت أن يُقرأ الإسلام بمنظار العرفان النظري عند ابن عربي، أو أن يُفسَّر وفق مقاييس التجربة العرفانية، سواء بصيغتها الشيعيّة أم السنية المعروفة في التراث باسم التصوّف.

على هذا الأساس، فإنّ القاعدة المركزية التي تنهض عليها هذه المدرسة هي رفض المزج بين النص الديني من جهة، والفلسفة والعرفان من جهة أخرى، فهي ترى أنّ إدخال هذه المعايير الخارجيّة في فهم النصوص الدينية يفضي إلى تشويه المعنى الأصلي للوحي، ويجعل الدين تابعاً لمنظومات معرفيّة بشرية لا تنتمي إليه في أصلها. ومن هنا جاءت تسميتها عند بعض الباحثين بالمدرسة العقدية الخالصة، أي المدرسة التي تسعى إلى تنقية فهم الدين من كلّ ما تعتبره شوائب التدخّل البشري. وهذه الشوائب تتمثل ـ بحسب تصوّرها ـ في اتجاهين أساسيين:

1.       الفلسفة بما تحمله من نزعة عقلية تحليليّة تحاول إخضاع النصوص الدينية لقواعد التفكير الفلسفي.

2.       العرفان بما يقوم عليه من نزعة قلبية كشفية شهوديّة، ترى أنّ المعرفة الدينية يمكن أن تُنال عبر التجربة الروحيّة والذوق الباطني.

بناءً على ذلك، ترى المدرسة التفكيكية أنّ الفهم الصحيح للدين لا يتحقّق إلا بالعودة المباشرة إلى النصوص الدينيّة، أي القرآن الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام، دون إدخال منظومات معرفيّة خارجية تحكم هذه النصوص أو تفرض عليها معايير تفسيريّة مستمدّة من الفلسفة أو العرفان.

ومن جهة أخرى، إذا أردنا تأطير هذه المدرسة وتأمّل بنيتها الفكرية تأملاً أدقّ، فإنّ الإطار الأنسب لفهمها هو إطار "المنهج"، فالمعركة التي خاضتها لم تكن معركة جزئيّة تدور حول مفردات محدّدة أو مسائل تفصيلية فحسب ـ وإن كنّا سنجد نقداً مباشراً لبعض القضايا الجزئية، كما في اعتراضها على الملا صدرا في مسألة المعاد ـ بل إنّ جوهر نزاعها يمتدّ إلى أصل المنهج المعتمد في فهم القرآن والسنّة، وفي بناء قراءة شاملة للوجود ونظام للحياة.

إنّ إشكالية المنهج تُعدّ من أعقد الإشكاليات الفكرية وأكثرها عمقاً، وهي في الواقع تقف خلف عدد كبير من الجدالات التي لا تزال عالقة في الساحة الإسلامية عموماً والشيعيّة خصوصاً. فالقضية ـ في نظر أنصار هذه المدرسة ـ لا تتمثل في الاختلاف حول مسألة جزئيّة هنا أو قضيّة فرعية هناك، بل في منهج التفكير ذاته، أي في الطريقة التي يُفهم بها الدين، والمعايير التي يعتمدها الباحث في تفسير النصوص الدينية، والخطوط العامة التي يقوم عليها البناء الفكري في فهم الإسلام. من هنا، يمكن تشبيه هذه الخلافات الجزئية بأنّها كالبثور الظاهرة على سطح الجسد؛ إذ توهم للناظر أنّها أصل المرض والمشكلة، بينما العلّة الحقيقية كامنة في الداخل، فمظاهر النزاع الظاهرة بين الاتجاهات الفكرية المختلفة ليست ـ في حقيقتها ـ سوى نتائج ثانوية لمشكلة أعمق تتعلّق بمنهج فهم الدين وأسلوب التعامل مع النصوص الدينيّة.

وعلى هذا الأساس، تتجلّى أهمية المدرسة التفكيكيّة في كونها اقتحمت هذا المجال المنهجي، وجعلت محور اهتمامها الأساس رصد هذه الإشكاليّة وتحليلها، فهي تطرح سؤالاً مركزياً ترى أنّه السؤال الحاسم في مسار الفكر الإسلامي، وهو: هل يمكن اعتماد الفلسفة ـ أي العقل بصيغته اليونانية الفلسفيّة ـ معياراً لفهم الدين؟ وهل يصلح العرفان القائم على القلب والكشف والشهود أن يكون أداةً لتفسير القرآن والحديث؟ ثم هل يمكن ـ انطلاقاً من هذه الأدوات ـ بناء نظام وجودي يفسّر الكون والمبدأ والمعاد، وكذلك نظام عملي يحدّد مسار الحياة الإنسانيّة؟

إنّ مجرد طرح هذا السؤال ـ في نظر أنصار المدرسة التفكيكيّة ـ هو ما يمنح مشروعها أهمية مضاعفة؛ لأنّه يعيد النظر في الأساس الذي قامت عليه كثير من الاتجاهات الفكرية الإسلاميّة، وبخاصّة تلك التي مزجت بين المعارف الدينية والفلسفيّة والعرفانيّة.

1 ـ تاريخ المدرسة التفكيكيّة وأبرز أعلامها

قبل الدخول في بيان الأصول الرئيسة التي تقوم عليها هذه المدرسة، من المناسب التوقّف قليلاً عند تاريخها، وأبرز أعلامها، حتى يتضح الإطار الذي نتحدّث عنه عند الإشارة إلى هذا التيار الفكري.

تزعم المدرسة التفكيكية ـ كما يظهر في كتابات أنصارها ـ أنّ جذورها تمتدّ إلى القرون الهجريّة الأولى، وهي دعوى تتكرّر كثيراً في الأوساط الإسلامية؛ إذ يسعى كلّ تيار فكري إلى إثبات أصالته التاريخيّة عبر ربط نفسه بالمرحلة الأولى من تاريخ الإسلام. ويمكن تشبيه هذا المسلك بما حدث في بعض التجارب الفكريّة الحديثة، مثلما فعل الاشتراكيّون العرب والإيرانيّون في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، عندما حاولوا تصوير الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري بوصفه رمزاً للاشتراكيّة، أو كما يفعل بعض المتأثرين بالحداثة وما بعدها حين يحاولون ليّ أعناق النصوص القرآنية لتوافق أفكارهم المعاصرة.

إلا أنّ أنصار المدرسة التفكيكيّة يذهبون أبعد من مجرّد ذلك؛ فهم يعتقدون اعتقاداً راسخاً بأنّ مذهبهم يمثّل التشيّع الأصيل الذي كان سائداً في القرون الثلاثة أو الأربعة الأولى من التاريخ الإسلامي، وأنّ ما حدث لاحقاً هو دخول عناصر فلسفيّة وعرفانية إلى الفكر الشيعي أدّت إلى تشويه هذا الصفاء العقدي الأوّل. وبحسب تصوّرهم، فإنّ هذا التيار الأصيل لم يندثر تماماً، بل عاد إلى الظهور في الزمن المتأخر ـ أي منذ 1300 هجريّة ـ تحت مسمّيات مختلفة، مثل: المدرسة العقديّة الخالصة؛ والمدرسة الخراسانيّة؛ والمدرسة التفكيكيّة.

في هذا السياق، يظهر اسما الشيخ الميرزا مهدي الإصفهاني وتلميذه الشيخ مجتبى القزويني، إضافة إلى بعض الشخصيّات العلمية الأخرى في مدينة مشهد وخراسان، بوصفهم من الأعلام الذين أسهموا في بلورة هذا الاتجاه وإعطائه طابعاً مدرسيّاً واضحاً. كما يُذكر في بعض الكتابات اسم الزرآبادي بوصفه أُولى الشخصيات التي أسهمت في تهيئة الأرضية الفكريّة لهذا التيار.

1 ـ 1 ـ البدايات الأولى: السيد موسى الزرآبادي القزويني

يُعدّ السيد موسى الزرآبادي القزويني (1353هـ) أوّل من أرسى بذور هذه الحركة في الوسط الشيعي المعاصر. فهذا العالم القزويني ـ المنتمي إلى منطقة قزوين في غرب إيران، والذي درس في النجف وطهران ـ وضع اللبنات الأولى لاتجاه فكري سيجد لاحقاً موطنه الأبرز في مدينة مشهد في أقصى الشرق الإيراني، حيث ستتبلور معالمه بصورة أوضح، كما سيأتي بيانه لاحقاً.

كان السيد الزرآبادي من العلماء المجتهدين الذين سلّم الوسط العلمي باجتهادهم، وقد تلقّى علومه على أيدي عدد من الأساتذة المعروفين في الحوزات العلمية. ومن أبرز من تتلمذ عليهم الشيخ فضل الله النوري، صاحب نظريّة المشروطة المشروعة، وهو العالم المعروف الذي أُعدم في طهران عقب فشل حركة الإصلاح الشيعي والسياسي، في حادثة تاريخيّة شهيرة يعرفها من اطّلع على سيرة النوري وما دار حولها من جدل سياسي وفكري في تلك المرحلة.

وقد عُرف عن الزرآبادي نزوع خاص نحو ما يُسمّى بالعلوم الخفية، وهو ما يشمل موضوعات مثل قضايا الروح، والعلاقة مع الجنّ والشياطين، والمكاشفات، والأسرار الخفية، والطلاسم، وهي موضوعات تشبه ما ورد في بعض المؤلّفات التراثية الشهيرة مثل كتاب شمس المعارف الكبرى المعروف في الثقافة الإسلاميّة الشعبية. وتشير بعض الروايات الواردة في كتب التراجم إلى أنّ الزرآبادي كان مؤمناً بوجود هذه العلوم إيماناً عميقاً، وإن لم يكن يمارسها في حياته العمليّة، بحسب ما يذكره كُتّاب سيرته.

في هذا السياق، يظهر الزرآبادي بوصفه شخصيّة علمية لها اهتمام خاصّ بهذه الموضوعات، لكنّها في الوقت نفسه كانت جزءاً من البيئة العلمية التي ستشهد لاحقاً تشكل الاتجاه التفكيكي، فقد كان شخصية علمية مرموقة ومتبحراً في العلوم العقليّة والنقليّة المتداولة في الحوزات العلميّة؛ فكان عالماً ضليعاً في الفلسفة، وله عناية واضحة بالتراث الفلسفي المتداول في الحوزات آنذاك. ومن شواهد ذلك أنّه كتب حاشية على منظومة السبزواري؛ وكذلك في علمي الفقه والأصول؛ إذ دوّن تقريرات دروس أساتذته في هذين العلمين، ووضع حواشي وتعليقات كثيرة على الكتب الأصوليّة الكبرى، ومن أبرزها كتاب كفاية الأصول للخراساني وكتاب الرسائل للأنصاري، وهما من أهم المراجع الدراسيّة في علم أصول الفقه في الحوزات الشيعيّة.

غير أنّ الباحثين الذين حاولوا دراسة هذا الاتجاه الفكري، يواجهون ـ للأسف ـ مشكلة حقيقيّة في الوصول إلى مصادره الأصليّة؛ إذ إن معظم التراث العلمي الذي خلفه أعلام هذه المدرسة ـ منذ الزرآبادي وصولاً إلى الشيخ مجتبى القزويني ـإما مفقود وإما لم يُحقق تحقيقاً علمياً مناسباً. فالكثير من المخطوطات المتداولة بالغ القدم والاهتراء، ولم تُنشر بطبعات حديثة منقحة ومحقّقة، الأمر الذي يجعل الإفادة منها أمراً بالغ الصعوبة. وفي هذا السياق يُستثنى إلى حدٍّ ما ما كتبه المفكّر المعاصر محمد رضا الحكيمي، إذ تُعدّ مؤلّفاته من النصوص الحديثة التي قدّمت عرضاً منظماً نسبياً لأفكار هذا الاتجاه. أمّا بقية التراث التفكيكي القديم، فإنّه يعاني من المشكلات. ولهذا السبب دعا بعض العلماء المعاصرين إلى إحياء هذا التراث وإعادة نشره بصورة علميّة لائقة، ومن بين هؤلاء الشيخ رضا أستادي، الذي وجّه دعوة صريحة إلى أتباع المدرسة التفكيكيّة بضرورة إعادة طبع مؤلّفات علمائهم وتحقيقها تحقيقاً علميّاً حديثاً، بحيث تصبح في متناول الباحثين والدارسين، ويتمكّنوا من الاطّلاع المباشر على مصادرها الأصليّة، بدلاً من الاعتماد على النقل غير المباشر عنها.

هذا، وتشير بعض المصادر إلى أنّ مؤلّفات الزرآبادي تقارب خمسة وعشرين كتاباً، غير أنّ أكثرها لم يصل إلينا أو لم يُطبع بصورة مناسبة، وما بقي منها في متناول الباحثين يُقال إنه غير واضح في كثير من مواضعه وتكثر فيه الاضطرابات، الأمر الذي يمثل عقبة جدية أمام دراسة الفكر التفكيكي من خلال نصوصه الأولى.

وكيف كان، فمن الجوانب اللافتة في شخصيّة الزرآبادي أيضاً اهتمامه المحدود بالشأن السياسي، فمع أنّه لم يُعرف بانخراطه المباشر في العمل السياسي، إلا أنّه كان يتابع بعض الأحداث الجارية في عصره على نطاق ضيّق، وقد ألّف رسالة حول الحركة الدستوريّة في إيران (المشروطة)، التي حدثت في بداية القرن العشرين. وهذا يدلّ على وجود نوع من المتابعات السياسيّة لديه، وإن بقي نشاطه في هذا المجال في حدود التأليف والنظر الفكري، دون مشاركة فعليّة في الحراك السياسي.

إنّ أهمية الزرآبادي في تاريخ المدرسة التفكيكيّة لا تكمن فقط في آرائه الشخصيّة، بل في الدور التربوي والعلمي الذي أدّاه؛ إذ كان أوّل من ربّى جيلاً من العلماء الذين سيصبحون لاحقاً من أبرز أعلام هذا الاتجاه، ومن بين هؤلاء الشيخ مجتبى القزويني والشيخ أبو الحسن حافظيان، اللذان يُعدان من الشخصيات البارزة في المرحلة التالية من تاريخ المدرسة.

1 ـ 2 ـ الميرزا الإصفهاني: المنظّر الأساس للتفكيكيّة

في ضوء ما مرّ، يمكن القول: إنّ الزرآبادي بذر البذور الأولى للمشروع التفكيكي، لكنّه لم يكن الشخصيّة التي صاغت هذا المشروع بصورته المكتملة، والمنظّر الحقيقي والمؤسّس الفكري الرئيس للمدرسة التفكيكيّة في العصر الحديث هو الميرزا مهدي الإصفهاني (1365هـ).

بًعدّ هذا العالم ـ في نظر كثير من الباحثين ـ أهمّ شخصية تفكيكيّة على الإطلاق، إذا استثنينا الدور التجديدي الذي أدّاه المفكّر المعاصر محمد رضا الحكيمي في العقود الأخيرة من خلال إعادة تقديم أفكار هذه المدرسة بلغة حديثة وتنظيم أكثر وضوحاً.

