hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (المقدّمة)

تاريخ الاعداد: 6/18/2026 تاريخ النشر: 6/18/2026
60
التحميل


 

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(11 ـ 6 ـ 2026م)

 


 

مناسك الحجّ

[مقدّمة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

وبعد: إنّ هذه رسالة في مناسك الحج، وافية بأغلب ما يبتلى به ـ عادةً ـ من المسائل. وهي رسالة منظّمة مرتّبة يسهل فهمها ومراجعتها، وقد أفردت فيها المستحبّات عن الواجبات، لئلا يلتبس الأمر على المؤمنين. وأرجو من الله تعالى أن يجعلها ذخراً لي يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون([1]).


 

توضيح حول الانتقال المؤقّت من متن "منهاج الصالحين" إلى متن "مناسك الحجّ" للسيد الخوئي

([1]) نظراً إلى أنّ السيد الخوئي ـ كالعديد من الفقهاء المتأخّرين ـ لم يدرج كتاب الحجّ في رسالته العمليّة، بل أفرده بكتيّب منفصل تحت عنوان: مناسك الحجّ، لهذا ارتأينا أن لا نعبُر عن كتاب الحجّ، فيكون تعليقنا ناقصاً، ولا يفي بدورة فقهيّة مدرسيّة متعارفة كاملة، وعلى هذا الأساس سوف نوقف هنا التعليقَ على "منهاج الصالحين"، ونبدأ بالتعليق على متن "مناسك الحجّ" للخوئي، والذي يرقّم المسائلَ ترقيماً يبدأ فيه من الأوّل بطبيعة الحال، ثم بعد أن نُنهي بحث الحجّ، نعود إلى متن المنهاج، لنشرع في كتاب الزكاة منه إن شاء الله، ونكمل الترقيم الذي اعتمده الماتن في المنهاج.

 

نقاط تمهيديّة

وعلى أيّة حال، فالحجّ لغةً القصد، والعمرةُ الزيارة أو القصد إلى مكان عامر، كما ذكره اللغويّون، لكنّهما اتخذا معنى دينياً خاصّاً في الثقافة الإسلاميّة. ولا بأس هنا بذكر بعض النقاط قبل الشروع:

 

1 ـ طبيعة مباحث فقه الحجّ

يمتاز بحث الحجّ بأنّه ـ مثل بحث الصلاة والنكاح ومتعلّقاتهما ـ يحتوي على روايات كثيرة، فالثقل الروائي واضح في مباحث فقه الحجّ، لهذا تعتبر بحوثه من البحوث التي تميل للتعقيد النصّي وتضارب المجموعات الحديثيّة أحياناً، بما يلزم على الفقيه الغوص كثيراً في المجال النصّي للخروج بنتيجة.

لكنّ الجانب التاريخي يحظى هو الآخر بحيّز غير قليل في دراسات فقه الحجّ، وبمقدار ما تكون للفقيه خبرةٌ تاريخيّة وجغرافيّة بقدر ما يكون فهمه للنصوص أدقّ وأمتن.

وربما لهذين العنصرين وتعقيداتهما نجد أيضاً ظاهرة الاحتياطات عند بعض الفقهاء في مباحث فقه الحجّ.

 

2 ـ حول تقريرات بحث السيد الخوئي في فقه الحجّ

ألقى السيد الخوئي بحوثه الاستدلاليّة في الحجّ على متن العروة الوثقى، ثم لما انتهى منه لاحظ أنّ متن كتاب الحجّ في العروة ليس كاملاً، وأنّ هناك الكثير من المسائل التي تحتاج لإضافة، لهذا أكمل فقه الحجّ على أساس كتابه "مناسك الحجّ"، من بحث تروك الإحرام، وبهذا ظهر كتابان هما:

التقرير الأوّل: تقرير الشيخ مرتضى البروجردي، وقد صدر في بيروت عن دار المؤرّخ العربي، في أربع مجلّدات، تضمّن الأولان مستند العروة الوثقى، والأخيران مستند الناسك في شرح المناسك. وقد أرفق الكتاب بمقدّمة. وهذا الكتاب فضّله بعض المعاصرين على التقرير الآخر، واعتبره أكثر دقّة منه.

