hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (الصوم ـ أنواع الصوم المندوب والمكروه والمحرّم)

تاريخ الاعداد: 5/14/2026 تاريخ النشر: 5/14/2026
180
التحميل

 

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(7 ـ 5 ـ 2026م)

 


 

]الصوم المندوب والمكروه والمحرّم[

مسألة 1065: الصوم من المستحبّات المؤكّدة، وقد ورد أنّه جُنّة من النار، وزكاة الأبدان، وبه يدخل العبد الجنّة، وأنّ نوم الصائم عبادة، ونفسَه وصمتَه تسبيح، وعمله متقبّل، ودعاءه مستجاب، وخلوق فمه عند الله تعالى أطيب من رائحة المسك، وتدعو له الملائكة حتى يفطر، وله فرحتان: فرحة عند الإفطار وفرحة حين يلقى الله تعالى([1]).

وأفراده كثيرة، والمؤكّد منه صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، والأفضل في كيفيّتها أوّل خميس من الشهر، وآخر خميس منه، وأوّل أربعاء من العشر الأواسط، ويوم الغدير، فإنّه يعدل مائة حجّة ومائة عمرة مبرورات متقبّلات، ويوم مولد النبيّ‘، ويوم بعثه، ويوم دحو الأرض، وهو الخامس والعشرون من ذي القعدة، ويوم عرفة لمن لا يُضعفه عن الدعاء مع عدم الشكّ في الهلال، ويوم المباهلة وهو الرابع والعشرون من ذي الحجّة، وتمام رجب، وتمام شعبان، وبعض كلّ منهما على اختلاف الأبعاض في مراتب الفضل، ويوم النوروز، وأوّل يوم محرّم وثالثه وسابعه، وكلّ خميس وكلّ جمعة إذا لم يصادفا عيداً([2]).

مسألة 1066: يكره الصوم في موارد: منها الصوم يوم عرفة لمن خاف أن يُضعفه عن الدعاء، والصوم فيه مع الشكّ في الهلال، بحيث يحتمل كونه عيداً أضحى، وصوم الضيف نافلة بدون إذن مضيفه، والولد من غير إذن والده([3]).

مسألة 1067: يحرم صوم العيدين، وأيّام التشريق لمن كان بمنى، ناسكاً كان أم لا، ويوم الشكّ على أنّه من شهر رمضان، ونذر المعصية بأن ينذر الصوم على تقدير فعل الحرام شكراً، أمّا زجراً فلا بأس به، وصوم الوصال. ولا بأس بتأخير الإفطار ولو إلى الليلة الثانية إذا لم يكن عن نيّة الصوم، والأحوط اجتنابه، كما أنّ الأحوط عدم صوم الزوجة والمملوك ـ تطوّعاً ـ بدون إذن الزوج والسيّد، وإن كان الأقوى الجواز في الزوجة إذا لم يمنع عن حقّه، ولا يترك الاحتياط بتركها الصوم إذا نهاها زوجها عنه([4]). والحمد لله ربّ العالمين.


 

تحقيق بعض ما ورد في فضل الصوم

([1]) ذكر الماتن هنا مجموعة أمور نشير سريعاً إليها:

1 ـ الاستحباب المؤكّد للصوم في نفسه

وهذا صحيح؛ فقد وردت عشرات الروايات عند الفريقين في ذلك، عبر ضمّ بعضها إلى بعض. وهذا الاستحباب ثابت للصوم بصرف النظر عن وجود سبب خاصّ له أو زمان معيّن مرتبط به، ولهذا تُشعر عبارة الماتن بفصل هذا الحكم عن سائر أنواع الصوم المندوب التي ستأتي؛ لأنها مرتبطة بزمان أو سبب خاصّين، بينما كانت عبارة فقهاء آخرين ـ كصاحب العروة ـ أوضح في التمييز بينهما.

2 ـ الصوم جُنّة من النار

ورد هذا التعبير ونحوه في أحاديث متعدّدة وبأسانيد صحيحة وضعيفة عند السنّة والشيعة معاً.

3 ـ الصوم زكاة الأبدان

ورد ذلك في خبر إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبد الله، عن آبائه، أنّ النبيَّ‘، قال لأصحابه: «ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم كما تباعد المشرق من المغرب» قالوا: بلى، قال: «الصوم يسود وجهه والصدقة تكسر ظهره والحبّ في الله والموازرة على العمل الصالح يقطع دابره والاستغفار يقطع وتينه. ولكلّ شيء زكاة وزكاة الأبدان الصيام» (الكافي 4: 62)، لكن الرواية في مختلف طرقها ومصادرها تنتهي بالسكوني ولم تثبت وثاقته على التحقيق.