وقد أمضى الشيخ مهدي الإصفهاني مرحلة طويلة من حياته العلميّة في النجف الأشرف، حيث درس هناك ثمانية عشر عاماً على أيدي أغلب فقهائها. وكان من بين الستة أو السبعة الأوائل الذين شكّلوا النواة الأولى لحلقة درس البحث الخارج لدى المرجع المعروف الميرزا محمد حسين النائيني.

ومما هو معروف أنّه ـ أي الميرزا النائيني ـ كان من أبرز المجدّدين في علم أصول الفقه؛ إذ قام بشرح وتفصيل وتنقيح كثير من مباحث مدرسة الشيخ مرتضى الأنصاري، كما عمل على تطويرها ونقد بعض جوانبها، الأمر الذي جعل مدرسته الأصوليّة امتداداً علميّاً مهماً لما أسّسه الشيخ الأنصاري. وبهذا يكون الميرزا مهدي الأصفهاني قد تلقّى علومه الأصوليّة في إطار مدرستين أساسيّتين: مدرسة الشيخ الأنصاري، بما تمثله من تأسيس عميق لمباحث علم الأصول؛ ومدرسة تلميذه الآخوند الخراساني، صاحب كتاب كفاية الأصول، التي جاءت لتطوّر تلك المباحث وتعيد صياغتها. ومن خلال حضوره دروس النائيني، أصبح الإصفهاني مستوعباً لمباحث المدرستين معاً، الأمر الذي أكسبه قدرة علميّة راسخة في علم الأصول.

لهذا كلّه يرى بعض الباحثين أنّ الإصفهاني كان من الناحية العلميّة أقوى وأمتن من سائر أعلام المدرسة التفكيكيّة، وأنّ نشاطه العلمي كان أوسع وأكثر تأثيراً من نشاط غيره من رموز هذا الاتجاه، مثل السيد موسى الزرآبادي، والشيخ مجتبى القزويني، والشيخ هاشم القزويني، والشيخ ملكي الميانجي، وغيرهم ممن سيأتي ذكرهم لاحقاً في سياق الحديث عن تطوّر هذه المدرسة.

إذن، أمضى الإصفهاني في النجف الأشرف ثماني عشرة سنة من حياته العلميّة، تلقّى خلالها دروس كبار العلماء، حتى نال إجازة الاجتهاد موقّعةً من أستاذه الميرزا النائيني؛ وعلّق عليها عدد من كبار علماء عصره، من أمثال المحقق العراقي والمحقق اليزدي والسيد عبد الهادي الشيرازي (رحمهم الله تعالى)، إضافة إلى غيرهم من الأعلام المعروفين في الحوزة العلميّة آنذاك. وما تزال رسالة الإجازة هذه محفوظة بخطّ اليد، وهي من الوثائق العلميّة التي تدلّ على المكانة العلميّة التي بلغها الإصفهاني في تلك المرحلة.

ومع أنّ أصل الإصفهاني يعود إلى مدينة إصفهان، وقد رحل عنها غرباً إلى النجف لطلب العلم، إلا أنّه بعد إكمال دراسته عاد شرقاً إلى مدينة مشهد، حيث استقر فيها مدّة خمسة وعشرين عاماً، من سنة 1340هـ إلى سنة وفاته 1365هـ. وقد كان انتقاله إلى مشهد حدثاً مفصلياً في تاريخ المدرسة التفكيكيّة؛ إذ بدأ هناك بتأسيس نشاط علمي واسع، فافتتح درس البحث الخارج في الحوزة العلميّة بالمدينة، ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى اكتسب هذا الدرس مكانةً بارزة، وأخذ يجذب أعداداً كبيرة من الطلبة، حتى غلب تأثيره على كثير من الدروس القائمة آنذاك في حوزة مشهد.

ومن خلال هذا النشاط العلمي، تمكّن الإصفهاني من ترسيخ أسس المدرسة التفكيكية في مشهد، حتى أصبحت المدينة مع مرور الزمن مركزاً أساسياً لهذا الاتجاه، ولذلك شاع وصف هذا التيار أحياناً باسم المدرسة الخراسانية العقائديّة؛ لأنّ الإصفهاني هو الذي بذر بذورها في خراسان، وأقام دعائمها، وعمل على تقويتها وترسيخها في الوسط العلمي هناك. ومع مرور الوقت، أخذ تأثير هذه المدرسة يتسع داخل الحوزة العلميّة في مشهد، حتى يقدّر بعض الباحثين أنّ نحو ثمانين بالمئة من الحوزات الشيعيّة في هذه المدينة إمّا تنتمي إلى هذا الاتجاه التفكيكي بصورة مباشرة، أو تتأثر به بدرجات مختلفة.

إذن، قبل هذه المرحلة لم تكن هذه الأفكار قد اتخذت شكلاً مدرسياً واضحاً في مشهد، أما بعد استقرار الإصفهاني فيها فقد أخذت هذه المدرسة تنتظم في إطار علمي وتعليمي واضح داخل الحوزة العلميّة.

وقد نُقل عن الإصفهاني أنّه بلغ مرتبة علمية رفيعة بين علماء عصره، حتى أنّ بعض الأوساط العلميّة عرضت عليه تولّي المرجعية الدينية بعد وفاة بعض المراجع الكبار وكتابة رسالة عمليّة، غير أنّه رفض ولم يتصدَّ لهذا الموقع، وبقي نشاطه منصرفاً بصورة رئيسة إلى التدريس وبناء المدرسة العلميّة التي أسّسها.

ومن الجوانب اللافتة في سيرته أيضاً، العلاقة العلميّة والفكرية التي نشأت بينه وبين المرجع الكبير السيد حسين البروجردي (رحمه الله). فقد كان السيد البروجردي يدعم ـ بحسب ما ينقله بعض الباحثين ـ الحركة العلميّة التي قادها الإصفهاني في مشهد، وذلك لوجود نوع من التقارب بينهما في بعض المواقف الفكريّة.

غير أنّ هناك نقطة جوهرية دقيقة لا بدّ من التوقّف عندها عند دراسة أصول المدرسة التفكيكيّة، وهي أنّ الميرزا الإصفهاني ـ على الرغم من رفضه الشديد لتفسير الدين تفسيراً فلسفياً أو عرفانياً ـ كان في الوقت نفسه مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً ببعض أعلام العرفان العملي في عصره. فقد كان الإصفهاني من الخواصّ المقرّبين للسيد أحمد الكربلائي، وهو بدوره أحد أبرز تلامذة العارف المعروف الآخوند حسين قلي الهمداني، وأيضاً من تلامذة السيد علي القاضي الطباطبائي (رحمة الله عليهم)، وهو من الشخصيّات العرفانية البارزة في النجف في تلك المرحلة.

هذا يعني أنّ الإصفهاني ـ بالرغم من موقفه النقدي من التفسير العرفاني للنصوص الدينية ـ كان في الوقت نفسه مؤمناً بالعرفان بوصفه سلوكاً روحياً وطريقاً عمليّاً للسير إلى الله. وهذه مفارقة دقيقة في شخصيّته الفكرية؛ إذ إنّه لم يكن يعارض العرفان بما هو تجربة روحيّة تهدف إلى تزكية النفس والاقتراب من الله، ولكنّه كان يرفض أن يتحوّل هذا المسار الروحي إلى منهج معرفي لتفسير القرآن الكريم أو لفهم الروايات.

بعبارة أخرى: كان الإصفهاني يميّز بين أمرين: العرفان بوصفه سلوكاً روحيّاً فردياً يسعى الإنسان من خلاله إلى تهذيب نفسه والتقرّب إلى الله؛ والعرفان بوصفه منهجاً معرفياً لتفسير النصوص الدينية أو استخراج العقائد والأفكار من القرآن والحديث. وهذه المسألة ستتضح أكثر عند عرض الأسس المعرفيّة للمدرسة التفكيكيّة لاحقاً.

على أيّة حال، مما يُذكر للميرزا مهدي الإصفهاني ويُعدّ خطوة علمية رائدة في حوزة مشهد أنّه أقدم على مبادرة غير مألوفة في ذلك العصر، وهي افتتاح درس بحث خارج في علم الكلام والعقيدة. فالمعروف في النظام الحوزوي التقليدي أنّ دروس البحث الخارج تقتصر غالباً على الفقه وأصول الفقه، ولا تكاد تتجاوز هذين الحقلين، غير أنّ الإصفهاني طرح سؤالاً لافتاً في هذا السياق، مفاده: لماذا يقتصر البحث الخارج على الفقه والأصول فقط؟ ولماذا لا يكون هناك بحث خارج في علم العقيدة أيضاً؟ وانطلاقاً من هذا التساؤل، بادر إلى تأسيس درس خارج في علم الكلام، وجعل محور نشاطه العلمي منصباً على القضايا العقديّة.

وبذلك أصبح المنهج التفكيكي الذي تبنّاه الإصفهاني متركّزاً أساساً في الحقل العقدي؛ إذ كان يرى أنّ المشكلة الكبرى التي دخلت إلى الفكر الشيعي من خلال الفلسفة والعرفان ظهرت بوضوح في مجال العقيدة أكثر من غيره من المجالات، فالفلسفة والعرفان ـ في نظره ـ تسرّبا إلى بنية التفكير العقدي، وأثّرا في فهم قضايا مثل التوحيد والنبوّة والمعاد، وهو ما استدعى ـ بحسب رأيه ـ إعادة بناء علم العقيدة على أساس النصوص الدينية الخالصة دون مزجها بالمعارف الفلسفيّة أو التجارب العرفانيّة. ومن هنا عُرفت هذه المدرسة باسم المدرسة العقدية الخراسانية ـ كما أشرنا ـ ولم تُعرف باسم المدرسة الفقهيّة الخراسانية؛ لأنّ اهتمامها الرئيس لم يكن منصباً على تطوير الفقه أو الأصول بقدر ما كان موجّهاً إلى إعادة النظر في البنية العقديّة للفكر الشيعي.

وعليه، يمكن النظر إلى المدرسة التفكيكيّة بوصفها اتجاهاً عقائدياً داخل الفكر الشيعي أكثر من كونها اتجاهاً فقهياً أو أصولياً. صحيح أنّ بعض أعلامها كانت لهم ملاحظات نقديّة على علم الأصول، إلا أنّ هذا لم يكن محور مشروعهم الأساس.

هذا، وقد خلّف الميرزا مهدي الإصفهاني كتباً ورسائل متعددة، ومن أشهر ما يُذكر منها لمن أراد الاطلاع على فكره: كتاب أبواب الهدى، وهو من أشهر كتبه؛ وكتاب مصباح الهدى، ذكر فيه عصارة آرائه؛ وكذلك له رسالة الاجتهاد والتقليد، تضمّنت كثيراً من تصوّراته المتعلّقة ببنية المنظومة الفكرية الدينية ورؤيته لموقع الاجتهاد والتقليد فيها. وهذه المؤلّفات تمثل جانباً مهماً من الإطار النظري للمدرسة التفكيكيّة في مرحلتها التأسيسيّة.

بعد الحديث عن شخصية الميرزا مهدي الإصفهاني، يمكن الانتقال إلى ذكر بعض الأعلام البارزين الذين أسهموا في تطوير هذه المدرسة. وسنقتصر هنا على الإشارة إلى أربعة من الشخصيات الأساسية في هذا التيار، قبل الانتقال لاحقاً إلى عرض المباني الفكريّة التي قامت عليها المدرسة التفكيكيّة.

1 ـ 3 ـ الشيخ مجتبى القزويني ودراسة الفلسفة لنقدها

يمثّل الشيخ مجتبى القزويني (1386هـ) الشخصيّة الثالثة التي أثّرت في هذه المدرسة، فبينما أبدى كلّ من السيد موسى الزرآبادي والميرزا مهدي الإصفهاني اهتماماً معيّناً بالفلسفة، جاء الشيخ مجتبى القزويني ليُحدث منعطفاً جديداً في هذا الاتجاه؛ إذ ركّز على دراسة الفلسفة تركيزاً أشدّ وأعمق.

كانت رؤيته في هذا المجال تقوم على فكرة مفادها أنّ نقد الفلسفة أو نقضها لا يمكن أن يتمّ من خارجها، بل لا بدّ لمن يريد تفكيك بنيتها أن يخترقها ويدخل إلى عالمها أولاً، ويمتلك أدواتها ومفاهيمها. وبعبارة أخرى: كان يرى أنّ من يريد تبيين مواطن الخلل في الفلسفة لا بدّ أن يكون فيلسوفاً بالمعنى العلمي، حتى يتمكّن من اكتشاف الثغرات الكامنة في بنائها النظري، ولهذا السبب وجّه القزويني جهوده العلمية نحو التعمّق في الفلسفة، حتى اشتهر بين معاصريه بأنّه فيلسوف ذو اهتمام فلسفي واسع، وإن كان هدفه من هذا التعمّق نقد الفلسفة من داخلها دون تبنّيها أو الدفاع عنها.

وبالمقارنة مع من سبقه من أعلام المدرسة التفكيكيّة، يمكن القول: إنّ السيد موسى الزرآبادي لم يتجاوز في تعامله مع الفلسفة حدود كتابة حاشية على منظومة السبزواري، كما أنّ الميرزا مهدي الإصفهاني لم يكن اهتمامه بالفلسفة محوريّاً، بل اقتصر في الغالب على الإشارات النقدية العامة. أمّا الشيخ مجتبى القزويني فقد غيّر مسار الحركة التفكيكية إلى حد ما، إذ اتجه بها نحو الانخراط العميق في دراسة الفلسفة، لنقدها من الداخل. ومن هنا نجد أنّ تلميذه القريب، المفكّر المعاصر محمد رضا الحكيمي، سار على النهج نفسه؛ فقد أولى الفلسفة اهتماماً كبيراً، وذكر أنّه أمضى نحو أربعين عاماً في دراستها، بهدف فهمها فهماً عميقاً يمكّنه من نقدها وتحليلها. وسنعود لاحقاً إلى بيان الأسباب الفكريّة التي دفعت بعض التفكيكيّين في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري إلى هذا التوجّه، أي إلى دراسة الفلسفة بعمق مع الاستمرار في موقفهم النقدي منها.

وعليه، فإنّ أوّل إضافة منهجيّة واضحة أدخلها الشيخ مجتبى القزويني إلى مسار المدرسة التفكيكيّة تمثلت في تكريس جهد علمي واسع لدراسة الفلسفة نفسها. ومع ذلك، فإنّه لم يكن مجرّد محقّق في الفلسفة، بل كان في الأصل فقيهاً بارزاً، وقد تتلمذ على يد كبار الفقهاء، ومنهم المحقق السيد محمد كاظم اليزدي صاحب كتاب العروة الوثقى، وكذلك الميرزا النائيني والأسترآبادي، وهذا يدلّ على أنّ تكوينه العلمي كان تكويناً حوزويّاً متكاملاً في الفقه والأصول، قبل التوجّه إلى التعمّق في الفلسفة.