التقرير الثاني: تقرير السيد محمد رضا الموسوي الخلخالي، وهو كتاب "المعتمد" المؤلّف في قسمٍ منه من شرح العروة، وفي قسم آخر من شرح المناسك، وهو المدرج في موسوعة السيد الخوئي الشاملة لمختلف كتبه.

وفي الفترة المتأخّرة ظهر بعض النقاش في دقّة هذا التقرير في غير موضع، تارًة بتسميته وأخرى بالحديث عموماً عن تقريرات الحجّ التي كتبت للخوئي، والتي يُعتبر "المعتمد" من أشهرها وأهمّها.

ومن الذين كانت لهم نقاشات في دقّة التقريرات التي كُتبت لدروس الخوئي، الشيخُ محمّد الجواهري الذي قرّر مباحث الخوئي في الحجّ، وعلّق عليها في كتابه (الواضح في شرح العروة الوثقى/كتاب الحجّ)، حيث ذكر هناك أنّه رأى الكثير من الأخطاء في تقريرات الخوئي (انظر: الواضح 1: 6 ـ 8).

من هنا، يلزم على من يريد التأكّد من نسبة شيء للخوئي في بحوثه الاستدلاليّة أن يراجع أكبر قدر ممكن من التقريرات المختلفة للدرس الواحد، وهذا ليس خاصّاً بالخوئي، بل يشمل غيره، كما يشمل غير مباحث الحجّ كذلك، من هنا كنّا دائماً نحثّ بعض أساتذتنا العامليّين على طباعة تقريراتهم لبحوث أساتذتهم، مثل الخوئي والصدر وغيرهما، رغم وجود تقريرات منشورة، لكنّ بعضهم كان يتحرّج من ذلك، وكنّا نرى أنّ الفائدة في هذا الأمر تكمن في رفع أيّ التباس قد يكون وقع فيه هذا المقرِّر أو ذاك، كما رأينا ذلك بعد مطابقة تقريرات متعدّدة لدرسٍ واحد.

 

3 ـ فقه الحجّ ومسألة البراءة من المشركين والظالمين

3 ـ 1 ـ لمحة تاريخيّة عن الفكرة، وإشكالية الموضوع الأساسيّة

لا بأس بالتعرّض لهذه المسألة في المقدّمات هنا، حيث تعتبر من إفرازات بعض التيّارات الحركيّة الإسلاميّة السياسيّة في القرن العشرين، فتحديداً وبعد انتصار الثورة في إيران عام 1979م، أطلق السيد الخميني دعوته لإعلان البراءة من المشركين والمستكبرين في موسم الحجّ كلّ عام، واعتبر ذلك أمراً لازماً وفريضة سياسيّة، فتشكّل ما يُعرف بمسيرة البراءة في الحجّ كلّ عام، وقد حدثت اضطرابات عام 1987م، ذهب ضحيّتها عدد كبير من الحجّاج الإيرانيّين، ومنذ ذلك الوقت تضيّق مجال إقامة مراسم مسيرة البراءة في الحجّ، ومورست سياسة احتواء لها، فصارت البعثات الحجيّة المؤيّدة لهذه المسيرة تكتفي بلقاء في تجمّعاتها ومخيّماتها يتناول هذا الموضوع، مع بعض الشعارات هنا وهناك، دون أن يتحوّل إلى مشهد عام بين الحجيج، وبهذا تمّ التوافق ـ ولو عمليّاً ـ بين السعودية وإيران على إدارة هذا الملفّ عبر تسوية باردة.

أدّى طرح الخميني للموضوع إلى أن يتحوّل إلى جزء من الخطاب اللاهوتي للدولة في إيران، وواصل خَلَفَه السيد علي الخامنئي المسيرة نفسها، بما يؤكّد هذا التحوّل، ولا يجعل الفكرة مقتصرة على الخميني نفسه.

هذا المشهد طرح رؤيتين في العالم الإسلامي، بين من يرى الحجّ مظهراً لتلاقي الفعل العبادي بالسياسي تقوده الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، ومن يرى الانفصال التامّ، وتقوده المملكة العربية السعوديّة.

