الثورة العنفيّة ضدّ الأنظمة غير الشرعيّة أو الحاكم المنحرف / دراسة فقهيّة استدلاليّة في النظريات والطروحات
حيدر حب الله([1])
تمهيد
يعدّ هذا البحث في العصر الحاضر من أهمّ أبحاث فقه الجهاد الداخلي في المشاريع السياسيّة الإسلاميّة، ومن أهمّ موضوعات فقه السياسة الشرعيّة، وقد جرى تداوله بين الإسلاميّين في الوسطَين: السنّي والشيعي بعد سقوط الدولة العثمانيّة، وحتى قبل ذلك كان هذا الموضوع متداولاً في الأبحاث الفقهيّة.
وقد تعدّدت التعبيرات الفقهية حول هذا اللون من الجهاد، فعبّر عنه: الخروج، والخروج المسلّح، وجهاد الطغاة، والثورة، والثورة الإسلاميّة، والثورة المسلّحة، والنهوض، والملحمة، والفتنة، وقتال الظلمة، وقتال الأمراء، والقيام على الحاكم، وجهاد السيف، والانقلاب، والحركة التحريريّة لتصحيح الأوضاع، والحرب الأهليّة([2]).
والشيء الذي يجمع جملة هذه التسميات ـ وإن كنّا نرى بعضها ليس دقيقاً، مثل تسمية الحرب الأهليّة، فإنّه عنوان أعمّ ـ هو قيام فريق من المسلمين الذين يعتقدون بعدم شرعيّة السلطة القائمة أو انحرافها، بالثورة (المسلّحة) الدموية ضدّها، بغية تصحيح الانحراف أو إسقاط الحاكم واستبداله بغيره، أو إسقاط النظام ككلّ لإقامة نظام آخر، يقوم في رأيهم على ما يرتضيه الإسلام.
وقد سعى بعضُهم لجعل هذا النوع من الجهاد، ثلاثة أصناف هو: القتال ضدّ الحاكم المنحرف، وقتال مغتصب السلطة، والقتال لإقامة دولة إسلاميّة([3])، وهي محاولة تمييز جيّدة في حدّ نفسها من حيث نتيجة البحث على تقدير صحّتها، فقد يذهب الفقيه إلى وجوب قتال مغتصب السلطة، لكنّه لا يذهب إلى وجوب إقامة دولةٍ إسلاميّة، فهذا الافتراض معقول طبقاً لنظريّات عدّة في الفكر السياسي الإسلامي، فالحاكم العادل الذي لا يظلم شعبه ويرضى شعبُه به ربما يعتبر ـ وفق بعض النظريات السياسيّة ـ غير مغتصب للسلطة، لكنّ دولته قد لا تكون دولةً إسلاميّة تعتمد الإسلام مصدراً للقوانين والإجراءات، فمن يقول بوجوب مقاتلة مغتصب السلطة لا يحكم بوجوب القتال هنا على تقدير عدم اعتقاده بوجوب إقامة دولة إسلاميّة، وهكذا.
إلا أنّ هذا التمييز من حيث النتائج لا نجده يستدعي ـ على مستوى مباحث باب الجهاد ـ فرز ثلاثة أنواع للحرب للبحث عن أدلّتها، وإنّما المطلوب كفايةً هو السعي نحو الأدلّة تحت عنوان واحد، والخروج بهذه النتيجة أو تلك؛ لعدم وفرة الأدلّة التي تجعل إمكان الفصل وارداً، ما دامت الأحكام واحدة.
ضرورة التمييز بين مفهومَي: إقامة الدولة الدينيّة وجهاد الطغاة
كما يجب أن نعرف في بداية هذا البحث، أنّه لا علاقة لنا هنا بالنظريّة الفقهيّة السياسية التي تحدّد انحراف هذا الحاكم أو عدم انحرافه([4])، أو تحدّد إسلاميّة النظام وعدم إسلاميّته، أو تحدّد اغتصاب هذا الحاكم للسلطة وعدم اغتصابه لها، فهذا بحثٌ من شؤون الفقه السياسي على مستوى شرعيّة السلطة وهيكليّتها، فمثلاً هل يجب إقامة دولة إسلامية في عصر الغيبة (شيعيّاً) أو لا؟ سؤال هام على صعيد الفقه الشيعي، لكنّه ليس هو بحثنا، إنّما الذي يعنينا هنا هو: على تقدير وجوب إقامة هذه الدولة أو مشروعيّتها، هل يجب أو يجوز إقامتها عبر استخدام الجهاد المسلّح على طريقة الانقلابات العسكريّة أو الحرب الأهليّة أو الثورات ذات الطابع الدموي.. أو أنّ ذلك منحصر بالطرق السلميّة كالمظاهرات السلميّة والتغييرات الحاصلة من داخل المؤسّسات الحكومية أو المدنيّة أو نحو ذلك؟
وقد وقع بعض الباحثين في هذا الخلط، فتصوّر أنّ إقامة الدولة إذا كانت واجبةً فيجب الجهاد لذلك ضرورةً، مع أنّ الموضوع مختلف؛ إذ قد تجب إقامة الدولة لكنّ طريقة إقامتها قد تُشرط شرعاً بأن لا تكون دمويةً تؤدي إلى حرب داخليّة، وإنّما تكون سلميّة. كما تصوّر بعضٌ آخر أنّ بعض الروايات التي نهت عن القتال الدموي ضدّ الحكم الجائر تعني حرمة إقامة نظام إسلامي، مع أنّه لا ملازمة ضروريّة، كما هو واضح، فتفكيك جهة البحث هنا وتمييز مركزه أمرٌ في غاية الأهمية، لا يصحّ تجاهله البتة، وإن كانت بعض هذه المفاهيم استخدمت لإثبات بعضها الآخر، كما سوف نرى ونناقش ذلك في محلّه.
أضف إلى ذلك، ثمّة فرق بين مسألة معونة الجائر والتعاون معه وقبول هداياه والصيرورة من رجاله وأعوانه مما بحثه الفقهاء مؤخراً في مباحث المكاسب، وبين البحث الذي نحن فيه، فذاك البحث حتى لو كانت نتيجته هي الحرمة الشديدة لا يعني وجوب قتاله أو إسقاط نظامه أو السعي لإقامة نظام بديل، بل غاية ذلك حرمة التعاون معه، فهي تحرّم الفعل الإيجابي، لكنها لا تأمر بالفعل السلبي بأشكاله، بل قد تكتفي بمنطق العزلة دون موالاة للسلطة ولا معارضة لها، كما يقال بأنّ الشيعة الإماميّة تاريخيّاً كانوا يختارون العزلة السياسيّة فيما الزيدية والإسماعيليّة كانوا يفضلون المعارضة السياسيّة. لكن سيأتي أنّ بعض الأدلّة قد تتلاقى، إنّما نرفض الربط التامّ بين الموضوعات.
وعلى أيّة حال، فسوف نستعرض هنا النظريّتين الرئيستين في هذا الموضوع لبيان ما هي أدلّتها ومحاكمتها، ثم بعد ذلك ملاحظة النتائج والتفاصيل.
ونؤكّد على أنّه حيث معركة الآراء هنا تقع بين الفريق الذي يرى شرعيّة هذا الجهاد والفريق الذي يرى حرمته، سنجعل محور الاتجاهين الرئيسيّين قائماً على الشرعيّة أو عدم الشرعيّة، ومن هذا المدخل نطلّ على سائر الأمور، إن شاء الله تعالى.
وأختم هذا التمهيد بإبداء أسفي ودهشتي معاً ـ بعد تتبّعي قدر مكنتي ـ لقلّة الأبحاث الفقهيّة الاستدلاليّة في هذا الموضوع نسبيّاً، رغم مرور عقود على انطلاقة الحركة الثوريّة الإسلاميّة وغيرها، مع أنّ انطلاقة المشروع الثوري يستدعي في المرحلة السابقة ممارسة تنظير فكري له ـ وهو ما تمّ إنجاز الكثير على صعيده ـ إلى جانب تنظير فقهي وفقاً لأسس الاجتهاد الإسلامي، وذلك بغية تذليل العقبات العلميّة التي قد تقف أمامه أو لتصويب الحركة ومساراتها.
استعراض تاريخي موجز للموقف من الثورة المسلّحة
انقسم الفقهاء والمفكّرون المسلمون في شرعيّة الخروج المسلّح على الحاكم الجائر، ويقدّم لنا أبو الحسن الأشعري (324هـ) تصنيفاً رباعيّاً لمواقف المذاهب القديمة، فيقول: «اختلف الناس في السيف على أربعة أقاويل: فقالت المعتزلة والزيديّة والخوارج وكثير من المرجئة: ذلك واجبٌ إذا أمكننا أن نزيل بالسيف أهل البغي ونقيم الحقّ، واعتلّوا بقول الله عزّ وجلّ: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوى، وبقوله: فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ. واعتلّوا بقول اللّه عزّ وجل: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. وقالت الروافض بإبطال السيف ولو قُتلت حتى يظهر الإمام فيأمرَ بذلك. وقال أبو بكر الأصمّ ومن قال بقوله: السيف إذا اجتمع على إمامٍ عادل يخرجون معه فيزيل أهل البغي. وقال قائلون: السيف باطلٌ ولو قتلت الرجال وسُبيت الذرّيّة وأنّ الإمام قد يكون عادلاً ويكون غير عادل، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقاً، وأنكروا الخروج على السلطان ولم يروه، وهذا قول أصحاب الحديث. واختلفوا في إنكار المنكر والأمر بالمعروف بغير السيف، فقال قائلون: تغيّر بقلبك فإن أمكنك فبلسانك، فإن أمكنك فبيدك. وأمّا السيف فلا يجوز، وقال قائلون: يجوز تغيير ذلك باللسان والقلب فأمّا باليد فلا»([5]).
وبهذا تكون هناك أربعة اتجاهات وفق لعرض أبي الحسن الأشعري:
الاتجاه الأوّل: وجوب إزالة الظالم ولو بالسيف، نُسب ذلك إلى المعتزلة والزيديّة والخوارج وكثير من المرجئة.
الاتجاه الثاني: ما نسبه إلى الروافض حسب تعبيره، من القول بإبطال السيف، حتى لو قَتَل الحاكمُ ما قتل، وأنّ هذا الأمر موكول لظهور الإمام عندهم.
الاتجاه الثالث: ما ذهب إليه أبو بكر الأصمّ المعتزلي (200 أو 201هـ)([6])، ومن معه، من وجوب الخروج بالسيف بشرط حصول اجتماعٍ على إمامٍ عادل يخرجون معه.
الاتجاه الرابع: ما ذهب إليه أصحاب الحديث، من بطلان الخروج بالسيف، فَعَل الحاكم ما فعل.
ومن خلال هذا التقسيم الرباعي الذي يضعه الأشعري، يتبيّن وجود انقسام حادّ بين الاتجاهات الإسلاميّة، كما فيما بين الزيدية وأهل الحديث، والملفت أنّ الأشعريّ ينسب إبطال السيف إلى الشيعة إلا مع ظهور الإمام، وهذا يدلّ ـ على الأقلّ ـ على اشتهار هذا الحكم شيعيّاً في عصره وما قاربه، وهو عصر الغيبة الصغرى في التصنيف الزمني عند الشيعة الإماميّة.
ويذهب ابن حزم الأندلسي ممثلاً ـ تقريباً ـ اتجاه المذهب الظاهري، إلى أنّ الخروج واجب، ويعقد له عدّة أدلّة، بل يدّعي أنّ أيّ نصّ ديني يتحدّث عن طاعة الحاكم الفاسق وموادعته منسوخٌ، وينسب هذا الرأي في وجوب الجهاد هنا إلى كلّ من عليّ بن أبي طالب ومن معه من الصحابة، وعائشة وطلحة والزبير ومن معهم، ومعاوية ومن معه، والحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وكلّ من قام في الحرّة من الصحابة والتابعين([7]).
كما ينسب بعضُ أهل الملل والنحل للجهم بن صفوان السمرقندي (128هـ) القولَ بجواز الخروج على السلطان الجائر، بل ممارسته بنفسه للخروج([8]).
ويبتعد الفقيهُ النووي في شرحه على صحيح مسلم عن ابن حزم ابتعاد السماء عن الأرض، فيرى الخروج على الحاكم ـ ولو فاسقاً ـ حراماً بإجماع المسلمين. وقد نسب ذلك القاضي عياض اليحصبي ـ فيما نقله عنه النووي ـ إلى جماهير أهل السنّة([9]).