ومن خلال مطالعة مؤلّفاته، يتضح بجلاء أنّ اهتمام المدرسة التفكيكيّة يتركّز أساساً في المجال العقدي. وأبرز شاهد على ذلك كتابه الكبير بيان الفرقان في معرفة الفرق بين الحق والباطل بالقرآن، وهو كتاب يقع في خمسة مجلّدات، ويعدّه كثير من الباحثين أهمّ مؤلّفاته على الإطلاق. وقد تناول القزويني في هذا الكتاب مجموعة واسعة من الموضوعات العقديّة، ويكفي النظر إلى عناوينها لمعرفة طبيعة المجال الذي تدور فيه اهتمامات المدرسة التفكيكيّة. ومن أبرز هذه الموضوعات: علم الله تعالى، مسألة الجبر والتفويض، القضاء والقدر، الدعاء، الهداية والضلال، مسألة البداء، المعاد الجسماني، تجرّد النفس أو ماديّتها. ومن الملاحظ أنّ هذه الموضوعات كلّها قضايا كلامية عقديّة بالدرجة الأولى، وليست مسائل فقهيّة أو أصوليّة.

وللقزويني أيضاً كتاب مهم آخر يحمل عنوان رسالة في نقد الأصول الفلسفية للملا صدرا. ولا يخفى ما يمثّله الملا صدرا في الفكر الفلسفي الإسلامي؛ إذ يُعد أحد أبرز الفلاسفة في تاريخ الفلسفة الإسلاميّة، ومؤسّس مدرسة الحكمة المتعالية التي كان لها تأثير كبير في الحوزات العلميّة الإيرانيّة.

ويكفي في هذا المقام الإشارة إلى هذين الكتابين؛ لأنّهما يقدّمان مؤشراً واضحاً على طبيعة الاهتمامات الفكريّة للمدرسة التفكيكيّة، ويكشفان أنّ مركز اهتمامها يدور أساساً حول القضايا العقديّة المرتبطة بالفلسفة والعرفان.

هذا، وهناك شخصيّات علميّة أخرى أسهمت في تطويرها ونشر أفكار المدرسة التفكيكية، ومن هؤلاء: الشيخ علي أكبر إلهيان (1380هـ)؛ والشيخ أبو الحسن حافظيان (1360هـ)؛ والشيخ هاشم القزويني (1370هـ)؛ والميرزا علي أكبر النَوقاني (1370هـ)؛ وغلام حسين بادكوبه (1333ش)؛ والميرزا جواد آقا الطهراني (1368ش)؛ والشيخ محمد باقر ملكي الميانجي (1324هـ)، وغيرهم.

وهكذا يتبيّن أنّ المدرسة التفكيكيّة لم تكن مجرّد رأي فردي أو اجتهاد شخصي، بل تحوّلت مع مرور الزمن إلى تيار فكري داخل الوسط الشيعي له عدد من العلماء والدارسين الذين تبنّوا مبادئه أو تأثروا بها بدرجات مختلفة. أمّا الشخصية الأخيرة التي يجدر التوقّف عندها قبل الانتقال إلى بيان المعالم الفكريّة للمدرسة التفكيكيّة، فهي شخصيّة الأستاذ محمد رضا الحكيمي.

1 ـ 4 ـ الأستاذ محمد رضا الحكيمي: التغييرات الأساسيّة في التفكيكيّة

الحكيمي مفكّر وباحث معروف في الأوساط الفكريّة الإيرانيّة، ويتميز بكونه باحثاً أكثر منه رجل حوزة تقليديّاً؛ وهو غير معمّم، وقد تبدو صورته لدى كثير من القراء ـ بلحيته الطويلة وهيئته الخاصّة ـ صورة قريبة مما يُتخيل عن الفلاسفة القدماء، إلا أنّ حضوره الفكري في الواقع المعاصر كان حضوراً مؤثراً. أمّا في العالم العربي، فإنّ معرفة كثير من القراء به وبإخوته جاءت أساساً من خلال موسوعة الحياة التي صدرت في السنوات الأولى بعد الثورة الإيرانيّة، والتي لاقت انتشاراً واسعاً في الأوساط الثقافيّة.

1 ـ 4 ـ 1 ـ دوره في المدرسة التفكيكيّة

أحدث الحكيمي ـ بحسب ما يذكره الباحثون ـ ثلاثة تحوّلات وتغييرات أساسية في مسار المدرسة التفكيكيّة:

1 ـ 4 ـ 1 ـ 1 ـ نقل المدرسة من العزلة إلى التفاعل الاجتماعي والسياسيّ

كتب الحكيمي في بداية الثورة الإسلامية في إيران عدداً من النصوص التي تدعم البعد الاجتماعي للمشروع الإسلامي، وسعى إلى إبراز الأبعاد الاجتماعيّة والاقتصادية في النصوص الدينيّة، غير أنّه في السنوات الأخيرة ابتعد نسبياً عن المشهد السياسي، بل صدرت عنه في بعض الأحيان انتقادات حادة للوضع القائم. وكانت موسوعة الحياة جزءاً من هذا التوجّه؛ إذ حاول من خلالها تقديم قراءة واسعة للنصوص الإسلامية ـ من القرآن والروايات ـ في سياق قضايا الحياة الإنسانيّة، وخاصّة في المجال الاقتصادي والاجتماعي. وقد جمع في هذه الموسوعة عدداً كبيراً من الآيات والروايات المرتبطة بالعدالة الاجتماعيّة، والاقتصاد، وحقوق الإنسان، مما منح المكتبة الإسلامية عملاً موسوعيّاً ذا طابع اجتماعي واضح.

1 ـ 4 ـ 1 ـ 2 ـ ممارسة نقد علمي للفلسفة من داخلها والدعوة لذلك

دعا الحكيمي إلى ممارسة نقد فلسفي تفصيلي للفلسفة، فبدلاً من الاكتفاء بالنقد العام أو الاعتراضات الإجماليّة، يلزم تحليل البنية الفلسفيّة من داخلها، والعمل على دراسة الموضوعات الفلسفيّة نقداً وإبراماً. وقد عبّر عن هذه الفكرة بصورة واضحة في كتابه اجتهاد و تقليد در فلسفه (الاجتهاد والتقليد في الفلسفة)، حيث وجّه فيه دعوة عامة لممارسة نوع من الاجتهاد النقدي داخل الفلسفة. وسنعود لاحقاً إلى شرح مضمون هذه الدعوة وما تثيره من إشكالات معرفيّة.

1 ـ 4 ـ 1 ـ 3 ـ إعادة صياغة موقف المدرسة من العقل والكشف

هذه من أكثر النقاط إثارةً للجدل في تفسير مسار المدرسة التفكيكيّة، فبعض الباحثين يرى أنّ أعلام التفكيك قبل الحكيمي كانوا يتبنّون موقفاً شديد التحفّظ تجاه العقل والكشف والشهود، حتى أنّ بعض نصوصهم ـ كما لدى الإصفهاني ـ بدت وكأنّها ترفض العلوم البشريّة رفضاً واسعاً، وتدعو إلى الاقتصار على الروايات والنصوص الدينيّة وحدها، ولهذا السبب وُجهت إليهم أحياناً تهمة الإخباريّة. غير أنّ الحكيمي نفى هذه التهمة وحاول إعادة صياغة الموقف، فبيّن أنّ المدرسة التفكيكيّة ليست ضدّ العقل أو القلب والكشف والشهود من حيث المبدأ، وإنّما تدعو إلى الفصل بين هذه المصادر الثلاثة، ومن هنا يرى الحكيمي أنّ الفرق كبير بين رفض العقل والكشف رفضاً مطلقاً والإقرار بهما مع التأكيد على ضرورة الفصل بين دوائرهما المعرفيّة.

ويبدو أنّ هذا التفسير الذي قدّمه الحكيمي لموقف المدرسة ليس بعيداً عن الواقع إلى حدّ ما؛ لأنّ كثيراً من التفكيكيّين يتحدّثون بالفعل عن فكرة الفصل بين مصادر المعرفة، وإن كان بعضهم أكثر تشدّداً من غيره في تطبيق هذا المبدأ.

1 ـ 4 ـ 2 ـ أبرز مؤلّفاته

أهمّ الكتب التي تركها الحكيمي والتي يمكن الرجوع إليها لفهم فكره:

كتاب الحياة؛

اجتهاد و تقليد در فلسفه (الاجتهاد والتقليد في الفلسفة)، وهو عبارة عن مجموعة مقالات ينفي فيه تهمة الإخباريّة؛

وكتاب شرف الدين، وهو دراسة عن العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين (رحمه الله)؛

وكتاب مكتب تفكيك (المدرسة التفكيكيّة)، وهو كتاب مهم جداً، ويُعدّ من أهم الكتب التي عرضت أفكار هذه المدرسة.

هذا مضافاً إلى الكتب الأخرى التي تربو على ثلاثين كتاباً، وجميعها منقّحة ومصحّحة ومطبوعة.

عموماً، يُعد محمد رضا الحكيمي اليوم أبرز رمز معاصر للمدرسة التفكيكيّة، ويأتي بعده في الأهميّة السيد جعفر سيدان الخراساني، وهو عالم معاصر يقيم في مشهد، ويُعرف بانتقاداته الشديدة لأفكار العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، فهو يرى أنّ منهج الطباطبائي ـ سواء في تفسير القرآن أو في تعاطيه مع الفلسفة ـ يقوم على أسس غير صحيحة.

ومما يميّز سيدان عن الحكيمي أنّه دخل بعمق في تحليل المسائل الفلسفية نفسها، وحاول نقدها من الداخل بصورة تفصيليّة، بل إنّه يقدّم في الوقت الحاضر درساً في الفلسفة، غير أنّه ليس درساً تعليمياً تقليدياً، وإنّما درس نقدي يخصّصه لعرض آراء الفلاسفة ـ في المدرسة المشائية والصدرائيّة ـ ثم مناقشتها ونقدها.

2 ـ أصول المدرسة التفكيكيّة

بما تقدّم يكتمل هذا العرض التاريخي المختصر لأبرز الشخصيّات والمسارات التي مرّت بها المدرسة التفكيكيّة خلال القرن الأخير، قبل الانتقال إلى دراسة الأصول الفكريّة والمعرفية التي تقوم عليها هذه المدرسة، وهي التي تشكّل في الواقع الأساس النظري لمواقفها من الفلسفة والعرفان ومن طريقة فهم النصوص الدينيّة.

2 ـ 1 ـ الدعوة إلى الاجتهاد الكلامي

يتمثّل المبدأ الأوّل عند الحكيمي في الاجتهاد في علم الكلام. والإنصاف يقتضي القول: إنّ هذا المبدأ في حدّ ذاته وجيهٌ يستحقّ التأمّل والتوقّف عنده؛ نظراً لأهميّته في الواقع العلمي للحوزات؛ إذ إنّ الحاجة تبدو ملحّة إلى إحياء الاجتهاد في علم الكلام على نحو يضاهي الاجتهاد المعهود في علم الفقه، فكما أنّ الفقه يقوم على الاجتهاد المستمرّ وإعادة النظر في الأدلّة والمسائل، فإنّ علم الكلام كذلك بحاجة إلى حركة اجتهاديّة نشطة تتعامل مع قضاياه بروح البحث والتحقيق، لا بروح التسليم والتقليد.

من هذا المنطلق، يدعو التفكيكيّون إلى عدم التعامل مع أقوال فلاسفة الشيعة ومتكلّميهم بوصفها حقائق نهائية أو مسلّمات مقدّسة لا تقبل المراجعة، بل يرون أنّ الواجب العلمي يقتضي إعادة النظر في تلك المقولات وإخضاعها للنقد والاجتهاد. ولتوضيح هذه الفكرة يذكرون مثالاً وهو مسألة المعاد الجسماني، فهذه القضيّة الكلاميّة المهمة لا ينبغي أن تبقى أسيرة ما قرّره السابقون، بل ينبغي أن يفتح فيها باب البحث الاجتهادي، بحيث يتمكّن العالم من تكوين رأيه الخاصّ بناءً على الأدلّة، دون أن يثنيه عن ذلك الخوف من مخالفة الرأي المشهور أو ما استقرّ عليه التقليد العلمي.

وانطلاقاً من هذا التصوّر، طرح التفكيكيّون فكرة إقامة دروس البحث الخارج في علم الكلام، على غرار ما هو معمول به في الفقه والأصول، فدروس البحث الخارج في الفقه لا تقتصر على شرح أقوال العلماء، بل تتجاوز ذلك إلى تحليل الأدلّة ومناقشة الآراء واستنباط النتائج، ويرى التفكيكيّون أنّ علم الكلام بحاجة إلى تجربة مماثلة، بحيث لا يبقى مجرّد مادة تُدرَّس عبر عرض النظريّات المعروفة، كآراء العلامة الحلي أو الشيخ الطوسي، بل يتحوّل إلى حقل اجتهادي حيّ يخضع فيه كلّ رأي للنقد والمراجعة.

وقد تجلّت هذه الرؤية في دعوة رسميّة واضحة أطلقها التفكيكيّون منذ عصر الميرزا مهدي الإصفهاني، تقضي بضرورة تأسيس حوزة علمية كلامية متخصّصة، يكون همّها الرئيس إجراء بحوث كلاميّة اجتهادية بالمعنى الدقيق للكلمة. فالمطلوب ـ في تصوّرهم ـ ليس مجرّد تدريس علم الكلام بوصفه مادّة معرفيّة، بل إنشاء فضاء علمي مخصّص لإنتاج المعرفة الكلاميّة من جديد، وتجاوز حالة التقليد والاجترار التي أصابت هذا العلم في بعض مراحله.

غير أنّ هذه الدعوة لا تقتصر على التفكيكيّين وحدهم؛ إذ إنّ الحاجة إلى تجديد علم الكلام أصبحت مطلباً عاماً لدى كثير من التيارات الإصلاحيّة والتجديديّة في الوسط الشيعي منذ مطلع القرن العشرين، وقد ظهرت هذه الدعوة بأشكال متعدّدة، بعضها يرفع سقف الطموح إلى حدّ المطالبة بتأسيس حركة اجتهاديّة كلامية كاملة، وبعضها الآخر يكتفي بالمطالبة بخطوات أوليّة. فمن الباحثين من يرى أنّ الحدّ الأدنى المطلوب هو إعادة الاعتبار لعلم الكلام في البرامج الدراسية الحوزويّة، وتدريسه بصورة جادّة ومنهجيّة، وعلى الرغم من أنّ مادة علم الكلام قد أُدرجت بالفعل في المناهج الحوزويّة، إلا أنّها ما تزال ـ في وعي كثير من الطلبة، بل وحتى بعض الأساتذة ـ مادة ثانوية أو هامشية لا تحظى بالعناية الكافية.

ويرتبط هذا الواقع بفرضيّة غير معلنة مفادها أنّ علم الكلام قد بلغ غايته ولم يعد فيه مجال للمزيد من البحث والتطوير، غير أنّ هذا التصوّر يثير تساؤلات عميقة؛ إذ كيف يمكن لعلمٍ يتناول أصول الدين وقواعده الأساسية أن يُعد علماً منتهياً لا يحتاج إلى مزيد من البحث؟ فمن المفارقات اللافتة أنّ علم الأصول الكلاميّة ـ أي العلم الذي يبحث في الأسس العقديّة ـ أصبح في بعض البيئات الحوزوية علماً هامشياً، في حين أنّ علم الفروع، أي الفقه، يُعد العلم المركزي، وهذه مفارقة تستدعي التأمّل؛ لأنّ الفقه نفسه لا يمكن أن يقوم إلا على أسس كلاميّة راسخة.