يُشار إلى أنّ بعض الكتابات ـ ومنها مذكّرات الشيخ الريشهري ـ تشير إلى أنّ شخصيّات محسوبة على الخطّ الثوري عامّة، من أمثال الشيخ هاشمي رفسنجاني والشيخ حسن روحاني، كانت غير متحمّسة لمسيرة البراءة، والله العالم. كما يُنقل ـ شفاهاً ـ عن بعض تلامذة العلامة فضل الله أنّه كان من المتحمّسين لمسيرة البراءة قبل أحداث مكّة المؤلمة، لكنّه بَعدها لم يعد مصراً على ذلك، رغم أنّه كان له موقف شديد ضدّ السلطات السعوديّة بعد موسم الحجّ الذي وقعت فيه تلك الأحداث.

وجاء إعلان السيد الخميني أنّ البراءة واجب عبادي سياسي في الحجّ، ليطرح تساؤلاً في الأوساط العلميّة عن خلفيّة هذا الموقف، فهل المسألة فقهيّة؟ وهل هي فتوى؟ وما هي منطلقات هذا الرأي الفقهي؟ وهل هي مجرّد حكم ولائي حكومي ليس له خلفيّة فتوائيّة بالمعنى الخاص للكلمة أو لا؟

ما دفع لاعتبار هذا الموقف مجرّد حكم ولائي وليس فتوى شرعية دينيّة، أنّ مسألة البراءة من المشركين في موسم الحجّ لم تطرح في أيّ كتاب فقهي عند أيّ من المذاهب الإسلاميّة عبر التاريخ، بمن في ذلك الشيعة، بل حتى السيّد الخميني نفسه في كتبه الفتوائيّة والاستدلاليّة لم يُشر لهذا الأمر إطلاقاً، فكيف يمكن فهم ذلك مع قوله في خطبه المختلفة حول مسيرة البراءة بأنّ البراءة هذه واجب عبادي سياسي في الحجّ، وأنّها مستفادة من القرآن والسنّة ولا تخصّ زماناً بعينه، بل في بعض كلماته ما يوحي أنّ الحجّ لا يكون حجّاً من دون ذلك؟! إلا إذا قلنا بأنّ السيد الخميني عدل عن رأيه، وأخذ بهذا الرأي الفقهي الذي ابتكره بعد انتصار الثورة.

ويبدو واضحاً في تقديري أنّ السيد الخميني لا يريد القول بأنّ البراءة من المشركين جزء أو ركن أو شرط في الحجّ، بمعنى أنّ الحجّ يبطل من دونه، فعباراته ضعيفة جداً في الدلالة على ذلك، بل يترجّح أنّه يرى ذلك واجباً ضمن الحجّ أو مصداقاً لحكمٍ كلّي واجب في الحجّ.

ويؤيّد ذلك صريحاً ما جاء في استفتاءٍ للسيد علي الخامنئي: «ما هو حكم حجّ مَن امتنع عن المشاركة في مسيرة البراءة من المشركين؟ ج: لا يضرّ ذلك بصحّة حجّه، وإن كان قد فوّت على نفسه فضيلة المشاركة في مراسم إعلان البراءة من أعداء الله تعالى» (الخامنئي، مناسك الحجّ: 150).

 

3 ـ 2 ـ أدلّة وجوب البراءة في الحجّ بالمفهوم الحديث للكلمة

سوف نتعامل في هذا البحث مع بعض القضايا السياسية في الحجّ، لكن من زاوية المنهج الفقهي التحليلي، بهدف التمييز بين الحكم الشرعي الثابت والتشخيص السياسي المتغيّر، فلزم التنبيه.