وورد بسند صحيح عن زرارة، عن الصادق×، قال ـ في حديث ـ: «لكلّ شيء زكاة وزكاة الجسد الصيام..» (كتاب من لا يحضره الفقيه 4: 416).

وورد هذا المضمون أيضاً في رواية عن رسول الله في بعض مصادر أهل السنّة، لكنّ السند ضعيف (انظر ـ على سبيل المثال ـ: مسند الشهاب 1: 162).

4 ـ إنّ به يدخل العبد الجنّة

ورد ذلك في روايات قليلة، مثل خبر إسماعيل بن يسار (بشار)، وخبر طلحة بن زيد، وخبر جابر الجعفي، وبعضها مصحّح سنداً.

5 ـ نوم الصائم عبادة، ونفسه وصمته تسبيح، وعمله متقبّل، ودعاؤه مستجاب

ورد في بعض الروايات القليلة عدداً والضعيفة سنداً عند الشيعة والسنّة، وقد صرّح بعض العلماء بضعف السند في الوسط السنّي. نعم قد اشتملت خطبة النبيّ في استقبال شهر رمضان على ذلك، وهي خطبة نقلها الصدوق وابن عقدة بسندٍ صحيح، ولم ترد عند أهل السنّة فيما يبدو، فمن ضمّ النصوص إلى بعضها، يرتفع مستوى قوّة احتمال صدور مثل هذا عنهم عليهم السلام.

6 ـ خُلُوف فمه عند الله أطيب من رائحة المسك

ورد هذا المضمون في عدّة روايات عند السنّة والشيعة، وفيها ما هو المعتبر سنداً. والروايات واردة بتعبير «خلوف» ، وفي بعض المصادر ورد «خلوق»، كما ذكره الماتن أعلاه، ولعلّ الأقرب والأشهر هو خلوف، بضمّ الخاء واللام. والمعنى هو تغيّر رائحة فم الصائم.

7 ـ دعاء الملائكة للصائم حتى يفطر

ورد ذلك في بعض النصوص القليلة، مثل خبر مسعدة بن صدقة، وخبر ابن فضّال، وخبر أبي حمزة الثمالي.

8 ـ للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقائه ربّه

ورد ذلك في جملة من النصوص عند الفريقين، مثل خبر أبي الصباح الكناني الوارد في الكافي، وخبر أبي هريرة الوارد في الصحيحين، وخبر الحسين بن سعيد الأهوازي عن رجاله مرفوعاً، وخبر ابن عباس، وخبر أنس بن مالك، وخبر زيد بن علي، وغير ذلك.

 

ما ثبت وما لم يثبت مما عُدّ من الصوم المندوب

([2]) ذكر الماتن ـ ومعه كتب الفقه الإسلامي، وكذلك كتب الآداب والأعمال ـ مجموعةً من الأوقات في السنة يستحبّ فيها الصيام، بعضها ثابت، وبعضها غير ثابت:

أمّا ما ثبت استحبابه، فهو:

1 ـ صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، والأفضل في كيفيّتها أوّل خميس من الشهر، وآخر خميس منه، وأوّل أربعاء من العشر الأواسط، فإنّ فيه جملة معتدّ بها من الروايات.

2 ـ صوم يوم عرفة، بشرطين: أن لا يُضعفه الصومُ عن الدعاء والمسألة (ولعلّ هذا هو سبب تمييز بعض فقهاء أهل السنة بين صوم الحاجّ وغيره) وأن لا يكون مورد شكّ في كونه العيد.

3 ـ صوم شعبان كلّه، وقد وردت فيه روايات كثيرة عند الفريقين، وفيها ما هو الصحيح سنداً.

4 ـ صوم يوم الجمعة، فقد وردت فيه روايات عديدة، لكنّ الأحوط أن لا يصام لوحده، بل يصام قبله أو بعده يوم معه، بمعنى لا يخصّصه بعنوانه بصوم، وقد وردت في النهي عن هذا التخصيص روايات ـ بعضها معتبر ـ عند السنّة والشيعة.

وأمّا ما لم يثبت استحبابه، فهو صوم:

1 ـ يوم مولد النبيّ الأكرم‘.