وبملاحظة مواقف أهل السنّة نجد تمييزاً بين كفر الحاكم وفسقه، ففي الكفر الصريح يجاهَد ولو بالسيف، أمّا في غيره فلا، كما نجد تمييزاً عند بعضهم بين فسق الإمام وبين تبديله في الدين، فيخرج عليه في الثاني دون الأوّل، ومرجع التمييز الثاني إلى الأوّل.
أما في الوسط الشيعي الإمامي، فقد سادت ولفترات طويلة نظريّة عدم الخروج المسلّح على الحاكم، ربما لقلّة الإمكانات أحياناً، إلا أنّ هذا الموضوع عاد للتداول في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، مصاحباً لحركة انطلاق الحركة الإسلاميّة في إيران والعراق ولبنان، وانقسم الفقهاء فريقين: أحدهما موافق والآخر مخالف، وكانت من أهمّ المساهمات الفقهيّة الجادّة ـ على قلّتها في هذا المضمار ـ محاولتان:
المحاولة الأولى: ما كتبه الشيخ حسين علي منتظري في كتاب: دراسات في ولاية الفقيه أو فقه الدولة الإسلاميّة.
المحاولة الثانية: ما كتبه السيد كاظم الحائري في كتابيه: الكفاح المسلّح في الإسلام، وولاية الأمر في عصر الغيبة.
وغيرهما من المحاولات، مثل ما قدّمه الشيخ محمّد مهدي الآصفي وغيره.
وقد انتصرت هاتان المحاولتان للنظريّة التي أخذت تسود تدريجيّاً الوسط الشيعي، وهي نظريّة شرعيّة الخروج على الحاكم الجائر، لكن ومع نهاية الثمانينات وبسبب انتصار الثورة في إيران، وعجز الحركات الإسلاميّة في سائر البلدان الإسلاميّة عن إسقاط الأنظمة، بدأت تظهر فكرة تغيير الأنظمة بالطرق السلميّة أو تأجيل هذا المشروع، وذاب تدريجيّاً الطرح الذي ينادي بالتغيير المسلّح أو يرخّص به، وظهرت في هذا الوسط محاولة الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي نادى فيها بالتغيير السلمي في المجتمع وبالمصالحة بين الحركة الإسلاميّة والأنظمة، لكن استمرّت النظرية التغييرية المسلّحة لدى بعض الباحثين، غير أنّ المساهمات الاجتهادية الجادّة ظلّت محدودةً جداً، وهو أمر نأسف له كما قلنا سابقاً؛ إذ المفترض بموضوع بالغ الخطورة مثل هذا الموضوع أن يشارك الفقهاء فيه بجدّية، كي يساهم ذلك في ترشيد حركة العمل الإسلامي في المجال السياسي.
وعلى أيّة حال، نطرح ـ بدايةً ـ نظريّة الخروج المسلّح على الحاكم الجائر، ثم نطرح النظريّة المقابلة، لنحاول الخروج بتصوّرٍ ما.
النظريّة الأولى
نظريّة شرعيّة الثورة المسلّحة ضدّ الأنظمة
يُستند لإثبات النظريّة القائلة بشرعيّة الثورة المسلّحة ضدّ الأنظمة، إلى عدّة أدلّة أساسيّة هي:
1 ـ مبدأ الكفر بالطاغوت ودوره في إنتاج الثورات غير السلميّة، قراءة نقديّة
أوّل الأدلّة هنا هو الاستناد إلى الآيات القرآنية الدالّة على لزوم الكفر بالطاغوت، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (النساء: 60).
وتقريب الاستدلال بهذه الآيات أنّ المراد بالطاغوت كلّ متعدٍّ، من الطغيان وهو التجاوز عن الحدّ، مع مبالغة، فالطاغوت إمّا كلّ متجاوِز أو كلّ متجاوَز به مثل الأصنام التي يُتجاوز بها الله تعالى.
ومن الواضح أنّ هذا المعنى للطاغوت يصدق على الحكّام الظالمين وحكّام الجور؛ ذلك أنّهم إمّا يتجاوزون حدود الله سبحانه، ولهذا كانوا حكّام طاغوت، أو يتجاوز بهم حدود الله، وذلك من قِبَل محكوميهم، فيكون ذريعة لتجاوز حدود الله سبحانه، بل قد ورد في بعض الروايات ما يفيد تطبيق مفهوم الطاغوت على الحكّام الجائرين.
هذا على خطّ الطاغوت وشموله للحكّام الجائرين، أمّا معنى الكفر هنا فهو المخالفة له والجحود به ومقارعته، فتكون النتيجة وجوب مقارعة الحكّام الجائرين ومواجهتهم، تمسّكاً بدلالة مادة الأمر على الوجوب في قوله: «وقد أمروا..»([10]).
ويمكن التعليق هنا:
أ ـ هذا الاستدلال قابلٌ للنقاش، من ناحية أنّ الآيات دالّة على لزوم الكفر بالطاغوت. ومفهوم الكفر فيها ورد في مقابل دعوة من دعا إلى التحاكم إلى الطاغوت، فيكون المراد ـ ولو في الاحتمال القوي الموجب لهدم دعوى الظهور المقابل ـ التبرّي منه والجحود به وتركه، ولا دليل على أزيد من هذه المعاني التي ذكرت في اللغة لمعنى الكفر من التبرّي والجحود والستر، وهذا الأمر يحول دون انعقاد ظهور أو إطلاق في مفهوم المواجهة بما فيها المسلّحة، فيعيق التمسّك بالآية الكريمة.
ب ـ أمّا عن نسبة هذا الدليل إلى الأدلّة المانعة عن الخروج المسلّح فهي نسبة العام والخاص، إمّا من جهة كون الحاكم الطاغوت خصوص المسلم أو خصوص عصر الغيبة شيعيّاً أو غير ذلك، فتصلح تلك مقيدةً لإطلاق الدلالة هنا، سواء الإطلاق الموجود في كلمة «طاغوت»، أم الإطلاق الموجود في كلمة «أمروا أن يكفروا به»، فتقدّم تلك الأدلّة على هذا الدليل على تقدير تماميّتها.
ج ـ إضافةً إلى ذلك، لا تحدّد لنا هذه الآيات المعيار الذي يصبح فيه الحاكم طاغوتاً بحيث يجوز القيام عليه، هل فسقه الشخصي أو ظلمه للرعيّة أو عدم تطبيق الشريعة؟ وإن كان المفترض بالمستدلّ هنا الالتزام بالإطلاق؛ لأنّه جعل معنى «الطاغوت» هو كلّ تعدٍّ على حدود الله، إلا إذا كانت هناك قرينة صارفة.
2 ـ مبدأ النهي عن الركون للظالمين وإنتاج فقه الثورة، تعليق ونقد
ثاني الأدلّة هو ما دلّ من الآيات والروايات على النهي عن الركون إلى الظالمين، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (هود: 113).
وبيان الاستدلال بهذه الآيات والروايات أنّها ظاهرة في حرمة الركون، بدلالة صيغة النهي فيها من جهة أولى، والإعلام بإيجاب ذلك دخول النار من جهة ثانية. ومعنى الركون هو الميل، والمصاحبة، والانقطاع إليهم، ومداهنتهم وما شابه ذلك. وهذا كلّه يلازمه فعلياً مواجهتهم ومقارعتهم؛ إذ لا يمكن أن يجتمع عدم الركون إلى الطغاة مع العيش بسلامٍ معهم، فتدلّ ـ التزاماً ـ على وجوب الخروج، بما فيه المسلّح، عليهم، حيث لا يمكن غيره([11]).
وهذا الوجه قابل للمناقشة أيضاً؛ وذلك أنّ عدم الركون لا يلازم ـ عرفاً ـ المواجهة معهم، بل يصدق بالهجرة عن دارهم، وبالمعارضة السلميّة لهم حتى لو لم تؤدّ إلى نتيجة، حيث يقال عرفاً إنّه لا ركون إليهم ولا ميل نحوهم، فالاستدلال بهذه الملازمة المدّعاة في غير محلّها.
والمدلول اللغوي لكلمة الركون وأمثالها يفيد فعلاً إيجابيّاً نحوهم مثل الميل والمصاحبة والانقطاع إليهم ومداهنتهم والتودّد إليهم والاعتماد والاتكاء عليهم و.. أمّا الانعزال عنهم وهجرهم وأمثال ذلك فلا تفيده الدلالة اللغوية إطلاقاً. وقد بحثنا حول مفهوم الركون بالتفصيل في موضعه([12]).
3 ـ مرجعيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تأصيل التفكير الثوري، وقفة تأمّل
ثالث المرجعيّات الاستدلاليّة هنا، هو الاستناد إلى الآيات والروايات الدالّة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث تدلّ بإطلاقها على لزوم إسقاط النظام المنحرف أو القيام عليه، ولو قياماً مسلّحاً([13]). ومن الواضح في أدبيات التاريخ الإسلامي ومذاهبه استخدام هذه المفردة في تبرير الثورات، فخلع عنوان الأمر والنهي هو من الأمور المتداولة في الأدبيات القديمة عند الثوريّين المسلمين المعارضين للسلطات القائمة آنذاك.
وبيان كيفيّة الاستناد إلى أدلّة فريضة الأمر بالمعروف هنا، وهو من أهم الأدلّة، هو:
أ ـ إنّ المراد بالأمر والنهي في هذه الفريضة ليس الأمر والنهي القوليّين، بحيث يستخدم الآمر صيغة الأمر أو مادته، أو يستخدم الناهي صيغة النهي أو مادته، وإنّما الحمل على المعروف والمنكر، وهذا المعنى كما يكون باللسان يكون باليد أيضاً، وتطبيقه في موردنا بأنّ استخدام القوّة ضدّه نوعٌ من حمل الحاكم على المعروف وترك المنكر، فتكون إطلاقات هذه الفريضة شاملة لهذا الباب أيضاً.
ب ـ أن نستند إلى الروايات الواردة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي تؤسّس لمرتبةٍ جديدة من مراتبه، وهي مرتبة اليد، بدعوى أنّ المراد باليد، مطلق الحمل على المعروف ولو باستخدام القوّة، فيكون موردنا هنا مشمولاً لنصوص هذه المرتبة حينئذ.
ومما يساعد على هذا الفهم لباب الأمر بالمعروف هو ما نجده عند بعض الفقهاء من إدراج باب الجهاد في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يشير إلى أنّهم يرون فيها مفهوماً مندرجاً في الأمر بالمعروف أو في جوّه ومناخه.
وهذا الدليل سبق أن ناقشناه بالتفصيل في مباحث فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([14])، لكنّني أشير هنا لبعضٍ من تلك المداخلات باختصار، وعلى هذا يمكن المناقشة فيه بكلتا صيغتيه؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ هذا المورد، أي تطبيق باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على موارد الجهاد الداخل ـ إسلامي الموجب لإراقة الدماء، لا يحرز شمول إطلاقات باب الأمر بالمعروف له؛ لأنّ هذه الإطلاقات جاءت:
أ ـ إمّا لوصف المؤمنين بأنّهم يأمرون بالمعروف، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ..﴾ (التوبة: 71)، ومن الواضح أنّ هذا السياق ليس في مقام البيان حتى نأخذ بإطلاقه، فلعلّ فريضة الأمر والنهي خاصّة بغير حال القتل والجرح وإقامة الحروب، وهذا محتمل.
ب ـ أو لوصف النبيّ‘ بصفاتٍ حميدة، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ..﴾ (الأعراف: 157)، وهذا المقام ليس مقام تشريع أحكام حتى نأخذ فيه بالإطلاق.
ج ـ أو لأصل الحث على هذه الوظيفة وتقريرها بوصفها مبدأ وفريضة في الإسلام، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)، فهذا اللسان ونحوه يريد تأسيس أصل الفريضة والحثّ عليها، ولا يريد بيان أنّ هذه الفريضة ما هي مراتبها؟ وهل تصل إلى حدّ إراقة الدماء أو فتح حروب بين المسلمين أو لا؟
د ـ أو لبيان سلبيّات ترك هذه الفريضة وإيجابيّات فعلها، كما جاء في عدد من الروايات كخبر يحيى بن الحسن([15]) وغيره، ومثل هذا اللسان لا يتسنّى جعله مرجعاً يُستند إلى إطلاقه في مثل هذا المورد الخطير.
وعليه، يصعب الحصول على نصّ إطلاقي ثابت يستوعب الصورة التي نحن فيها.