وحاصل ما يمكن طرحه من أدلّة هنا هو الآتي:

 

3 ـ 2 ـ 1 ـ انطباق العناوين العامة على البراءة في الحجّ، عرض ونقد

الدليل الأوّل: ما ذكره الشيخ محمّدي الريشهري وغيره، وقد تستوحى بعض فقراته من كلمات السيد الخميني نفسه، من أنّ الحجّ هو إعلان للتوحيد، ومن ثمّ رفض للشرك. والأوثان الجديدة اليوم هي معالم الاستكبار، فيلزم البراءة منها، وأنسب وقت لذلك هو الحجّ، فإذا لم يفعل المسلمون ذلك هناك فأين يفعلونه؟! (انظر له: الحجّ والعمرة في الكتاب والسنّة: 273 ـ 278؛ وعبد الله جوادي آملي، الحجّ رموزٌ وحكم: 61 ـ 68).

وهذا الاستدلال كأنّه يريد أن يقول بأنّ الحكم هنا عامّ في البراءة من المشركين، وأنّ فتوى السيد الخميني هي تطبيق لهذا الحكم على أبرز مصاديق موارده المرغوبة.

وربما تقف مع هذا الدليل القراءة الرمزيّة لوقائع الحجّ في كونها مواجهة مع الكفر والشرك وتحطيم الأصنام ورمي الشيطان ونبذه، مما يرجع إلى النبيّ إبراهيم× ونحو ذلك.

ويناقش بأنّ إعلان التوحيد ورفض الشرك ليس مختصّاً بالحجّ، بل يشمل الصوم والصلاة والاعتكاف وغيرها، فهل يعني ذلك أنّه يلزمنا إعلان البراءة علناً من المشركين والمستكبرين في مختلف العبادات التي هي موضع للتوحيد ونفي الشرك؟! ولماذا لم نجد شيئاً من هذا في النصوص؟! بل الصحيح أن يقال بأنّ العبادات بنفسها إعلان براءة من الشرك والمشركين، لا أنّ إعلان البراءة منفصل عن ذات العبادة، نعم واقع البراءة ومقتضياتها بعد ذلك يلزم أن يتحقّق، وهذا غير إعلان البراءة في العبادة.

وأمّا القول بأنّ هذا تطبيقٌ من السيد الخميني، فلو صحّ وكان هو مراده، فهو لا يُلزم سائر المسلمين من حيث مقام الفتوى، فقد يشخّص المكلّفون تطبيقات أخرى لتبيين البراءة وإعلان التوحيد، لو وجب تبيينها، وليسوا ملزمين بتطبيقٍ معيّن، فما هو الوجه الفقهيّ في الإلزام بهذا التطبيق لو كان على نحو الفتوى؟!

أمّا القراءة الرمزيّة، فقد تواجهها قراءة رمزيّة أخرى في أنّ أفعال الحجّ هي ثورة باطنية داخل الفرد، وليست ثورة مجتمعيّة، فالدلالات الرمزيّة لأفعال الحجّ تحكي عن علاقة النفس بالشيطان وبالله وبمركزيّة التوحيد في الإحساس الباطني للإنسان، وبالتضحية بالتعلّقات الماديّة لصالح تحرير النفس، فليس واضحاً أنّ رمزيات الحجّ تميل إلى البعد الثوري بقدر ما تميل إلى البعد الذاتي الباطني، فثوريّته داخليّة وليست خارجيّة، ولهذا هي أكثر ميلاً للسكون في نتائجها منها للثورة والغضب، حيث يرجع الحاج متطهّراً، والله العالم.

وما نقصده هنا هو أنّ الانحياز لرمزيّات ثوريّة في الحجّ، لو قلنا بأنّ هذا كافٍ في استنطاق حكمٍ شرعي! وليس بكافٍ، يناقضه وجود رمزيّات باطنية فردية صوفيّة، ومن ثم لا يصحّ الاعتماد على بعض الرمزيّات لمنح صورة ثوريّة عن الحجّ، ما دامت هناك أجزاء من الصورة أخرى، على أنّ هناك فرقاً بين الرمزيّات الاجتماعيّة التي يحكيها الاجتماع في مكانٍ واحد، والرمزيّات الثوريّة، فالثانية أخصّ بكثير من الأولى، ولهذا لم يُعهد حصول حركات ثوريّة ـ ولو تعبيريّاً ـ في الحجّ في التراث الإسلاميّ، خارج سياق العصر الحديث.