2 ـ يوم المباهلة، وهو الرابع والعشرون من ذي الحجّة.

3 ـ يوم النوروز (النيروز).

4 ـ اليوم الأوّل والثالث والسابع من شهر محرّم الحرام.

5 ـ يوم التاسع والعشرين من ذي القعدة.

6 ـ ستة أيّام بعد عيد الفطر مباشرةً، أو بعده بثلاثة أيّام.

7 ـ يوم النصف من جمادى الأولى.

8 ـ يوم السادس والعشرين من ذي الحجّة.

فإنّ هذه كلها لم يثبت استحباب الصوم فيها بعنوانها، والأدلّة على ذلك ضعيفة أو تحتوي على مشاكل تعيق إمكانيّة الاعتماد عليها، بل بعض الموارد تكاد لا توجد فيها حتى رواية ضعيفة. وقاعدة التسامح في أدلّة السنن غير ثابتة. نعم الصوم بشكل عام مستحبّ، لكنّ الكلام في ثبوت استحباب خاصّ بعنوانه لهذه الأيّام.

9 ـ يوم دحو الأرض، وهو الخامس والعشرون من ذي القعدة، وقد وردت فيه روايات، إحداها معتبرة سنداً، وهي معتبرة الوشّاء، والبقية ضعيفة، وبعضها متأخّر، فالأحوط قصد رجاء المطلوبيّة في صيام هذا اليوم بعنوانه.

10 ـ صوم يوم الخميس، وقد اتفقت على استحبابه المذاهب الأربعة أيضاً، لكنّ الروايات فيه قليلة جداً، بل أقرّوا بأنّه لا يوجد رواية معتبرة فيه، لكنّ الإجماع كان حجّة. وشيعياً الروايات أيضاً قليلة للغاية ضعيفة إسناداً.

 

حول صيام يوم الغدير

قد وردت في استحباب صيام يوم الغدير روايات عديدة تزيد عن خمس عشرة رواية، لكنّ بينها تكراراً، يجعلها أقلّ من ذلك، وجميعُها ضعيف السند، إمّا بالإرسال، أو بغيره، وبعضها مصادره متأخّرة، على أنّ في بعض الروايات تأمّلاً متنيّاً، فلا يُترك الاحتياط الاستحبابي بالإتيان بهذا الصوم بعنوانه؛ نظراً لكثرة الروايات، لكن لم يثبت الاستحباب، فيلزم أن تكون النية برجاء المطلوبيّة.

يشار إلى أنّ الرواية التي نقل مضمونَها الماتن أعلاه في صوم يوم الغدير، وأنّه يوازي مائة حجّة ومائة عمرة مبرورات متقبّلات، ضعيفة السند، على الأقلّ بمحمّد بن موسى الهمداني الضعيف المتهم بالكذب والغلوّ.

 

حول صيام يوم المبعث النبوي

وردت في ذلك بعض الروايات، وعمدتها:

الرواية الأولى: خبر الحسن بن راشد، عن أبي عبد الله× ـ في حديث ـ قال: «ولا تدع صيام يوم سبعة وعشرين من رجب؛ فإنّه هو اليوم الذي أنزلت فيه النبوّة على محمّد‘، وثوابه مثل ستين شهراً لكم».

وهي ضعيفة السند بالحسن بن راشد على التحقيق.

الرواية الثانية: خبر الحسن بن بكار الصيقل، عن أبي الحسن الرضا×، قال: «بعث الله محمّداً‘ لثلاث ليال مضين من رجب، وصوم ذلك اليوم كصوم سبعين عاماً» قال سعد: كان مشايخنا يقولون: إنّ ذلك غلط من الكاتب، وإنّه لثلاث بقين من رجب.

وهي ضعيفة، لا أقلّ بالحسن بن بكّار الصيقل نفسه، وتخالف في الثواب المذكور فيها أغلب الروايات هنا.

الرواية الثالثة: خبر عبد الله بن طلحة، عن الصادق جعفر بن محمّد×، قال: «من صام يوم سبعة وعشرين من رجب كتب الله له صيام سبعين سنة».

والسند ضعيف بعبد الله بن طلحة وعليّ بن محمد بن قتيبة.

