hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على منهاج الصالحين (كتاب الاعتكاف ـ القسم الثاني)

تاريخ الاعداد: 6/11/2026 تاريخ النشر: 6/11/2026
180
التحميل

 


 

 


 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب منهاج الصالحين للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(4 ـ 6 ـ 2026م)

 


 

الخاتمة

في الاعتكاف

...

فصل

الاعتكاف في نفسه مندوب، ويجب بالعارض من نذرٍ وشبهه، فإن كان واجباً معيّناً فلا إشكال في وجوبه ـ قبل الشروع ـ فضلاً عما بعده، وإن كان واجباً مطلقاً أو مندوباً فالأقوى عدم وجوبه بالشروع، وإن كان في الأوّل أحوط استحباباً، نعم يجب بعد مضيّ يومين منه فيتعيّن اليوم الثالث، إلا إذا اشترط حال النية الرجوع لعارض، فاتفق حصوله بعد يومين، فله الرجوع عنه ـ حينئذٍ ـ إن شاء([1])، ولا عبرة بالشرط إذا لم يكن مقارناً للنيّة، سواء أكان قبلها أم بعد الشروع فيه.

مسألة 1074: الظاهر أنّه يجوز اشتراط الرجوع متى شاء([2])، وإن لم يكن عارض([3]).

مسألة 1075: إذا شرط الرجوع حال النيّة، ثم بعد ذلك أسقط شرطه، فالظاهر عدم سقوط حكمه.

مسألة 1076: إذا نذر الاعتكاف، وشرط في نذره الرجوع فيه([4])، ففي جواز الرجوع إذا لم يشترطه في نيّة الاعتكاف إشكال، والأظهر جوازه.

مسألة 1077: إذا جلس في المسجد على فراش مغصوب لم يقدح ذلك في الاعتكاف([5])، وإن سبق شخص إلى مكان من المسجد فإزالة المعتكف من مكانه، وجلس فيه ففي البطلان تأمّل([6]).

 

فصل

في أحكام الاعتكاف

مسألة 1078: لا بدّ للمعتكف من ترك أمور:

(منها): مباشرة النساء بالجماع، والأحوط ـ وجوباً ـ إلحاق اللمس والتقبيل بشهوة به، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.

و(منها): الاستمناء على الأحوط وجوباً.

و(منها) شمّ الطيب والريحان مع التلذّذ، ولا أثر له إذا كان فاقداً لحاسّة الشم.

و(منها): البيع والشراء بل مطلق التجارة، على الأحوط وجوباً، ولا بأس بالاشتغال بالأمور الدنيويّة من المباحات، حتى الخياطة والنساجة ونحوهما، وإن كان الأحوط ـ استحباباً ـ الاجتناب، وإذا اضطرّ إلى البيع والشراء لأجل الأكل أو الشرب، مما تمسّ حاجة المعتكف به ولم يمكن التوكيل ولا النقل بغيرهما فعله.

و(منها): المماراة في أمر ديني أو دنيوي بداعي إثبات الغلبة وإظهار الفضيلة، لا بداعي إظهار الحقّ وردّ الخصم عن الخطأ، فإنّه من أفضل العبادات. والمدار على القصد([7]).

مسألة 1079: الأحوط ـ استحباباً ـ للمعتكف الاجتناب عما يحرم على المحرم، وإن كان الأقوى خلافه، ولا سيما في لبس المخيط، وإزالة الشعر، وأكل الصيد، وعقد النكاح، فإنّ جميعها جائزٌ له([8]).

مسألة 1080: الظاهر أنّ المحرّمات المذكورة مفسدةٌ للاعتكاف، من دون فرق بين وقوعها في الليل والنهار، وفي حرمتها تكليفاً إذا لم يكن واجباً معيّناً ولو لأجل انقضاء يومين منه إشكالٌ، وإن كان أحوط وجوباً([9]).

مسألة 1081: إذا صدر منه أحد المحرّمات المذكورة ـ سهواً ـ ففي عدم قدحه إشكال، ولا سيما في الجماع([10]).

مسألة 1082: إذا أفسد اعتكافه بأحد المفسدات، فإن كان واجباً معيّناً وجب قضاؤه ـ على الأحوط([11]) ـ وإن كان غير معيّن وجب استئنافه، وكذا يجب القضاء ـ على الأحوط([12]) ـ إذا كان مندوباً، وكان الإفساد بعد يومين، أمّا إذا كان قبلهما فلا شي‌ء عليه، ولا يجب الفور في القضاء.