إنّ الفقه، في جوهره، يعتمد على مجموعة من المقدّمات العقديّة الأساسيّة، ومن أبرزها نظريّة العصمة، فقبول الروايات والعمل بها، وبناء الأحكام الشرعيّة على أساسها، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإيمان بعصمة النبي والأئمّة، وهي مسألة كلاميّة خالصة، ومن هنا فإنّ الفقيه لا ينبغي أن يكتفي في مثل هذه القضايا بما قاله العلماء السابقون، بل ينبغي له أن يمارس فيها اجتهاداً حقيقيّاً، لأنها تمثل الأساس الذي يقوم عليه البناء الفقهي كلّه.

إذن، من المزايا الأساسية التي يمكن تسجيلها لهذه المدرسة أنّها فتحت باب الدعوة إلى مشروع الاجتهاد في علم الكلام، غير أنّ السؤال الذي يبقى مطروحاً هو: هل مارس التفكيكيّون هذا الاجتهاد فعلاً وأنتجوا آراء كلاميّة جديدة، أو أنّهم اكتفوا بإطلاق الدعوة إليه دون تحقّق ذلك في مستوى الإنتاج العلمي؟

لكن على أيّ حال، فإنّ مجرّد إطلاق هذه الدعوة وطرحها يُعدّ أمراً إيجابياً في الأوساط العلميّة، حتى لو بقي النقاش مفتوحاً حول مدى تحقّقها عملياً في نتاج المدرسة التفكيكيّة.

2 ـ 2 ـ الفصل بين مناهج المعرفة ومصادرها

يتمثّل الركن الأساس الذي تقوم عليه المدرسة التفكيكيّة بأكملها في الفصل بين مصادر المعرفة أو مناهجها.

تُفيد الصيغة المعاصرة ـ خاصّةً لدى السيد الحكيمي ـ أنّ هناك ثلاثة مصادر للمعرفة البشريّة:

1.       العقل: الذي يمدّنا بالفلسفة والعلوم التجريبيّة والإنسانيّات وأمثال ذلك.

2.       القلب: الذي يمدّنا بالكشف والشهود والمشاهدة والعرفان والتصوّف والأخلاق وما شابه ذلك.

3.       الوحي: أي الكتاب والسنّة.

وللعقل والعرفان مكانتهما الخاصة ودورهما، لكن لا يمكن أن يتدخّلا في تفسير الدين، بل ينبغي تنحيتهما إلى دائرتهما الخاصة، ولعلّ ذلك أكبر خطأ ارتكبه المسلمون في تاريخهم.

وعند الحديث عن العقل في هذا السياق، فإنّ المقصود به ـ في نظر التفكيكيّين ـ ذلك العقل الحادث الذي تشكّلت ملامحه في التراث الفلسفي الموروث عن الفلسفة اليونانيّة بجميع تشعباته وتفاصيله، ومع ذلك يحرص التفكيكيون على التأكيد على نقطة منهجية مهمّة، وهي عدم المماهاة بين الفلسفة والعقل، فهم يرون أنّ رفض الفلسفة لا يعني بالضرورة رفض العقل؛ لأنّ الفلسفة تمثل نظاماً معرفيّاً معيناً، في حين أنّ العقل أوسع من ذلك النظام، ومن ثم يمكن ـ في تصوّرهم ـ أن يرفض الإنسان الفلسفة، ومع ذلك يبقى مؤمناً بالعقل ودوره في المعرفة.

ولبيان موقفهم من مصادر المعرفة فإنّهم يقسمون العقل إلى قسمين رئيسيّين: العقل العملي؛ والعقل النظري.

أمّا العقل العملي، فإنّ التفكيكيّين يقبلونه قبولاً مطلقاً، ويعدّونه أساساً لا يمكن الاستغناء عنه، فالعقل العملي هو الذي يحكم في القضايا الأخلاقيّة والسلوكية والعملية، كالحكم بحسن العدل وقبح الظلم، وما شابه ذلك من المبادئ التي يقوم عليها النظام الأخلاقي والاجتماعي، ولذلك لا يرون مجالاً للتشكيك في هذا النوع من العقل، بل يعدّونه ركناً ضرورياً في حياة الإنسان.

أمّا العقل النظري، فإنّهم يقسّمونه بدوره إلى قسمين:

أوّلاً: العقل النظري البديهي، أي العقل الذي ينتج قضايا بديهيّة واضحة لا تحتاج إلى استدلال، مثل: استحالة اجتماع النقيضين، وأنّ الواحد نصف الاثنين، وأنّ الكلّ أكبر من الجزء، وأمثال ذلك من البديهيات أو ما هو قريب من البداهة.

إنّ العقل النظري البديهي وما يجري مجراه مقبولٌ ولا إشكال فيه، وبذلك يمكن القول: إنّهم يقبلون العقل العملي قبولاً مطلقاً، ويقبلون العقل النظري في دائرة بديهياته.

ثانياً: العقل النظري غير البديهي، وهو الذي ينتج نظريات فلسفيّة معقّدة تقوم على سلسلة طويلة من الاستدلالات والتحليلات. وفي هذا المجال قد ينشغل الفلاسفة بمسألة معينة مئات السنين، ثم يأتي الباحث المعاصر فيدرسها سنوات قليلة، يقرأ الأقوال المختلفة، ويحلّل القياسات العقليّة، ويرتّب مقدّماتها، ويقارن بين نتائجها، حتى تتشكّل في ذهنه نظريّة معينة.

غير أنّ هذه النظرية ـ مهما بلغت درجة تعقيدها ـ ليست بديهيّةً بطبيعتها، بل هي نتيجة عملية استدلالية طويلة، ولذلك يرى التفكيكيون أنّ مثل هذه النظريات الفلسفية لا يمكن منحها صفة الحجيّة في المجال الديني بالخصوص. من هنا يقرّرون أنّ نتائج العقل النظري غير البديهي قد تكون مقبولة في مجالها الخاصّ، أي في العلوم العقليّة والفلسفية، ولكنّها ليست حجّة في تفسير الدين أو في بناء العقيدة، فمجالها يظلّ محدوداً بإطار البحث الفلسفي، ولا ينبغي نقل نتائجها إلى ميدان النصوص الدينية أو جعلها أساساً لفهم الوحي.

على هذا الأساس، فإنّ التفكيكيين لا يرفضون النظريّات العلمية أو العقلية في ذاتها، بل يقبلونها في نطاقها الطبيعي الذي تنتمي إليه، فلو توصّل الباحث إلى نظريّةٍ في الطبّ بعد دراسة وتجربة، فإنّ هذه النظرية تُقبل في مجال الطبّ ويُعمل بها ضمن حدود ذلك العلم. وكذلك الحال إذا توصل الباحث إلى رأي أو فرضية في علم الفلك؛ فإنّ هذه الفرضية تُقبل في مجالها الفلكي، وتُرتب عليها الآثار المرتبطة بذلك الحقل المعرفي.

ولتوضيح ذلك يذكرون مثالاً من مجال الفلسفة، فقد يقضي الباحث عشر سنوات أو أكثر في دراسة الفلسفة وتحليل مباحثها، ثم ينتهي إلى تبنّي نظرية معينة في موضوع المعاد الروحاني، غير أنّ هذه النتيجة ـ في نظرهم ـ تبقى نظريّة فلسفية استنتاجيّة، ولا يجوز نقلها إلى ميدان تفسير القرآن، بحيث تُفسّر الآيات القرآنية المتعلّقة بالمعاد على أساسها، فمثل هذا المسلك مرفوض لديهم؛ لأنّ تلك النظرية ليست من البديهيّات العقلية، بل هي نتاج استدلال فلسفي طويل.

وخلاصة موقفهم: إنّ منظومة العقل في تصوّرهم تتألّف من ثلاثة مستويات رئيسة:

1.       العقل العملي: وهو مقبول لديهم قبولاً تامّاً، ويُعدّ أساساً صالحاً للاستفادة منه في فهم الدين وتفسيره.

2.       العقل النظري البديهي: وهو ذلك العقل الذي ينتج القضايا البديهيّة الواضحة التي لا تحتاج إلى استدلال، وهذا النوع مقبولٌ عندهم في ذاته، كما يقبلون الاستفادة منه في تفسير الدين.

3.       العقل النظري غير البديهي (النظري المحض): وهو ما ينتج النظريات التحليليّة المعقّدة التي يصل إليها العقل بعد مسار طويل من البحث والاستدلال. وهذا القسم مقبول في مجاله العلمي الخاص، لكنّه مرفوض في دائرة الدين؛ فلا يجوز أن يُفسّر النصّ الديني على أساس معطيات نظريّة احتاج العقل البشري إلى قرون طويلة من الجدل والتحليل للوصول إليها.

وبهذا المعنى لا يسمح التفكيكيّون بأن يصبح التفسير الديني تابعاً للنظريات الفلسفيّة أو التحليلات العقلية المعقّدة التي لم تبلغ مرتبة البداهة.

واللافت أنّهم يطبقون هذا التقسيم نفسه على العرفان، فهم لا يرفضون العرفان بإطلاق، بل يتعاملون معه وفق الضابط ذاته الذي اعتمدوه في التعامل مع العقل، فإذا قدّم العرفان قضايا أخلاقيّة؛ فإنّهم يقبلون بها، لأنّ هذا الجانب يرتبط بمجال العقل العملي، أمّا إذا قدّم قضايا كشفيّة من شؤون العقل النظري، فإنّهم ينظرون فيها وفق المعيار نفسه: فإن كانت تلك القضايا بديهية أو قريبة من البداهة، أمكن قبولها؛ أمّا إذا كانت قضايا نظرية غير بديهية، فإنّ الأخذ بها في مجالها لا إشكال فيه، لكنّ إدخالها في دائرة تفسير الدين يُعدّ أمراً مرفوضاً رفضاً قاطعاً.

وعلى ذلك، فإذا سُئل التفكيكيّون: على أيّ أساس تعتمدون في الاجتهاد الديني عموماً؟ كان جوابهم أنّهم يعتمدون على ثلاثة عناصر رئيسة: النصّ (الكتاب والسنّة)، والعقل العملي (المعين على تفسير النصّ)، والعقل النظري البديهي أو ما شبه البديهي، والذي يعين أيضاً على تفسير النص.

وبذلك تتشكّل لديهم منظومة معرفيّة تقوم على الفصل بين الدين من جهة، والعقل النظري المحض والعرفان الشهودي من جهة أخرى، فالعقل النظري غير البديهي، وكذلك التجارب العرفانيّة الكشفية، لا يُسمح لهما بالدخول في مجال تفسير النصوص الدينية أو بناء العقائد، ومن هنا وصفوا مدرستهم بأنّها مدرسة عقائدية خالصة؛ لأنّهم يرون أنّها تسعى إلى تقديم فهم للدين غير مشوب بتأثيرات الفلسفة ولا بنتائج العقل النظري، كما لا يعتمد على تجارب الكشف والشهود العرفانيّة.

2 ـ 3 ـ الموقف من التأويل ومعضلته بنظر التفكيكيّين

يتفرّع على هذا المبدأ موقفهم من مشكلة التأويل، وهي النقطة المحوريّة التي يوجّهون منها جانباً كبيراً من نقدهم لخصومهم، فالتفكيكي يبرّر تمسّكه بهذا البناء المعرفي بقوله: إنّ لذلك سبباً منهجياً واضحاً، فحين يتكلّم الحكيم المطلق ـ وهو الله سبحانه وتعالى ـ أو المعصوم، فإنّ كلامه لا يُفهم بصورة عشوائيّة، بل يخضع لمنهج محدّد في الفهم والتفسير.

الخطوة الأولى في هذا المنهج هي تفسير النصّ بالاعتماد على ذاته؛ أي تحليل مفرداته وأجزائه، والنظر في العلاقات القائمة بين أجزائه، وربطه بنصوص أخرى صدرت عن المتكلّم نفسه. وهذا المسلك ـ في نظرهم ـ مسلك لا إشكال فيه.

أمّا الخطوة الثانية، فهي الاستعانة بالعقل العملي والعقل النظري البديهي في تفسير النص. أمّا العقل النظري غير البديهي فإنّهم لا يقبلون إدخاله في عملية تفسير النصّ الديني، ويعلّلون ذلك بأنّ المتكلم الحكيم حين يخاطب الناس، فإنّه يلقي كلامه إلى عقول مركوزة فيها مجموعة من البديهيّات العقلية، سواء كانت بديهيّات عملية أم نظرية، فهذه البديهيات تمثل ـ بحسب ما تقرّر في علم أصول الفقه ـ ما يسمّى بـ القرينة اللُّبّية المتصلة؛ أي تلك المرتكزات العقليّة التي يعتمد عليها المتكلّم في خطابه من دون أن يحتاج إلى التصريح بها في كلّ مرة، فمثلاً، جميع الناس يدركون بداهة استحالة اجتماع النقيضين، ولذلك لا يحتاج المتكلم الحكيم إلى التنبيه إلى هذا المبدأ في كلّ خطاب يصدر عنه؛ لأنّه يفترض حضوره في ذهن المخاطبين. وعلى هذا الأساس فإن الشارع يعتمد على هذه المرتكزات العقلية البديهية في إلقاء نصوصه، فتكون جزءاً من عملية الفهم وإن لم تُذكر صراحة في الكلام. ولهذا يقرّر علماء الأصول أنّ القرينة اللبية إذا كانت بديهيّة فهي في حكم القرينة المتصلة، وكأنّها مذكورة ضمن الكلام نفسه، وإن لم تُصرَّح في ألفاظه.

لذلك، يرون التفكيكيّون مثلاً أنّ نظرية المعاد الروحاني المنسوبة إلى ابن سينا ـ وهي من العقل النظري غير البديهي ـ من غير المعقول أن تكون أساساً لفهم النصوص الدينيّة، فكيف يمكن ـ في تصوّرهم ـ أن يُلقي الله سبحانه وتعالى مئات الآيات القرآنية التي يصرّح ظاهرها بالمعاد الجسماني، متحدثةً عن الجنات والأنهار والحور العين والأشجار والأرائك، ثم تكون القرينة على فهم هذه الآيات فهماً مغايراً كامنة في نظريّة فلسفية سيأتي بها فيلسوف بعد قرون طويلة؟! بل إنّ هذه النظريّة نفسها ما تزال موضع خلاف بين البشر إلى يومنا هذا. من هنا يطرح التفكيكيون سؤالهم المنهجي: أيّ متكلّم حكيم هذا الذي يخاطب الناس بكلام، ثم يجعل فهمه متوقّفاً على قرينة لا تُكتشف إلا بعد مئات السنين، ثم لا يتفق عليها حتى أولئك الذين اكتشفوها؟! إنّ مثل هذا الفرض ـ في نظرهم ـ لا ينسجم مع أيّ نظام دلالي محكم يمكن أن يُنسب إلى كلام المتكلّم الحكيم.

