hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (شرائط وجوب حجّة الإسلام ـ القسم الأوّل)

تاريخ الاعداد: 7/2/2026 تاريخ النشر: 7/2/2026
180
التحميل


 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(25 ـ 6 ـ 2026م)

 


 

شرائط وجوب حجّة الإسلام

الشرط الأوّل: البلوغ، فلا يجب على غير البالغ، وإن كان مراهقاً، ولو حجّ الصبيُّ لم يجزئه عن حجّة الإسلام، وإن كان حجّه صحيحاً على الأظهر([1]).

مسألة ٤: اذا خرج الصبيُّ إلى الحجّ، فبلغ قبل أن يحرم من الميقات، وكان مستطيعاً، فلا إشكال في أنّ حجّه حجّة الإسلام، وإذا أحرم فبلغ بعد إحرامه لم يجز له إتمام حجّه ندباً، ولا عدوله إلى حجّة الإسلام، بل يجب عليه الرجوع إلى أحد‌ المواقيت، والإحرام منه لحجّة الإسلام، فإن لم يتمكّن من الرجوع إليه ففي محلّ إحرامه تفصيلٌ يأتي إن شاء الله تعالى في حكم من تجاوز الميقات جهلاً أو نسياناً، ولم يتمكّن من الرجوع إليه، في المسألة ١٦٩([2]).

مسألة ٥: إذا حجّ ندباً معتقداً بأنّه غير بالغ،‌ فبان بعد أداء الحجّ أنّه كان بالغاً أجزأه عن حجّة الإسلام([3]).

مسألة ٦: يستحبّ للصبي المميّز أن يحجّ، ولا يُشترط في صحّته إذن الوليّ([4]).

مسألة ٧: يستحبّ للوليّ أن يُحرم بالصبيّ غير المميّز، ذكراً كان أم أنثى، وذلك بأن يُلبسه ثوبي الإحرام ويأمره بالتلبية ويلقّنه إيّاها، إن كان قابلاً للتلقين، وإلا لبّى عنه، ويجنّبه عما يجب على المحرم الاجتناب عنه، ويجوز أن يؤخّر تجريده عن الثياب إلى فخّ، إذا كان سائراً من ذلك الطريق، ويأمره بالإتيان بكلّ ما يتمكّن منه من أفعال الحجّ، وينوب عنه فيما لا يتمكّن، ويطوف به ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به في عرفات والمشعر، ويأمره بالرمي إن قدر عليه، وإلا رمى عنه، وكذلك صلاة الطواف، ويحلق رأسه، وكذلك بقيّة الأعمال([5]).

مسألة ٨: نفقة حجّ الصبي في ما يزيد على نفقة الحضر على الوليّ لا على الصبي، نعم إذا كان حفظ الصبيّ متوقّفاً على السفر به، أو كان السفر مصلحةً له، جاز الإنفاق عليه من ماله([6]).

مسألة ٩: ثمن هَدي الصبيّ على الوليّ، وكذلك كفّارة صيده، وأمّا الكفارات التي تجب عند الإتيان بموجبها عمداً، فالظاهر أنّها لا تجب بفعل الصبيّ، لا على الوليّ ولا في مال الصبيّ([7]).

الشرط الثاني: العقل، فلا يجب الحجّ على المجنون وإن كان إدواريّاً([8])، نعم إذا أفاق المجنون في أشهر الحجّ وكان مستطيعاً‌ ومتمكّناً من الإتيان بأعمال الحجّ، وجب عليه، وإن كان مجنوناً في بقيّة الأوقات.


 

الشرط الأوّل: البلوغ

عدم وجوب حجّة الإسلام على الصبيّ غير البالغ، ذكراً كان أو أنثى، وكذلك الحكم بصحّة حجّه لو قام به قبل البلوغ، واضحان، إنّما الكلام في فرعٍ متصل بهذه المسألة الواضحة، وهو:

 

مناقشة في عدم إجزاء حجّ الصبيّ المميّز عن حجّة الإسلام

([1]) لو حجّ الصبي قبل البلوغ، لا أنّه حُجّ به، فهل تسقط الفريضة عنه لو بلغ أو لا؟

المستند في عدم السقوط أمور أهمّها ـ بعد استبعاد الإجماع والشهرة؛ لوضوح مدركيّتهما ـ هو الآتي:

الدليل الأوّل: الروايات الخاصّة، وعمدتها:

الرواية الأولى: خبر إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا الحسن× عن ابن عشر سنين، يحجّ؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت».

