hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (شرائط وجوب حجّة الإسلام ـ القسم الخامس)

تاريخ الاعداد: 7/30/2026 تاريخ النشر: 7/30/2026
250
التحميل

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(23 ـ 7 ـ 2026م)

 


 

شرائط وجوب حجّة الإسلام

...

مسألة ٣٧: إذا كان عنده مقدارٌ من المال، ولكنّه لا يعلم بوفائه بنفقات الحجّ، لم يجب عليه الحجّ، ولا يجب عليه الفحص، وإن كان الفحص أحوط([1]).

مسألة ٣٨: إذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحجّ منفرداً أو منضماً إلى المال الموجود عنده، فإن لم يكن متمكّناً من التصرّف في ذلك المال ولو بتوكيل من يبيعه هناك، لم يجب عليه الحجّ، وإلا وجب([2]).

مسألة ٣٩: إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحجّ‌ وجب عليه الحج ولم يجز له التصرّف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة ولا يمكنه التدارك. ولا فرق في ذلك بين تصرّفه بعد التمكّن من المسير وتصرّفه فيه قبله، بل الظاهر عدم جواز التصرّف فيه قبل أشهر الحجّ أيضاً، نعم إذا تصرّف فيه ببيع أو هبة أو عتق أو غير ذلك حكم بصحّة التصرّف وإن كان آثماً بتفويته الاستطاعة([3]).

مسألة ٤٠: الظاهر أنّه لا يعتبر في الزاد والراحلة ملكيّتهما، فلو كان عنده مال يجوز له التصرّف فيه، وجب عليه الحجّ إذا كان وافياً بنفقات الحجّ مع وجدان سائر الشروط([4]).

مسألة ٤١: كما يعتبر في وجوب الحج وجود الزاد والراحلة حدوثاً، كذلك يعتبر بقاءً إلى إتمام الأعمال، بل إلى العود إلى وطنه، فإن تلف المال في بلده أو في أثناء الطريق لم يجب عليه الحجّ، وكشف ذلك عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر، ومثل ذلك ما إذا حدث عليه دَين قهري، كما إذا أتلف مال غيره خطأ ولم يمكنه أداء بدله إذا صرف ما عنده في سبيل الحجّ. نعم الإتلاف العمدي لا يسقط وجوب الحجّ، بل يبقى الحجّ في ذمّته مستقراً، فيجب عليه أداؤه ولو متسكّعاً، هذا كلّه في تلف الزاد والراحلة. وأمّا تلف ما به الكفاية من ماله في بلده، فهو لا يكشف عن عدم الاستطاعة من أوّل الأمر، بل يجتزئ حينئذ بحجّه، ولا يجب عليه الحجّ بعد ذلك([5]).

مسألة ٤٢: إذا كان عنده ما يفي بمصارف الحجّ لكنّه معتقدٌ بعدمه، أو كان غافلاً عنه، أو كان غافلاً عن وجوب الحجّ عليه غفلة عذرٍ لم يجب عليه الحجّ، وأما إذا كان شاكّاً فيه، أو كان غافلاً عن وجوب الحج عليه غفلة ناشئة عن التقصير، ثمّ علم أو تذكّر بعد أن تلف المال، فلم يتمكّن من الحجّ، فالظاهر استقرار وجوب الحجّ عليه إذا كان واجداً لسائر الشرائط حين وجوده([6]).


 

حكم الفحص عن الاستطاعة بين الوجوب وعدمه

([1]) وجوب الفحص قال به غير واحدٍ، واستدلّ له بأدلّة أهمّها:

الدليل الأوّل: ما ذكره النائيني، ونقله عنه السيد الماتن في بحوثه، من أنّ هذا لا يعدّ من الفحص؛ إذ لا يكلّفه الأمر سوى النظر في دفاتره ليعرف كم عنده من المال (فوائد الأصول 4: 302).

ولكن السيد الخوئي ناقشه بأنّ الفحص لم يرد في دليل شرعي حتى نبحث عن معناه العرفي، بل الموضوع للحكم الشرعي هو الجاهل والشاكّ وهو صادقٌ هنا، ولم يقم دليل على وجوب الفحص في غير الشبهات الحكميّة أو تلك المقرونة بالعلم الإجمالي (الموسوعة (المعتمد) 28: 44).