ثانياً: لو سلّمنا الدلالة الإطلاقيّة في نصوص تشريع الفريضة نقول: إنّها تعارض بالعموم من وجه ما دلّ على حرمة إراقة دماء المسلمين كما هي الحال غالباً في مورد الثورات المسلّحة، فإذا حصل التعارض، فالمرجع هو التساقط، كما تقرّر في أبحاث التعارض من أصول الفقه، فدليل الفريضة يقول: يجب الأمر بالمعروف مطلقاً أدّى ذلك إلى إراقة دماء المسلمين أم لا، بينما دليل حرمة دماء المسلمين ينادي بحرمة ذلك مطلقاً سواء كان هناك أمر بمعروف أم لا، ومقتضى ذلك سقوط الدليلين في مورد التعارض، والعودة إلى العمومات الفوقانيّة أو الأصول العمليّة في المقام، ولم يعد يمكن إثبات وجوب الخروج على أقلّ تقدير.
ثالثاً: إنّ الروايات التي ورد فيها الحديث عن مرتبة اليد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يصحّ الاستناد إليها هنا لضعف دلالة ما صحّ منها، وضعف سند ما دلّ منها، وقد قلنا بأنّ دلالة أكثرها غير تامّة لمثل موردنا، على ما حقّقناه مفصّلاً في محلّه([16]).
رابعاً: قلنا في مباحث فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «أنه يمكن فرض مفهومين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الأول: المفهوم العام، والذي يستوعب كلّ عمل تغييري نحو الأفضل، فيشمل بذلك الجهاد ضدّ الكافرين أو البغاة أو الطغاة أو غير ذلك، كما يشمل الحدود والتعزيزات والقصاص والديات والأحكام القضائية التي تصبّ جميعها في سياق إصلاح الوضع العام، وهنا نقبل بمرتبة اليد في الأمر والنهي ويكون معناها هو الجهاد وأمثاله مما تقدّم، لكن تجري على هذه المرتبة الأحكام الخاصّة بالجهاد والحدود والقصاص والقضاء والتعزير وغيرها، فيكون الجهاد هو مرتبة اليد مثلاً.
الثاني: المفهوم الخاص، وهو كلّ ما نفرضه بمعزل عن الجهاد والحدود ونحو ذلك، وهنا لا يوجد ما يدلّ على مرتبة اسمها اليد؛ إذ النصوص الصحيحة الدلالة مع ضعف السند لا ترقى أن تكون اثنين أو ثلاثة، وهذا القدر لا يفيد تواتراً ولا اطمئناناً بالصدور، ولم تثبت رواية صحيحة السند وتامّة الدلالة حتى يؤخذ بها، ولو كان فهو لا يتخطّى الحديث أو الاثنين، علماً أننا لا نأخذ ـ كما حقّقنا مفصّلاً في مباحث حجيّة الحديث من أصول الفقه ـ إلا بالخبر المطمأنّ بصدوره، وتحصيل الاطمئنان ـ سنداً ودلالةً ـ بهذا الأمر الخطير من مثل هذه النصوص القليلة يبدو عسيراً»([17]).
وهذا يعني أنّ إطلاق عنوان الأمر بالمعروف يمكن أن يصحّ بالمفهوم العام دون الخاصّ، وهذا المفهوم العام أحكامُه لا ترجع لباب الأمر بالمعروف فقط، بل ترجع للأبواب الأخرى التي تمثل مصداقاً له فيلحَقُه شروطها، مثل باب الجهاد، والمفروض أنّنا نبحث الآن في هذا الباب لنعرف الشروط، فلا يمكن التمسّك بأدلّة الأمر والنهي لفرض الحكم هنا، فتأمّل جيّداً.
وعليه، يصعب الجزم بدلالة باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما يشمل حالة إحداث حربٍ بين المسلمين وتقاتل وسفك دماء وما إلى ذلك من مستلزمات ومستتبعات. لكن إذا أمكن القيام ضدّ الحاكم بحيث لا يلزم منه ذلك، فقد يُقال: لا مانع منه، إلا أنّه قليل الوقوع.
قد يقال: إنّ الإمام الحسين× قد جعل ثورته مصداقاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مقولته المشهورة: «لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً.. أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكرو أسير بسيرة جدي و..»([18]). فهذا خير دليل على صحّة الاستدلال بأدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هنا.
إلا أنّ هذه الرواية رغم دلالتها، بحثنا عنها ووجدنا أوّل من كتبها ودوّنها ـ بما يتضمّن صيغة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ هو صاحب كتاب الفتوح، ابن الأعثم الكوفي المتوفى 314هـ، ولم نجدها ـ متضمِّنة للجملة موضع الشاهد ـ في أيّ مصدر حديثي أو روائي سنّي أو شيعي عدا بحار الأنوار وما بعده، وهي في جميع المصادر مرسلة لا سند معتبراً لها، كما لم أجد الرواية في مصادر التاريخ الكبرى، فهذا يعيق إمكانيّة الاستدلال بها على الحكم الشرعي، مضافاً إلى أنّ الرواية في كتاب الفتوح وبعض المصادر الأخرى أضيف إليها "السير وفق سيرة الخلفاء الراشدين"، وهو إمّا تقيّة مداراتيّة، وهي بعيدة هنا، أو هذا يوجب ـ شيعيّاً ـ التشكيك في هذا الخبر.
4 ـ تنزيل فقه جهاد البغاة على جهاد الطغاة، ملاحظات تقويميّة
رابع الأدلّة هنا هو الاستناد إلى عمومات جهاد البغاة، وذلك على أساس أنّ مغتصب السلطة أو الظالم للرعية أو المخالف لشرع الله باغٍ، فيتمسّك بدليل جهاد البغاة، لإثبات وجوب مقارعة هؤلاء الظالمين الباغين على المسلمين. وقد رأينا أنّ أدبيّات العلماء المسلمين سابقاً كانت تستخدم كلمة "البغي" للإشارة إلى موضوعنا هنا.
وبصياغة أعمق: إنّ آية البغي تشير إلى نقطتين: الأولى الإصلاح بين المقاتلين، والثانية مقاتلة الباغين منهم، ونحن لا نحتمل أن يكون الواجب الثاني مرتبطاً بالواجب الأوّل، بمعنى حصر جهاد البغاة بأن تكون إحدى الطائفتين المتقاتلين قد بغت على الأخرى، بل نأخذ بدلالة: «فقاتلوا التي تبغي» لإثبات حكم كلّي، وهو وجوب مقاتلة كلّ باغٍ، سوى كانت هناك حرب سابقة أم لا، وسواء حصلت محاولة إصلاح أم لا، وسواء بغت فئة على فئة أم فئة على الإمام ومنصبه.
وبعبارة أخرى: إنّ المقطع المذكور من الآية حكمٌ مستقلّ بنفسه، فكلّ باغٍ تجب مقاتلته، حتى لو لم يبدأ هو بالقتال، فالمورد وإن كان حصول تقاتل، لكنّ المورد لا يخصّص الوارد، ومعه كانت حروب معاوية وغيره حروبَ بغي، وإن لم يبدؤا هم بالقتال أوّلاً.
وعليه، فحيث إنّ الحكّام الجائرين باغون على الإمام الشرعي وخارجون عن حكمه وسلطانه وإطاعته، وجبت محاربتهم ومواجهتهم([19]).
وقد نوقش هذا الدليل، ويناقَش، من جهات:
أوّلاً: ما ذكره السيد كاظم الحائري، من أنّ عمدة الدليل على جهاد البغاة هو الآية الشريفة في سورة الحجرات، وهي ظاهرة في الباغي المحارب بالفعل، المنشغل بالحرب ونار الفتنة، وهذا أمرٌ غير متحقّق هنا، فإنّ الحكّام الظالمين هم المسيطرون ـ حسب الفرض ـ وليسوا في حاجة إلى إشعال حرب، بل يهمّهم عدم اشتعالها، فيكون هذا المورد هنا خارجاً عن دلالة الآية الكريمة([20]).
وهذا الإشكال:
1 ـ أجاب عنه الشيخ الآصفي، بأنّ الآية القرآنية لا تتحدّث عن حكمٍ واحد هو اقتتال جماعة، ثمّ الإصلاح بينهما، ثمّ بغي إحدى المجموعتين على الأخرى، فهذا خطأ في تفسيرها، بل المقطع الأوّل من الآية منفصل عن المقطع الثاني، وبهذا يكون في الآية حكمان هما:
أ ـ اذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين فأصلحوا بينهما.
ب ـ إذا بغت جماعة من المؤمنين فقاتلوا هذه الفئة الباغية بلا فرق بين أن تقاتل غيرها أو لا تقاتل، فالمهم صدق أنّها بغت([21]).
إلا أنّ هذا الجواب غير واضح؛ وذلك:
أ ـ إنّ في الآية ربطاً بحرف «الفاء» في قوله: «فإن بغت»، مع التعبير بـ ﴿إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ في إشارة إلى الطائفتين المذكورتين سابقاً.
نعم، نحن نقبل أنّ الاقتتال ليس من الضروري أن تكون قد شرعت به الفئة الباغية، بل قد تشرع به الفئة الأخرى، مع صدق عنوان البغي على الثانية، إلا أنّ عنوان البغي هذا واضحٌ من الآية أنّه جاء في سياق الاقتتال الداخلي، لا في سياق مطلق الخلاف. فإحراز شمول الآية لغير هذا المورد صعب.
ب ـ إنّ التمسّك بهذه الطريقة في تفسير الآية، معناه أنّ أيّ بغي يحصل من جهة بين المسلمين على جهة أخرى يوجب الحرب ضدّ الفئة الباغية دون حاجة إلى المطالبة بالصلح أو نحوه؛ لأنّ فكّ المقطع الثاني عن الأوّل، معناه أنه تجب محاربة كلّ فئة باغية، وهذا البغي ليس من الضروري ـ حسب رأي المجيب هنا ـ أن يكون قتالاً؛ إذاً فإذا بغت جماعة على أخرى في أمرٍ وجب تجهيز جيشٍ لمقاتلتهم، لا الحديث عن الصلح أو المحاكمة القضائيّة، وهذا إذا تمّ سيلزم منه تخصيص الأكثر المرفوض؛ لأنّنا نحرز من الخارج عدم صحّة هذه الطريقة إلا في حالات محدودة باعتراف المجيب، فكيف يمكن أن نلتزم بهذا التفسير؟!
ج ـ إنّ الظاهر من الآية أنّ البغي كان بغيَ فريقٍ على آخر، دون مطلق البغي ولو كان بغياً على أحكام الله، وعليه فلا تصلح الآية، حتى لو اقتطعنا الجزء الثاني منها، دليلاً دوماً في محلّ بحثنا، وذلك أنّه لو رضي المسلمون بحاكمٍ غير شرعي ـ وفق نظريّة سياسية فقهيّة ما ـ لكنّه كان عادلاً لا يبغي على جماعة المؤمنين، كلّ ما في الأمر أنّه غير فقيه مثلاً على نظريّة ولاية الفقيه، أو لا يطبّق الشريعة بأكملها، أو هو فاسق في شخصه أو.. فهنا لا يصدق عليه الجزء الثاني من الآية الكريمة، فكيف جُعلت هذه الآية دليلاً على وجوب إسقاط الأنظمة غير الشرعيّة مطلقاً؟!
فالإنصاف أنّ هذا الجواب على إشكال السيد الحائري في غير محلّه.
2 ـ أجاب عنه ـ أيضاً ـ السيد الحائري نفسه، بأنّ سيرة الإمام علي× في حرب البغاة كانت أنّه هو من كان يبدؤهم بالقتال، لا أنّهم كانوا يشعلون نار الحرب والفتنة بين المسلمين، فهذا دليلٌ على أنّ حكم البغي الوارد في الآية لا يختصّ بمن يبدأ بالقتال، بل حتى لو لم يكن الباغي ـ كما هي الحال مع السلطان غير الشرعي ـ شارعاً بالقتال وجب الخروج عليه تحت عنوان البغي([22]).
وهذا الوجه أجاب عنه الحائري نفسه([23]) بأنّه دليلٌ لبّي يصعب التعدّي عنه، فمورده كون الذي بغي عليه هو الإمام المبسوط اليد، وما نحن فيه عكس ذلك. بل قد يمكننا أن نضيف هنا بأنّه من غير المعلوم أن لا يصدق على الخوارج أنّهم أرادوا القتال، وبغوا على الناس، واعتدوا عليهم.
ثانياً: إنّ ظاهر الآية أنّ الفريقين جماعة، وما نحن فيه بغيٌ على الإمام الشرعي، وهو فرد، فمغتصب السلطة فردٌ اعتدى على الحاكم الشرعي الذي هو فردٌ أيضاً، مع أنّ ظاهر الآية وجود جماعتين.
وهذا الإشكال غير دقيق؛ لأنّه يصوّر الصراع شخصيّاً، مع أنّ طبيعة الأشياء أن يكون مع الإمام الشرعي جماعته، ومع الحاكم المتسلّط جماعته أيضاً، فليست الأمور فرديةً، وإن كان الأمر قد يحصل كذلك في حالات نادرة جدّاً.