الرواية الثانية: خبر شهاب، عن أبي عبد الله× ـ في حديث ـ قال: سألته عن ابن عشر سنين، يحجّ؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحجّ إذا طمثت».

ولكنّ هاتين الروايتين اللتين اعتُبرتا من الروايات العمدة هنا، واعتمد عليهما الماتن وغيره في بحوثه الاستدلاليّة، لا ظهور فيهما في لزوم الحجّ عليه مرّة أخرى، فإنّ السؤال هنا لا يُعلم أنّه عن حكم حجّه بعد الاحتلام، بل السؤال ـ على الأقرب ـ عن أصل وجوب الحجّ على الصبي الذي يبلغ عشر سنوات، ولهذا قال له بأنّ الصبي هل يحجّ إذا بلغ عشر سنين؟ فهو عن التوقيت الابتدائي للتكليف دون الإعادة، وقد بيّن له الإمام أنّ الحجّ ليس بواجب على مثل هذا الصبي إلا إذا احتلم، وكذلك الحال في البنت فإنّه لا يجب عليها الحجّ إلا إذا طمثت، ويكفي إجمال طبيعة السؤال هنا ـ لو لم نقل بظهور الحديثين فيما ادّعيناه ـ لإسقاط الاستدلال بهاتين الروايتين على الوجوب مرّةً أخرى بعد البلوغ.

الرواية الثالثة: خبر مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد الله×، قال: «لو أنّ غلاماً حجّ عشر سنين، ثم احتلم، كان عليه فريضة الإسلام» (الاستبصار 2: 146؛ وانظر: تهذيب الأحكام 5: 6؛ والكافي 4: 278).

ودلالة الخبر جيّدة؛ لكنّه ضعيف السند جداً، بكلّ من ابن شمّون والأصم وغيرهما.

الرواية الرابعة: خبر الحكم، قال: سمعت أبا عبد الله×، يقول: «الصبي إذا حُجّ به فقد قضى حجّة الإسلام حتى يكبر، والعبد إذا حجّ به فقد قضى حجّة الإسلام حتى يعتق» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 435).

فإنّ هذه الرواية تصلح للاستدلال بها على الوجهين، فإنّ تعبيره بأنّه «قضى حجّة الإسلام» يصلح لإسقاط الوجوب عنه بعد البلوغ، فيما تعبير بـ «حتى يكبر» يوحي بأنّه بعد أن يكبر يجب عليه حجّة الإسلام، وبهذا تكون الرواية مبهمة في تركيبتها اللغويّة، فما معنى قضاء حجّة الإسلام حتى يكبر إلا إذا فرضنا أنّ الحجّ واجب أكثر من مرّة، فنتأوّل الحديث بشكلٍ ما.

وقد فهم السيد فضل الله من هذه الرواية أنّ تعبير حجّة الإسلام في حقّ الصبي هو تعبير غير حقيقي؛ بمعنى أنّه لا يقصد منه معناه الاصطلاحي، بل كأنّه يراد به أنّ هذه الحجّة هي بمنزلة حجّة الإسلام للصبيّ (فقه الحجّ 1: 85).