وردّ السيد فضل الله على الخوئي بأنّ مراد النائيني ليس هو صدق الفحص وعدمه، بل صدق عنوان أنّه شاكّ أو جاهل، فهذا الشخص الذي لا تكلّفه معرفة أنّه مستطيع أو لا، سوى (كبسة زر) صغيرة، لا يقال بأنّه لا يعرف أنّه مستطيع أو لا، فتجري البراءة في حقّه بلا معارض، ومن ثم فلا يصحّ ترتيب أحكام الشاكّ والجاهل عليه (فقه الحج 1: 145).

وعلى العكس من ذلك تماماً، ذهب الشيخ فاضل اللنكراني إلى أنّ المعيار ليس وجوب الفحص، كما أفاد فضل الله، بل عنوان الجاهل والعالم، ولا شكّ في صدق عنوان الجاهل عليه في هذه الحال (تفصيل الشريعة، الحجّ 1: 141).

الدليل الثاني: ما ذكره النائيني في مباحث الصلاة، حيث قال: «كلّما رجع الشكّ إلى ناحية القدرة العقليّة، فمن حيث عدم دخلها في الملاك، العقل يستقلّ بوجوب الفحص ويحكم بذلك حكماً طريقيّاً، نعم لو كانت القدرة شرطاً شرعيّاً، فمن حيث دخلها في الملاك كما تقدّم كان الشكّ فيها شكّاً في أصل التكليف، فلا يجب الفحص حينئذ إذا كان الشكّ فيه من أجل الشبهة الموضوعية كما فيما نحن فيه، إلا أن يقوم دليل من الخارج على وجوب الفحص، أو كان الخطاب المشروط بالقدرة يقتضي الفحص؛ لأنّه كانت القدرة المأخوذة في الخطاب شرعاً، مما لا يمكن العلم بها بحسب العادة إلا في الفحص كما في الاستطاعة الحجّيّة، فإنّ العلم بحصولها لا يمكن عادةً إلا بالفحص عن مقدار المالية وما يملكه. وهذا هو السرّ في فتوى المشهور بوجوب الفحص عن الاستطاعة، مع أنّ القاعدة لا تقتضي ذلك..» (كتاب الصلاة 1: 284).

ويناقش بأنّ دعوى أنّه لا تعلم الاستطاعة إلا بالفحص عادةً، غير صحيحة؛ فكثير من الناس يعرفون أنّهم مستطيعون أو غير مستطيعين من معرفة حالهم المادّي بشكل عفوي خلال السنة، فلا يحتاجون في وقتٍ معيّن للنظر والفحص والحساب. نعم بعضهم يحتاج لذلك، وعليه فدعوى غلبة عدم معرفة الاستطاعة إلا بالفحص ناظرٌ للطبقة المتوسّطة في المجتمع، حيث يصدق ذلك على بعض أفرادها، لا للطبقات الفقيرة أو محدودة الدخل أو عالية الدخل.

الدليل الثالث: ما ذكره الشيخ فاضل اللنكراني، من أنّه بعد علمنا باهتمام الشارع بالحجّ اهتماماً عظيماً، لا يكون مبرَّراً ترك الحجّ لمجرّد أنّه كان بإمكانه الفحص السريع الخفيف لمعرفة أنّه مستطيع أو لا (تفصيل الشريعة، الحجّ 1: 144 ـ 145).

ويناقش بأنّ المسألة ليست في اهتمام الشريعة بالحجّ في نفسه، وكذا الخمس والزكاة اللذين بُحث فيهما بما يشبه هذا البحث، إنّما في أنّ الشريعة هل حكمت ـ نصّاً أو مآلاً ـ بعدم لزوم الفحص أو لا؟ فلو دلّ الدليل على عدم لزوم الفحص، فإنّ مجرّد اهتمام الشريعة بالحجّ في نفسه حتى عُدّ تركه كفراً، لا يوجب التخلّي عن دليل عدم لزوم الفحص ولو كان أصلاً عمليّاً؛ لأنّ هذا الدليل يحدّد أيضاً مستوى اهتمام الشريعة بالحجّ، فهذا مثل لزوم تحصيل الاستطاعة؛ فإنّ اهتمام الشريعة بالحجّ لا يفرض علينا القول بلزوم تحصيل الاستطاعة لتحقيق الحجّ.

هذا، وقد ذكرت وجوه أخرى واضحة الدفع لا حاجة للإطالة بها.