ولهذا يؤكّدون ضرورة أن يكون داخل النصّ نفسه نظام إشاريّ يفسّر بعضه بعضاً، مستنداً إلى أوّليات العقل النظري ومعطيات العقل العملي؛ لأنّ هذه المرتكزات العقليّة تمثّل ـ كما قلنا ـ أوّليات ثابتة في الذهن، ويمكن للمتكلّم الحكيم الاعتماد عليها في بناء خطابه.

ومن هنا يتضح الأساس الذي يقوم عليه مبدأ فصل المناهج في المدرسة التفكيكيّة، وهو المبدأ الذي يفسّر رفضهم القاطع لكثير من التأويلات، فإذا قيل لهم: إنّ العقل قد برهن على نظريّة عقديّة معيّنة، ولذلك ينبغي تأويل الروايات بما يتوافق معها، فإنّهم يجيبون بأنّ هذا المسلك غير صحيح؛ فمثلاً ظواهر بعض الآيات القرآنية تبدو مخالفة لنظريّة العصمة، والعقل قطع بها فينبغي تأويل الآيات؛ لكنّهم يجيبون بالقبول لكن ضمن نظام إشاري من داخل النصّ، بمعنى أن يكون في النصّ نفسه قرائن تُفيد أنّه لا يُراد من هذه الآيات ما يُنافي العصمة، فمن غير المعقول أن يُلقي الله نصّاً للناس ـ مع العلم أنّ العصمة ليست من البديهيات العقليّة، بل هي قضيّة نظريّة ـ ثم يُطلب منهم بعد ذلك ـ وهم ما يزالون مختلفين ـ أن يقضوا سنوات طويلة في البحث والتحليل العلمي، حتى يُقال لهم في النهاية: إنّ النتيجة التي توصّلوا إليها هي قرينة لفهم كلامي، فيتساءلون: أيّ نظام دلالي أو إشاري لغوي يمكن أن يقبل بمثل هذا المسلك؟! ويرون أنّ مقتضى الحكمة الإلهيّة أن يكون داخل النصّ القرآني نفسه ما يرفع هذا الالتباس الظاهري، بحيث يستطيع القارئ ـ من خلال الجمع بين الآيات وتحليل سياقاتها ـ الوصول إلى المعنى الصحيح دون الحاجة إلى الاعتماد على نظريّات خارجيّة معقّدة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يُظن أنّ التفكيكيّين ينكرون مبدأ العصمة؛ فهم يثبتونه ويؤمنون به كما يثبته غيرهم من علماء الإمامية، غير أنّهم يؤكّدون أنّهم يجدون في صلب النصوص القرآنيّة نفسها دلالات ترفع ما قد يبدو من تعارض مع هذا المبدأ. ومن ثم فهم يتفقون مع غيرهم في النتيجة النهائيّة، لكنّهم يختلفون معهم اختلافاً جذرياً في الطريق المؤدّي إليها.

على هذا المنوال نفسه، يرفض التفكيكيّون التأويلات العرفانية، فقد يأتي أحد العرفاء فيقول: إنّه عرج في كشفه إلى ذاك العالم، ورأى هناك حقيقة القرآن، وأنّ معنى الآية الفلانية هو كذا وكذا. ومن الأمثلة التي يستشهد بها في هذا السياق ما يُنسب إلى ابن عربي في بعض تفسيراته، حيث يفسّر قوله تعالى في قصّة يوسف:﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ (يوسف: 26)، بأنّه إشارة إلى عوالم نورانيّة وتجليات غيبيّة، في معانٍ بعيدة لا يكاد يتضح المراد منها.

وقد يعلّل العارف مثل هذا التفسير بقوله: إنّه رأى هذا المعنى في اللوح الحقيقي والقرآن الحقيقي، غير أنّ التفكيكيين يرفضون هذا المسلك رفضاً تاماً؛ أمّا العلامة الطباطبائي ـ مثلاً ـ فإنّه لا يرفضه من الناحية الثبوتيّة، وإنّما يرفضه من الناحية الإثباتيّة، ومعنى ذلك أنّه يقر بإمكان حصول الكشف في ذاته، لكنّه يطالب العارف ـ من جهة الإثبات ـ بأن يقدّم قرائن من داخل النصّ القرآني نفسه تدلّ على المعنى الذي يدّعيه. وهذا هو المنهج الذي سار عليه في تفسير الميزان. لكن بالطبع ينبغي التدقيق في قول التفكيكيين، فهم وإن كانوا يرفضون هذه الأشكال من التأويل وتفسير النصّ القرآني بها، لكنّهم لا يعنون كثيراً بما إذا كان العارف قد رأى في كشفه ما يدّعيه حقيقة أم لا؛ فحتى لو افترضنا أنّه أدرك الواقع في تجربته الكشفيّة، فإنّ ذلك ـ في نظرهم ـ لا يمكن أن يكون أساساً لتفسير كلام الله الموجّه إلى الناس كافّة.

وأيضاً بالنسبة إلى الفلاسفة، فلا يسوغ ـ في نظرهم ـ في تفسير النصّ الإلهي الاعتماد على ما يتوصل إليه الفيلسوف ببرهانه؛ إذ لا يصح أن يأتي فيلسوف ـ كصدر المتألهين الشيرازي ـ فيتأوّل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة: 25)، مع أنّ دلالة الخلود في لسان العرب تدّل على الأبدية والديمومة، ثم يزعم أنّ الخلود هنا لا يعني الدوام المطلق، بل المكث إلى أمد طويل، ليشرع بعد ذلك في تحليل النصّ وتأويله بما ينسجم مع مبانيه الفلسفيّة في مسألة الخلود. أو مثلاً موقفهم من نظريّة المعاد الروحاني، فهم يرون أنّه حتى لو قيل بأنّ الأدلّة الفلسفيّة قد قامت على صحّة هذه النظرية، فإنّ ذلك لا يبرر اعتمادها في تفسير النصوص الدينية، بل يوجب ـ في نظرهم ـ إعادة النظر في تلك الأدلة نفسها، فيطرحون في هذا السياق سؤالاً منهجياً واضحاً: أيّ إله هذا الذي يُنزل على الناس مئات الآيات القرآنية الظاهرة في جسمانيّة المعاد، وهو يريد بها معنى آخر؟ وأيّ نظام دلالي هذا الذي يخاطب به عامّة الناس على هذا النحو، بحيث يظهر لهم معنى، بينما يكون المراد الحقيقي معنى آخر لا يُدرك إلا بعد قرون طويلة من التنظير الفلسفي؟ فهذا المسلك غير صحيح من أساسه، ولا يمكن قبوله بأيّ حال.

من جهة أخرى، يرى بعض النقّاد أنّ المدرسة التفكيكية ـ في موقفها القائم على إقصاء العقل النظري والعرفان من دائرة تفسير الدين ـ تقف على الطرف المقابل تماماً لنظريّة القبض والبسط في الشريعة، فبينما تدعو تلك النظريّة إلى إدخال واسع للمعارف البشريّة الخارجة عن الدين ـ كالفلسفة والعرفان والعلوم الإنسانيّة ـ في عملية التفاعل وفهم الدين وتطوّره، نجد أنّ التفكيكيّين يسيرون في الاتجاه المعاكس تماماً. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إنّ هذين الاتجاهين يمثلان قطبين متباعدين في النظر إلى علاقة الدين بالمعرفة البشريّة.

2 ـ 4 ـ استثناءات تجيز التأويل عند التفكيكيّين

لكن ينبغي الإشارة أيضاً إلى أنّهم ـ مع ذلك ـ لا يمنعون التأويل مطلقاً، بل يجيزونه في حالتين اثنتين لا ثالث لهما بحسب رأيهم:

2 ـ 4 ـ 1 ـ التأويل اللغوي والأدبي

وهي الحالة التي يكون فيها التأويل مقتضى للنظام اللغوي والأدبي ومن مستدعايته ومستلزماته. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْأَل القَريَةَ﴾ (يوسف: 28) فالمراد سؤال أهل القرية، فهناك مقدّر محذوف؛ أو قوله تعالى:﴿يَدُ اللهِ فَوقَ أَيديِهِم﴾ (الفتح: 10)، فكلمة "اليد" في اللغة العربيّة قد تأتي بمعنى القدرة، كما قد تأتي بمعنى الجارحة المحسوسة؛ فإذا وجد في السياق أو في القرائن اللغويّة ما يرجّح حمل لفظ "اليد" في الآية على معنى القدرة والهيمنة، كان ذلك من قبيل التأويل اللغوي المقبول، الذي لا إشكال فيه عندهم. وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ تأويل تفرضه قواعد اللغة والبلاغة وأساليب الإسناد ونحوها من العلوم التي درست في محلّها، يعد تأويلاً صحيحاً مقبولاً، ولا يناقش فيه من حيث المبدأ.

2 ـ 4 ـ 2 ـ التأويل بقياسٍ بديهيّ الإنتاج

حين يقف ـ كما يقول الحكيمي ـ مقابل الظهور القرآني برهان بديهي، أي كلّ برهان تكون هيئة قياسه من الشكل الأوّل للأقيسة بضروبه الأربعة، وهو البرهان الذي يُنتج نفسه ويُثبّت صحّة باقي أشكال القياس الأربعة عليه، فلا مجال للنقاش في صحّته، فإذا كانت مقدّماته بديهية أيضاً، يكون البرهان بديهياً، وهو ما يُسمى بـ "بديهي الإنتاج".

هنا يُقرّ الحكيمي بالتخلّي عن الظهور الموجود في النصوص القرآنيّة والروائية حينما يواجهها برهانٌ بديهي من حيث الشكل والمادة؛ ويؤوّل هذه الآية القرآنية أو الرواية، لكنّه يستدرك قائلاً بأنّه لم يعثر عمليّاً على آية واجهت برهاناً بديهياً، فيقبل المبدأ نظريّاً، ولكنّه لم يجد له تطبيقاً عملياً. وبذلك، يُعد التأويل العملي الوحيد الذي تمارسه المدرسة التفكيكيّة هو التأويل اللغوي والبلاغي المرتبط بمقتضيات اللغة والبلاغة والإسناد.

وعليه، فإنّ نظام التأويل عند التفكيكيّين يختلف عما هو شائع بين المتكلّمين المعتزلة والإماميّة والفلاسفة والعرفاء، الذين قد يجيزون تأويل النصّ القرآني إذا تعارض مع حكم قطعي للعقل، سواء كان بديهياً أم نظريّاً مركباً من سلسلة أقيسة، وذلك بحسب نظريّة المجاز المعتزلية أو غيرها، أمّا التفكيكيّون فيرفضون ذلك رفضاً قاطعاً، ويؤكّدون أن الظهورات القرآنية والروائية حجّة لا يُتخلّى عنها بأيّ شكل من الأشكال، وهو مبدأ أساس في منظومتهم.

2 ـ 5 ـ افتراض وجود العلم الديني الخالص

تفترض المدرسة التفكيكيّة وجود علم ديني خالص لا يشوبه أيّ معطى خارجي من خارج الدين، فيؤكّدون أنّ العلوم الدينيّة كافة، من العقائد إلى الفقه والأخلاق، تقوم على معيارين اثنين لا غيرهما: القرآن والسنّة، دون السماح لأيّ عنصر بشري أن يختلط بها ليُنتج علماً دينياً هجيناً.

ويستشهدون لذلك بعلم الفقه فيضربون مثلاً بكتاب شرائع الإسلام، معتبرين أنّ الفقهاء منذ بدء مسيرتهم، كانوا يقيّمون النتائج الفقهية على أساس القرآن والسنّة، حيث يأتي الفقيه بالآية فيناقش دلالتها، ويأتي بالرواية فيناقشها، ثم يجمع بينهما ليستنبط الحكم بالوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الاستحباب.

وعليه، يعتبر التفكيكيّون الفقه أنموذجاً بارزاً للعلم الديني الخالص غير المشوب، ويضيفون أنّهم يريدون استنساخ ما فعله الفقهاء في الفقه وتطبيقه في العقيدة والأخلاق وقصص الأنبياء والتفسير.

2 ـ 6 ـ الرؤية النقدية للفلسفة

من المبادئ الأخرى الجوهريّة عند التفكيكيّين، وخصوصاً لدى مجتبى القزويني ومحمّد رضا الحكيمي، وأيضاً في المرحلة الراهنة لدى السيد جعفر سيدان: مبدأ نقد الفلسفة الإسلاميّة.

يعتقد التفكيكيّون أنّ الهالة المهيمنة على الفلسفة، وخاصةً صدر المتألهين، يجب تحطيمها؛ لأنّ استمرار هذه الهيمنة أضفى على الفلسفة ورموزها قداسة مفترضة وغير مستحقّة، من الفلسفة السينوية حتى الصدرائيّة.

تاريخيّاً، سيطرت فلسفة صدر المتألهين (1050هـ) على الحياة الفكرية بعد أن كُسرت هيمنة الحكمة المشائية، فنتجت الحكمة المتعالية، وأصبحت خطوط فلسفته الأساسية تعتبر مسلّمات ومقدّسات على المستوى الشيعي، حتى صار مجرّد التساؤل عن أصول مثل أصالة الوجود أمراً مدعاة للضحك والاستهزاء. ورغم وجود نقد متفرّق خلال القرون الأربعة الأخيرة، إلا أنّ تلك الجهود بقيت محدودة، متفرقة، وذات أثر ضعيف، فلم يبرز من ينتقد هذه الفلسفة ويحطّم الهالة المقدّسة المحيطة بها بشكلٍ مؤثر.

في هذا السياق، يرى التفكيكيّون أنّ صدر المتألهين ليس مشروعه أصيلاً بحدّ ذاته، بل هو توليفة مركّبة من عدّة منابع فكريّة، ويرون أنّه جاء بمزيج من فلسفة المشاء، والفلسفة الإشراقيّة، والعرفان النظري، والفلوطينيّة والمحدثة، وأفكار ابن عربي وأضرابه، فجمعها كلّها وخلطها لتخرج فلسفة مختلطة، فمشروعه ليس مشروعاً أصيلاً، بل هو خليط مستحدث من المباحث المختلفة؛ فالباحث في كتاب الحكمة المتعالية ينتقل أحياناً من بحث فلسفي محض إلى مطلب عرفاني خالص، ثم يعود إلى مباحث فلسفيّة أخرى، بل ربما يجد الباحث في مباحث الحكمة المتعالية نفسه أحياناً في إطار مشائي، وأحياناً أخرى في سياق إشراقي؛ ما يجعل الكتاب متغيّر السياق منهجيّاً ومبتلى بخلط منهجي واضح.