ومهما يكن فهذه الرواية مبهمة في دلالتها بعض الشيء، وربما يفهم منها ـ احتمالاً ـ أنّها لم تقل حجَّ الصبيُّ بل تقول: حُجّ به، ولعلّ الفرق في أنّ الحجّ بالصبي يستبطن عدم استقلاليّته، فكأنّه صغير لا يعرف أن يحجّ مستقلاً ويقوم بأعمال الحجّ، كما لو كان عمره خمس سنوات مثلاً، بخلاف الصبي الذي كان عمره أحد عشر عاماً فإنّه لا يُحجّ به، بل يحجّ بنفسه، والله العالم، فتكون خاصّة بمن حُجّ به ولا تشمل الصبيَّ الذي حجّ بنفسه والذي هو مورد الكلام؛ لأنّ من حُجّ به ممن لا يكون مميّزاً قد لا يصدق عليه عرفاً أنّه حجّ أساساً. إلا إذا قيل بأنّ التعبير بعينه ورد في العبد أيضاً، مع أنّه في العادة يحجّ بنفسه ولا يُحجّ به بهذا المعنى، بل ربما يصحّ عرفاً التعبير بحُجّ بالصبي حتى لو كان مميزاً، فتأمّل.

ومهما يكن فالرواية ـ حتى لو صحّت سنداً، وقد ناقش الماتنُ في ذلك ـ خبرٌ آحاديّ، دلالته غير قويّة، فلا يُركن إليه لإثبات الوجوب بعد البلوغ.

الدليل الثاني: إنّ حجّه قبل البلوغ وإن وقع صحيحاً لكنّ خطاب التكليف وجّه له مرّة أخرى بعد البلوغ، فبعد البلوغ تحقّقت مخاطبته، فيُفهم منها حدوث التكليف بالحجّ بعده، ولا يجزي ما تقدّم.

وهذا الكلام مبنيٌّ على أنّ المصداق الذي أتي به ليس مصداقاً لحجّة الإسلام، في حين ـ وفاقاً للماتن في بحوثه في الصلاة ـ هو مصداق لها، فإنّه يصدق أنّ هذا الإنسان قد حجّ، والمفروض أنّ الحجّ واجبٌ في العمر مرّة، وقد تحقق ذلك، ولهذا ذهب الماتن في بحث الصلاة إلى أنّه لو صلّى الصغير صلاة الظهر مثلاً، ثم بلغ أثناء الوقت بعد انتهائه من الصلاة، أجزأت؛ لأنّ المطلوب منه صلاة الظهر في هذا الوقت، وقد حصل، وقد علّقنا عليه هناك مؤيّدين، فراجع (المسألة رقم: 514)، لكنّ الماتن هنا رفض تطبيق المعيار نفسه، معتبراً أنّ الحجّ له حقائق مختلفة، فحجّ الصبي عبارة عن حقيقة مغايرة لحجّ البالغ، والحجّ الندبي حقيقة مغايرة للحجّ الواجب، وهكذا، وهذا بخلاف الصلاة، فهي حقيقة واحدة كيفما كانت (كتاب الحجّ، مستند العروة 1: 28 ـ 29، تقرير البروجردي).

ولكن يرد عليه أنّ هذه العناوين الطارئة من الوجوب والندب وعنوان حجّة الإسلام وغيرها لا تجوهر الأفعال أو تجعلها حقائق مختلفة، فهذا الشخص يصدق أنّه حجّ في عمره مرّة واحدة، وهذا كافٍ، ولو بعد بلوغه، فهذا مثل ما لو كان المطلوب من الإنسان أن يتزوّج مرّة في عمره، فتزوّج وهو صغير، ثم طلّق، ثم بلغ، فإنّه يصدق عليه أنّه تزوّج مرّةً واحدة في عمره، وهكذا. ودعوى أنّ عنوان «حجة الإسلام» هو فريضة أخرى قائمة بنفسها لها موضوعيّة مستقلّة، أمرٌ غير مفهوم عرفاً؛ إذ العرف لا يرى مثل هذا إلا تعبيراً عن الحجّ الذي يلزمك في أصل الشرع، لا أنّه يجوهر نوعيّة الحجّ وما شابه ذلك.

وأمّا دعوى أنّ المطلوب هو "الحجّ الصادر من المكلّف البالغ"، فهذا يحتاج لدليل؛ لأنّ نقل حيثيّة التكليف الوجوبي إلى حيثيّة تحقّق المتعلّق في الخارج، يحتاج لدليل، فحيثيّة التكليف الوجوبي تعليليّة بينما نتكلّم هنا عن الحيثيّة التقييديّة في المتعلّق، فانتبه.