قد تقول: إنّ العرف لا يفهم الفصل هنا، فلو أمر المولى العبد بإحضار كوب من الماء وكان يبين منه العطشُ، فأن لا يتحرّك العبدُ لإحضاره؛ لاحتمال عدم وجود كوب من الماء، هو محلّ مذمّة عرفاً وعقلائيّاً، فدعوى الفصل تحتاج في كلّ مسألة إلى مسوّغ شرعي.

والجواب: إنّ المثال المذكور يفهم العرف من الأوّل فيه وجوب البحث عن ماء لإحضاره؛ لأنّه عندما يطلب منه الماء، فإنّ المتعلّق هو إحضار الماء، وهو شامل لكلّ مقدّمات الإحضار، لكن لو قال له: ائتني بالماء إن وجدته، فإنّ عدم وجدانه الماء يسمح له باجراء قاعدة عدم وجوب الفحص، فالمسألة تابعة لطبيعة الدليل، أمّا الكلام هنا ففي أصل الفكرة بصرف النظر عن وجود قرينة خاصّة في الدليل، والمفروض أنّه لا توجد قرينة خاصّة هنا؛ لأنّ الآية تقول بأنّه يجب الحجّ على المستطيع، بمعنى إن استطعت فحجّ، فأين هي القرينة على لزوم البحث عن الاستطاعة؟!

والنتيجة: إنّ ما أفاده أمثال الخوئي واللنكراني هو الصحيح من عدم وجوب الفحص.

 

الاستطاعة المالية بين الملكيّة وسلطة التصرّف

([2]) هذه المسألة وبعض المسائل المشابهة لها يمكن أن تُدرج تحت عنوان واحد يبيّن قاعدةً جليّة في باب الاستطاعة الحجيّة، وهي أنّ الاستطاعة المالية لا تعني ملكيّة مال يمكن به ـ نظريّاً ـ الذهاب إلى الحجّ، بل تعني كون المال مقدوراً على التصرّف فيه بحيث يقال عن هذا الشخص بأنّه مستطيع للذهاب للحجّ؛ لأنّ هذا المال تحت سلطته التصرّفيّة، من هنا إذا كان لديه مال لا يقدر على التصرّف فيه، لكونه في يد شخص ظالم أو غاصب أو بعيد عنه ولا يقدر على الحصول عليه أو على بدله، فلا يصدق عليه أنّه مستطيع وقادر على الذهاب للحجّ، وإلا صدق، فالعبرة في الصدق العرفي للاستطاعة هنا، وعليه تُبنى هذه المسألة ككثير من أمثالها.

 

حكم تبديد مال الاستطاعة أو التصرّف فيه

([3]) تحدّثنا عن هذه المسألة في بحث الاستطاعة الوقتيّة، فلا نعيد، وقلنا بأنّ معيار ثبوت الوجوب هو لحظة تحقّق الاستطاعة، سواء قبل المسير أم بعده، قبل الرفقة أم بعدهم، قبل أشهر الحجّ أم بعدها، وبناء عليه تترتّب نتائج وفروع:

أ ـ لا يجوز لمن استطاع فثبت وجوب الحجّ عليه أن يبدّد استطاعته بحيث لا يقدر على الحجّ ولو متسكّعاً؛ لأنّ هذا تخلّف عن أداء الواجب الثابت في ذمّته.

ب ـ هذا التصرّف لا فرق في حكمه في أيّ وقت حصل بعد اللحظة الأولى لتحقّق الاستطاعة.

ج ـ تبديد مال الاستطاعة له وجهان:

الوجه الأوّل: تبديد تكويني، بحيث لا يبقى المال أساساً، دون المرور على اعتبار قانوني، مثل إحراق المال أو وضعه ـ عن تقصير ـ في مكان فيتلف، والحكم واضح.

الوجه الثاني: تبديد اعتباري، بمعنى أن يهبه لشخص آخر لا يقدر معه على استرداده أو يكون مملوكاً فيعتقه، أو يتصدّق به، أو غير ذلك، فهنا هل يحكم بصحّة المعاملة التي وقعت أو لا؟

حكم الماتن بالصحّة رغم العصيان بتبديد مال الاستطاعة، على قاعدة أنّ النهي في المعاملة لا يقتضي الفساد، وهو الصحيح.