الرواية الرابعة: خبر كثير النوا، عن أبي عبد الله× ـ في حديث ـ قال: «وفي اليوم السابع والعشرين منه، يعني من رجب، نزلت النبوّة على رسول الله‘، من صام هذا اليوم كان ثوابه ثواب من صام ستين شهراً».

وهي ضعيفة السند بكثير النوا نفسه الذي ورد فيه ذمّ، وكذلك محمد بن الحسن (الحسين) الجوهري المتوقّف توثيقه على مبنى كامل الزيارات، ولا نقول به.

الرواية الخامسة: مرسل سهل بن زياد، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الأوّل×، قال: «بعث الله عزّ وجل محمّداً‘ رحمة للعالمين في سبع وعشرين من رجب، فمن صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستين شهراً..».

وهو مرسلٌ، فضلاً عن سهل بن زياد.

الرواية السادسة: خبر أبي إسحاق بن عبد الله، عن أبي الحسن علي بن محمّد×، أنّه قال له: «الأيّام التي يصام فيهنّ أربعة: أولهنّ يوم السابع والعشرين من رجب، يوم بعث الله محمّداً‘ إلى خلقه رحمةً للعالمين..».

والسند ضعيف، لا أقلّ بابن عياش.

الرواية السابعة: مرسل الطوسي في المصباح، عن الريان بن الصلت، قال: «صام أبو جعفر الثاني× لما كان ببغداد، صام يوم النصف من رجب، ويوم السابع والعشرين منه، وصام معه جميع حشمه..».

وهي مرسلة كما هو واضح.

ومثلها بعض الروايات القليلة الأخرى.

والنتيجة: إنّ مختلف الروايات هنا ضعيفة السند، فلم يثبت استحباب الصوم في السابع والعشرين من رجب، بل عندي أنّه لم يثبت بدليل موثوق به أنّ السابع والعشرين من رجب هو يوم المبعث النبوي، لكن تعدّد الروايات رغم ضعفها يدعو لعدم البتّ بالنفي، حيث لا معارض، والله العالم.

 

الموقف من استحباب صيام شهر رجب بأكمله

اختلف فقهاء المسلمين في الموقف من صيام شهر رجب الأصبّ، وكان هذا الموضوع محلّ ما يشبه معركة تاريخيّاً في الوسط السنّي، فقال جماعة باستحباب صيامه وهو ما ذهب اليه جمهور فقهاء الأحناف والمالكية والشافعيّة والزيديّة والإماميّة، فيما اتخذ الحنابلة موقفاً مختلفاً، فذهب بعضهم إلى القول بكراهة صيامه، وقال بعضٌ باستحباب الصوم فيه لكن من دون صومه برمّته فلا ينبغي أن يجعله الإنسان مثلَ شهر رمضان، وهو ما نجد له حضوراً في الفقه السلفي أيضاً وعند الشيخ ابن تيمية، بل قال العديد منهم بكراهة إفراده بالصوم.

والأقرب أنّ صيام أيّامٍ من رجب، وكذلك صيام رجب بأكمله، مشمولٌ للأدلّة العامّة الداعية لاستحباب الصوم، بل صيام بعضِ رجب ثابتٌ استحبابُه بعنوانه أيضاً، والروايات فيه متعدّدة، لكن لم يثبت تخصيص رجب بأكمله باستحباب الصيام بعنوانه، بمعنى لم يثبت استحباب أن يصوم الإنسان شهر رجب كلّه بوصفه استحباباً خاصّاً. لكن في المقابل لم يثبت حُرمة ولا كراهة صوم رجب بأكمله بعنوانه الأوّلي، خلافاً لما ذهب إليه العديد من الحنابلة والسلفيّة.

والروايات الواردة هنا عند أهل السنّة كثيرٌ منها واردٌ في مبدأ الصوم في رجب لا في صيامه بأكمله، فالرواية التي تدلّ على استحباب صيام ولو يوم من رجب لا تؤسّس استحبابَ صيام رجب كلّه بعنوانه، فهي مثل روايات صيام ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وأمّا ما ورد في صوم شعبان معلّلاً النبيُّ ذلك بأنّه ـ أي شعبان ـ مغفول عنه، فيقع بين رجب ورمضان؛ فلا يدلّ على مفروغيّة استحباب صوم رجب، بل لعلّه ناظر للعمرة أو ناظر للصيام في رجب لا لصوم كلّ رجب، أو ناظر للنحائر فيه، علماً أنّ الأغلبيّة الساحقة من روايات صيام رجب عند أهل السنّة على قلّتها ضعيفة الإسناد جداً حتى قيل بوضعها، بل تُعارضها نصوصٌ عديدة تشير إلى مرجوحيّة صيام رجب كلّه رغم أنّها أيضاً ضعيفة الإسناد، بل يعتبر بعض الفقهاء أنّ بعض الصحابة والتابعين وبعض النصوص النبويّة اتخذت هذا الموقف السلبي من رجب انطلاقاً من أنّ أهل الجاهليّة كانوا يعظّمونه، فأُريد طمس ما عليه أهل الجاهليّة.