قد تقول: إنّ لزوم الإتيان بالحجّ بعد البلوغ هو على القاعدة؛ وذلك للأسباب الآتية:

1 ـ إنّ خطابَ وجوبِ الحجّ (وبصورة كليّة الخطابات الوجوبيّة) إنّما يتناول البالغين دون غيرهم.

2 ـ ليس لدينا دليلٌ على أن خطابَ وجوبِ الحجّ لا يشمل البالغَ الذي أتى بالحجّ في زمن صِباه سوى:

أ ـ صحّةُ الحجّ في فترة الصبا، ولکنّها لا يمكن أن تكون دليلاً؛ لعدم شمول الخطاب الوجوبيّ للبالغ؛ فربما كانت صحّته من بابٍ آخر، خصوصاً إذا لاحظنا أنّ الصحّة لیست بمعنی المطلوبیّة، بل بمعنی تمامیة الأجزاء والشرائط.

ب ـ ما دلّ علی أنّ الحجّ لا یجب إلا مرّة واحدة في العمر. ولکنّ الدليلَ العمدةَ الدالّ على أنّ الحجّ واجبٌ مرّة واحدة فقط، هو إطلاقُ نفسِ ذلك الخطابِ الوجوبيّ الذي لم يشمل الصبيّ، وبناءً عليه، فيكون مفاده هو أن الحجّ لا یجب علی البالغین إلّا مرّة واحدة.

فإذا لم نحصل علی دلیل نردّ به شمول الأمر للمکلّف بعد البلوغ، فيكون القدر المتیقّن هو الشمول له.

هذا كلّه، مضافاً لنصوص وجوب إعادة الحجّ على العبد بعد تحرّره، فهي تدلّ هنا بضميمة أمرين: كثرةُ الروايات الواردة في حقّ العبد وأنّه يجب عليه إعادة الحجّ بعد تحرّره، وعطفُ الصبيّ على العبد في حكم الحجّ في بعض هذه الروايات، ولعلّ هذا هو ما أوجد ارتكازاً في أذهان الفقهاء بأنّ مناط الحكم في الصبيّ والعبد واحدٌ؛ فكما أنّهما يشتركان في عدم الوجوب، يشتركان كذلك في عدم الإجزاء.

والجواب: إنّ الدليل هو أنّ الخطاب الموجّه للبالغ يقول له: يجب عليك الحجّ في العمر مرّة، وهنا يقول البالغ: نعم، لقد قمت بذلك؛ لأنّ الدليل لم يقل: يجب عليك الحج بعد البلوغ مرّة، بل في العمر مرّة. والبلوغ حيثيّة تعليليّة للوجوب، لا حيثيّة تقييديّة، فنحن هنا لا ندّعي أنّ الخطاب توجّه للصبيّ، بل للبالغ، غايته أنّ البالغ حقّق المطلوب منه. وبمعنى آخر: عندما قيل له: يجب عليك الحجّ، فإنّه يكون قد حقّق هذا الوجوب، فلا يكون الخطاب في حقّه منجّزاً، وإن كان شاملاً له جعلاً، وهذا تماماً كما في صلاة الصبيّ قبل البلوغ، ثم بلوغه قبل انقضاء الوقت وبعد أدائه الصلاة؛ فإنّ الوجوب ساقط عنه.

وقد تُشكل: كيف يمكننا الاطمئنان بأنّ البلوغ مجرّد حيثيّة تعليليّة؟! إذ لعلّه حيثيّة تقييديّة؛ بملاحظة أنّ التقدّم في السنّ وبلوغ الحلم، يوجب ـ عادةً وفي نوع الأفراد ـ أن يثمر الحجّ تجربةً روحيّة لا تتحقّق في حقّ الأطفال، فإذا احتملنا أنّ تحقّق هذه التجربة الروحيّة في نوع الأفراد هو محطّ نظر الشارع، احتملنا كون البلوغ حيثيّة تقييديّة، ولا يمكننا نفي هذا الاحتمال، وعليه لا بدّ من الاقتصار على القدر المتيقّن.