 ومن هنا يخلصون إلى أنّ الملا صدرا، رغم نجاحه في الربط بين مقولات الفلسفات التراثيّة، يجب أن تخضع فلسفته لنقد جذري وجريء، وتحطيم الهالة القدسية المصطنعة المحيطة به، لا الاكتفاء بالنقد الجزئي أو الهامشي. ويشبّه التفكيكيون موقفهم هذا بما يحدث في المضمار الفقهي المعاصر، حيث تعالت أصوات تدعو إلى نقد المشهور الفقهي وكسر هيمنته، ورفض اعتباره مسلّماً لا يجوز النقاش فيه، حيث يرى الحكيمي أنّه قبل الخوض في دراسة فلسفة الملا صدرا، لا بدّ للدارس من الخروج أوّلاً من منظومته، وإلا فإنّ مقولاتها ستهيمن عليه، ولن يستطيع تحقيق قراءة نقدية حقيقيّة ومستقلّة.

وبعبارة أخرى: يدعو التفكيكيون إلى الخروج من القفص الصدرائي أوّلاً، ثم الشروع في إعادة قراءة فلسفته، مؤكّدين أنّ البقاء داخل أسواره يمنع من الوصول إلى نظرة نقدية أصيلة له. ويرون أنّ دروس الفلسفة في الحوزات العلمية اليوم، مع الأسف، تفتقر إلى الروح النقديّة، حيث يُسمح للطلبة بنقد بعض التفصيلات الجزئية والفروع الثانوية، ولكن نقد الأساسيات والجذور لمشروع الملا صدرا ممنوع، تماماً كما في درس البحث الخارج في الفقه، حيث إذا ناقش الطالب مسألة كخبر الواحد أو أصل من أصول الفقه، فإنّه غالباً ما يُقابل بالضحك أو التعجب. ويُضيفون أنّهم لا يقصدون أن يدخل الطالب لدراسة الفلسفة بحالة رفض لها، بل يقصدون أنّه لا بدّ أن يُلفتَ إلى الآراء المتنوّعة في المسائل وعدم تجاهلها والاستخفاف بها.

هذا كلّه مضافاً إلى أنّ هذه الفلسفة الموروثة السائدة اليوم، هي غائبة عن تطوّر العلوم البشرية، فكثير من القضايا الفلسفية تمّ بحثها في الفيزياء المعاصرة، مثل نظرية الحركة والزمن والمادة، ونادراً ما تجد لها دراسة واعية في الأوساط الحوزويّة، ونفس الحال ينطبق على الكيمياء، فيما يتعلّق بأصول العناصر، وأيضاً الفلك والخلأ والفراغ؛ حيث ما زالت الطبيعيّات الفلسفية قائمة على نماذج قديمة كإقليدس وبطلميوس، ثبت بطلانها مع تقدّم العلوم الحديثة. فيلاحظون أنّ الدارسين، حتى من كبار العلماء في قم، لا يطّلعون على المستجدات الحديثة في الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات، ولا يكتبون أي دراسة تواكب ما يطرح اليوم في هذه الحقول العلميّة، بل يلتزمون بالنظريات القديمة فقط. ويتساءلون: كيف يعقل أن تبقى هذه المسلّمات القديمة في الطبيعيات بلا أثر على الإلهيات بالمعنى الأخصّ؟ ولماذا هذا التجاهل للتطوّرات العلمية القائمة؟ ويرون أنّ هناك خللاً في النظام الدراسي الحالي، وأنّه يجب تطويره ليشمل حتى العلوم الإنسانية.

بل يؤكد محمّد رضا الحكيمي أنّ التجاهل السائد في الحوزات العلمية لا يقتصر على العلوم الطبيعية، بل يمتدّ إلى العلوم الإنسانية الحديثة مثل علم الاجتماع، علم النفس، الاقتصاد وغيرها، وهي علوم تتصل ارتباطاً وثيقاً ببعض المباحث الفلسفيّة، فالدارسون غالباً غير مستعدّين لقراءتها، ويكتفون بالموروث القديم للفلسفة الصدرائية، مثل أعمال ابن سينا، والملا صدرا، والسبزواري، والميرداماد وأمثالهم، متجاهلين كلّ ما جاء بعدهم أو خارج هذه الدائرة.

وبناءً على ذلك، يرى التفكيكيّون أنّ هذا خطأ منهجي جوهري، وأنّه لا بد من تحريك مشروع نقد الفلسفة وإزالة روح التقليد من ذهن الطلاب. وهذه الأطروحة تمثل محوراً أساسياً في فكرهم، لا سيما عند الأستاذ الحكيمي، متابعاً أثر الشيخ مجتبي القزويني.

2 ـ 7 ـ تقدّم المعرفة الدينيّة على غيرها

يقصد التفكيكيون من ذلك أنّ مصادر المعرفة الدينية هي أوّلاً وبالذات الكتاب والسنّة، مع إيلاء عناية خاصة لدراسة الروايات العقائديّة، فهم يرون أنّ المتكلمين السابقين قصّروا في استيعاب هذه الروايات ومطالعتها بشكلٍ جادّ، ولذلك يجب قراءة هذه الروايات والاجتهاد فيها.

وعند التعارض بين المعطى النصي والمعطى غير النصي، فإنّ التفكيكيين يعطون الأولوية المطلقة للنص. ويتفرّع على ذلك أنّ بعضهم، مثل السيد جعفر سيدان، يجيز العمل بخبر الواحد في العقائد، وقد اعتُبِر هذا المبدأ أساساً لا يخالفه شيء في منظورهم.

ومع ذلك، يحرص الحكيمي بالخصوص على التمايز عن المدرسة الأخباريّة، فيميّزون بين الأخبارية وبين جعل الأخبار مصدراً للمعرفة الدينية؛ فهم ليسوا فقهاء بالمعنى الاصطلاحي، وليس مشروعهم مشروعاً يُعارض أصول الفقه، بل متكلّمون أصحاب مشروع عقدي يسعون إلى تأسيس منهج معرفي مستقلّ. وهم يؤكّدون دائمًا أنّ اهتمامهم بالروايات العقائدية لا يعني أنّهم أخبارية؛ فمع اهتمامهم بالروايات واعتبارها ضرورية، لكنّ منهجهم لا يقوم على التعبّد بالروايات دون نقد أو فحص.

2 ـ 8 ـ "الرصد التاريخي" أو تقويم العلوم بالتاريخ

يطرح التفكيكيون ما يُعرف بـ"الرصد التاريخي" بوصفه معياراً لتقويم العلوم، حيث يتّجه هذا التيار إلى تقويم العلوم الإسلاميّة تقويماً تاريخيّاً، على نحوٍ يقارب ما يُطرح في سياق الحديث عن نظريّة القبض والبسط للدكتور سروش وأنصار هذا التيار. ووفقاً لهذا المنظور، لا يمكن إصدار حكمٍ على أيّ علمٍ من العلوم إلا بعد استقراء تاريخه؛ ومن هنا يدعون إلى قراءة تاريخ الفلسفة منذ نشأتها إلى العصر الحاضر، ليخلصوا ـ بحسب رؤيتهم ـ إلى أنّ هذا التاريخ ليس سوى سجلٍّ حافلٍ بمعارضة القرآن والسنّة، حيث اضطرّ الفلاسفة ـ بسبب نظريّاتهم ـ إلى اللجوء إلى التأويلات المتكلّفة.

ولإثبات هذه الدعوى، يعمدون إلى تتبّع ما يمكن تسميته بالثغرات الفلسفيّة في المسار التاريخي، فيُشيرون مثلاً إلى مسألة الخلود في النار، حيث يُنسب إلى الملا صدرا رأيٌ يخالف ظاهر القرآن الكريم. وكذلك موقفهم من المعاد الجسماني، إذ يرون أنّ تحويله إلى معادٍ مثاليّ هو نوع من الهروب من المشكلة، بحيث لا يختلف في حقيقته عن المعاد الروحاني الذي ذهب إليه ابن سينا، وإنّما هو ـ في نظرهم ـ مجرّد تبديلٍ في الاصطلاحات طلباً للتوفيق.

ويمتدّ هذا النقد ليشمل بعض أعلام علم الأصول، فيُستشهد بما ورد عند صاحب الكفاية في مسألة الجبر ضمن مباحث الطلب والإرادة، حيث يُدّعى أنّه مال إلى القول بالجبر تحت تأثير النزعة الفلسفيّة. وبناءً على ذلك، يُرجعون منشأ هذه الأخطاء ـ بحسب زعمهم ـ إلى تدخّل الفلسفة، معتبرين أنّ التاريخ يشكّل ورقة تقويميّة لأيّ علم.

وعلى هذا الأساس، ينتهي هذا الاتجاه إلى تصوير تاريخ الفلسفة بوصفه سجلّاً حافلاً بالانحرافات، ويُحذّر من تغلغلها في الدين ومحاولتها تفسير نصوصه، لما يترتّب على ذلك من نتائج خطيرة، كالإفضاء إلى القول بالجبر المخالف لما ورد في روايات أهل البيت، أو الوقوع في تعارضٍ مع ظاهر القرآن في قضايا من قبيل الخلود في النار والمعاد الجسماني والروحاني. ومن هنا أيضاً يركّزون على تتبّع مسيرة الفلاسفة والعرفاء، ورصد ما يعدّونه هفواتٍ وسقطات، كمسائل وحدة الوجود وتفرّعاتها، ليجعلوا من هذه الوقائع التاريخيّة دليلاً على خطأ المنهج الذي سلكوه.

وخلاصة هذا الموقف أنّ النظر في نتائج تلك المناهج وما أفضت إليه من مآلات يوجب ـ بحسبهم ـ الإعراض عن الفلسفة وتجنّبها وتلافي هذه التجربة. وبذلك يُصوَّر تاريخ الفلسفة، الممتدّ عبر قرونٍ طويلة، على أنّه لم يُثمر إلا اضطراباً في بنية الفكر الإسلامي، وتأويلاً للنصوص وتلاعباً بها، وتصرّفاً في الألفاظ، ممّا يدعو إلى هجرها وتركها.

وعليه، لا ينخرط التفكيكيّون في تحليل الفلسفة تحليلاً نظريّاً تجريديّاً، بل ينصرف اهتمامهم إلى متابعة مسارها التاريخي، فيركّزون على استقصاء الهفوات والسقطات، ويُمعنون في تسجيلها واحدةً تلو الأخرى، بما يفضي إلى ترسيخ حالةٍ من الرهبة والنفور والقلق تجاه الفلسفة في نفس المتلقّي. وتُعدّ هذه الآليّة محوراً أساسيّاً في مشروعهم، بحيث تغدو مصنّفاتهم مشحونةً بمثل هذه المتابعات التاريخيّة ذات الطابع النقدي.

ويتحصّل من جميع ما تقدّم أنّ الأعمدة والأركان الأساسيّة للمدرسة التفكيكيّة تتمثّل في عدّة محاور رئيسة:

أوّلاً: الدعوة إلى الاجتهاد الكلامي.

ثانياً: تحديد الموقف من العقل البديهي والنظري.

ثالثاً: صياغة موقفٍ محدّد من مسألة التأويل.

رابعاً: تقديم المعرفة الدينيّة القائمة على ظواهر الكتاب والسنّة على غيرها، أيّاً كان مصدره.

خامساً: الاهتمام بالرصد التاريخي للعلوم الإسلاميّة، وإصدار أحكامٍ تقويمية نقدية تبعاً لنتائج هذا الرصد ومعطياته.

ويتفرّع على هذه الأصول قضايا أخرى، من قبيل نقد الفلسفة والدعوة إلى تجديدها وإعادة قراءتها، ولا سيّما الفلسفة الصدرائيّة، في ضوء تلك المرتكزات المنهجيّة.

3 ـ الملاحظات المنهجيّة على المدرسة التفكيكيّة

وتأسيساً على هذا العرض، يمكن تسجيل جملةٍ من الملاحظات المنهجيّة الأساسيّة على هذه المدرسة، وهي ملاحظاتٌ تتكرّر في كلمات كثيرٍ من ناقديها، ومن أبرزها ما يرتبط بإشكاليّة تجزئة العقل، التي تُعدّ مدخلاً لنقد بنيتها المعرفيّة وتقويم نتائجها.

3 ـ 1 ـ إشكالية تجزئة العقل

تتمحور الملاحظة النقديّة الأولى حول خطأٍ منهجيٍّ جوهريّ في موقف المدرسة التفكيكيّة من العقل؛ إذ تُشبَّه القوّة الفاهمة ـ كما يقول كانط ـ بالعصفور، الذي إن وُضع في قفصٍ بقي محدود الأفق في دائرة محدّدة، أمّا إذا أُطلق له العنان فلا يمكن تقييد تحليقه، بل يمضي إلى آفاقٍ بعيدة. ومفاد هذا التشبيه أنّ العقل، متى ما أُتيح لها أن يعمل بحرّية، فإنّه لا يقبل التقييد الانتقائي.

من هنا، سُجَّل إشكالٌ أساس على المدرسة التفكيكيّة، وهو عدم استقامة القبول بالعقل في موضعٍ ورفضه في موضعٍ آخر؛ إذ العقل لا يقبل التجزئة والتشطير، فإمّا أن يُقبل بوصفه أداةً معرفيّةً عامّة، أو يُرفض كذلك على نحوٍ مطلق.

وعليه، فإنّ القول بقبول العقل في مجالٍ دون آخر، لمجرّد تعارض نتائجه مع نصٍّ معيّن، لا يُعدّ تقسيماً منهجيّاً، بل هو تقسيمٌ قائمٌ على النتائج، ذلك أنّ المنهج هو مجموعة الآليّات التي يُتوَصَّل بها إلى المعرفة، فإن أدّى إلى نتيجةٍ ما، فلا يصحّ الحكم عليه من خلال موافقة تلك النتيجة أو مخالفتها، بل ينبغي تقويمه بذاته، فليست النتائج هي التي تحدّد صلاحية المنهج، بل المنهج هو الذي يحدّد قيمة النتائج. ومن هنا، يُقال: إنّ المدرسة التفكيكيّة قد وقعت في قلب هذه المعادلة، حين جعلت نتائج الدرس الفلسفي حاكمةً على المنهج الفلسفي، مع أنّ الصواب يقتضي العكس تماماً.

وبناءً على ذلك، لا يستقيم أن يُقال بصحّة المنهج العقلي من جهة، مع الاعتماد على البديهيّات، والشكل الأوّل من القياس، والموادّ اليقينيّة، واستعمال مفاهيم العقل البديهي والقياس ـ وهي مصطلحات يونانيّة ـ ثم يُرفض هذا المنهج برمّته في موضعٍ آخر بدعوى تعارض نتائجه مع بعض النصوص. فإنّ هذا النحو من التعامل لا يُمثّل تقسيماً منهجيّاً، بل يُعدّ تشويهاً للمنهج ذاته.

والتقسيم المنهجي السليم هو ما نجده ـ مثلاً لدى كانط ـ في التمييز بين رفض العقل النظري ككلّ وقبول العقل العملي كذلك، أمّا قبول العقل النظري نفسه في مجالات العلوم الطبيعيّة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك، وعدّ نتائجه فيها معتبرةً ومفيدة، ثم رفضه في مباحث الدين عند تعارض نتائجه مع بعض النصوص، فذلك يكشف عن خللٍ منهجيّ واضح؛ إذ إنّ المنهج إذا ثبتت صلاحيته للوصول إلى الحقيقة في مجالٍ ما، فإنّ صلاحيته لا تختصّ بذلك المجال دون غيره، ولا يبرّر اختلاف النتائج تجزئة المنهج.