قد تقول: هناك فارق ماهوي بين الصلاة والصوم، فهي عبادات فرديّة في جوهرها، أمّا الحج فهو عبادة اجتماعيّة جمعيّة بامتياز. يضاف إلى ذلك أنّ الفقهاء يصفون الحجّ بأنّه مشهد، أي مكان للشهود والاجتماع، والقرآن وصفه بـ ﴿أَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾، والأذان طبيعته الإعلام والجهر، وهو ما لا يتوفّر في الصيام الذي هو كفّ باطني، أو الصلاة التي هي مناجاة بين العبد وربّه. واشتراك العبادات في أصل التوحيد لا يعني اتحادها في الوظيفة الاجتماعيّة، فالزكاة توحيدٌ مالي، والصوم توحيد تربوي، والحجّ توحيد سياسي وإعلامي للأمّة، وحصر وظيفة الحجّ في الباطن هو تعطيل لجانبه الاجتماعي الذي أكّد عليه القرآن.

والجواب: لا فرق بين الصلاة والصوم والحجّ من ناحية وجود بُعد اجتماعي فيها جميعاً، كما في صلوات الاستسقاء والعيدين والجمعة والجماعة وغيرها، وكما في مناسبات الصوم والعيدين وغير ذلك، يضاف إلى ذلك أنّنا لا ننكر البُعد الاجتماعي في الحجّ ولا في غيره، بل ندافع عنه، لكنّ البعد الاجتماعي للعبادة لا يعيّن الطريقة التعبيريّة عن القضايا الاجتماعيّة، وإلا فلماذا لا نجد أيّ حديث نبوي أو غيره في الحثّ على البعد السياسي في الحجّ؟! ولماذا لم يتكلّم أئمّة الدين في هذا الموضوع، بل وجدنا سيرتهم قائمة على البعد التعليمي في الحجّ والتربوي والروحي وغير ذلك؟! إنّ هناك فرقاً بين إمكانيّة استخدام الحجّ في الجانب السياسي ولزوم استخدامه في هذا الجانب، أو القول بأنّ هويّة الحجّ هي هويّة سياسية ثوريّة، وإلا فالسياسة موجودة في كلّ تفاصيل الحياة كما هو واضح، وبحثنا هنا في اللزوم بنحو الخصوصيّة للتعبير عن التنديد بالقوى الكبرى، لا في أصل المشروعيّة. وأمّا الآية فسيأتي الحديث عنها.

 

3 ـ 2 ـ 2 ـ آية البراءة والأذان في الحجّ الأكبر، تعليقات ومناقشات

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * .. وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة: 1 ـ 3).

وهذا الدليل يلاحظ من ثنايا كلمات السيد الخميني، حيث استعان به وبحادثة تكليف النبيّ‘ أميرَ المؤمنين عليّاً× بإعلان البراءة في الحجّ. حيث يقال بأنّ الآية تأمر بإعلان البراءة من المشركين في الحجّ، وهذا الأمر فيه شموليّة وامتداد زمكاني، فيلزمنا فعل ذلك كلّ عام.

لكن يمكن أن يناقَش:

أوّلاً: إنّ الظاهر من الآية أنّ الله ورسوله يعلنان البراءة، لا أنّهما يأمران الآخرين بإعلان البراءة، فيكون المعنى: إنّ ما سنقوله الآن هو إعلان براءة أو إنّ هذه الآيات هي إعلان براءة، أو نحو ذلك كما أشار له غير واحدٍ من المفسّرين. وهذا ما تقتضيه حادثة تكليف الإمام عليّ بالبراءة، فإنّ إرساله هو لإعلان الأمر الإلهي والنبوي بالبراءة والمطلوب من المسلمين بعد ذلك هو واقع البراءة من الشرك والمشركين، والتي تعني هنا القطيعة والمفاصلة، بل تتطلّب وفقاً للسياق إعلان الحرب ضدّهم، ومنعهم من الحجّ بعد ذلك، وأين هذا من إعلان البراءة من عموم المسلمين في موسم الحجّ كل عام؟!