والجواب: إنّ نفي كونه حيثيّة تقييديّة إنّما جاء من إطلاق تعبير: يجب عليك الحجّ في العمر مرّة، حيث لم يقيّد بكلمة «حال البلوغ»، وأمّا أنّه حيثيّة تعليليّة، فلعلمنا بأنّ الوجوب لا يأتي لغير البالغ؛ وذلك من الأدلّة الأخرى.

وأمّا نصوص العبد، فروايات الصبي فيها غير ثابتة، والأخذ بها هنا قياس مع الفارق، يحتاج لدليل، ولولا الروايات لقلنا في العبد ما قلناه في الصبيّ.

والنتيجة: إنّ ما نستقربه ـ خلافاً لجمهور الفقهاء ـ هو صحّة حجّ الصبي وإجزائه عن حجّة الإسلام، شرط أن يكون حجّه بنفسه بحيث يصدق عليه مباشرةً أنّه حجّ وقام بالأفعال المطلوبة، لا أنّه غير واعٍ وحُجّ به، وإن كان الأحوط له تكرار الحجّ بعد البلوغ، والله العالم.

([2]) وفقاً لما توصّلنا إليه في المسألة السابقة، فإنّ هذه التفاصيل تُصبح غير ضروريّة، بل يمكن إكمال الحجّ مطلقاً، ولا يلزمه العود إلى ميقات، ثم الإحرام من جديد، بل لا يجب عليه نيّة الوجوب ولا الندب، فيُكمل حجّه بعنوان الحجّ بصرف النظر عن هذه القصود.

 

عدم تأثير الاعتقاد والنيّة في التفاصيل ـ كالوجوب والندب ـ على صحّة الحجّ

([3]) قد يقيّد هذا الحكم ـ كما ذكره الخلخالي في تقريره لبحث السيد الماتن (انظر: الموسوعة (المعتمد في شرح المناسك) 28: 11 ـ 12) ـ بما إذا لم يقيِّد المكلّف النيّة بكون المأتيّ به ندباً، فلو قيّد بذلك لم يصحّ؛ لأنّ الواقع لم يُقصد وما قُصد لم يقع، فتختلّ النيّة.

لكنّ الأقرب أنّ مثل هذه التفاصيل لا تضرّ أيضاً؛ لأنّ المطلوب هو الإتيان بمصداق الحجّ في الخارج قربةً إلى الله تعالى وامتثالاً لأمره، والمفروض أنّ هذا قد تحقّق، بلا فرق بين تصوّر الأمر الندبي وتصوّر الأمر الوجوبي، فقد صدر الحجّ عن الطلب الإلهي، وهذا كافٍ في تحقيق المقصود والغرض، فغايته لغويّة هذه القصود واعتبارها وكأنّها لم تكن، ولعلّه يمكننا تقريب الفكرة بأمثلةٍ من نوع ما لو صلّى الظهر امتثالاً لأمر الله مقيّداً نيّته بأن يكون زيدٌ قد خرج من السجن، فإنّه حتى لو لم يخرج، فإنّ صلاته صحيحة ـ بصرف النظر عن موضوع اختلال قصد القربة ـ حتى لو كان الخروج من السجن حيثيّة تقييديّة في النية لا تعليليّة، ولهذا لا يتعامل العرف والعقلاء مع مثل هذه الفروض على أنّه لم يتحقّق منه المأمور به خارجاً، فإطلاق ما أفاده الماتن في محلّه.

قد تقول: إنّه لا محصّل لفكرة «إتيان العملِ مقيَّداً بكونه ندبيّاً»؛ وذلك لأنّ النسبة المتصوّرة بين الفعل والأمر تنحصر في أن يكون الدافع والمحرّك للشخص نحو العمل هو الانبعاث عن ذلك الأمر والتأثّر به، فإذا لم يتحقّق هذا الانبعاث، وكان داعي الشخص شيئاً غير الطلب الإلهي، فإنّه لن يتحقّق منه قصد القربة أصلاً. أمّا إذا تحقّق قصد القربة، وكان داعي المكلّف هو إتيان المأمور به الإلهي، فما معنى كونه يأتي بالعمل مقيّداً بالندبيّة؟! إنّ معناه ـ مثلاً ـ أنّني دائماً أذکّر نفسي بـ «إعلم أنّك تأتي بالفعل ندباً»؟!