وأمّا الأدلّة الدالّة على استحباب الصيام في الأشهر الحرم، فمضافاً إلى أنّ بعضها لا يظهر منه إرادة غير شهر محرّم الحرام لا الشهر المحرّم، لا تعدو ـ وبسبب قلّتها ـ عن أن تكون آحاداً، مع ضعف سند بعضها. بل فهم منها بعض فقهاء أهل السنة استحباب صوم جميعها، لا تخصيص رجب دون غيره منها.

أمّا شيعيّاً، فالوارد هو بعض الروايات في استحباب صوم أيّام من رجب وأنّ من زاد زاد الله له، وفي بعض الروايات الاقتصار على صيام يوم أو ثلاثة أو نحو ذلك، دون إشارة لاستحباب صيامه كلّه، بل في روايةٍ ضعيفة الإسناد منقولة عن الإمام المهدي ما يفيد مرجوحيّة صيامه بأكمله. نعم في بعض الروايات ما يفيد استحباب صومه بأكمله، وهي روايات قليلة العدد ضعيفة الإسناد؛ إذ هي بين مرسَل لا سند له، أو ضعيف بسبب وجود رواة مضعّفين فتكون تالفة من حيث السند، وهكذا. بل في بعض روايات صيام رجب عند السنّة والشيعة معاً ما يُستشمّ منه رائحة الوضع، والعلم عند الله.

 

ما ثبت وما لم يثبت مما عُدّ من الصوم المكروه

([3]) ذكر الماتن هنا مجموعة أفراد للصوم المكروه، وهي:

 

1 ـ صوم يوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء أو كان لديه شكّ في الهلال بحيث يحتمل كونه عيداً

ولكنّ الصحيح انّ القدر المتيقّن هو سقوط استحباب صوم يوم عرفة في هاتين الحالتين، لأنّ المقدار المتيقن من مجموع الأدلة هو استحباب صومه في غيرهما، أمّا إثبات كراهة الصوم في هاتين الحالتين، فمستنده روايتان هما:

الرواية الأولى: مصحّح محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر×، قال: سألته عن صوم يوم عرفة، قال: «من قوي عليه فحسن إن لم يمنعك من الدعاء؛ فإنّه يوم دعاء ومسألة فصمه، وإن خشيت أن تضعف عن ذلك فلا تصمه» (تهذيب الأحكام 4: 299).

وهذه الرواية لا إشارة فيها لموضوع الشكّ في الهلال، بل مقتصرة على موضوع الضعف عن الدعاء والمسألة.

الرواية الثانية: خبر حنان بن سدير، عن أبيه، قال: سألته (أبو جعفر) عن صوم يوم عرفة، فقلت: جعلت فداك، إنّهم يزعمون أنّه يعدل صوم سنة، قال: «كان أبي لا يصومه»، قلت: ولم جعلت فداك؟ قال: «يوم عرفة يوم دعاء ومسألة فأتخوّف أن يضعفني عن الدعاء وأكره أن أصومه، وأتخوّف أن يكون يوم عرفة يوم الأضحى، وليس بيوم صوم» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 88؛ والاستبصار 2: 133 ـ 134).

وهذه الرواية تشير للحالتين معاً، غير أنّها ضعيفة السند بسدير بن حكيم نفسه، خلافاً لمن قال بوثاقته اعتماداً على مثل مبنى كامل الزيارات أو تفسير القمي.

وعليه، فحيث إنّ المستند آحادي، وبخاصّة في المبرّر الثاني ـ وهو الشكّ في الهلال ـ لهذا لا نرى ثبوت الكراهة هنا، بل غايته عدم ثبوت الاستحباب، والله العالم.