ثالثاً: ما ذكره السيد الحائري ـ وتبعه الآصفي ـ من أنّ سفك الدماء في الخروج على السلطان الجائر أكبر بكثير عادةً من سفكها في قمع الخارجين على النظام الشرعي، مما يعني أنّ الترخيص في سفك الدماء والاقتتال الداخلي في حالة قمع الخارجين، لا يلازم الترخيص في الحالة الثانية عرفاً. لكنّ الحائري والآصفي عادا وعلّقا بأنّ هذه المسألة تختلف باختلاف الظروف، فقد تكون كذلك وقد تكون بالعكس و..([24]).
والتعليق الأخير في محلّه، لكنّ أصل الإشكال غير وارد؛ لأنّ مقاتلة البغاة لا تعني مقاتلة خصوص الباغين على الإمام الشرعي الخارجين عن سلطانه، كما تصوّر ذلك مشهور الفقهاء، الذين مشى على فهمهم الحائريُّ هنا، فقد بيّنا فيما تقدّم أنّ البغي مفهومٌ أوسع من ذلك بكثير، وأنّ بغي الخارجين أحد أنواع البغي الذي دلّت عليه الآية، وعليه، فنحن لا نريد التعدّي من قتال البغاة بالمصطلح الفقهي إلى قتال السلطان الجائر، حتى يبرز هذا الفرق ويُتوقّف في أمر التعدي، بل الهدف الاستناد إلى الآية مباشرة للأخذ بإطلاقها دفعةً واحدة في تمام الحالات، لا في حالة خاصّة كي يُتعدّى منها إلى غيرها، وعليه فلا فرق بين كثرة الدماء المسفوكة وقلّتها بحسب دلالة الآية بالعنوان الأوّلي.
وحصيلة الكلام في هذا الدليل الرابع أنّه لا يدلّ على قاعدةِ شرعيّة أو وجوب الثورة المسلّحة ضدّ النظام الجائر مطلقاً، بل إذا صدق أنّ هذا النظام اعتدى على المؤمنين وقاتلهم ودارت حرب بين الطرفين بحيث لا يمكن وقفها إلا بمقاتلته كان ذلك، لكن بين هذه النتيجة والبحث الذي نبحثه هنا نسبة العموم والخصوص من وجه.
5 ـ مرجعيّة لزوم الاهتمام بأمور المسلمين وإعانة المظلومين، تأمّلات ومراجعات
خامس الأمور التي عوّلوا عليها هنا هو الاستناد إلى النصوص الدينيّة الدالّة على لزوم إعانة الضعفاء والمظلومين، وعدم جواز ترك المبالاة بأمور المسلمين، فإنّ التمسّك بإطلاق هذه النصوص يدلّ على لزوم القيام بهذه الوظائف حتى لو كان ذلك على سبيل الكفاح المسلّح([25]).
ومن هذه الروايات ـ وهي كثيرة موجودة في مصادر الحديث عند السنّة والشيعة ـ ما ورد عن النبي‘، وبعض الأئمّة، باختلافات طفيفة: «لن تقدّس أمّةٌ لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير متتعتع»([26]).
وهذا الدليل قابلٌ للمناقشة من جهتين:
الجهة الأولى: إنّ الصورة التي تفرضها هذه الروايات أقصى ما فيها لزوم الاهتمام بأمر المسلمين والدفاع عن حقّ المظلومين، وهذا إنّما يصدق في بعض أنواع الحكومات الفاسدة، وهي الحكومات التي تظلم شعبها وتبطش بهم، أمّا الحاكم المنحرف في شخصه، أو الذي لا يطبّق شرع الله تعالى، فهذا لا يُعلم نظر مثل هذه النصوص إليه، فلا يمكن الاستناد إليها في مورده، كما هو واضح.
الجهة الثانية: لا يُحرز في مثل هذه النصوص انعقاد إطلاق يشمل حالة الحرب الداخليّة بين المسلمين وسفك الدماء، فإنّ الاهتمام بأمر المسلمين يصدق بمتابعة أمورهم والدفاع عنهم بغير أسلوب القتال العسكري، ولا نحرز نظر مثل هذه النصوص إلى مطلق اشكال الدفاع أو الاهتمام حتى ما أدّى منه إلى معارضة مسلّحة. نعم، بعض ألسنة بعض الروايات الآحاديّة يستوحى منه مثل هذا الإطلاق، بل لو أخذ بالإطلاق للزمت لوازم في بعض الروايات هنا؛ إذ الإطلاق محفوظ حتى في مثل الظلم الفردي أيضاً. وستكون لنا عودة لبعض هذه الأدلّة هنا؛ لأخذ مجموع المقدار الذي يمكن أخذه من كلّ واحد منها.
6 ـ مرجعيّة التحليل العقلاني لمنظومة التشريع الإسلامي، مراجعة نقديّة
سادس المقاربات الاستدلاليّة هنا هو تحليل طبيعة الإسلام ومشروعه الإنساني، فإنّ الإسلام دينٌ عالميّ يهدف للسيطرة على العالم، وإقامة حكمه فيه، وإذا كان كذلك لا يحتمل أن يحرّم القيام العسكري ضدّ الفئة الحاكمة المنحرفة عندما ينحصر علاج انحرافها بتقويمها بالقوّة ولو العسكريّة، فعدم تشريع الإسلام حكماً من هذا النوع يعدّ نقطة ضعف تشريعيّة فيه، تؤدّي إلى عدم التوازن الداخلي في تشريعاته([27]).
وبصيغة أخرى: إنّه من الضروري تفكيك التشريعات والقوانين نفسها، وأن نرى انسجامها بعضها مع بعض، وعليه، كيف يمكن لدين أن يهدف السيطرة على العالم لإقامة حكومة الحقّ، وخوض حروب مع كلّ الناس لأجل ذلك، إلا أنّه يمنع عن مجاهدة الفئة الحاكمة عند المسلمين والتي تفرّغ الإسلام من مضمونه وتبعده عن الحكم والإدارة؟! إنّ نفس هذا التحليل العقلائي يفضي إلى اليقين بأنّ الإسلام فيه تشريعُ القيام المسلّح ضدّ الحاكم المنحرف.
لكنّ هذا الكلام قد يلاحظ عليه:
أوّلاً: إنّ هذا اللون من الاستدلال نوعٌ من القياس؛ إذ نحن هنا تعدّينا من تشريع عالميّة الإسلام والجهاد الابتدائي لبسط حاكميّة الدين إلى حكمٍ آخر في موضعٍ آخر، وهو القيام المسلّح ضد النظام الحاكم المسلم، وهذا هو القياس بعينه، فيكون باطلاً.
ويمكن أن يجاب ـ كبروياً ـ بأنّ هذا اللون من الاستدلال ليس قياساً، بل هو تحليلٌ عقلائي لطبيعة التشريعات يؤدّي إلى اليقين أو الاطمئنان بثبوت تشريعٍ ما، ومثله كثيرٌ في ممارسات الفقهاء المسلمين حتى الرافضين لنظريّة القياس، فعندما يقول بعضٌ: إنّ ملاحظة مجمل التشريعات الإسلاميّة يُفضي إلى اليقين بعلاقة الدين بالسياسة، وبأنّه لا يقام الدين بلا دولة.. فهو لا يريد ممارسة قياس، بقدر ما يريد فهم طبيعة التشريعات فهماً عقلائياً عرفيّاً موجباً لليقين، دون الظنّ، كما هي الحال في القياس، فنحن هنا أقرب لفهم مذاق الشارع من مسألة القياس.
ثانياً: إنّ هذا الدليل مبنيٌّ على افتراض أنّ الإسلام يسعى للسيطرة بالقوّة على العالم، وهذا ما يقوم على نظريّة الجهاد الابتدائي، وقد سبق أن بحثنا هذه النظريّة مفصّلاً، وشكّكنا في وجودها في الشريعة الإسلاميّة. وعليه، فغاية ما في عالميّة الإسلام هو نشره بالقول واللسان والوسائل السلميّة الأخرى، ومن ثمّ فلا تكون هناك أيّ مفارقة قانونيّة في أن يحظر الإسلام الخروج المسلّح على الحاكم، كما يحظر الجهاد الابتدائي، أو لا يشرّعه، فيختلّ المنطلق الذي انطلقت منه عمليّة الاستدلال هنا.
ثالثاً: مع قبولنا بممارسة مثل هذا النوع من التحليل العقلائي للتشريع، إلا أنّنا نجده هنا يواجه عقبة؛ وذلك أنّنا نعلم باليقين أيضاً من جملة نصوص الكتاب والسنّة أنّ دماء المسلمين من أعظم الحرمات، فأيّ مانع أن تتعاطى الشريعة في مجال السياسة الخارجيّة بمنطق القوّة، إلا أنّها تقف متحفّظةً عن استخدام المنطق عينه في السياسة الداخليّة، حمايةً للكيان الداخلي للمسلمين وحصراً لأساليب التغيير الداخلي بالطرق السلميّة، وهذا أمرٌ معقول ووجيه، له نماذج في القوانين البشريّة، وعليه فلا يُحرز التعدّي المذكور في روح هذا الدليل، رغم الممارسة الاجتهاديّة الجميلة التي يحتويها.
7 ـ مبدأ تحريم إعانة الظالم وحبّ بقائه في تشييد المنطق الثوري، نقدٌ وتأمّل
سابع مداركهم هنا هو ما دلّ على حرمة إعانة الظالم ومساعدته، وحبّ بقائه، وهذه الروايات كثيرة جداً في مصادر الحديث الشيعيّة والسنيّة، لا نطيل باستعراضها، فقد بحثها الفقهاء بالتفصيل في مباحث المكاسب المحرّمة، فلتراجع هناك، وألسنة هذه الروايات شديدة جداً.
وتقريب الاستدلال بهذه النصوص أنّ التسليم للظالم وإطاعته في أوامره الحكوميّة، والخضوع لقوانين دولته من أبرز مظاهر الدعم له والتأييد، فيكون ذلك مشمولاً لحرمة إعانة الظالم كيفما كان([28])، أليس سكوت المعارضين عن ظلم الظالم إعانة له وخدمة يرتاح بها حكمه ويمتدّ بها سلطانه؟! فكيف يكون تقديم دواة وقلم للظالم حرام، وهو إعانة له، ولا يكون سكوت المعارضين إعانة وخدمة؟! إنّ الفهم الحرفي لنصوص الإعانة يصوّرها لنا فعلاً، فيما قد تكون سكوتاً وسلباً.
وهذا الوجه في الاستدلال يختلف عن الدليل الثاني المتقدّم، وهو حرمة الركون، من حيث إنّ مفهوم الإعانة يختلف عن مفهوم الركون، فيكون تقريب الاستدلال مختلفاً، إضافة إلى أنّ المستند هناك عمدته الدليل القرآني، فيما المستند الأساس هنا هو النصوص الحديثيّة، والتي لن نبحث في سندها ودلالتها منفردةً، كي لا نخرج عن أصل البحث.
ومن الطبيعي هنا أن تترك رؤية الفقيه في مسألة إعانة الظالمين أثراً على بحثنا هنا، فإذا خرج الفقيه بنظريّةٍ هناك ترى حرمة إعانة الظالم مطلقاً، في أمرٍ حلالٍ أو حرام، ينفتح عنده وجه الاستدلال هنا، أمّا إذا كان يرى حرمة الإعانة في الأمر الحرام فقط، كما ذهب إليه بعض الفقهاء، أشكل هذا الاستدلال، فإنّ مجرّد السكوت ـ بما هو هو ـ ليس أمراً حراماً، كما لا إعانة فيه على حرامٍ بعينه، ما لم نقل بأنّه إعانة على بقاء حكمه، إلا أنّ الذي يقول بتخصيص الإعانة بالحرام يخرج هذه الصورة، وإلا كان خلف التخصيص، إذ كلّ إعانة ستكون على حرام حينئذ، وتفصيل مباحث إعانة الظالمين موكول إلى محلّه، وقد أشرنا سابقاً لعدم وجود تحريم كلّي في هذا الصدد.
وعلى أيّة حال، فهذا الوجه غير تامّ؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ الظاهر من مراجعة الروايات في باب إعانة الظالمين ـ لا سيما التامّ سنداً منها ـ أنّها ناظرة إلى الإعانة بمعنى الفعل الإيجابي الذي يقوم به الإنسان فيساعد الظالم في ذلك، دون الفعل السلبي الذي هو عدم فعلٍ في الحقيقة.