 

عدم اشتراط التملّك في صدق الاستطاعة المالية

([4]) هذا الفرع من توابع القاعدة الكليّة التي أشرنا إليها قبل قليل، عند التعليق على (المسألة رقم: 38)؛ لأنّ العبرة بصدق أنّه قادر على الحجّ ولديه ما يمكّنه من الذهاب، لا أنّه يملك مالاً يذهب به للحجّ، لهذا لا فرق في تحقّق القدرة هذه بين ملكيّته لهذا المال أو قدرته على التصرّف فيه بما لا يوجب منعاً شرعيّاً ولا حرجاً ولا ضرراً عليه.

وهنا، إذا كانت إباحة التصرّف تتضمّن ضماناً للمال المتصرّف فيه، فهذا يعني أنّه في الحقيقة يستدين المال بمجرّد تصرّفه فيه، فيشترط ما يشترط في الدَّين، أمّا إذا كانت إباحة التصرّف لا تتضمّن ضماناً، فالأمر أسهل. وعلى أيّة حال، فقد ذكر الماتن قيداً يستوعب ذلك وهو «مع وجدان سائر الشروط»، فقدرته على ردّ المال بعد سنة أو سنتين في مورد الضمان يجب أن يكون ضمن الشروط؛ لأنّه مندرجٌ في الاستطاعة.

لكن هنا وجهتا نظر مختلفة كليّاً أو جزئيّاً:

وجهة النظر الأولى: ما ذهب إليه بعضٌ، مثل السيد محسن الحكيم، فيما نقل عنه، من أنّ ظاهر تعابير النصوص مثل: «يكون له ما يحجّ به» أو «يكون له زاد وراحلة»، هو الملكيّة، دون مجرّد الإباحة وسلطة التصرّف.

ونوقش بمناقشة صحيحة، بأنّ هذه النصوص لا تفيد لغةً الملكيّة، فتعبير «له زاد وراحلة»، أي تتوفّر له الزاد والراحلة، غايته أنّ توفّرها غالباً ما يكون بالتملّك.

وجهة النظر الثانية: ما ذهب إليه بعضٌ، مثل العلامة فضل الله، من شرط أن تكون إباحة التصرّف بهذا المال للذهاب به إلى الحجّ اباحةً لازمة، كما لو وقعت شرطاً ضمن عقد لازم، أو يحصل الوثوق باستقرارها وعدم الرجوع فيها، على قاعدة عدم صدق الاستطاعة من دون ذلك (فقه الحجّ 1: 152 ـ 153).

ومن الواضح أنّ بناء العلامة فضل الله هنا هو على ما ذهب إليه في بحث الملكيّة المتزلزلة، وقد علّقنا هناك على (المسألة رقم: 29) من المناسك، حيث قلنا بأنّ الأقرب القول بأنّه لو كان واثقاً أو لديه ظنّ عالٍ ـ فضلاً عن اليقين ـ بأنّه لن يقوم باسترداد الهبة مثلاً، ولو لنقل الموهوب له الملكية من التزلزل إلى اللزوم، ثبتت الاستطاعة ووجب عليه الحجّ، وإلا ـ وبخاصّة لو حصل له ظنٌّ بأنّه سوف يستردّها ـ فصدق عنوان الاستطاعة عرفاً مشكوك، ويكفي الشكّ في هذه الحال؛ إذ لا يمكن التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للعام نفسه.

 

الاستطاعة المالية بين الحدوث والبقاء

([5]) تعرّض السيد الماتن هنا لعدّة صور، لكنني سأعرضها بطريقةٍ أوسع ومختلفة بعض الشيء عن الطريقة التي عرضها، وهي:

الصورة الأولى: أن يتلف مال الاستطاعة قبل الخروج من بلده أو في أثناء الطريق، ومن الواضح هنا أنّ هذا يكشف أنّه لم يكن مستطيعاً؛ لأنّ الاستطاعة ليست مجرّد دخول المال في ملكه أو سلطته آناً ما؛ بل هي أيضاً القدرة على التصرّف في المال قدرةً توصله للحجّ وتؤمّن له أداءه، والمفروض أنّ هذا الأمر لم يتوفّر هنا، فلا يكون مستطيعاً من الأوّل، بل نحن توهّمنا أنّه مستطيع.