 

2 ـ صوم الضيف نافلة بدون إذن مضيفه

والمستند فيه ثلاث روايات إحداها ضعيفة بأحمد بن هلال العبرتائي، والثانية بمحمّد بن موسى بن المتوكل، والثالثة بعدم ذكر الصدوق طريقاً للزهري، وعلى تقديرٍ معيّن فالسند ضعيف بالقاسم بن محمّد الجوهري، فالروايات آحاديّة قليلة لم تثبت سنداً، فلم يثبت هذا الحكم هنا، نعم قد يكون مشمولاً للتزاحمات بين التكاليف المختلفة، وهذا شيء آخر.

 

3 ـ صوم الولد من غير إذن والده

ولم يثبت أيضاً؛ لأنّ الأدلّة الروائية مشتركة مع صوم الضيف، فلا نعيد، وهناك رواية أخرى ضعيفة السند وهي خبر حماد بن عمرو وأنس بن محمّد.

 

ما ثبت وما لم يثبت مما عُدّ من الصوم المحرّم والمحظور

([4]) ذكر الماتن هنا مجموعة أفراد للصوم المحرّم، وهي:

 

1 ـ صوم يومَي العيدين: الفطر والأضحى (بين الحرمة الذاتية والحرمة التشريعية)

وهذا واضح بإجماع المسلمين واتفاق رواياتهم الكثيرة على ذلك، لكنّ الكلام في أنّ هذه الحرمة هل هي حرمة تشريعيّة ـ كما هو مذهب جماعة ـ أو حرمة ذاتيّة، كما هو ظاهر غير واحدٍ من الفقهاء؟

قال السيد الخوئي: «لا إشكال كما لا خلاف في حرمة صوم يومي العيدين حرمةً تشريعيّة، فلا يجوز الصيام بقصد الأمر، فإنّه تشريع محرّم، وقد دلَّت عليه النصوص المستفيضة» (الموسوعة (الصوم) 22: 326)، وقال الميرزا جواد التبريزي: «الظاهر عدم حرمة نفس الصوم، أي الإمساك عن المفطرات في الموارد المزبورة، ذاتاً، بل حرمتها تشريعيّة، كما هو ظاهر النهي عن العبادة، وعليه فلا مانع من الصوم رجاءً فيما إذا ثبت يوم العيد بحجّة شرعيّة واحتمل مخالفتها للواقع؛ حيث إنّ قيام الحجّة لا يمنع عن الاحتياط» (تنقيح مباني العروة، الصوم: 218).

ولفهم متعلّق الحكم بالحرمة هنا توجد فرضيات خمس:

أ ـ أن يكون متعلّق الحرمة هو ذات الإمساك عن المفطرات بدون قصد امتثال أمرٍ أو قصد القربة ونحو ذلك، فمحض الإمساك عن المفطرات في هذا النهار هو بذاته مطلقاً حرام واقعاً.

ب ـ أن يكون متعلّق الحرمة هو الصوم بقصد امتثال الأمر الجزمي في الصوم يوم العيد.

ج ـ أن يكون متعلّق الحرمة الصوم بقصد امتثال الأمر الاحتمالي في الصوم يوم العيد.

د ـ أن يكون متعلّق الحرمة هو الصوم بقصد امتثال الأمر غير الموجود مع العلم بعدم وجوده، فيكون ذلك تشريعاً، فهو يصوم قاصداً امتثال أمرٍ يعلم بأنّه غير موجود أصلاً، فيكون صيامه مجامعاً للتشريع.

هـ ـ أن يكون متعلّق الحرمة هو الصوم بقصد الخضوع والتأدّب لله تعالى، بحيث يأتي به على قاعدة أنّ فعل الصوم نوع أدب يليق الخضوع به للمولى سبحانه، تماماً كما هو السجود نوع أدبٍ يليق الخضوع به للمولى، بصرف النظر عن وجود أمر أو عدم وجوده.

وهنا يقال بأنّ الصورة الأولى لا وجه للحكم بالحرمة فيها وأنّ هذا أمر متفق عليه، فلو اتفق أن لم يتناول مفطراً يوم العيد دون التفات أساساً، لا بقصد أيّ شيء، فلا يكون قد ارتكب حراماً، فليس الموضوع وجوب الإفطار بما هو فعل جوارحي، بل شيء آخر.

أمّا الصورة الثانية والثالثة، فذكر بعضهم «أنّه ليس المراد الصوم بقصد التقرّب الجزمي أو الاحتمالي؛ إذ مع إمكانهما لا يعقل النهي عنهما؛ لأنّ حُسن الإطاعة ذاتيّ، ومع عدم إمكانهما أيضاً لا يعقل النهي؛ لعدم القدرة» (فقه الصادق 8: 354).