مسألة 1083: إذا باع أو اشترى في أيّام الاعتكاف لم يبطل بيعه أو شراؤه، وإن بطل اعتكافه.

مسألة 1084: إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع ولو ليلاً وجبت الكفارة، والأقوى عدم وجوبها بالإفساد بغير الجماع، وإن كان أحوط استحباباً، وكفارته ككفارة صوم شهر رمضان، وإن كان الأحوط أن تكون كفارته مثل كفّارة الظهار، وإذا كان الاعتكاف في شهر رمضان وأفسده بالجماع نهاراً وجبت كفّارتان، إحداهما لإفطار شهر رمضان والأخرى لإفساد الاعتكاف، وكذا إذا كان في قضاء شهر رمضان بعد الزوال([13])، وإن كان الاعتكاف المذكور منذوراً وجبت كفارة ثالثة لمخالفة النذر، وإذا كان الجماع لامرأته الصائمة في شهر رمضان وقد أكرهها وجبت كفارة رابعة عنها على الأحوط([14]). والحمد لله ربّ العالمين.


 

في نفي تعيّن الاعتكاف ـ غير الواجب المعيّن منه ـ ولو صار في اليوم الثالث

([1]) ما أفاده الماتن في هذه المسألة تامّ، باستثناء موضوع اليوم الثالث وتفصيله، فإنّ مستنده ليس سوى خبر آحادي، وهو صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر×، قال: «إذا اعتكف يوماً ولم يكن اشترط، فله أن يخرج ويفسخ الاعتكاف، وإن أقام يومين ولم يكن اشترط، فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى يمضي ثلاثة أيام» (الكافي 4: 177؛ وانظر: الاستبصار 2: 129).

([2]) بما في ذلك اليوم الثالث.

([3]) الأحوط وجوباً اختصاص الاشتراط بحال ما إذا كان هناك عارض طارئ، فإنّ في بعض الروايات إشارة لهذا المورد خاصّة.

([4]) بمعنى أنّ منذوره هو الاعتكاف الذي يملك فيه حقّ الرجوع، لا أنّ المنذور هو مطلق الاعتكاف لكن له الرجوع في النذر نفسه؛ فإنّه لا يمكن الرجوع هنا في اليوم الثالث على قاعدة تعيّن الثالث، حتى لو رجع في النذر نفسه وقلنا بصحّة هذا النذر أساساً.

([5]) بلا فرق بين العلم والجهل والنسيان والاضطرار والإكراه وغير ذلك، وإن كان عاصياً في بعض هذه الصور.

([6]) والأقوى عدم البطلان؛ لأنّ غاية ما يفيده الدليل هو أنّه لا يجوز مزاحمة الآخرين السابقين له في المسجد، أمّا لو زاحمهم وارتكب هذه المعصية، فإنّ المكان بعد المزاحمة لا يكون بمثابة الغصبي، فيصحّ الاعتكاف فيه.

 

ما ثبت وما لم يثبت مما قيل بحرمته على المعتكِف والمعتكفة

([7]) ذكر الفقهاء في أحكام الاعتكاف أنّ المعتكِف في المسجد يلزمه أن يتجنّب ـ في الليل والنهار ـ عدّة أمور:

1 ـ الجماع ولو من دون إنزال، وألحقوا به ـ بنحو الفتوى أو الاحتياط الوجوبي ـ اللمسَ والتقبيل بشهوة وما شابه ذلك.

2 ـ الاستمناء، وبناه بعضهم على الاحتياط الوجوبي.

3 ـ شمّ الطيب والتلذّذ بالرياحين، وأخرجوا بذلك من هو فاقدٌ لحاسّة الشمّ.

4 ـ البيع والشراء، وزاد بعضهم مطلق أنواع التجارات، وبنى بعض التعميم على الاحتياط الوجوبي، لكنّ الجميع لم يمانع من اشتغال المعتكف ببعض الأمور الدنيويّة الأخرى، مثل الخياطة وغيرها.

5 ـ المماراة، بلا فرق بين أن تكون في أمر ديني أو دنيوي، ويقصدون بها الجدلَ بداعي إظهار الأنا والتفوّق والغلبة على الآخر، أمّا لو كانت بداعي إظهار الحقّ فلا بأس بها.

6 ـ ما ذكره بعضٌ من تحريم كلّ محرّمات الإحرام على المعتكف، لكنّ الكثير من المتأخّرين لم يوافق على هذا الأمر.