ولا فرق في تلف مال الاستطاعة بين أن يتلف كلّه أو يتلف قسم منه فقط، بحيث لا يكفي الباقي للحجّ، فكلاهما يصدق عليه تلف مال الاستطاعة؛ لوحدة النتيجة والتأثير.

قد تقول: كيف نكون قد توهّمنا وفق هذه الصورة، مع كون المال قد تلف أثناء الطريق، أي إنّه كان مستطيعاً حقيقةً ولم يعد كذلك بعد أن تلف المال، فلماذا نعتبر ذلك وهماً؟!

والجواب: لأنّ الاستطاعة هي القدرة الحقيقيّة على الوصول لمكّة وأداء المناسك، وبعد فقدان المال في الطريق، ينكشف أنّه لم يكن مستطيعاً لهذا؛ لأنّ الفقدان نفسه أكّد لنا أنّه ـ في لوح الواقع ـ ليس مستطيعاً، بالمعنى الكامل للكلمة، فالاستطاعة ليست مجرّد وجود المال عندي لحظةً واحدة، وإلا لزم استقرار الحجّ في الذمّة هنا، بل هي وفاء هذا المال عمليّاً بمتطلّبات الحجّ، فلو أنّ شخصاً حصل على عشرة آلاف دولار اليوم، ثم سرقت منه غداً، فهل يقال عنه بأنّه مستطيع للحجّ هذا العام؟ بالطبع لا. وإنّما قلنا عنه ذلك قبل السرقة؛ لأنّنا تصوّرنا أنّ المال الذي حصل عليه، سوف يحقّق له الحجّ خارجاً، ثم تبيّن لنا أنّنا كنّا واهمين، ولم نكن نعرف أنّ المال سوف يُسرق.

الصورة الثانية: أن لا يتلف مال الاستطاعة، بل يتعلّق في ذمّة المكلّف حقّ ماليّ آخر يفرض استهلاك مال الاستطاعة في أدائه. وهذه الصورة لها حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون ما تعلّق في ذمّته ناتجاً عن أمرٍ قهري ليس هو فيه مقصّراً ولا عامداً، كما لو أتلف مال غيره على نحو الخطأ، فلزمه ضمان ما أتلفه له، ففي هذه الحال تخضع هذه القضيّة لما تقدّم في مسائل الديون من حيث الحلول والتأجيل والمطالبة وغير ذلك، فلو كانت المطالبة قائمة هنا والدين حالاً، ولم يكن التأخير ممكناً، وكان أداء ما في ذمّته موجباً لعدم قدرته على الذهاب للحجّ؛ لأنّه سوف يؤدّيه من مال الاستطاعة، فهنا أيضاً يسقط وجوب الحجّ من رأس، وينكشف أنّه لم يكن مستطيعاً؛ لأنّ هذا في قوّة تلف مال الاستطاعة، بل هو تلفٌ حكمي ـ إن صحّ التعبير ـ ولو قبل أداء دينه له.

الحالة الثانية: أن يكون ما تعلّق بذمّته ناتجاً عن أمرٍ عمدي صدر من المكلّف نفسه، بمعنى أنّه أتلف مال غيره عمداً، فهنا حكم الماتن بأنّ هذا مثل إتلافه مال الاستطاعة عمداً، وتعجيز نفسه عن الذهاب به، ويفترض في هذه الحال أنّ وجوب الحجّ يستقرّ في ذمّته، فيلزمه ولو متسكّعاً، وبتعبير آخر: إتلاف مال الاستطاعة تارةً يكون بطريقٍ مباشر، وأخرى بطريقٍ غير مباشر، كما فيما نحن فيه.

وقد ناقش العلامةُ فضل الله في هذه الحالة، بأنّ بعض صورها لا يصدق عليه إتلاف مال الاستطاعة، كما لو أتلف مال غيره، وهو لا يعلم أنّ ذلك يوجب الضمان، أو كان غافلاً عن كونه موجباً للضمان، ففي هذه الحال لا يصدق أنّه أتلف مال الاستطاعة عامداً، كي يستقرّ وجوب الحجّ في ذمّته (فقه الحجّ 1: 154 ـ 155). وكلامه فيه وجاهة.

الصورة الثالثة: أن يتلف مال الاستطاعة بعد إجراء مناسك الحجّ، بمعنى أن يصل إلى مكّة ويؤدّي الحجّ، ولكن يتلف القسم المتعلّق بما بعد الحج من مال الاستطاعة، وهو عبارة عن:

أ ـ مال كافٍ لعوده لبلده.