وبهذا يكون المعنى المقصود من حرمة الصوم هنا هو المعنى الرابع أو الخامس.

بناء عليه، فلو صام الإنسان غير عالمٍ بكونه العيد لا يكون قد ارتكب حراماً، وفقاً للمعنى الرابع الذي يتضمّن الحرمة التشريعيّة، وهذا ما لعلّه ظاهر الماتن في بحوثه الاستدلاليّة، ولهذا قد يقال بأنّه لو شكّ الإنسان بأنّ يوم الغد هو يوم عيد أو مكمّل لشهر رمضان، فإنّ بإمكانه أن يصومه برجاء المطلوبية؛ لاحتمال أنّه مكمّل، فلو اتفق أنّه عيد فلا يكون قد ارتكب حراماً؛ إذ لا يوجد تشريع محرّم صدر منه.

في المقابل، قد يقال بأنّ الحرمة ذاتية، بمعنى أنّ الصوم إذا اتفق أن وقع في يوم العيد فيكون مصداقا للصوم المحرّم واقعاً، وذلك:

1 ـ إنّ ظاهر النهي هو الحرمة الذاتية، تماماً كما في سائر الموارد الأخرى، فالحمل على الحرمة التشريعيّة يحتاج إلى دليل.

2 ـ بعض الروايات، كخبر حنان بن سدير، عن أبيه، قال: سألته (أبو جعفر) عن صوم يوم عرفة، فقلت: جعلت فداك، إنّهم يزعمون أنّه يعدل صوم سنة، قال: «كان أبي لا يصومه»، قلت: ولم جعلت فداك؟ قال: «يوم عرفة يوم دعاء ومسألة فأتخوّف أن يضعفني عن الدعاء وأكره أن أصومه، وأتخوّف أن يكون يوم عرفة يوم الأضحى، وليس بيوم صوم» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 88؛ والاستبصار 2: 133 ـ 134)، ومثله مرسل الشيخ المفيد، قال: «وروي عن عليّ بن الحسين: أنّه سئل عن صيام يوم عرفة، فقال: «إنّه يوم عمل، واجتهاد، ودعاء، ومسألة، وأخاف أن (إن) أصومه فيضعفني عن ذلك. وقال× أيضاً: إنّي لا أصوم يوم عرفة، وأكره أن يكون يوم العيد» (المقنعة: 377).

فإنّ هذا التخوّف لا معنى له لو كانت الحرمة تشريعيّة خالصة وليست ذاتية، بل يبدو أنّ ذات الصيام في هذا اليوم فيه مفسدة واقعيّة.

والتحقيق: أنّ الظاهر من تحريم الصوم هو تحريم هذا الفعل العبادي المركوز في الأذهان التشريعيّة، فيكون المراد حرمة الإتيان بالصوم بما هو فعل قصدي قربي أو خضوعي تذلّلي تأدّبي، سواء تضمّن ذلك تشريعاً أم لا، فالمراد من نصوص التحريم هو تحريم وقوع الصوم بما هو فعل عبادي ـ وليس ذات الإمساك ـ في هذا اليوم الخاصّ، فهذا فيه مفسدة، وبهذا يترجّح كون الحرمة ذاتيّة، لا بمعنى حرمة ذات الإمساك، بل بمعنى حرمة الصوم ـ بما هو سلوك عبادي يعرفه المتشرّعة ـ في هذا اليوم (العيد)، فلو صام يوم العيد برجاء المطلوبية واتفق أنّه يوم عيد واقعاً، يكون ما صدر منه محرّماً واقعيّاً، حتى لو لم يكن قد تورّط في التشريع المحرّم، فضلاً عما لو تورّط فيه. ويؤيّد ذلك الخبران المتقدّمان، وإن كانا ضعيفين سنداً، كما قلنا.

 

2 ـ صوم أيّام التشريق لمن كان بمنى

أيّام التشريق هي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجّة، وقد وردت في تحريم صومها روايات متعدّدة عند الشيعة والسنّة، نعم قال بعض علماء أهل السنّة بأنّ من لم يجد الهدي وكان يحجّ حجّ تمتّع، فإنّه يمكنه صوم أيام التشريق، وذلك اعتماداً على روايات موقوفة على عائشة وابن عمر، قالا: «لم يرخّص في أيّام التشريق أن يُصَمن، إلا لمن لم يجد الهدي» (صحيح البخاري 2: 250).