ففي خبر حريز قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع.. إنّه من خضع لصاحب سلطان ولمن يخالفه على دينه طلباً لما في يديه من دنياه أخمله الله عز وجل ومقته عليه، ووكله إليه، فإن هو غلب على شيءٍ من دنياه، فصار إليه منه شيء نزع الله جلّ اسمه البركة عنه، ولم يأجره على شيء منه ينفقه في حجّ ولا عتق ولا برّ»([29])، حيث الظاهر من الرواية أنّ المعين يفعل ذلك طالباً شيئاً من السلطان يمنحه إيّاه، ويأخذه منه، كما أنّ ذيلها واضح في الإنفاق لمعونة السلطان، فيصعب تعدية مثل هذا اللسان إلى حالة السكوت عن الظالم مع عدم تقديم العون له.
ومثل ذلك صحيحة هشام بن سالم، عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر× عن أعمالهم، فقال لي: «يا أبا محمد، لا، ولا مدّة قلم، إنّ أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينه مثله..»([30]). فهي ظاهرة في السؤال عن أعمالهم، أي أخذ الوظيفة عندهم والعمل لهم، وقد كان جواب الإمام واضحاً أيضاً في النهي أن يطلب من دنياهم شيئاً، وهذا كلّه يصعب تعديته إلى حالة السكوت والعزلة.
ومثله صحيحة يونس بن يعقوب، قال: قال لي أبو عبد الله×: «لا تعنهم على بناء مسجد»([31])، فهي ظاهرة في الفعل الإيجابي ولو كان في حدّ نفسه حلالاً.
وكذلك خبر السكوني، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه ـ عليهم السلام ـ قال: قال رسول الله‘: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين أعوان الظلمة، ومن لاق لهم دواة، أو ربط كيساً، أو مدّ لهم مدّة قلم، فاحشروهم معهم»([32])، ونحوه: «ما اقترب عبد من سلطان جائر إلا تباعد من الله..»([33]).
وعلى المنوال عينه الروايات التي وردت في مدح الظالمين، والتي رواها الحرّ العاملي في الباب 43 من أبواب ما يكتسب به([34])، وما عقده الحرّ أيضاً في الباب 44 من نصوص تحرّم صحبة الظالمين ومحبّة بقائهم([35])، أو ما ورد في تحريم الولاية من قبلهم، والذي جمعه العاملي في الباب 45([36]).
فهذه كلّها ظاهرة بوضوح في الفعل الإيجابي، ولا تشمل حالة شخص لا يتعاطى مع السلطان ولا يحبّ بقاءه، ولا يتولّى عنده، ولا يصاحبه أو يصبح محسوباً عليه ولا مثل ذلك، ولم نعثر على رواية تامّة السند تشمل حالة السكوت، فالاستناد إلى أدلّة حرمة معونة الظالم في غير محلّه.
ثانياً: بقطع النظر عن الملاحظة السابقة، لم تحدّد الروايات ماذا يُقصد بالظالم. كلّ ما فيها أنّها طبقت هذا المفهوم على الخلفاء الأمويّين والعباسيّين على أبعد تقدير، والشيء المؤكّد من دلالة هذه النصوص أنّه الظالم لغيره من الحكّام ممّن يبطش بشعبه وينكّل به ويجور عليهم، كما هي الحال مع هاتين الخلافتين في تاريخ المسلمين، ولا أقلّ من أنّ هذا العنوان هو المتبادر في إطلاق الظالم على الحاكم، فإنّ نعت الحاكم بأنّه ظالم يفهمه عرف أهل اللغة أنّه الظلم في الحكم والممارسة مع الناس، دون الظلم الشخصي لنفسه بأن يعصي، ولا غير ذلك، إلا بشاهدٍ أو قرينة، تماماً كما تقول: زوج ظالم، فإنّ السامعين لا يفهمون من ذلك إلا ظلم زوجته، دون ظلم سائر الناس، أو ظلمه لنفسه بالشرك أو المعصية.
نعم، بقرينة بعض النصوص الأخرى نفهم أنّ ظلم أهل البيت^ مع تنحيتهم عن مناصبهم كان له دور في نعتهم هذا، لكنّ هذا لا يحرز تعدّيه إلى حالة قبول عموم المسلمين بحاكمٍ في عصر عدم حضور النبي ولا الإمام، لا سيما مع عدم ادّعاء الحاكم خلافة المسلمين، كما هي الحال في أكثر الدول الإسلاميّة في عصرنا.
ثالثاً: بغض النظر عما سبق، نشكّك في صدق عنوان إعانة الظالم أو محبّة بقائه على من يعارض الحاكم معارضةً سلميةً متواصلة ويعمل بالسبل السلميّة على تغيير النظام أو تصويب انحرافه حتى لو آيسَ من التغيير؛ إذ يبعد أن يفهم العرف هذه العناوين على مثل هذا المعنوَن، فهذا أوضح في عدم انطباق هذه العناوين على الساكت عن السلطان الجائر الذي لا يتخذ موقفاً منه، لا سلباً ولا إيجاباً، فهذه الملاحظة تعميقٌ للملاحظة الأولى، ولا سيّما أنّها تردّ بوضوح أكبر بعض الروايات التي تنهى عن الرضا بالسلاطين وأعمالهم.
وعليه، فالاستناد إلى أدلّة حرمة إعانة الظالم وأمثالها لإثبات وجوب الخروج غير السلّمي ـ كالمسلّح ـ ضدّه، غير صحيح، وإذا صحّ ففي حالات نادرة جداً.
8 ـ مرجعيّة نصوص وجوب مجاهدة أهل البدع، نقد المستندات
ثامن المرجعيّات هنا هي الاستعانة بما جاء في بعض النصوص من قتل أهل البدع وتصفيتهم؛ إذ من الواضح أنّ السلاطين الجائرين يروّجون البدع، فإذا كان يجب قتل مبتدعٍ، فبطريقٍ طبيعي أن يكون هذا الحكم شاملاً للحاكم الذي يروّج الانحرافات في المجتمع، ويحيي البدع، فهو المصداق البارز لإحياء البدع وبثّها في مجتمع المسلمين([37]).
ولكنّ هذا الدليل قابلٌ للمناقشة؛ وذلك:
أوّلاً: لم يثبت بدليلٍ معتبر وجوب أو جواز قتل المبتدع أو أهل البدعة في الدين ـ إذا لم يكن ارتداداً كما هو الظاهر ـ فغاية ما دلّ على ذلك هو:
1 ـ خبر محمّد بن عيسى بن عبيد، أنّ أبا الحسن(العسكري)×، أمر بقتل فارس بن حاتم القزويني، وضمن لمن قتله الجنّة، فقتله جنيد، وكان فارس فتّاناً يفتن الناس ويدعو (يدعوهم) إلى البدعة، فخرج من أبي الحسن×: «هذا فارس ـ لعنه الله ـ يعمل من قبلي فتّاناً داعياً إلى البدعة، ودمه هدر لكلّ من قتله، فمن هو الذي يريحني منه ويقتله، وأنا ضامنٌ له على الله الجنّة»([38]).
وظاهر هذه الرواية أنّ قرار قتله كان لكونه داعيةً إلى البدعة، كما هو واضح.
إلاّ أنّ هذه الرواية:
أ ـ ضعيفة السند بالحسين بن الحسن بن بندار القمي، ولم يوثق، فلا يستند إلى هذا الخبر.
ب ـ لم تحدّد الرواية من هو المبتدع، كما أنّنا لم نعرف ظروف أمر الإمام بقتله، فمثل هذه الرواية لا تكفي لمعرفة ملابسات الموضوع، فلعلّ الحكم ولائيٌّ لا إلهيّاً، بقرينة جزئيّته ووروده في حالة معينّة، فيصعب التعميم.
2 ـ خبر جنيد، عن أبي الحسن× قال أرسل إليّ أبو الحسن العسكري×، يأمرني بقتل فارس بن حاتم القزويني لعنه الله، فقلت: لا، حتى أسمعه منه يقول لي ذلك يشافهني به. قال: فبعث إليّ فدعاني فصرت إليه، فقال: «آمرك بقتل فارس بن حاتم»، فناولني دراهم من عنده، وقال: «اشتر بهذه سلاحاً فأعرضه عليّ»، فذهبت فاشتريت سيفاً فعرضته عليه، فقال: «ردّ هذا وخذ غيره»، قال: فرددته وأخذت مكانه ساطوراً، فعرضته عليه، فقال: «هذا نعم». فجئت إلى فارس وقد خرج من المسجد بين الصلاتين المغرب والعشاء، فضربته على رأسه، فصرعته وثنّيت عليه فسقط ميتاً، ووقعت الضجّة، فرميت الساطور بين يدي، واجتمع الناس وأخذت إذ لم يوجد هناك أحد غيري، فلم يروا معي سلاحاً ولا سكّيناً، وطلبوا الزقاق والدور فلم يجدوا شيئاً، ولم ير أثر الساطور بعد ذلك([39]).
ويرد عليه ما أورد ـ ثانياً ـ على الخبر الأوّل، مضافاً إلى ضعف سنده بالإرسال؛ لو لم نقل بعدم ثبوت وثاقة جنيد نفسه. هذا كلّه على تقدير افتراض أنّ القزويني كان مبتدعاً، ولم يكن مرتدّاً؛ لأنّه من رموز الغلاة وكبارهم في التاريخ.
وعليه، فلا دليل على جواز قتل أهل البدعة، حتى يكون منطلقاً لمقاتلة السلطان بحجّة أنّه يحيى البدعة، وأدلّة اليد في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي قد يستند إليها هنا، تقدّم أنها لا يصحّ الاستناد إليها.
ثانياً: إذا كان المراد بالمبتدع وأهل البدعة المرتدّ الذي دلّت النصوص على قتله، أشكل الاستناد إلى ذلك هنا؛ لأنّه إذا صدق على السلطان أنّه مرتدّ وكافر جازت مقاتلته، وتحسب من مقاتلة الكافرين، وتخرج عن فرض المسألة هنا، كما يجوز قتله طبقاً للرأي الفقهي الذي يحكم بقتل المرتدّ، أمّا إذا لم يصدق عليه أنّه كافر، فكيف يحكم بتعدية الحكم من المرتدّ إلى غيره، فإنّ قانون الأولويّة غير واضح هنا، فإنّ من لا يخرج عن الدين يفترض أن يكون عقابه أخفّ ممّن خرج، فكيف يستند إلى إطلاقات أدلّة قتل المرتد في الحكم بقتل شخص لم يرتدّ بعد؟ وكيف يستند إلى قانون الأولويّة للوصول إلى النتيجة نفسها؟!
ثالثاً: إنّ لدينا احتمالاً نجده الأرجح في تفسير مقولة «المبتدع ـ أهل البدعة»، وهو أن يراد بهم أولئك الذين يختلقون الانحرافات الفكرية في مجتمع المسلمين ويأتون بأفكار يتبعهم الناس عليها، وذلك خارج نطاق الاجتهاد المشروع في الشريعة الإسلاميّة، وهذا معناه أنّ هذا الحكم لا يسري على من يؤمن بهذه البدع أو ينشرها أو يتبعها، فهذا لا يصدق عليه أنّه مبتدع أو صاحب بدعة، فمثلاً إمام المذهب الفلاني يمكن أن يكون صاحب بدعة، أمّا أنصار هذا المذهب على مرّ التاريخ فهؤلاء لا يسمّون ـ عرفاً ـ مبتدعة أو أصحاب بدعة حتى تجري عليهم الأحكام، من هنا فما استند إليه بعض الفقهاء في باب الغيبة، من جواز غيبة أهل السنّة وبهتانهم والوقيعة فيهم؛ تمسّكاً بما دلّ على ذلك في أهل البدع، في غير محلّه، وهكذا لا يسمّى السلطان صاحب بدعة لمجرّد سماحه لأهل البدع بالترويج لبدعهم، فشمول الحكم له في غاية الصعوبة، إلاّ في فروض قليلة.
وقد بحثنا بشيءٍ من التفصيل في هذا الموضوع في محلّه([40])، فلا نعيد.
وعليه، فهذا الدليل غير تامّ.
9 ـ فلسفة وجود الدولة الإسلاميّة بمثابة تبرير للثورة غير السلميّة، وقفات نقديّة
تاسع المحاولات هنا هو النصوص الدينيّة والتحليلات العقلانيّة التي تفيد أنّ الدولة في الإسلام إنّما شرّعت لتنفيذ أحكام الدين الحنيف وإقامة العدل في الأمّة، فإذا انحرفت عن هذا المسار كان نقضاً للغرض القول بحفظها والتسليم لها والطاعة، فيجب إسقاطها كي لا تتعطّل حدود الإسلام([41]).