والجواب: إنّ مرادهم هو أن يقول بأنّني آتي بالعمل على تقدير كونه ندباً، وإلا ففعلي هذا لا أقصده استجابةً للتكليف الوجوبي.

وإذا قيل بأنّ الواقع الحاصل هو الانبعاث من الأمر الذي آتيه حالياً، وأمّا القول بأنّي ـ لو كان الأمر وجوبياً ـ لا أقصد إطاعة مفاده، فليس ذلك إلا أمراً تقديريّاً انتزاعياً فحسب، ولا يمكنني تقييد عملي به.

فالجواب: إنّ هذه الصورة المفروضة في الإشكال، لعلّها هي الإتيان بالفعل عن الأمر الثابت في لوح الواقع، غاية الأمر يشتبه المكلّف فيتصوّره ندبيّاً لا وجوبيّاً، أمّا الصورة التي يقصدونها هنا، فهي أن يقول بأنّ الفعل الصادر منّي هذا، لو كان الحكم هو الوجوب، فأنا لا أقصد امتثاله، ولو كان الحكم هو الندب فأنا أقصد امتثاله، فلو كان لوح الواقع هو أنّ الحكم هو الوجوب، فهو قد أتى بحركات الحجّ لا بقصد امتثال الأمر، فلا يجزئ من وجهة نظرهم.

([4]) ما أفاده من النقطتين صحيح، ويكفينا ما ذُكر في البحوث الاستدلاليّة للمتأخّرين، ولا حاجة للإطالة. نعم لو لزم من خروجه أذيّة الوالدين حرم إخراجه دون إذنهما لحرمة أذية المؤمن، كما أنّه لو كان الخروج يستلزم تصرّفاً في مال الولي فلا بدّ من أخذ ذلك بعين الاعتبار. وبعبارة جامعة: يلزم ـ تكليفاً ـ أن يكون الحجّ غير منافٍ أو مستلزم لترك حقوق الوليّ الواجبة.

 

اختصاص الحكم بالحجّ بالصبيّ وعدم شموله للمجنون

([5]) قد وردت في ذلك نصوص متعدّدة جمع أكثرَها الحرُّ العاملي في الباب السابع عشر من أبواب أقسام الحجّ، وأغلب مضامينها يمكن فهمه بشكل عرفي وتلقائي بلا حاجة لنصوص خاصّة في بيان الكيفيّة، فيستفاد منها لتوكيد فهم العرف، أمّا التجريد من فخّ، فدليله رواية آحادية منفردة، لهذا لا نعمل به.

ولا بد من الانتباه إلى أنّ هذا الحكم يختصّ بالصبي، ولا يشمل المجنون؛ فإنّه لم يرد فيه ما يفيد الحجّ به إطلاقاً، فيحتاج إلى دليل لإثبات الحكم الوضعي، بعد كونه على خلاف الأصل.

 

نفقات الحجّ بين الوليّ والصبي، صور وحالات

([6]) هذا على مقتضى القاعدة في التصرّف بأموال الصبي، وسيأتي بحثها في محلّه إن شاء الله. لكن ينبغي هنا التقييد بأنّ حفظ الصبي أو ما فيه مصلحته تارةً يكون في سفر الحجّ بعنوانه حصراً، وأخرى يكون مطلق السفر، فاختار الوليّ سفر الحجّ لتحقيق الأمر، فعلى التقدير الأوّل يصحّ ما قاله الماتن بنحو مطلق، أمّا على التقدير الثاني، فإنّه لو اختار سفر الحجّ بالصبي وكانت تكلفته أزيد من أيّ سفرٍ آخر كان ممكناً، فيلزم على الولي تغطية ما زاد من النفقات؛ لأنّ ما زاد ليس متضمَّناً في حفظ الصبي ولا في تحقيق المصلحة، كما هو واضح. وعلى هذا يمكن قياس سائر الأمثلة والموارد. والكلام كلّه في مورد وجود مال مملوك للصبيّ.