ثانياً: إنّ المسار التاريخي واضح في نزول هذه الآيات، فإنّ الآيات ليست في مقام بيان تكليف كلّي عام، كما ناقشنا ذلك مفصّلاً في مباحث فقه الحرب والسلم، بل لها وضع سياقي، فإعلان البراءة لو كان مطلوباً من المسلمين بحيث يكون معنى الآية (براءة من الله ورسوله مطلوبٌ منكم إعلانها للمشركين) فإنّ غايته هو ضرورة إيصال هذا الإعلان لهم، لكي ينتهي التعاقد الذي كان ويبطل، وتبدأ حالة الحرب، فهذا السياق التاريخي هو سياق ما وقع بعد صلح الحديبيّة وغدر حلفاء قريش بالمسلمين وقتلهم لهم، فجاء إعلان إنهاء العهود والعقود وإعلان حالة الحرب، فليست الآيات إلا في مقام الطلب من المسلمين أن يعلنوا حال الحرب ويُعلموا المشركين ـ المشاركين عادةً في موسم الحجّ حتى ذلك العام ـ بانتهاء التعاقدات والمعاهدات، وأين هذا من فكرة لزوم إعلان البراءة كلّ عام في الحجّ؟! وهذا ما يفسّر أنّ النبي والمسلمين لم يكرّروا ذلك في حجة الوداع، بل اقتصر أمر إعلان البراءة على العام التاسع من الهجرة، كما هو المعروف تاريخيّاً.

ثالثاً: لو تنزّلنا عما سبق، فغايته أنّ المطلوب إعلان البراءة من المشركين، أمّا هل هذا واجب على جميع المسلمين أو على جميع الحجّاج أو يكفي فيه إعلان ذلك عبر مندوب النبيّ وهو عليّ مثلاً، أو يكفي قيام مجموعة خاصّة به؟ ليس في الآية تعبير يفيد شمول الحكم لعامّة الحجيج، بل لو دلّ فقد يدّعى وجوب البراءة في زمان الحجّ على جميع المسلمين في العالم ولو غير الحجيج منهم! وهذا غير مفهوم.

رابعاً: إنّ بعض النصوص ـ وكذلك الآراء التفسيريّة ـ تعتبر أنّه يراد بالحجّ الأكبر الحجّ الذي اجتمع فيه المسلمون مع المشركين، وبعده لم يعد هناك حجّ يشارك فيه غير المسلمين، قال الشيخ الطوسي: «وسمّي بالحج الأكبر؛ لأنّه حجّ فيه المشركون والمسلمون، ولم يحجّ بعدها مشرك» (التبيان 5: 171)، وقد عقد الشيخ الصدوق في العلل باباً تحت عنوان "العلّة التي من أجلها سُمّي الحجّ الأكبر"، أورد فيه حديثَ حفص بن غياث النخعي القاضي، قال: سألت أبا عبد الله× عن قول الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾، فقال: قال أمير المؤمنين×: «كنت أنا الأذان في الناس»، قلت: فما معنى هذه اللفظة الحجّ الأكبر؟ قال: «إنّما سُمّي الأكبر؛ لأنّها كانت سنةً حجّ فيها المسلمون والمشركون، ولم يحجّ المشركون بعد تلك السنة»، وقريب منه عن فضيل بن عياض أيضاً (علل الشرائع 2: 442؛ وانظر: المحاسن 2: 328؛ ومعاني الأخبار 296).

وعليه، فيكون المراد إعلان البراءة في خصوص آخر موسم اشترك فيه المشركون مع المسلمين في الحجّ، فقيد «الأكبر» سوف يلغي العموميّةَ في دلالة الآية على لزوم الإعلان بعد زوال عنوان الأكبر عن الحجّ، وصيرورة حجّ المسلمين من العام العاشر للهجرة إلى اليوم غير معنون بعنوان الحجّ الأكبر.