وقد يُقدّم هذا الدليل بشكلٍ آخر، وذلك بأن نقول: إننا نطبّق قواعد التزاحم في حالة انحراف الحاكم وعدم شرعيّته، بحيث يكون تطبيق الإسلام الصحيح أهمّ من قتل نفوس المسلمين، فأهميّة الحكومة تُقدَّم على أهمية الدماء، فيجب القتال لإسقاط الأنظمة المنحرفة([42]).
وهذا الدليل غير تامّ؛ وذلك:
أ ـ إنّ مبدأ تطبيق الإسلام وبسط قيمه على المجتمع لا نناقش فيه، فإنّ ذلك من الواضحات التي أرادتها السماء لبني آدم؛ إلا أنّ الكلام في الوسائل، فمحض ذلك لا يبرّر الدخول في سفك دماء المسلمين، فهذه الأدلّة ساكتة عن الوسائل، وتتحدّث عن الغايات. نعم إذا كانت غاية الإسلام ونظامه إقامة العدل وقيم الدين فمن نقض الغرض دعم سلاطين الجور والعمل على حفظ نفوذهم، أمّا هل لا تكفي المعارضة السلميّة له؟ وهل عدم تبنّي خيار المقاومة العسكريّة يعني نقضاً لشريعة الإسلام وقيمه؟! هذا ما لا دليل عليه إطلاقاً، ولو كان هذا صحيحاً لجاز قتل كلّ عاصٍ؛ لأنّ الغرض هو حلول الطاعة في حياة الإنسان محلّ المعصية، وكما دلّ الدليل على عدم شرعيّة قتل العاصي، كذلك دلّ الدليل القطعي على عدم جواز قتل المسلمين وإيقاع الفتن الداخليّة بينهم، فالصيغة الأولى لهذا الدليل غير تامّة.
ب ـ إنّ الاستناد إلى قانون الأهمّ والمهم هنا؛ لإثبات حكم شرعي عام، غير واضح أيضاً، فمن الممكن أن تكون الحرب بين المسلمين بغية إقامة نظام إسلامي مثلاً قد اجتمع فيها الأهمّ والمهم فيقدّم الأهم، لكنّ هذا لا ينتج قاعدةً عامة تقول: كلّ حرب لإقامة نظام إسلامي سيكون حالها كذلك.
وبعبارة أخرى: نحن نريد هنا إعطاء فتوى كليّة مفادها الحكم بوجوب قتال الحاكم ولو أدّى ذلك إلى حربٍ داخليّة بين المسلمين، بهدف تصحيح حكمه، أو إقامة نظام إسلامي، أو نحو ذلك. وهذا لا يصحّ فيه دائماً جعل الأهمّ في طرف واحد. وكأنّ المستدلّ تصوّر أنّ الحرب الداخليّة مضمونة النتائج لصالح الفريق الإسلامي المؤمن، وأنّها لا تطول و.. مع أنّ الأمور تختلف من حالةٍ لأخرى، ومن ظرفٍ لآخر، ومن مكانٍ لآخر.
وحقّ المسألة أن يقال: إنّ حصول قانون التزاحم هنا في بعض الفروض ممكن، ويفتى على أساسه بجواز، وربما وجوب، قتال الحاكم، لكنّ ذلك بالعنوان الثانوي حينئذٍ، لا بالعنوان الأولي الذي نبحثه هنا، ويكون هناك تابعاً لدراسة وحساب المصالح والمفاسد جميعاً، وأين هذا مما نحن فيه؟ ولأجل نظام المصالح والمفاسد لم يخرج الأئمّة ـ بعد الحسين ـ على حكّامهم، وإنّما اكتفوا بالمعارضة غير المسلّحة، بل لم نجدهم خططوا للخروج المسلّح؛ لعدم وجود مصالح في ذلك وخوفاً من إبادتهم.
10 ـ مرجعيّة حدّ المحارب في مواجهة السلطة غير الشرعيّة، نقد وتفنيد
عاشر المنطلقات المطروحة هنا هو النصوص القرآنيّة والحديثيّة التي دلّت على جزاء المحاربين. والعمدة فيها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: 33).
وبيان الاستدلال بهذه النصوص أنّها لا تميّز في الذي يسعى في الأرض فساداً بين أن يكون فرداً وشخصاً عادياً وبين أن يكون صاحب سلطة، بل الفساد في الثاني أوضح وأكثر، وعليه تجب محاربته ومجازاته([43]).
لكن قد يلاحظ على هذا الاستدلال أمور:
أوّلاً: بعض الفقهاء ناقش هذا الدليل بأنّ ظاهر الآية كونها خطاباً موجّهاً إلى المجتمع الإسلامي الذي بيده أمر السلطة، فيحاكِم هذا الطرف أو ذاك، وليس موجّهاً لأناسٍ معارضين يريدون محاكمة السلطان([44]).
ولعلّ القرينة الأبرز التي دفعت إلى ظهور هذا الإشكال هو أنّ الآية حكمت بالنفي من الأرض، وهو واضح في أنّه لا يتسنّى إلا لمن بيده سلطة المجتمع وبلاد المسلمين.
وهذا الإشكال غير وارد، لصحّة هذه الآية بملاحظة أن يكون المعنى فجاهدوهم فإذا قدرتم عليهم وصاروا في يدكم فانفوهم من الأرض، وأيّ مشكلةٍ في ذلك؟! ولا سيما أنّ من الممكن أن تكون محاربة السلطان الجائر من جانب المعارضة التي تملك قدرة نفوذ في مكانٍ ما في بلاد المسلمين، فالبقاء مع الآية لا ينفي شمولها لما نحن فيه ولو في الجملة.
ثانياً: إنّ صدق عنوان المحارب على السلطان الذي وصل إلى السلطة ومارسها دون إشهار السلاح لإخافة الناس، مشكلٌ، فقد دلّت النصوص على الاختصاص بذلك، وهو المستفاد من كلام الفقهاء([45]).
وهذا الكلام يأخذ بعين الاعتبار النصوص الروائيّة التي تحدّثت عن هذا الموضوع، وأوضحت المراد من الآية، أمّا لو تركنا الروايات الواردة، وبقينا نحن والآية، فقد يُستشكل في هذا الاختصاص.
غير أنّ الذي نراه أنّ باب حدّ المحارب إن أخذ فيه بعين الاعتبار الروايات الواردة أشكل تعميمها؛ لظهورها في الاختصاص طبقاً للفهم المشهور بين الفقهاء، وأمّا إذا بقينا والآية، فقد يمكن إدّعاء أنّ ظاهرها هو الحرب لله والرسول، ومفهوم ذلك وفحواه أنّ المواجهة تكون مع المسلمين والأمّة الإسلاميّة، وكلمة «يحاربون» لا يحرز تعدّيها إلى حالة عدم تطبيق الشريعة أو انحراف الحاكم انحرافاً شخصيّاً، فإنّ هذه ليست حروباً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هي حربٌ بالمعنى المجازي، وأمّا الفساد في الأرض فهو عام، وإن كان استعمال كلمة الفساد في الأرض في بعض الآيات ظاهر في تخريب حياة الناس.
وعليه، فالمستفاد من الآية إنزال هذا الحكم بكلّ من صدق عليه حرب الله والرسول، أي محاربة الإسلام والسعي لتخريب العباد والبلاد، فتدلّ على ما نحن فيه، على مستوى الموجبة الجزئيّة وفي بعض الموارد، بمعنى أنّها لا تشمل حالة عدم اجتماع شروط الإمامة في الحاكم، كما لو كان فاسقاً بالفسق الشخصي، كما لا تشمل حالة سماحه للحركات الإسلامية بالحركة ضمن الوسائل السلميّة، لكنّها تشمل حالة إعلانه الحرب على الإسلام ومظاهره وإعلانه الظلم على الناس وإفساد أمور حياتهم، تماماً كحالة يزيد بن معاوية فقد كان هادفاً ظلم الناس والبطش بهم، وهدّد بسلطانه شريعة سيّد المرسلين‘.
هذا كلامٌ موجز، وتفصيل بحث المحاربة موكولٌ إلى محلّه.
11 ـ ثورة الإمام زيد بن علي بمثابة منطلق محكم للتبرير، دراسة وتحليل
واحدة من أهمّ المنطلقات التبريريّة للمنطق الثوري هنا هو ثورة الإمام زيد بن علي الشهيد ضدّ السلطان الأموي هشام بن عبد الملك، ووصولها إلى حدّ شهادته عام 121 أو 122هـ.
ومن الواضح أنّ فعل زيد الشهيد وأصحابه لا يصلح لوحده دليلاً وحجّة؛ لعدم عصمته، بل هو مجتهدٌ، إنّما الدليل والحجّة ـ إماميّاً ـ هو موقف أئمّة أهل البيت، بالمعنى الأخصّ، من ثورته([46])، فإنّ الظاهر من تلك النصوص الواردة عنهم ـ وتبلغ حدّ الاستفاضة، بل التواتر ـ أنّهم كانوا مؤيّدين لها راضين عنها، وهذا دليلٌ قاطع على شرعيّة الثورة المسلّحة ضدّ أنظمة الحكم الفاسدة([47]).
إشكاليّات وعوائق أمام توظيف قيام زيد في التبرير الفقهي الثوري، رصد وتأمّل
يعتبر هذا الاستدلال في غاية الأهميّة، لكنّه ربما تسجّل عليه مناقشات جوهريّة، وأبرزها:
11 ـ 1 ـ معضلة تعارض المعطيات في الموقف من ثورة زيد
أوّل المناقشات هنا هو أنّ هذا الاستدلال يعاني من نصوص وروايات تعارض معطياته، حيث لدينا روايات ذامّة لزيد، وأنّه ما كان خارجاً إلا لنفسه، فكيف نأخذ بالروايات المادحة ونترك الروايات الذامّة. ونحن لا نريد هنا البحث عن زيد ونصوصه، وإنّما يعنينا موقف الأئمّة من ثورته، لا من شخصه، فقد يترحّمون عليه ويرونه عالماً.. لكنّهم لا يؤيّدون اجتهاده في خروجه. من هنا لا يعنينا سوى ما ذكرنا.
ولكي ندرس هذا الموضوع علينا تحليل مختلف النصوص، لنرى ماذا يمكن أن تكون النتيجة؟ والنصوص هنا على مجموعتين:
المجموعة الأولى: النصوص المؤيّدة لثورة زيد الشهيد
أهمّ الروايات والنصوص هنا يمكن عرضه على الشكل الآتي:
الرواية الأولى: خبر عِيص بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «عليكم بتقوى الله.. فانظروا على أيّ شيء تخرجون، ولا تقولوا خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً، وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، إنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنّما خرج إلى سلطانٍ مُجْتَمِعٍ لِيَنْقُضَهُ..»([48]).
والظاهر من هذه الرواية رضا الإمام الصادق عن ثورة زيد، فهذا اللسان ليس لساناً رافضاً لهذه الثورة، بل مادحاً لها ولأهدافها، وأنّه لم يخرج لنفسه ولا طالباً سلطاناً لذاته، بل كأنّ هناك حركات خروج كانت قائمة بعد ثورة زيد بين الشيعة وكانت تأخذ حجّة وجودها من ثورة زيد، فأراد الإمام أن يقارن بين الثورات ليؤكّد أنّ رفضه لهذه الثورات لا يعني أنّه يرفض ثورة زيد، بل هو يريد أن يميّز بين ثورة زيد وهذه الثورات من حيث شخصيّة الرمز الخارج فيها، وعلمه وصدقه، وكذلك من حيث الأهداف والغايات، فالرواية ليس فقط تمدح ثورة زيد في رمزها وهدفها، بل أيضاً تشير ـ بنحوٍ ما ـ إلى أنّه لو تحقّق مثل ذلك، فإنّني لا أمانع الخروج.
هذا، والرواية صحيحة السند على المشهور.
الرواية الثانية: خبر عبد الرحمن بن سيّابة، قال: دفع إليّ أبو عبد الله الصادق جعفر بن محمّد ألفَ دينار، وأمرني أن أقسّمها في عيال من أصيب مع زيد بن عليّ، فقسّمتها، فأصاب (عيال) عبد الله بن الزبير أخا الفضيل الرسان أربعة دنانير»([49]). فهذا الدعم المادّي الكبير لعوائل شهداء الثورة دليلٌ على رضاه× بها.
إلا أنّ الاستناد إلى هذه الرواية مشكل؛ فإن مجرّد دعم هذه العوائل لا يدلّ على أنّ الإمام كان راضياً عنها، فلعلّه كان يرى خطأ زيد في حركته، لكنّه يراه صادقاً مخلصاً. ودعم هذه العوائل التي قد لا يدعمها أحدٌ، لعلّه من باب مساعدة الفقراء والمساكين، ولا شيء يؤكّد أنّ ذلك هو بسبب الرضا عن الثورة.