 

من يتحمّل مسؤوليّة ثمن الهدي والكفّارات: الوليُّ أو الصبيّ؟

([7]) في هذه المسألة ثلاثة أمور:

الأمر الأوّل: ثمن الهدي، وقد أفتى الماتن بكونه على الوليّ؛ لأنّه ليس من مصلحة الطفل.

والصحيح ما قلناه في المسألة السابقة بما يفرض هنا التعليق لا البتّ، وهو أنّه إذا كان ذات إتيان الصبي بالحجّ فيه مصلحة له، كما لو كان إحجاجه يوجب ضمان تديّنه لو بلغ، بخلاف ما لو لم يذهب به للحجّ، وكانت تمام المستلزمات مطلوبة لتحقيق ذلك، كان الهدي وغيره من مال الصغير؛ لأنّ في هذا كلّه مصلحة للطفل، والتجزئة تصبح مما لا معنى له، أمّا في غير مثل هذه الحالة فيمكن الذهاب لما ذهب إليه الماتن.

لكنّ الماتن أطلق ـ كغيره ـ هنا جازماً؛ اعتماداً على بعض الروايات (الموسوعة (المعتمد في شرح المناسك) 28: 15 ـ 16؛ وكتاب الحجّ، مستند العروة الوثقى: 43)، مثل:

أ ـ خبر زرارة، عن أحدهما’، قال: «إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير، فإنّه يأمره أن يلبّي ويفرض الحج، فإن لم يُحسن أن يلبّي لبّى عنه، ويطاف به ويصلّي عنه»، قلت: ليس لهم ما يذبحون، قال: «يذبح عن الصغار ويصوم الكبار، ويتقى عليهم ما يتقى على المحرم من الثياب والطيب، فإن (وإن) قتل صيداً فعلى أبيه» (الكافي 4: 303؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2: 433؛ وتهذيب الأحكام 5: 409).

وهذا الخبر يظهر تصحيحه سنداً من قبل كثيرين، ومنهم السيد الماتن، اعتماداً على صحّة طريق الصدوق في المشيخة لزرارة، والطريق صحيحٌ بالفعل كما حقّقناه في محله، لكنّ الكلام هنا أنّ الصدوق اختلفت نسخ الكتاب في تعبيره مطلع هذه الرواية، وفقاً لما أفاده محقّقو كتابه، ففي أكثرها عبّر: «روى زرارة»، وهذا يعني أنّه اعتمد على طريقه في المشيخة، فيكون الخبر صحيحاً، وفي بعض النسخ قال: «روي عن زرارة»، وهنا لا يُعلم أنّه أخذ الرواية من كتب زرارة، بل يترجّح أنّه أخذها من طريق الكليني إلى زرارة في هذا الحديث، تماماً مثلما فعل الشيخ الطوسي، والمفروض أنّ ذاك الطريق فيه سهل بن زياد، ولم يثبت توثيقه على التحقيق، والراجح هو أنّه نقله بطريقه الصحيح لكن الوثوق التامّ غير يسير.

ب ـ معتبرة إسحاق بن عمار، قال: سألت أبا عبد الله×، عن غلمان لنا دخلوا معنا مكّة بعمرة، وخرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام، قال: «قل لهم يغتسلون، ثم يحرمون، واذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم» (الكافي 4: 304).

لكنّ هذين الخبرين يعارضهما صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله×، قال: «انظروا من كان معكم من الصبيان، فقدّموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر، ويصنع بهم ما يصنع بالمحرم ويطاف بهم ويرمى عنهم، ومن لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليّه..» (كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 434). فإنّ هذه الرواية لها دلالة على أنّ الهدي من مال الصبي، ولهذا لما لم يملك الصبي المال، أحيل الصوم إلى الولي، ولم تتمّ الإحالة إلى مال الوليّ.