ب ـ مال كافٍ بعد عوده إلى بلده (الرجوع إلى ما به الكفاية).

ج ـ ماله في بلده الذي يفترض أن يكون كافياً لأهله وعائلته حتى رجوعه.

في هذه الصورة ـ أي تلف ولو أحد هذه الأموال الثلاثة ـ حكم الماتن بصحّة حجّه، معتبراً أنّ ما حصل لا يكشف عن كونه لم يكن مستطيعاً من الأوّل، وعليه فلا يلزمه إعادة الحجّ من قابل، بل يجزؤه عن حجّة الإسلام.

وفي مقابل قول السيد الماتن قولٌ آخر يعتبر أنّ علينا تطبيق الآلية نفسها التي طبّقناها قبل ذهابه للحجّ، فما دامت هذه الأشياء جزءاً من الاستطاعة، وما دامت قد فُقدت، فهذا يعني أنّه لم يكن مستطيعاً وأنّنا توهّمنا استطاعته، فلماذا لا نقوم بترتيب نفس الآليّة الاستدلاليّة هنا أيضاً؟!

على هذا الأساس، قدّم السيد الماتن ومن ذهب لمثل مذهبه، عدّة تخريجات لتبرير تصحيح الحجّ، وأهمّها:

التخريج الأوّل: ما أفاده السيد اليزدي في العروة، وحاصله ـ مع تقريب وتعميق منّا ـ الاستدلال بالنصوص التي تعتبر الحجّ قائماً ومجزياً فيما لو مات الحاجّ بعد الإحرام ودخول الحرم، فإنّ هذه الصورة لا شكّ في أنّ الاستطاعة فيها قد زالت بزوال الشخص نفسه وموته، فنستكشف من ذلك ـ ولو بطريق الأولويّة ـ أنّه لو فقد الاستطاعة بعد إتمام الأعمال، يكون حجّه مجزياً.

وهذه النصوص التي نتكلّم عنها لا نقصد بها أنّ الله يثيبه، فهذا لا يكفي كما هو واضح، بل المقصود أنّه يجزيه عن حجّة الإسلام، بما يترتّب على ذلك من آثار مرتبطة بالنيابة عنه أو نحو ذلك.

ويناقش بأنّ هناك اختلافاً كبيراً بين الموردين، فلعلّ الله رتّب أثر الإجزاء عليه لكونه قد عاجله الموت وهو في معرض أداء فريضة الحجّ، فأسقط التكليف عن الآخرين، فيما لو كان حيّاً لربما طالبه بالإتيان بالحجّ كاملاً عن استطاعة، وبعبارة أخرى: الأولويّة هنا ـ فضلاً عن الدلالة المباشرة ـ غير منعقدة؛ لاحتمال خصوصيّة في المقام تستدعي إجزاء حجّه بموته دون ما لو بقي حيّاً.

التخريج الثاني: ما ذكره السيد الماتن في بحوثه، وكان طرحه السيد محسن الحكيم في (مستمسك العروة 10: 116)، من أنّنا إنّما نأخذ شرط مؤونة الحجّ إياباً أو نحو ذلك لا بدليل الاستطاعة نفسه، بل بقاعدة نفي الحرج، ومن الواضح أنّ هذه القاعدة امتنانية، فلو أجريناها بعد الانتهاء من الأعمال، لكان ذلك خلاف الامتنان؛ إذ أيّ امتنان في أن يحكم عليه بفساد عمله الذي أتى به؟!

ويمكن أن يناقش:

أوّلاً: إنّ تكاليف العودة والرجوع الى كفاية ونحو ذلك مأخوذة بدليل الاستطاعة لا بقاعدة نفي الحرج، كما بيّنا ذلك عند التعليق على (المسألة رقم: 22) من المناسك، وكذلك على شرط الرجوع إلى كفاية، حيث قلنا هناك بأنّ ما ذهب إليه الماتن من ربط القضيّة بالحرج دون الاستطاعة غير صحيح، وبناءً عليه لا تصحّ هذه المقاربة؛ لأنّ الموضوع ليس موضوع الامتنان، بل موضوع صدق عنوان الاستطاعة عليه.