والمفهوم منهم ـ أو من الكثير منهم على الأقلّ ـ أنّ صدور هذه الأمور من المعتكف يوجب بطلان اعتكافه، بل حكم بعضهم بالبطلان حتى لو صدرت بنحو السهو.

وبعض هذه الأمور تصنّف في بعض المذاهب عند أهل السنّة من المكروهات أو من آداب الاعتكاف، دون أن يفسد الاعتكاف بارتكابها، وللأحناف تفصيلٌ هنا في التجارة وإحضار السلع للمسجد.

والأقرب أنّ الثابت على المعتكِف بما هو معتكف تحريمٌ واحد زائدٌ على ماهيّة الاعتكاف ومقتضياته، وهو الجماع، وهو القدر المتيقّن من دلالة النصّ القرآني هنا (البقرة: 187)، أمّا سائر الأمور المذكورة أعلاه فلم يثبت تحريمها على المعتكف بما هو معتكِف، على احتياطٍ لزومي في الاتصال الشهويّ بالمرأة ولو من دون جماع ولا إنزال.

نعم، قد يكون ارتكاب بعض هذه الأمور موجباً لبطلان صومه الموجب لبطلان اعتكافه؛ إذ لا اعتكاف بلا صوم كما ورد في النصوص، لكنّ هذا لا يعني تحريمها عليه بما هو معتكِف، بل بما هو صائم، بمعنى أنّها تحرم عليه نهاراً ولا تحرم عليه ليلاً، فلو ارتكبها نهاراً أفسَدَ صومَه فأفسَدَ اعتكافه دون ما لو ارتكبها ليلاً. كما أنّ هذا التحريم هنا وضعيٌّ بمعنى أنّ الاعتكاف يبطل بذلك.

والمستند العمدة لبعض هذه التحريمات ـ غير الإجماعات والشهرات وبعض الأقيسة ـ هو رواية آحادية منفردة، وهي صحيحة أبي عبيدة، أبي جعفر×، قال: «المعتكف لا يشمّ الطيب، ولا يتلذّذ بالريحان، ولا يماري، ولا يشتري، ولا يبيع..» (الكافي 4: 178؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2: 186وتهذيب الأحكام 4: 288).

ولكنّنا حيث لا نبني على حجيّة خبر الواحد الظنّي، فلا يمكننا الاعتماد على رواية منفردة أساسيّة لإثبات أحكامٍ من هذا النوع. ودعوى اليقين بصدورها، بنحوٍ تفيد الإلزام التكليفي أو بيان الحكم الوضعي، في غاية الصعوبة، فيكون المرجع الأساس في محرّمات الاعتكاف هو النصّ القرآني المؤكَّد في مورده بنصوص السنّة الشريفة. ولعلّه يؤيّد ما نقول أنّه لم يرد في هذه المحرّمات أيّ رواية تتكلّم عن ثبوت الكفارة لو صدرت من المكلّف، بخلاف الجماع الذي انصبت كلّ روايات الكفارة في الاعتكاف عليه.

([8]) لعدم وجود دليل معتبر يدلّ على الملازمة بين المحرم والمعتكف في الأحكام أو المساواة.

([9]) بل استحباباً، وفاقاً للماتن في بحوثه الاستدلاليّة. كما أنّ غير الجماع لو قلنا به هنا لم يثبت أنّه يفسد الاعتكاف.

([10]) على الأحوط استحباباً؛ للتشكيك في وجود إطلاق في الأدلّة يشمل غير حالة العمد، وفاقاً لمثل المحقّق النجفي.

([11]) استحباباً؛ لعدم وجود دليل على لزوم قضاء كلّ فائت.

([12]) استحباباً؛ ليس فقط لعدم ثبوت الإتيان بالثالث على تقدير الإتيان باليومين الأوّلين كما قلنا سابقاً، بل لأنّ دليل وجوب الإتمام لا يعطي إلا أنّ هذا الفرد من الاعتكاف لم يعد يمكنك تركه تكليفاً، لا أنّه ظاهر في تعلّق حكمٍ في الذمّة يُلزمُه بالاعتكاف ولو لاحقاً.

([13]) على الأحوط استحباباً؛ لما قلناه في التعليق على (المسألة رقم: 1007)، من بحث الكفارة، من أنّه لم يثبت وجود كفارة للإفطار في قضاء شهر رمضان ولو بعد الزوال، فراجع.

([14]) استحباباً؛ لما قلناه في التعليق على (المسألة رقم: 1010)، من بحث الكفّارة، من أنّه لا يثبت على المكرِه ـ رجلاً كان أو امرأة ـ غير كفّارة نفسه، فراجع.