لكن السيد الماتن تأوّل هذه الرواية في بحوثه، حيث اعتبرها مشعرةً دلالياً، وليست ظاهرة، ثمّ حملها على الروايتين المتقدّمتين، لتكونا قرينةً على معناها، فتُحمل على أنّ عدم وجدان الصبيّ للهدي معناه عدم وجدان وليّه للمال. ويتعزّز ذلك بأنّ الصوم بدل الذبح، فلو كان الصوم وظيفة الوليّ كان معناه ـ وفاءً للبدليّة ـ أن يكون الذبح وظيفته (كتاب الحجّ، مستند العروة الوثقى 1: 43).

ويناقش بأنّ دلالة صحيح معاوية إن لم تكن أقوى من دلالة الخبرين المتقدّمين، فليست بأضعف؛ فإنّها واضحة في الانتقال من مال الصبي إلى صوم الولي دون توسّط مال الوليّ. ودعوى البدليّة هنا غير كافية؛ لإمكان أنّ الحكم قد انتقل ـ تعبّداً ـ إلى الولي لكون الصوم مجهِداً للصبيّ، ولا بدّ من تحقيق الأمر على كلّ حال، وربما يتعزّز ما نقول أنّ صوم بدل الهدي يجب أن يكون لثلاثة أيام في الحجّ، وهذا قد يكون مرهقاً للصبي، وبخاصّة لو بنينا على اتصالها، وعلى اتصال السبعة بعد العود.

يضاف إلى ذلك أنّه من الممكن أن يكون الحكم هو خروج الهدي من مال الصبيّ، إلا أنّه لو لم يتمكّن الصبيّ لزم على الولي إخراجه من ماله، وإلا صام، وهذا المعنى يحتمله خبر زرارة، وإن لم يكن واضحاً من خبر معاوية، فلا يكون هناك وضوح في الروايات لصالح إطلاق الفتوى التي ذكرها الماتن. علماً أنّ معتبرة إسحاق بن عمار ليس فيها إلا أن يذبح عنهم كما يذبح الإنسان عن نفسه، ولا نظر لها لكون مال الهدي المراد ذبحه من مال من يكون؟ بل المراد هو التصدّي للقيام بهذه الوظيفة في الخارج وكونها من ضمن ما يطلب للصغير فيؤتى بها عنه؛ لعدم تمكّنه عادةً من ذلك.

والنتيجة: إنّ تعارض الروايات وعدم دلالة خبر إسحاق بن عمار على شيء، مع كون النصوص مرجعها لخبر واحد منفرد، هذا كلّه يُلزمنا بالعود لمقتضى القاعدة التي قلناها في بداية الكلام، فتكون هي المتعيّنة.

الأمر الثاني: كفارة الصيد، وقد جعلها الماتن ـ كغيره ـ على الوليّ أيضاً.

لكن المستند في ذلك ليس إلا رواية واحدة منفردة في بابها، وهي خبر زرارة المتقدّم آنفاً، عن أحدهما’، قال: «إذا حجّ الرجل بابنه وهو صغير، فإنّه يأمره.. فإن (وإنّ) قتل صيداً فعلى أبيه» (الكافي 4: 303؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 2: 433؛ وتهذيب الأحكام 5: 409)؛ ولهذا نرجع لمقتضى القاعدة، وإن كان الأحوط استحباباً للوليّ أن يخرجه من ماله مطلقاً.

الأمر الثالث: باقي الكفارات، وقد أفتى الماتن هنا بعدم ثبوت الكفّارة على الولي ولا على الصبي.

وهو الصحيح؛ لعدم الدليل على ثبوتها على الولي ولا على الصبي أساساً، وقاعدة عمد الصبي خطأ تساعد على ذلك، فلا نطيل.

 

الشرط الثاني: العقل

([8]) بمعنى عروض الجنون عليه وقت أداء الحجّ بتمامه أو بجزءٍ منه لا يصحّ تركه. بل قد يقال: إنّه لو كان يجنّ كلّ سنة في موسم الحجّ، وجبت عليه الاستنابة، وسيأتي الحديث عن الاستنابة بالتفصيل.