وبعبارة أخرى: يجب أن ننظر لسلوك الإمام جعفر الصادق هنا ضمن سياق أبويّته للأمّة الشيعيّة، وأنّ هذه الأسر والعوائل سوف تعاني من إهمال الدولة وفقدان الراعي والمورد المالي بمقتل رجالها، فمثل هذا السلوك يحمل دلالةً أخلاقيّة وروحيّة وتشريعية بعيداً عن اتخاذ موقفٍ سياسي من الثورة نفسها، فلا ينبغي تحميل مثل هذه الوقائع أكثر مما تتحمّل في مداليلها السياسيّة.
أضف إلى ذلك، فالرواية ضعيفة السند بعبد الرحمن بن سيابة، فإنّ توثيقه مبنيٌّ على:
1 ـ عين هذه الرواية، من أنّها تدلّ على أنّ الإمام اعتبره أميناً.
لكنّ هذا ليس بدليل؛ لعدم الملازمة بين أمانته في المال ووثاقته، ولا سيما أنّ الراوي للرواية هو نفسه، فلعلّه لم يعطه الإمام شيئاً. ومثلها رواية أخرى عنه توحي باهتمامه بأمور الشريعة.
2 ـ وقوع اسمه في أسانيد كامل الزيارات، فيكون ثقةً لذلك.
والجواب بعدم صحّة المبنى، كما قلنا مراراً.
3 ـ رواية الأجلاء عنه، ومنهم ابن أبي عمير عنه، فيكون دليلاً على توثيقه.
ويجاب بعدم صحّة المبنى، كما ذكرنا مراراً، فإنّ روايتهم ليست دليلاً لا على وثاقته ولا على توثيقهم له.
فالرجل لم تثبت وثاقته، ولا سيما أنّ النجاشي والطوسي في الفهرست لم يذكراه أساساً، والظاهر لأنّه ليس له كتاب، فالرواية ضعيفة السند.
بل قد وردت الرواية عينها في بعض المصادر عن أبي خالد الواسطي، مما يثير الاضطراب في من هو الذي كلّفه الإمام بذلك؟!
الرواية الثالثة: خبر الفضيل الرسان، قال: دخلت على أبي عبد الله× بعد ما قتل زيد بن علي، قال×: «رحمه الله، أما إنّه كان مؤمناً، وكان عارفاً، وكان عالماً، وكان صدوقاً، أما إنّه لو ظفر لوفى، أما إنّه لو ملك لعرف كيف يضعها..»([50]). ثم تتحدّث الرواية عن إنشاد الفضيل الرسّان للشعر، وسماعه نحيباً من خلف الستور..
ومن الواضح من هذه الرواية أنّها بصدد مدح الرجل في حركته التي قام بها، فلو كان الإمام الصادق غير راضٍ عن ثورته لما قال فيه وفي قيامه مثل هذا المدح والثناء.
لكنّ مشكلة الرواية من ناحية تأكيد صدورها وصدور هذا الموقف الذي فيها عن الإمام جعفر الصادق، فقد رواها فضيل بن الزبير الرسان وهو مجهول، ليس له توثيق إلا على تفسيرالقمي وكامل الزيارات([51])، كما أنّ الرواية نقلها إسحاق بن محمّد البصري غير الموثق، بل والمتهم بالغلوّ، وإذا كان هو إسحاق بن محمّد بن أحمد، فقد وصف النجاشيّ كتبه بالتخليط بل وصفه بانّه معدن التخليط، وضعّفه الحلي على كلّ تقدير([52]).
الرواية الرابعة: خبر سليمان بن خالد، قال: قال لي أبو عبد الله×: «رحم الله عمّي زيداً، ما قدر أن يسير بكتاب الله ساعةً من نهار..»([53]).
فهذه الرواية عندما تترحّم على زيد، وتشير فوراً إلى عدم قدرته على إقامة كتاب الله ولو ساعة، فهي تشي بالرضا عن حركته الثوريّة، فالإنسان الذي لا يرضى بهذه الحركة لا يصدر منه مثل هذا اللحن من الثناء والتقويم.
لكنّ الذين روى لنا هذه الرواية هو سليمان بن خالد، وهو الذي يعدّ ـ كما يصرّح النجاشي والطوسي ـ الشخص الوحيد من أصحاب الإمام الباقر ممّن خرج مع زيد، لكنّه أفلت من الحرب. وقد وقع نقاشٌ في أنّه كان إماميّاً من الأوّل أو أنّه كان زيديّاً ثمّ رجع إلى المذهب الإمامي([54])، وفي مثل هذه الحال ستكون هذه الرواية لصالحه؛ إذ ستبرّر له خروجَه مع الإمام زيد بن عليّ، وهذا ما قد يُضعِف من درجة الوثوق بالرواية، طبقاً لحجيّة الخبر الموثوق، حتى لو كان سليمان بن خالد ثقةً في حدّ نفسه، فنحن هنا لا نريد إسقاط هذه الرواية ومثيلاتها بقدر ما نريد أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار وهو أنّ بعض روايات مدح ثورة زيد قد نقلها لنا الفريق الموافق لحركة زيد والمنتمي للنزعة الزيديّة آنذاك، في ظلّ خلاف ـ فيما يبدو ـ بين الشيعة حول المنهج الزيدي في التعامل مع السلطة.
وبعيداً عن هذه الملاحظة، ليس هناك ما يؤكّد أنّ الرواية صدرت عن سليمان نفسه، حيث رواها الفضل بن شاذان عن والده، عن عدّة من أصحابنا، عن سليمان بن خالد، فتكون مرسلةً، كما هو واضح، فلا يصحّ الاعتماد عليها من هاتين الجهتين.
بل قد يقال ـ بقرينة رواية سليمان بن خالد الأخرى القادمة (رقم: 10) ـ أنّ الإمام هنا في مقام الذمّ، بمعنى أنّ زيداً لم يقدر أن يطبّق شرع الله، فهو أعجز من ذلك، فكيف خرج ولا يعرف تطبيق شرع الله سبحانه؟! ويتقوّى هذا الاحتمال بما ورد في تكملة هذه الرواية هنا حيث جاء بعد ذلك فوراً: ثمّ قال: «يا سليمان بن خالد ما كان عدوّكم عندكم؟» قلنا: كفّار. قال: «فإنّ الله عزّ وجل يقول: «حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإمّا منّاً بعد وإمّا فداءً»، فجعل المنّ بعد الإثخان، وأسرتم قوماً ثمّ خلّيتم سبيلهم قبل الإثخان، فمننتم قبل الإثخان، وإنّما جعل الله المنّ بعد الإثخان، حتى خرجوا عليكم من وجهٍ آخر فقاتلوكم»، فالرواية تحتمل بيان التخطئة وتحتمل أنّ عدم جريانه ساعة على شرع الله بسبب مثل هذه الأخطاء الناتجة عن مخالفة الكتاب الكريم، فيكون اللسان ـ على الأقلّ ـ محتملاً للذمّ، فلا يُستند للرواية هنا في سياق المدح والتأييد حتى لو لم نتمكّن من اعتبارها دليلاً على رفض ثورة زيد.
الرواية الخامسة: خبر عمرو بن خالد، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، قال: إنّي لجالس عند أبي جعفر محمد بن علي الباقر، إذ أقبل زيد بن علي، فلما نظر إليه أبو جعفر وهو مقبل، قال: هذا سيد من أهل بيته (بيتي/هذا سيّدٌ من سادات أهل بيته)، والطالب بأوتارهم ، لقد أنجبت أم ولدتك يا زيد»([55]).
فإنّ المراد من «الطالب بأوتارهم» أي الذي يسعى في مكروه أهل البيت ليرفعه، في إشارة إلى وقوفه ضدّ هشام بن عبد الملك لإنقاد أهل البيت والمطالبة بثأرهم ودمائهم([56])، وهذا مدحٌ واضح للرجل ولحركته التي سيقوم بها في المستقبل.
ومشكلة هذه الرواية شبيهة بالتي سبقتها، فإنّ الذي روى لنا هذه الرواية هو عمرو بن خالد نفسه، وهو من رؤساء الزيديّة، عن أبي الجارود وهو رأس الزيديّة، وكان روى الرواية عن عمرو أبو يعقوب المقري، وقد وُصف بأنّه من كبار الزيديّة، وفي مثل هذه الحال كيف يحصل لنا وثوق بالرواية مع كونها تدرّ نفعاً على ثلاثة ـ في الحدّ الأدنى ـ من رواتها؟! هذا فضلاً عن جهالة أبي يعقوب المقري([57])، فيصعب الاستناد إلى مثل هذه النصوص في تحديد موقف أهل البيت من ثورة زيد. ونحن لا نريد رفضها لذلك، بل نريد أخذ هذا الاحتمال بعين الاعتبار في قياس درجة الوثوق بالنصوص هنا.
الرواية السادسة: خبر ابن أبي عبدون، عن أبيه، قال: لما حمل زيد بن موسى بن جعفر([58]) إلى المأمون، وقد كان خرج بالبصرة، وأحرقَ دور ولد العباس، وهب المأمون جرمه لأخيه عليّ بن موسى الرضا، وقال له: يا أبا الحسن، لئن خرج أخوك وفعل ما فعل، لقد خرج قبله زيد بن علي فقُتل، ولولا مكانك منّي لقتلته؛ فليس ما أتاه بصغير. فقال الرضا×: «يا أمير المؤمنين، لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي؛ فإنّه كان من علماء آل محمّد، غضب لله عزّ وجل، فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيله، ولقد حدّثني أبي موسى بن جعفر أنّه سمع أباه جعفر بن محمّد بن علي، يقول: رحم الله عمّي زيداً، إنّه دعا إلى الرضا من آل محمّد، ولقد استشارني في خروجه، فقلت له: يا عمّ، إن رضيتَ أن تكون المقتول المصلوب في الكُناسة([59])، فشأنك، فلمّا ولّى، قال جعفر بن محمّد: ويلٌ لمن سمع واعيته فلم يجبه..»([60]).
فهذه الرواية واضحة في أنّ الإمام الصادق لم يرفض ثورة زيد، ولم يحذّره من هذا الفعل، ولم يذكر أنّه حرام أو مكروه، كلّ ما في الأمر أّنه ذكر له نتائج المعركة، وأنّها سوف تكون لصالح العدوّ، فمثل هذا النصّ يعطي إيحاءً بالموافقة، دون المخالفة، كيف وقد وجبت إجابته لدعوته عند خروجه. كما أنّ كلام الرضا نفسه واضحٌ في المدح وتصويب سياسة زيد الثوريّة وتمييز زيد بن علي عن زيد النار في شخصه وفي حركته.
لكنّ مشكلة هذه الرواية أنّها أيضاً ضعيفة السند، فمحمّد بن يحيى الصولي الوارد فيها مهمل شيعيّاً([61])، لكن قال الخطيب البغدادي ـ ولعلّه يقصده ـ: «محمّد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صول، أبو بكر المعروف بالصولي: كان أحد العلماء بفنون الآداب، حسن المعرفة بأخبار الملوك وأيام الخلفاء، ومآثر الأشراف وطبقات الشعراء.. وكان واسع الرواية، حسن الحفظ للآداب، حاذقاً بتصنيف الكتب ووضع الأشياء منها مواضعها، ونادم عدّة من الخلفاء، وصنّف أخبارهم وسيرهم، وجمع أشعارهم، ودوّن أخبار من تقدّم وتأخر من الشعراء، والوزراء، والكتاب، والرؤساء، وكان حسن الاعتقاد جميل الطريقة، مقبول القول..»([62]).
كما أنّ محمّد بن يزيد النحوي الوارد في السند أيضاً لم يتعرّض له رجاليّو السنّة والشيعة، فهو مهمل([63])، بل قيل: إنّه منحرفٌ ناصبي([64])، كما أنّ الرواية غير موجودة سوى في عيون أخبار الرضا ومنه أخذها غيره، فليست متداولة ومشهورة بين المحدّثين، فيصعب الاستناد إليها منفردةً.
الرواية السابعة: خبر عبد الله بن سيابة، عن الإمام الصادق× أنّه قال: «عند الله أحتسب عمّي، إنّه كان نِعم العمّ، إنّ عمّي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا، مضى والله عمّي شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول الله‘ وعليّ والحسن والحسين»([65]).