لكنّ هذا الإشكال تعارضه بعض الروايات التي تفيد أنّ الحجّ الأصغر هو العمرة في مقابل الحجّ، مثل خبر عمر بن أذينة عن الصادق× أنّه قال: .. وسألته عن قوله تعالى: ﴿الحج الأكبر﴾، ما يعني بالحجّ الأكبر؟ فقال: «الحجّ الأكبر الوقوف بعرفة ورمي الجمار، والحجّ الأصغر العمرة» (الكافي 4: 264 ـ 265). ولعلّ الرواية الثانية أوفق، ومثلها روايات أخر تتعلّق بكون الحجّ الأكبر هو يوم النحر، والله العالم.

خامساً: إنّه لو كان مفاد الآية إثبات وجوب إعلان البراءة في الحجّ كلّ عام، أو لو كان هناك حكم من هذا القبيل في أصل الشرع، فلماذا لا نجد عيناً ولا أثراً لمثله في مختلف النصوص الحديثيّة السنيّة والشيعيّة مطلقاً؟! بل كيف نفسّر غياب هذا الحكم تماماً عن التاريخ الفقهي للمسلمين قاطبة؟! وكيف نفسّر غيابه أيضاً عن تاريخهم العملي؟! فسيرة المتشرّعة قائمة على عكس ذلك، وبهذا يكون هذا الحكم مخالفاً للتاريخ الحديثي والفقهي والمتشرّعي.

قد تقول: إنّ ما طرحه السيد الخميني يقع في سياق الفعل النبويّ، نظراً لوجود حالة حرب مستمرّة بين المسلمين والكيان الصهيوني والقوى الكبرى، الأمر الذي يتطلّب أيضاً إعلان البراءة منهم، ومن ثم فيُفهم كلام الخميني ليس بنحو العموم، بل بنحو التقييد بحال صراعٍ قائم.

والجواب: إنّ ما حصل في زمن النبيّ شيءٌ آخر، فقد كان هناك اتفاق (الحديبية) الذي وقع في العام السادس من الهجرة، ثمّ تمّ خرق اتفاق الصلح باعتداء حلفاء قريش على حلفاء النبيّ من بني خزاعة في العام الثامن للهجرة، تلى ذلك فتح مكّة، لكنّ شبكة العلاقات التي أفرزها صلح الحديبيّة ظلّت موجودة بين بعض القبائل، فأراد النبيّ الإعلان عن أنّ اتفاق الصلح وشكل العلاقات القديمة التي كانت موجودة قد انتهى، وكان الإعلان يتمّ في موسم الحجّ؛ لأنّ المشركين في العام التاسع كانوا موجودين في مكّة في موسم الحج، فأراد النبيُّ إبلاغ عموم العرب بانتهاء المصالحة وبدء الحرب، وأنّه ليس هناك قبيلة مسلمة أو متحالفة مع المسلمين على صلحٍ مع أحدٍ إلا الذين تمت معاهدتهم ولم ينقضوا الصلح، كما جاء في سورة براءة. وهذا السياق منفصل تماماً عن سياقنا المعاصر، ولهذا لم يقم النبيُّ بفعل الأمر نفسه في العام العاشر من الهجرة، رغم أنّ حالة الحرب كانت ما تزال قائمة مع كافرين ومشركين آخرين، بل لنفرض أنّ النبي فعل ذلك لمرّة واحدة، فكيف نعرف أنّ هذا دليل وجوب هذا الأمر في كلّ عام؟!

إنّ النبيَّ لم يقم بمسيرة، بل أعلن قراراً سياسيّاً حدث مرّةً واحدة وانتهى. ومجرّد أنّه فعل ذلك، لا يدلّ على استحباب فعل شيء، بل غايته الجواز، وأنّ النبيّ اختار هذا الطريق لإعلام العرب بقراره، أمّا اليوم فيمكن الإعلان عن أيّ قرار سياسي عبر التلفاز، فلا علاقة بين فعل النبي وفكرة المسيرة ونحوها مما طرحه السيد الخميني.