ولكنّ الاعتماد على مثل هذا الخبر الموقوف للخروج عن سائر الأدلّة الكثيرة المطلقة غير واضح؛ وبخاصّة أنّه من المحتمل أنّ هذا اجتهاد منهما ربما بنياه على ملاحظة غير دقيقة.

 

3 ـ صوم يوم الشكّ بنيّة شهر مضان

وهذا صحيح؛ وقد تقدّم الكلام بالتفصيل عن أحكام صوم يوم الشكّ، وذلك عند التعليق على (المسألة رقم: 979)، فراجع.

 

4 ـ صوم نذر المعصية

وهو محرّم حرمة تشريعيّة، وإلا فالثابت أنّه لا يقع الصوم الشرعي؛ على قاعدة أنّه لا يُعقل التقرّب إلى الله بقصد الشكر على تيسير فعل المعصية، أمّا ما هو أزيد من ذلك فلم يثبت تحريمه، والروايات الخاصّة ضعيفة السند.

 

5 ـ صوم الوصال

صوم الوصال هو صيام يومين متصلين ببعضهما أو مواصلة الصوم ليومين لا يُفصل بينهما بارتكاب المفطر في الليل، ويُطلق صوم الوصال أيضاً على وصل الصوم لما بعد وقت الإفطار، بمعنى تأخير الإفطار الى وقت العشاء أو وقت السحر وهكذا، فكأنّ الشريعة أعلنت أنّ وقت الإفطار هو الغروب ولا يكون غير الغروب، فأيّ صوم يتعدّى الغروب لا يكون شرعيّاً؛ لأنّه تشريع محرّم، ولهذا ورد الحثّ على تعجيل الفطر.

والنظر في الروايات الواردة عند الفريقين هنا قد يُعطي أنّ التحريمَ تشريعيٌّ، أي أن يتعبّد الله بجعل صومه ممتداً إلى ما بعد الغروب، وإلى السحر؛ بأن يجعل عشاءه سحوره أو يصِل يومين ببعضهما أو أكثر، ولهذا كان التعبير بأنّه «لا وصال في صيام»، أي أنّ الصوم لا يوجد فيه وصال، في مقابل جعل الوصال جزءاً من الصوم، فما ذهب إليه الماتن وكثير من فقهاء الشيعة والسنّة هنا هو الصحيح، وهو تحريم صوم الوصال تحريماً تشريعيّاً، أي الوصل بقصد القربة والتعبّد الصيامي.

لكنّ الراجح هو الحرمة الذاتية بالمعنى الذي قلناه في بحث صوم يوم العيد، أي لا يمكن للصائم أن يواصل صيامه إلى اليوم التالي، سواء بقصد التشريع أم بقصد الخضوع والتقرّب والتذلّل ولو لم يتضمّن تشريعاً، لا أنّ ذات ترك المفطرات ليومين ولو من دون التفاتٍ محرّم، وبعض الروايات الآحادية توحي بالحرمة الذاتيّة، فتؤيّد ما نقول. بل على تقدير عدم الأخذ بما نقول، فإنّ هذه الروايات يناسبها الاحتياط الاستحبابي الذي ذكره الماتن أعلاه.

 

6 ـ صوم الزوجة والمملوك تطوّعاً من دون إذن الزوج والسيّد

أمّا في الزوجة، فظاهر الروايات الإطلاق لمنافاة حقّه وعدمه، ولا إشارة فيها لحال المنع، بل مدلولها مرتبط باشتراط الإذن، لكن تعارضها رواية عليّ بن جعفر، فضلاً عن أنّ ما يفهم بمناسبات الحكم والموضوع، هو أنّ كون الصيام منافٍ لحقّ الزوج الأعمّ من الحقّ الجنسي وغيره، لاقتضاء الصوم شيئاً من ذلك، فإحراز الإطلاق صعبٌ ويعزّز ما نقول خبر علي بن جعفر.

أمّا في المملوك، فرواياته قليلة ضعيفة، ودعوى أنّه لا يحقّ له التصرّف في نفسه مطلقاً إلا بإذن سيّده، عُهدتها على مدّعيها، فيقتصر على القدر المتيقّن، وهو منافاة حقّه أو منعه.