كما يتعزّز هذا الخطأ عند طرح السؤال عن الأساس الذي يُبنى عليه الإيمان ابتداءً؛ فكيف يُخاطَب مَن لم يؤمن بعدُ بوجود الله تعالى؟ هل يُطلب منه الإيمان لمجرّد أمر النبيّ‘ أو لورود ذلك في القرآن الكريم؟! من الواضح أنّ الاحتجاج بهذين المصدرين يتوقّف على ثبوت حجيّتهما مسبقاً، ولا يتحقّق ذلك إلا عبر منطلقٍ سابق، وليس هذا المنطلق سوى العقل. وهنا يُطرح تساؤلٌ آخر: كيف يُقبل العقل في إثبات وجود الله، والتوحيد، والنبوّة، والإمامة، بوصفه منهجاً دقيقاً قائماً على معادلاتٍ صحيحة، ثم يُحكم بعد ذلك بعدم صلاحيّته للاستدلال في مجالاتٍ أخرى كالكلام أو الفلسفة؟ وهو إشكالٌ سبق أن سُجّل على العلامة المجلسي الذي وقع في شيءٍ مشابه.

إنّ هذا النحو من التشطير يفتقر إلى نظريةٍ معرفيّةٍ تبرّره؛ إذ لا وجه لاعتبار العقل حجّةً في القضايا الكبرى الأكثر تعقيداً، ثم سلب هذه الحجّيّة عنه في مسائل أخرى.

وعليه، فإنّ هذا التقسيم القائم على النتائج يُعدّ تقسيماً غير فنّيٍّ ولا منهجيّ، ويمثّل إحدى الإشكالات الجوهريّة في البناء المعرفي للمدرسة التفكيكيّة. وبذلك تكشف هذه الملاحظة ـ بجانبيها ـ عن نقصٍ في تأسيس نظريةٍ معرفيّةٍ متماسكةٍ يمكنها أن تبرّر هذا الموقف المزدوج من العقل.

3 ـ 2 ـ استحالة قيام علم ديني خالص

تتجّه الملاحظة النقديّة الثانية إلى دعوى إمكان تصوّر "علم ديني خالص"، كما يُمثَّل له بعلم الفقه وكتاب شرائع الإسلام. ويُجاب عن ذلك بأنّه لا يمكن قيام علمٍ دينيٍّ خالصٍ بمعزلٍ عن سائر المعارف البشريّة؛ إذ لا يخلو أيّ استنتاجٍ ـ حتّى في الفقه ـ من الارتكاز على علومٍ خارجةٍ عن النصّ الديني، فالمنطق ـ مثلاً ـ علمٌ بشريّ خارج عن الدين، ومع ذلك يُستعمل في الفقه وأصوله، كما أنّ علم الأصول نفسه قائمٌ على تأمّلاتٍ عقليّةٍ بشريّة في اللغة وآليّات الاستدلال، وليس وحياً إلهيّاً.

وعليه، يبرز التساؤل: كيف يُقبل الجهد البشري في مجالاتٍ كاللغة والمنطق لتفسير الدين، بينما يُرفض في مجالاتٍ أخرى كالمعارف التجريبيّة؟ ومن المعروف أنّ عبد القاهر الجرجاني، الذي يُعدّ مؤسّس علم البلاغة، إنّما بنى هذا العلم على أسسٍ عقليّة ومعايير معرفيّة مستمدّة من الجهد البشري، فكيف يمكن ـ والحال هذه ـ إنتاج أصول الفقه أو أيّ نظامٍ لغويٍّ أو معرفيّ بمعزلٍ عن العقل؟ وعليه، فإنّ الحديث عن "فقهٍ خالص" منزّهٍ عن التأثيرات المعرفيّة البشريّة يبدو غير منسجمٍ مع واقع تكوّن العلوم.

ومن هنا نُقل عن الشيخ مرتضى مطهّري قوله:"تفوح رائحة العربيّة من فقه الرجل العربي، ورائحة العجميّة من فقه الرجل العجمي"، في إشارةٍ إلى تداخل الخلفيّات الثقافيّة والمعرفيّة في إنتاج الفهم الفقهي. وبذلك يتّضح أنّ القول بنظريّةٍ معتدلةٍ تعترف بدور العلوم البشريّة أمرٌ معقول، أمّا الدعوة إلى إلغائها بالكامل بدعوى إنتاج علمٍ خالص فغير مقبول.

ويتعزّز هذا الإشكال بما استقرّ عليه البحث المعاصر في فلسفة العلم، من أنّ القضايا الحسّيّة نفسها لا تخلو من تدخّل الذات العارفة في تشكيلها؛ فلو عُرضت صورةٌ واحدة على عدّة أشخاص، لم يُضمن اتّحاد إدراكهم لها، بل قد تختلف تبعاً للخلفيّات الذهنيّة. بل إنّ بعض الحيوانات ترى الأشياء على نحوٍ مغايرٍ تماماً لما يراه الإنسان. ومن هنا قيل:"لا توجد رؤية ومشاهدة غير مسبوقةٍ بنظريّة"، أي إنّ الفرضيّات المسبقة تؤثّر في عمليّة الإدراك. فإذا كان هذا حال المعطيات الحسّيّة، فكيف بالمعطيات التحليليّة غير الحسّيّة؟ وعليه، فإنّ الادّعاء بإمكان إنتاج علمٍ دينيٍّ صافٍ خالصٍ، لا دور فيه للجهد العقلي البشري إطلاقاً، ادّعاءٌ لا ينسجم مع طبيعة المعرفة الإنسانيّة، ولم يكن الفقه يوماً قائماً على هذا النحو. بل إنّ الفصل بين العلم ومصادره المعرفيّة يؤدّي إلى الجمود والموات؛ إذ لا يمكن لأيّ علمٍ أن يستمرّ حيّاً من دون التفاعل مع سائر الحقول المعرفيّة. والفقهاء أنفسهم ـ وهم النموذج الذي يُستند إليه في هذا السياق ـ قد صرّحوا بحاجتهم إلى علومٍ خارجةٍ عن نطاق النصّ الديني؛ فجاءت كلماتهم منذ عصر الشيخ الطوسي والسيّد المرتضى إلى يومنا هذا، مؤكّدةً على ضرورة إحاطة المجتهد بعلوم آلية عديدة، كعلم المنطق، واللغة، وأصول الفقه، وعلم الرجال، وللسيد روح الله الخميني بحث قيم حول هذا الموضوع في بعض كتبه. وقد فُصِّل ذلك في مباحث شروط الاجتهاد، كما تقرّر في أبواب القضاء في المتون الفقهيّة، كاللمعة الدمشقيّة. فإنّ الفقهاء الذين تستشهد بهم هذه المدرسة يقرّون بأنّ علومهم قائمة على مقدّماتٍ اجتهاديّة خارجةٍ عن النصّ الديني. وعليه فإنّ دعوى خلوص الفقه من هذه المؤثّرات ليست ممّا قال به الفقهاء أنفسهم.

3 ـ 3 ـ عدم وضوح حدود تداخل المناهج المعرفيّة

تتعلّق الملاحظة الثالثة بموقف التفكيكيّين من المناهج المعرفيّة الثلاثة؛ إذ يُفهم من الطرح التفكيكي العام وجود فصلٍ تامٍّ بينها، وهو ما أفضى إلى الإشكال المتقدّم، غير أنّنا نجد في كلمات بعض رموز هذه المدرسة، كالأستاذ الحكيمي، إقراراً بوجود نوعٍ من التداخل بينها، ولكنّ هذا الإقرار ـ وإن بدا محاولةً لترميم البناء النظري ـ يفتح الباب أمام إشكالٍ أعمق، يتمثّل في الكشف عن ثغرةٍ منهجيّة ونقص واضح؛ إذ لم تُقدَّم نظريةٌ واضحة تُفسّر طبيعة هذا التداخل وحدوده ومعاييره وحجمه، ولا كيفيّة تأثيره في استقلال كلّ منهج؛ ذلك أنّ بناء نظريةٍ معرفيّة يقتضي قدراً عالياً من الدقّة والإحكام، على نحوٍ يُشبه البناء الهندسي، ولا يحتمل مثل هذا الغموض والإغفال عن الكثير من الأسئلة. ومن هنا تبرز أسئلةٌ مشروعة: أين يقع هذا التداخل؟ وكيف يتحقّق؟ وما مداه؟ وما هي معاييره؟ وهل يؤثر هذا التداخل على انفصالها أم لا؟ وهي أسئلةٌ لا يظهر أنّ المدرسة التفكيكيّة قدّمت لها إجاباتٍ شافية.

وقد عُزي هذا النقص المنهجي ـ في نظر بعض الباحثين ـ إلى فقدان كثيرٍ من نصوص الروّاد الأوائل للمدرسة، كالشيخ مجتبى القزويني ومن سبقه، غير أنّ من اطّلع على بعض مخطوطاتهم النادرة يرى أنّ الأستاذ الحكيمي قد أحدث تحوّلاً في صياغة أطروحات المدرسة، ساعياً إلى ترميم ثغراتها ونقاط ضعفها، ولعلّ تبنّيه لفكرة "التداخل" يمثّل محاولةً لاستيعاب النقد الموجَّه إليها في هذا الباب.

3 ـ 4 ـ الاتهام بالنزعة التكفيريّة

أمّا الملاحظة الرابعة، وهي ذات حساسيّةٍ بالغة، فتتعلّق بما نُسب إلى هذه المدرسة من نزعةٍ تكفيريّة. ومع التحفّظ عن نقل النصوص التي قد يُفهم منها ذلك صراحةً أو ظهوراً أو إشعاراً، ولا سيّما لدى الجيل القديم الأكثر تشدّداً، فإنّ هذه التهمة قد وجدَت مَن يؤيّدها في بعض الدراسات المعاصرة، بحيث وُصفت بعض نصوص رجالات المدرسة بأنّها تتّسم بنَفَسٍ تكفيريّ أو تفسيقيّ أو تضليليّ في التعامل مع الخصوم.

وممّا يزيد هذا الإشكال تعقيداً أنّهم ـ على الرغم من موقفهم الحادّ من الفلسفة منهجاً ـ يشتركون مع الفلاسفة في كثيرٍ من النتائج، غاية الأمر أنّ الفلاسفة توصّلوا إليها عبر المسار العقلي، بينما يدّعي التفكيكيّون استنادها إلى الروايات. وهذا يكشف عن وجود نزعةٍ متشدّدة في بعض الطروحات، بحيث تغدو هذه الملاحظة أقرب إلى كونها توصيفاً لسلوك المدرسة في التطبيق، لا مجرّد نقدٍ نظريّ لبنيتها الفكريّة.

3 ـ 5 ـ نقد تفرّد المعيار التاريخي في تقويم العلوم

ترتبط الملاحظة الأخيرة بقضية تخطئة المدرسة التفكيكيّة في اعتمادها على المعيار التاريخي وحده في تقويم العلوم؛ إذ لو جُعل هذا المعيار هو الحاكم الأوحد، لما نجا علمٌ من العلوم، بما في ذلك الفقه نفسه. فإنّ الفقه ـ عبر تاريخه ـ لم يخلُ من نتائج وُصفت في بعض الأحيان بأنّها فاجعة أو شديدة الإشكال، فهل يُعقل إغلاق باب علمٍ بأكمله لوجود عددٍ محدودٍ من النتائج المتطرّفة فيه؟ إنّ هذا المنطق لا ينسجم مع الطريقة العلميّة في تقويم المعارف، فلو سُلِّم ـ جدلاً ـ بأنّ الفلاسفة قد أخطؤوا في عددٍ من المسائل، كما نُسب إلى الغزالي قوله في تكفيرهم في بعض الموارد، فهل يبرّر ذلك الحكم على الفلسفة برمّتها؟ مع أنّ الفلسفة قد شهدت تطوّراً ملحوظاً، وانتقلت من معالجة مسائل محدودة في الوجود عند اليونان إلى مئات المسائل في العصور اللاحقة، الأمر الذي يكشف عن حيويّتها وقدرتها على النموّ. كما أنّ لها ـ بلا ريب ـ جوانب إيجابيّة، إذ أسهمت في الدفاع عن الدين، وتقديمه بلغةٍ عقلانيّة في مواجهة تحدّيات الحداثة والفكر الغربي في القرنين الأخيرين.

ويبلغ هذا الموقف حدّاً أشدّ حين يُتبنّى القول بأنّ الفلسفة اليونانيّة إنّما أُدخلت في البيئة الإسلاميّة في العصر العبّاسي لغرض صرف الناس عن أهل البيت عليهم السلام، وهي أطروحةٌ تبنّاها بعض أعلام المدرسة التفكيكيّة، غير أنّه ـ على فرض صحّة هذا التحليل التاريخي ـ لا يلازم الحكم ببطلان هذه الأداة المعرفيّة في نفسها، بعد أن تبيّنت إمكاناتها وقابليّتها للتوظيف في خدمة الدين.

من هنا يُطرح التساؤل: ما المبرّر للإصرار على النزعة النصّيّة الصرفة ذات الطابع الإخباري، بدل الدعوة إلى إعادة قراءة الفلسفة والانفتاح بها على سائر العلوم؟ على أنّ الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أنّ بعض التفكيكيّين لا يدعون إلى إغلاق باب الفلسفة مطلقاً، وإن كان كثيرٌ منهم يميل إلى التشديد في التعامل معها، بل يصل الأمر لدى بعضهم إلى المنع من تدريسها إلّا في إطار نقدها، ولا سيّما الفلسفة الصدرائيّة.

وممّا يزيد الإشكال وضوحاً أنّ نقد الفلسفة ذاته لا يمكن أن يتمّ إلّا بأدواتٍ فلسفيّة؛ كما هي الحال في تجربة الغزالي في تهافت الفلاسفة، حيث استعان بالمنطق والبرهان العقلي في مناقشة آرائهم. وهنا يبرز سؤالٌ جوهري: هل الرفض موجَّه إلى الفلسفة بما هي تفكيرٌ عقليّ مطلق، أم إلى نمطٍ خاصٍّ منها كالفلسفة اليونانيّة؟ فإن كان المقصود هو الثاني، أمكن فتح باب البحث في إمكانيّة تأسيس فلسفةٍ بديلةٍ تنطلق من أُسسٍ أخرى؛ أمّا إذا كان الرفض شاملاً لكلّ تفكيرٍ عقلي، فإنّ ذلك يفضي إلى إبطال إمكان النقد نفسه، إذ لا سبيل إلى نقد الفلسفة إلّا بأداةٍ عقليّة، الأمر الذي يُلزم الناقد ـ في نهاية المطاف ـ بتبنّي منهج عقلي، ولو في مقام الردّ والنقض.

وعلى أية حال، كانت هذه أبرز الثغرات المنهجيّة التي رصدها بعض النقّاد في المدرسة التفكيكيّة، ويقابلها من جهةٍ أخرى محاولاتٌ دفاعيّة من داخل المدرسة نفسها لتبرير أطروحاتها وصياغتها بنحوٍ أكثر تماسكاً.