ثانياً: إنّ الامتنان هنا متحقّق؛ لأنّه لم يحكم بفساد عمله، بل وقع عمله صحيحاً ومثاباً عليه، غاية الأمر أنّه يجب عليه حجٌّ آخر، إلا إذا قيل بأنّ الامتنان بروح قاعدة نفي الحرج هو امتنانٌ بملاحظة التخفيف، وليس امتناناً ينتج عنه تكليفٌ إضافيّ، فيصحّ ما أفاده الماتن من هذه الزاوية.

التخريج الثالث: ما أثاره السيد محسن الحكيم، من أنّ هذه المسألة كثيرة البلوى، ومع ذلك لا نجد في النصوص عيناً ولا أثراً لها، فلو كان يجب إعادة الحجّ لظهر وبان، هذا مضافاً للارتكازات المتشرعيّة في المقام (مستمسك العروة الوثقى 10: 115).

وهذا التخريج فيه وجاهة، لكن يحتاج للتعميق في تفسير السبب، وذلك أنّ الاستطاعة شرط وجوب، وليست شرطَ إجزاء، بمعنى أنّ غير المستطيع لو حجّ ناوياً حجّة الإسلام، فذهب متسكّعاً مثلاً بحيث لم يكن في ذلك حرمة شرعيّة عليه، سقط عنه حجّة الإسلام؛ لأنّ المطلوب منه الإتيان بالحجّ في العمر مرّة، كما طرحنا مثله في باب الصغير. والمفروض أنّ هذا الأمر قد تحقّق هنا، لهذا لا يقول العرف والعقلاء والمتشرّعة بأنّه لم يأتِ بحجّة الإسلام، بل يقال بأنّه حجّ لله تعالى، بل حجّ حال كونه مستطيعاً، وهذا كافٍ. وبهذا نعرف أنّ انعدام النصوص والأسئلة في المسألة ووجود الارتكاز المتشرّعي مرجعه لهذا النوع من الفهم العقلائي العرفي للقضيّة.

ولكن أورد الشيخ فاضل اللنكراني على الارتكاز هنا، فقال: «إنّ المرتكز عند المتشرّعة وإن كان ذلك، إلا أنّ الظاهر توسعة الارتكاز حتى بالإضافة إلى تلف الأموال في أثناء الأعمال، وقد عرفت أنّه لا يمكن الالتزام به. وسكوت الروايات مع التعرّض لأصل اعتبار الاستطاعة الظاهر بمقتضى ما ذكر في الذهاب والإياب، لا دلالة فيه على شيء. إلا أنّه مع ذلك كلّه لا يمكن الالتزام بأنّه لو مرض بعد الأعمال مرضاً لو كان حادثاً حين الحركة لما كان يجب عليه الحجّ، يكشف ذلك عن عدم كون حجّه حجّة الإسلام، وهكذا تلف مؤونة العود. والإنصاف أنّ المسألة مشكلة، ولا يكون شيءٌ من الوجهين ظاهراً» (تفصيل الشريعة، الحج 1: 163 ـ 164).

ويرد عليه:

أوّلاً: إنّ ما أورده على الارتكاز غايته قيام الدليل على مخالفة هذا الارتكاز وتخطئته في مورد تلف الأموال أثناء الأعمال، لو سلّمنا بقيام الدليل على عدم إمكان الالتزام به، فيقع التعارض بين الارتكاز وذاك الدليل، ويمكن حلّ الأمر بطريقة أو بأخرى، لكنّ هذا لا يُبطل أساس الارتكاز فيما يتعلّق بما بعد أداء الأعمال، حيث لا معارض لهذا الارتكاز هنا. ودعوى عدم الفصل غير واضحة.

ثانياً: إنّ المراد من سكوت النصوص ليس كليّة نصوص الاستطاعة، بل النصوص المتعرّضة لهذا التفصيل الابتلائي الخاصّ، وإلا فكليّة نصوص الاستطاعة إنّما هي بصدد بيان عناصر الاستطاعة تمهيداً لثبوت التكليف في الذمّة بعد عدم ثبوته قبلها، وليست ناظرة لمثل الحالة التي نحن فيها، فيكون السكوت هنا متحقّقاً.