 

3 ـ 3 ـ محتملات في مقصود السيد الخميني من الموضوع

على هذا الأساس، يمكن احتمال أنّ مقصود السيد الخميني هنا هو إصدار حكم ولائي سلطاني زمني بحكم ولايته، وبخاصّة على مبناه في الولاية العامّة للفقيه، والتي لها سعة خاصّة، وإن كان استحضاره للنصوص القرآنيّة هنا قد لا يوحي بالبعد الولائي والحكومي حصراً، نعم تعبيره بأنّه واجب سياسي قد يعطي دلالة، لكنّه في المقابل عبّر عنه بأنّه واجب عبادي كذلك، ولعلّه يقصد من البُعد العبادي هو ذات البراءة من الشرك، ومن البعد السياسي هو مسيرة البراءة نفسها بوصفها إعلاناً، أو لعلّه باستحضاره النصوص القرآنية كان يريد تبرير إصدار حكم ولائي من هذا النوع، من خلال ملاحظة مزاج الشريعة في ربط الأمر السياسي بالأمر العبادي، والله العالم.

 

3 ـ 4 ـ نتيجة البحث وعدم ثبوت مفهوم البراءة في الحجّ بالمعنى الحديث للكلمة في أصل الشرع

إنّه لم يثبت وجود شيء اسمه إعلان البراءة من المشركين في الحجّ عدا أعمال الحجّ نفسها بوصفها مظاهر للتوحيد ونبذ الشرك، أمّا ما يسمّى بمسيرة البراءة في الحجّ، فلا دليل على ثبوت وجوب فيها أو استحباب بعنوانها، فضلاً عن كونها شرطاً أو ركناً أو جزءاً في الحجّ، بل الدليل قائم على العدم، فدعوى أنّ إحياء مسيرة البراءة هو إحياء لشعيرة مهجورة أو منسيّة، لم يثبت.

لكنّه لا مانع ـ إذا رأى المسلمون مصلحة في ذلك ـ من توظيف موسم الحجّ بما يخدم مصالح المسلمين العليا، شرط عدم الإضرار بالجانب الروحي والمعنوي، وبالهويّة العباديّة للحجّ، فتغيير الهويّة أمر بالغ الحساسيّة، تماماً كما قلنا في بحث الخطبة السياسيّة لصلاة الجمعة، فراجع، وأيضاً بشرط عدم تحوّلها إلى بدعة في الذهن العام. وقد تكلّمنا في مقدّمة كتابنا: (بحوث في فقه الحجّ: 9 ـ 32)، عن بعض القضايا المرتبطة بالحجّ، والتي منها موضوع علمنة العبادات وتسييسها، وانتقدنا العلمنة التامّة للعبادات وقلنا بمشروعيّة حصول المسلمين على أكبر المصالح العامّة في الحجّ، كتوحيد الكلمة، وتعارفهم فيما بينهم، ورفع مستوى وعيهم السياسي والعام، وغير ذلك.

وقد روي بالسند إلى هشام بن الحكم، أنّه قال: سألت أبا عبد الله×، فقلت له: ما العلّة التي من أجلها كلّف الله العباد الحجّ والطواف بالبيت؟ فقال: «إنّ الله خلق الخلق ـ إلى أن قال ـ وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين، ومصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا، ولينزع كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد، ولينتفع بذلك المكاري والجمال، ولتعرف آثار رسول الله‘ وتعرف أخباره، ويذكر ولا ينسى، ولو كان كلّ قوم إنّما يتّكلون على بلادهم وما فيها هلكوا وخربت البلاد، وسقطت الجلب والأرباح، وعميت الأخبار، ولم تقفوا على ذلك، فذلك علّة الحجّ» (تفصيل وسائل الشيعة 11: 14).

من هنا، نعتبر أنّ جميع العبادات لها وجهٌ فردي وآخر اجتماعي وثالث سياسي، بمعنى أنّها في نفسها تترك تأثيراً اجتماعيّاً وسياسيّاً، لا أنّ المطلوب إضافة شيء عليها يقوم بتسييسها، ومع ذلك لا مانع من توظيفها ـ بما لا يغيّر هويّتها ـ في مصالح المسلمين مع مراعاة مبدأ الوحدة والانسجام بينهم، ويكون ذلك أمراً توافقيّاً مبنياً على فقه المصلحة، وليس حكماً ثابتاً في أصل الشرع.