والإنصاف يقتضي الإشارة إلى أنّ غموض بعض نصوصهم، وفقدان جانبٍ من تراث روّادهم الأوائل، مضافاً إلى ما قد يقع أحياناً من تقطيعٍ للنصوص أو اجتزائها من قبل بعض ناقديهم وأيضاً النقص في تحليلها، كلّ ذلك أسهم في حدوث قدرٍ من التشوّش في فهم هذه المدرسة وتحديد معالمها بدقّة. يضاف إلى ذلك أنّ المنهج العلمي في دراسة أيّ مدرسة فكريّة يفرض التعامل مع الجسم الحيّ لها، لا كمجرّد تراثٍ جامد؛ فصحيحٌ أنّه يمكن نقد بعض الشخصيّات التاريخيّة المنتمية إليها، إلّا أنّه إذا كانت المدرسة قد تجاوزت آراءهم أو أعادت صياغتها، فإنّ توجيه النقد إليهم لا يُعدّ بالضرورة نقداً للمدرسة في صورتها الراهنة. ومن هنا، لا يصحّ تقويم مسارٍ علميّ ممتدّ لقرونٍ طويلة على أساس إشكالات مراحله الأولى فحسب، بل لا بدّ من ملاحظة تطوّراته اللاحقة وصيغته المعاصرة.

4 ـ قائمة ببعض الكتابات حول المدرسة التفكيكية

وفي ختام هذا العرض للمدرسة التفكيكيّة، ومن أجل إتاحة الفرصة للباحث للاطّلاع على تيّاراتٍ فكريّة قد تبدو مغايرةً للمألوف، والوقوف على حجم الجدل الدائر حول بعض القضايا التي قد تُعدّ من المسلّمات، يحسن الإشارة إلى أبرز المصادر والمراجع التي يمكن الرجوع إليها لدراسة المدرسة التفكيكيّة، سواء باللغة العربيّة أم الفارسيّة:

1.   مجلة بيّنات، التي خصّصت ملفّاً موسّعاً لدراسة هذه المدرسة في عددها المزدوج (37ـ38)، حيث تناولت مختلف أبعادها النظريّة والنقديّة وأيضاً تحليل كتاب الحياة للحكيمي.

2.    مجلة كيهان فرهنگي، وهي مجلّة مهمة كانت تصدر خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وقد فتحت ملفّاً خاصّاً حول المدرسة التفكيكيّة في إيران في التسعينيات، وكان لذلك أثرٌ واضح في إثارة النقاش العام حولها وتوسيع دائرة الاهتمام بها. وذلك في السنة التاسعة، العدد 12.

3.   كتاب مكتب تفكيك للشيخ محمد رضا الحكيمي، وهو من النصوص التأسيسيّة في هذا المجال؛ وقد تُرجم قسمه الأوّل إلى العربيّة بقلم الأستاذ عبد الجبّار الرفاعي، ونُشر أوّلاً في مجلة قضايا إسلاميّة معاصرة، ثم صدر مستقلّاً عن دار الهادي في بيروت. ويشتمل القسم الثاني من الكتاب الأصلي على تراجم أعلام هذه المدرسة، ممّا يوفّر مادّةً توثيقيّة مهمّة لفهم خلفيّاتها.

4.   كتاب اجتهاد وتقلید در فلسفه (الاجتهاد والتقليد في الفلسفة) للمؤلّف نفسه من المراجع الجديرة بالاهتمام، حيث يضمّ مجموعةً من المقالات الأساسيّة، من أبرزها مقالة اجتهاد وتقلید در فلسفه التي يدعو فيها إلى نقد الفلسفة، إلى جانب مقالاتٍ أخرى يؤكّد فيها على تمايز منهجهم عن المنهج الإخباري، ممّا يساعد في رسم ملامح المشروع التفكيكي بصورةٍ أوضح.

5.   كتاب ماجرای فکر فلسفی در جهان اسلام للدكتور غلام حسين إبراهيمي الديناني، والذي تُرجم إلى العربيّة بعنوان حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، حيث خصّص في جزئه الأخير فصلاً تناول فيه المدرسة التفكيكيّة بالنقد والتحليل، ساعياً إلى مناقشة مبانيها وتقويم مواقفها.

6.   مجلّة نصوص معاصرة، التي أفردت ملفّاً شاملاً باللغة العربية حول المدرسة التفكيكيّة في عدديها الثاني والثالث، حيث عملت على جمع وترجمة أبرز المقالات والدراسات التي كُتبت حول هذه المدرسة، ممّا يوفّر مادّةً غنيّة للباحث في هذا المجال.

7.   كتاب متأله قرآني شيخ مجتبى قزوينى خراسانى للأستاذ محمد علي رحيميان (مع ضرورة التمييز بينه وبين الأستاذ سعيد رحيميان، الذي يُعدّ من أبرز نقّاد هذه المدرسة، وقدّم قراءات نقديّة مهمّة في تقويم أطروحاتها)، وهو دراسة تتناول مؤسّس المدرسة، الميرزا مجتبى الأصفهاني.

8.   كما يُشار إلى المبحث الذي عقده العلّامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره الميزان (ج5، ص254ـ271)، حيث يُفهم من سياق كلامه أنّه كان بصدد الردّ على بعض إشكالات الشيخ مجتبى القزويني وأطروحات المدرسة التفكيكيّة، وإن لم يصرّح بأسمائهم، ممّا يعكس حضور هذا الجدل في ثنايا التفسير الفلسفي للقرآن.

9.   وأيضاً هناك حوار شهير نشرته مجلة نصوص معاصرة بين آية الله الشيخ جوادي الآملي والسيد جعفر سيدان، وهو حوارٌ يكشف بوضوح عن عمق الخلاف المنهجي بين الاتجاهين.

يُضاف إلى ذلك كلّه جملة من مؤلّفات محمد رضا الحكيمي ذات الطابع النقدي، ومن أبرزها كتاب معاد جسمانى در حكمت متعاليه (المعاد الجسماني في الحكمة المتعالية)، الذي سجّل فيه ملاحظاته على الفلسفة الصدرائيّة، وكذلك كتاب پيام جاودانه (الرسالة الخالدة)؛ وعقل خود بنياد دينى، حيث يعرض فيه رؤيته الخاصّة لطبيعة العقل الديني وحدوده.

 

 

فهرس المحتويات


الفصل الأوّل

علم الهرمنوطيقا: التاريخ، التعريف، المدارس

مقدمة

المبحث الأوّل: تفكيك المصطلح ودراسة ما يرتبط به

1 ـ معنى الهرمنوطيقا

1 ـ 1 ـ الجذر اللغوي وبدايات الاستعمال

1 ـ 2 ـ بداية تشكّل الهرمنوطيقا بوصفها علماً

2 ـ تعاريف الهرمنوطيقا

2 ـ 1 ـ التعريفات الأولى لعلم الهرمنوطيقا

2 ـ 2 ـ تعريف جان مارتن كلادينيوس واتساع مفهوم الهرمنوطيقا

2 ـ 3 ـ تعريف فريدريك أوغست وولف واتّساع مفهوم العلامة

2 ـ 4 ـ شلايرماخر ومشكلة سوء الفهم بوصفها أساس الهرمنوطيقا

2 ـ 5 ـ دلتاي وتحويل الهرمنوطيقا إلى منهج للعلوم الإنسانيّة

2 ـ 6 ـ بادنير وتحويل الهرمنوطيقا إلى تعلّم الفهم

2 ـ 7 ـ بول ريكور وتحليل فعل الفهم

2 ـ 8 ـ تعريف ريتشارد بالمر والاتجاه الفلسفي للهرمنوطيقا

خلاصة الاتجاهات في تعريف الهرمنوطيقا

3 ـ أقسام الهرمنوطيقا

3 ـ 1 ـ الهرمنوطيقا الخاصّة

3 ـ 2 ـ الهرمنوطيقا العامّة

3 ـ 3 ـ الهرمنوطيقا الفلسفيّة

المبحث الثاني: التمييز بين الهرمنوطيقا وبعض العلوم القريبة منها

1 ـ بين الهرمنوطيقا وعلم السيميوطيقا (السيميا)

2 ـ بين الهرمنوطيقا وعلم الأسلوب (الأسلوبيّة)

2 ـ 1 ـ الأسلوبيّة القديمة

2 ـ 2 ـ الأسلوبيّة الجديدة

3 ـ بين الهرمنوطيقا والفيلولوجيا (فقه اللغة/فلسفة اللغة/أصول اللغة/سرّ اللغة)

4 ـ بين الهرمنوطيقا وعلم الفونتيك (علم الأصوات اللغويّة)

5 ـ بين الهرمنوطيقا والفنولوجيا (وظائف الأصوات)

6 ـ علم اللغة المقارِن

المبحث الثالث: المدارس الهرمنوطيقيّة وتطوّرها التاريخي

1 ـ فريدريك شلايرماخر: من "قواعد التفسير" إلى "فلسفة الفهم"

1 ـ 1 ـ الانتقال من الطابع القواعدي إلى تحليل عمليّة الفهم

1 ـ 2 ـ تجاوز النصّ إلى سيكولوجية المؤلّف

1 ـ 3 ـ تعميم الفهم وتجاوز النصّ المُشكل

1 ـ 4 ـ الهرمنوطيقا بمثابة علم للنصوص كافّة

1 ـ 5 ـ إشكاليّة إمكانية الفهم

1 ـ 6 ـ مبدأ "احتمال الخطأ" وتراجع اليقين التفسيري

1 ـ 7 ـ تحجيم دور اللغة في عمليّة الفهم

2 ـ فيلهلم دلتاي: مؤسّس منطق العلوم الإنسانيّة

2 ـ 1 ـ تأسيس منطق العلوم الإنسانيّة

2 ـ 2 ـ تجاوز النصّ إلى "دائرة الفعل"

2 ـ 3 ـ الهرمنوطيقا بمثابة فلسفة للعلوم

3 ـ مارتن هايدغر: مؤسّس الهرمنوطيقا الفلسفيّة

3 ـ 1 ـ الهرمنوطيقا ودراسة الفهم

3 ـ 2 ـ توسيع دائرة الهرمنوطيقا

3 ـ 3 ـ الهرمنوطيقا، دراسة وجوديّة

3 ـ 4 ـ فهم الإنسان هو فهم الوجود

3 ـ 5 ـ عناصر نظريّة الفهم عند هايدغر

3 ـ 5 ـ 1 ـ الفهم ليس فعلاً إنسانيّاً

3 ـ 5 ـ 2 ـ الفهم واحدٌ لا يقبل التجزئة

3 ـ 5 ـ 3 ـ بُعدا الفهم عند هايدغر

3 ـ 5 ـ 4 ـ كيفيّة تحقّق الفهم

3 ـ 5 ـ 5 ـ إعلان موت المؤلّف

4 ـ غادامير والعودة مجدّداً إلى التأويل

4 ـ 1 ـ الخلفيّات الفكريّة والتحوّل المنهجي

4 ـ 2 ـ الفراغ الداخلي عند الإنسان

4 ـ 3 ـ البُعد التاريخي أو التاريخاني

المبحث الرابع: الفوارق الأساسيّة بين المنهج التراثي والهرمنوطيقي

1 ـ محوريّة المؤلّف أو المفسّر

2 ـ ثبات المعنى أو تغيّره

3 ـ مسألة الصواب والخطأ

4 ـ مسألة المنهج في فهم النصّ

5 ـ إمكانيّة الوصول إلى المنهج

6 ـ مراتب دلالة النصّ

7 ـ إمكان اختزال البُعد الزمني

8 ـ مسألة التفسير بالرأي

9 ـ مسألة النسبيّة في فهم النصّ

الفصل الثاني

فهم النصّ الديني في الفكر الإسلامي المعاصر

ـ نماذج وعيّنات ـ

مقدّمة

المبحث الأوّل: مشروع نصر حامد أبو زيد في فهم النصّ

توطئة في سياق مشروع أبي زيد

خطوتان عامّتان في مشروع أبي زيد

1 ـ إشكاليّة المنهج في دراسة النصّ القرآني بحسب نصر حامد أبو زيد

2 ـ القرآن بوصفه منتجَاً ثقافيّاً

2 ـ 1 ـ الحروف المقطّعة بمثابة علامة تميّز للقرآن

2 ـ 2 ـ القرآن وليد الثقافة العربيّة

2 ـ 3 ـ القرآن حادث غير قديم

المبحث الثاني: دراسة مشروع محمد مجتهد شبستري

توطئة

1 ـ مقوّمات العمليّة التفسيريّة من وجهة نظر شبستري

1 ـ 1 ـ الدور الهرمنوطيقي أو قبليّات المفسّر

1 ـ 2 ـ ميول المفسّر وتطلّعاته

1 ـ 3 ـ استنطاق التاريخ

1 ـ 4 ـ بؤرة المعنى

1 ـ 5 ـ ترجمة النصّ

2 ـ من تطبيقات نظريّة شبستري على الفِرَق الإسلاميّة

2 ـ 1 ـ أهل الحديث والسلفيّة والأشاعرة ومنطلقاتها

2 ـ 1 ـ 1 ـ المناخ الفكري

2 ـ 1 ـ 2 ـ فكرة المقدّس

2 ـ 1 ـ 3 ـ الغيب وعجز العقل

2 ـ 2 ـ المعتزلة

2 ـ 2 ـ 1 ـ الدين بوصفه مؤيّداً للعقل

2 ـ 2 ـ 2 ـ التحسين والتقبيح العقليّان

2 ـ 2 ـ 3 ـ نظريّة اللغة عند المعتزلة

3 ـ من الملاحظات النقديّة على مشروع شبستري

3 ـ 1 ـ تصوير الفرضيات كحقائق

3 ـ 2 ـ مسألة الأمانة العلميّة

3 ـ 3 ـ مشكلة التسلسل اللامتناهي في التأويل والتفسير

المبحث الثالث: إطلالة على مشروع المدرسة التفكيكيّة الخراسانيّة

مدخل

1 ـ تاريخ المدرسة التفكيكيّة وأبرز أعلامها

2 ـ أصول المدرسة التفكيكيّة

3 ـ الملاحظات المنهجيّة على المدرسة التفكيكيّة

3 ـ 1 ـ إشكالية تجزئة العقل

3 ـ 2 ـ استحالة قيام علم ديني خالص

3 ـ 3 ـ عدم وضوح حدود تداخل المناهج المعرفيّة

3 ـ 4 ـ الاتهام بالنزعة التكفيريّة

3 ـ 5 ـ نقد تفرّد المعيار التاريخي في تقويم العلوم

4 ـ قائمة ببعض الكتابات حول المدرسة التفكيكية



([1]) هذا تقرير لتسع محاضرات حول الهرمنوطيقا وقراءة النصّ الديني، ألقاها الشيخ حيدر حب الله في مرفأ الكلمة في مدينة قم، بين عام 2004 و 2006م تقريباً، وقد قرّرها فضيلة الشيخ حسين جهجاه، ثم راجعها الشيخ حبّ الله وأجرى بعض التعديلات الطفيفة.