 

وجود الاستطاعة واقعاً لا ظاهراً وفي أفق المكلّف ووعيه

([6]) البحث هنا يقع في مقامين منفصلين عن بعضهما:

المقام الأوّل: في المعذوريّة عن عدم الحجّ أو عن تفويت الاستطاعة بعد فرض تحقّقها، وعدم المعذورية، وهنا ينبغي ربط الحكم بالقصور والتقصير، فإذا كان جهله قصوريّاً أو غفلته قصوريّة أو نحو ذلك، فلا شكّ في كونه معذوراً، بينما لو كان ذلك عن تقصير وتهاون، فإنّه لا يكون معذوراً في تفويته الحجّ في عام الاستطاعة بصرف النظر عن موضوع الفورية في الوجوب، ولا عن تفويته الاستطاعة الماليّة وتبديدها، وهذا واضحٌ في نفسه ومستندِه.

المقام الثاني: في ثبوت الحجّ عليه أو استقراره، بصرف النظر عن كون فواته أو فوات الاستطاعة في عامها معذوراً فيه أو لا، وهنا ذهب بعضٌ لثبوت الوجوب مطلقاً، وبعضٌ لعدمه مطلقاً، وبعضٌ للتفصيل، كما في كلام الماتن أعلاه.

والصحيح أنّ الاستطاعة شرطٌ واقعي، إذ هذا هو الظاهر من النصوص، وليست شرطاً علميّاً، ومعه فما دام في لوح الواقع مستطيعاً فقد ثبت الحجّ في ذمّته، وهذا هو مقتضى القاعدة، وإذا أردنا الاستثناء فلا بدّ لنا من البحث عن تخريج، ويمكن تخريج الاستثناء على أحد الشكلين الآتيين:

الشكل الأوّل: أن يقال بأنّ الاستطاعة ولو كانت شرطاً واقعيّاً، لكنّه في مورد العذر في حالة الجهل المركّب أو حالة الغفلة عن الحكم والموضوع، لا يكون مخاطباً أساساً بوجوب الحجّ رغم تحقّق الاستطاعة، فكيف يخاطب القاطع بعدم الاستطاعة بوجوب الحجّ؟! وكذا كيف يخاطب الغافل في حال غفلته؟! والمفروض أنّهما معذوران.

وهذا بخلاف غير المعذور أو الجاهل الشاكّ، فإنّ دليل الرفع يرفع المؤاخذة في حقّ الشاكّ، أو فقل بأنّ الرفع ظاهري، وليس واقعيّاً، فيبقى الحكم الواقعي على حاله، وكذا غير المعذور؛ لأنّ غفلته لا تمنع عن ثبوت الحكم الواقعي في حقّه.

ولكن قد يقال بأنّ عدم إمكان مخاطبة الغافل حال غفلته يتساوى فيه حال العذر وعدمه، فلا ينبغي الخلط بين المعذوريّة وتصحيح الخطاب، فلو كان الجهل المركّب أو الغفلة أو الجهل البسيط مانعاً عن الخطاب في حال تحقّق هذه العناوين، فلا فرق بين حال العذر وعدمه، وإلا فلا يكون مانعاً مطلقاً.

الشكل الثاني: أن يقال بأنّ الأحكام لا قيمة لها في مرحلة الإنشاء، وأنّ الحكم الحقيقي هو الحكم الفعلي خاصّة، وعليه فحيث لا يوجد حكم فعلي لا يوجد حكم، وهنا لا يوجد حكم فعلي (انظر: فضل الله، فقه الحج 1: 160).

والجواب: إنّه لا مانع من ثبوت الأحكام بنحو الفعليّة، لا بنحو التنجّز، بناء على التفريق بين هذين المقامين، وهنا نقول بأنّ تمام شروط الحجّ موجودة، غاية الأمر أنّ المكلّف غير ملتفت لذلك قصوراً أو تقصيراً، لعذرٍ أو لغير عذر، أو غير محرزٍ لذلك كذلك، فيكون الحكم فعليّاً في حقّه، بمعنى ثبوته في الذمّة، إنّما الذي لا يثبت هو المؤاخذة على تقدير العذر.

فالصحيح هو استقرار وجوب الحجّ عليه في تمام الصور والحالات، وفاقاً لأمثال السيّدين: اليزدي والخميني، وخلافاً لأمثال المحقّق القمي والسيد الخوئي.

وبهذا ينتهي البحث الأصلي التأسيسي في شروط وجوب الحجّ، لينتقل الكلام إلى الحجّ البذلي وما يتلوه من الوصية بالحجّ والحجّ النيابي ونحو ذلك.