والرواية ذات دلالة على مدح حركته وتأييدها واعتباره شهيداً، لكنّ في السند عبد الله بن سيّابة، وهو أخو عبد الرحمن بن سيابة الذي وردت له رواية متقدّمة آنفاً، وعبد الله مجهول الحال جدّاً. وهناك أيضاً عمرو بن خالد الزيدي الذي تقدّم عدم الوثوق بروايات مثله عن الصادق في هذا المضمار المختلف فيه بين الزيدية وخصومهم، كما أنّ في سند الرواية جعفر بن محمد بن عمارة، وهو رجلٌ مهمل في كتب الرجال السنّية والشيعيّة([66])، وكذلك الحسن بن علي السكري فهو مهمل([67])، فالرواية في غاية الضعف، كما أنّها لم ترد في كتب التاريخ ولا في كتب الحديث الكبرى عند الشيعة والسنّة، فلم يذكرها سوى الصدوق في عيون أخبار الرضا، وعنه نقلها أمثال العلامة المجلسيّ.
الرواية الثامنة: خبر الفضيل بن يسار، قال:.. سمعته ـ أي الصادق ـ يقول: «أشركني الله في تلك الدماء، مضى والله زيد عمّي وأصحابه شهداء، مثلما مضى عليه عليّ بن أبي طالب وأصحابه»([68]).
ودلالة هذه الرواية كدلالة التي سبقتها، لكنّها ضعيفة السند، فقد جاء في سندها محمّد بن الحسن بن شمّون الضعيف الكذّاب، كما ذكر علماء الجرح والتعديل([69])، إضافةً إلى أنّها لم تذكر في مصادر التاريخ ولا الحديث الشيعيّة والسنية، فلم ينقلها سوى الصدوق في أماليه وفي عيون أخبار الرضا، وعنه نقلها أمثال صاحب البحار.
الرواية التاسعة: خبر مِهْزَم بن أبي بردة الأسدي، قال: دخلت المدينة حَدَثان([70]) صلب زيد ـ رضي الله عنه ـ. قال: فدخلت على أبي عبد الله×، فساعة رآني، قال: «يا مهزم! ما فعل زيد (بزيد)؟» قال: قلت: صُلب. قال: «أين؟» قال: قلت: في كناسة بني أسد. قال: «رأيتَه مصلوباً في كناسة بني أسد؟» قال: قلت: نعم، قال: فبكى حتى بكى النساء خلف الستور..([71]).
حيث يفهم ـ كما ذكر بعضهم([72]) ـ أنّ الإمام الصادق كان متعاطفاً مع ثورة زيد متفاعلاً معها، وهي مؤشرات تؤكّد رضاه عنها.
لكن ربما يمكننا أن نقول: إنّ مجرّد هذا القدر من التفاعل العاطفي لا يؤكّد تبنّي الإمام الصادق لثورة زيد وشرعنته لها، إذ قد يكون زيد رجلاً صادقاً مخلصاً لكنّه اشتبه في اجتهاده، فبكى الصادق عليه وأسف وحزن علماً منه بصدق نوايا الرجل ومكانته وعظم الأمر الذي حلّ بالمؤمنين في الكوفة، فلو كانت هذه الرواية لوحدها لربما صعب جعلها نصّاً في تحديد موقفٍ سياسي بهذه الأهميّة من الصادق. هذا فضلاً عن ضعف سند الرواية بجهالة مهزم الذي رواها([73]).
الرواية العاشرة: خبر سليمان بن خالد، قال: سألني أبو عبد الله×، فقال: «ما دعاكم إلى الموضع الذي وضعتم فيه زيداً؟ قال: قلت: خصال ثلاث: أمّا إحداهنّ.. فقال: «كم إلى الفرات من الموضع الذي وضعتموه فيه؟» قلت: قذفة حجر، فقال: «سبحان الله، أفلا كنتم أوقرتموه حديداً وقذفتموه في الفرات، وكان أفضل» فقلت: جعلت فداك، لا والله ما طقنا لهذا، فقال: «أي شيء كنتم يوم خرجتم مع زيد؟»، قلت: مؤمنين، قال: «فما كان عدوّكم؟»، قلت: كفّاراً، قال: «فإنّي أجد في كتاب الله عزّ وجل يا أيها الذين آمنوا إذا([74])﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَاها﴾ (محمّد: 4)، فابتدأتم أنتم بتخلية من أسرتم، سبحان الله ما استطعتم أن تسيروا بالعدل ساعة»([75]).
هذه الرواية تؤكّد اهتمام الإمام جعفر الصادق بعمّه زيد بن علي ومصيره ومصير ثورته، بل تؤكّد أنّ الطرف الآخر كافرٌ ينبغي أن يُحكم عليه بقتل أسراه قبل الإثخان لا إطلاق سراح هؤلاء الأسرى. وهذا كلّه تأييدٌ لثورة زيد الشهيد.
إلا أنّ الرواية يمكن مناقشتها:
أوّلاً: إنّ مجرّد اهتمام الإمام بأمر جنازة زيد ليس دليلاً على تأييد ثورته وتفاعله العاطفي معها كما يراه بعضهم([76])، فقد يرى الإمام أنّ زيداً اجتهد فأخطأ أو التبس عليه الأمر، مما يجعل التعاطف مع وفاته والمجزرة التي حلّت بالبيت الهاشمي، أمراً طبيعيّاً.
ثانياً: إنّ ذيل الرواية قد يوحي بعكس ما يريده المستدلّ؛ لأنّ الإمام كان قد سأل سليمان بن خالد عما كانوا يرونه في جنود الشام، فلما بيّن له سليمان أنّ المعركة في نظرهم كانت معركة كفر وإيمان، ألزمه الصادق بالآية، إذ كيف أطلقوا الأسرى قبل أن تُحسم الأمور لصالحهم، مع أنّ المفروض ممارسة ضرب الرقاب بحسب تعبير الآية، ثم عيّره الإمام أخيراً بأنّهم ما استطاعوا السير ساعة في العدل، وهذا كلّه نحوٌ من أنحاء الغمز بهم.
ونحن لا نرى أنّ المقطع الثاني من الرواية دليلاً على رفض الإمام الصادق لهذه الثورة، لكنّنا نجده يعيق الاستدلال بالمقطع الأوّل، ولا شاهد على أنّ الإمام قد رضي باعتبار أهل الشام كفاراً، فلعلّ احتجاجه كان على نحو التبكيت وإلزام الحجّة كما بيّنا.
ثالثاً: إنّ الرواية تامّة السند إلا من أبي المستهل، فإذا كان هو الكميت الشاعر ففي وثاقته نظرٌ وتعليق.
الرواية الحادية عشرة: خبر معمر، قال: كنت جالساً عند الصادق جعفر بن محمّد، فجاء زيدُ بن علي بن الحسين، فأخذ بعِضادتي الباب([77])، فقال له الصادق×: «يا عمّ، أعيذك بالله أن تكون المصلوب بالكُناسة»، فقالت له أمّ زيد: والله ما يحملك على هذا القول غير الحسد لابني، فقال: «يا ليته حسد، يا ليته حسد، ثلاثاً»، ثمّ قال: «حدّثني أبي عن جدّي أنّه يخرج من ولده رجل يقال له: زيد، يُقتل بالكوفة، ويُصلب بالكناسة يخرج من قبره نبشاً، تفتح لروحه أبواب السماء، يبتهج به أهل السماوات، تجعل روحه في حوصلة طير أخضر، يسرح في الجنّة حيث يشاء»([78]).
فالرواية بمدحها زيداً وشهادته تشير إلى الرضا عن حركته الثوريّة.
لكنّ الرواية:
أ ـ غير صريحة في تأييد الثورة، بل قد تكون أقرب إلى المدح في شخصه. ولعلّ هذا ما يفسّر استعاذة الإمام الصادق أوّلاً، ثم بيان أشياء لا تستدعي الاستعاذة ثانياً، فإنّ بين الاستعاذة أوّلاً وما ذكره ثانياً نوع من المنافرة، ويشهد له أنّ أمَّ زيد فهمت نوعاً من النقد من الاستعاذة، فانتقدت الإمام جعفر الصادق على قوله، إلا إذا قيل بأنّ هذا التعبير بالاستعاذة ليس إلا من باب التفاعل العاطفي لا أكثر!
ب ـ إنّ سعيد بن خيثم (خثيم) راوي الخبر، وكذلك أخوه معمر راوي الخبر، ضعيفان، وكانا من دعاة زيد، وقد ضعّفهما النجاشي وابن الغضائري([79])، فتكون الرواية ضعيفة يصعب الاستناد إليها منفردةً.
الرواية الثانية عشرة: خبر جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر، عن آبائه، قال: قال رسول الله‘ للحسين×: «يا حسين، يخرج من صلبك رجل يقال له: زيد، يتخطّى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس، غرّاً محجّلين يدخلون الجنّة بلا حساب»([80]).
وبضمّ أصحابه إليه يستفاد الرضا عن حركته، وأنّها أوجبت لهم الجنّة، فتكون دلالتها أفضل من التي سبقتها، لكنّ الرواية ضعيفة بجهالة داود بن عبد الجبار([81]) الوارد في سندها.
هذه هي أهمّ الروايات التي تؤيّد ثورة زيد بن علي، وغيرها صار مفهوماً ممّا علقناه عليها. وقد ظهر أنّ الصحيح سنداً ودلالةً فيها رواية واحدة، هي صحيحة عِيص بن القاسم، كما أنّ التام دلالةً بقطع النظر عن الأسانيد هو ثماني روايات فقط من بين اثنتي عشرة رواية، وقد لاحظنا أنّ أغلب هذه الروايات تقريباً ذكره الصدوق وحده في مصنّفاته «الأمالي ـ العيون» ولم ترد في مصادر التاريخ ولا الحديث السنّي والشيعي الكبرى، كما أنّ بعض هذه الروايات جاء في أسانيده رجال من الزيدية، وبعضها رجال وصفوا بالكذب والضعف، لكنّنا لا نبتّ الآن بأمر هذه الروايات، إلا بعد ملاحظة الروايات التي ذكر أنّها ذمّت زيداً وحركته، لكي نخرج باستنتاجٍ نهائي يحدّد الموقف.
المجموعة الثانية: النصوص الرافضة لثورة زيد بن عليّ
ثمّة نصوص عدّة دلّت على موقفٍ سلبي لأئمّة أهل البيت من حركة زيد، ولن نتعرّض لنصوص ذمّ زيدٍ في شخصه أو.. وإنّما سنقتصر على ما يتعلّق بتحديد موقفهم من الثورة والخروج المسلّح، ومهمّ هذه الروايات هو الآتي:
وقفة مع حوار الإمامين: زيد والباقر
الرواية الأولى: خبر موسى بن بكر بن دأب [داب ـ ذئاب ـ ذاب]، عمّن حدّثه، عن أبي جعفر، أنّ زيد بن علي بن الحسين دخل على أبي جعفر محمّد بن علي، ومعه كتب من أهل الكوفة، يدعونه فيها إلى أنفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج، فقال له أبو جعفر×: «هذه الكتب ابتداء منهم.. إنّ الطاعة مفروضة من الله عز وجل وسنّة أمضاها في الأولين.. فلا يستخفنّك الذين لا يوقنون، إنّهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، فلا تعجل، فإنّ الله لا يعجل لعجلة العباد ولا تسبقنّ الله فتعجزك البليّة فتصرعك»، قال: فغضب زيد عند ذلك، ثمّ قال: ليس الإمام منّا من جلس في بيته وأرخى ستره وثبّط عن الجهاد، ولكنّ الإمام منّا من منع حوزته، وجاهد في سبيل الله حقّ جهاده، ودفع عن رعيته وذبّ عن حريمه، قال أبو جعفر: «هل تعرف يا أخي من نفسك شيئاً مما نسبتها إليه فتجيء عليه بشاهدٍ من كتاب الله أو حجّة من رسول الله‘ أو تضرب به مثلاً، فإنّ الله عزّ وجلّ أحلّ حلالاً وحرّم حراماً، وفرض فرائض وضرب أمثالاً، وسنّ سنناً، ولم يجعل الإمام القائم بأمره شبهة فيما فرض له من الطاعة أن يسبقه بأمر قبل محلّه، أو يجاهد فيه قبل حلوله، وقد قال الله عزّ وجل في الصيد: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (المائدة: 95)، أفقتل الصيد أعظم أم قتل النفس التي حرّم الله.. فجعل لكلّ شيء أجلاً، ولكلّ أجل كتاباً، فإن كنت على بيّنة من ربّك ويقين من أمرك وتبيان من شأنك، فشأنك، وإلا فلا ترومنّ أمراً أنت منه في شكّ وشبهة، ولا تتعاطَ زوال مُلك لم تنقض أكله، ولم ينقطع مداه، ولم يبلغ الكتاب أجله.. أعوذ بالله من إمام ضلّ عن وقته، فكان التابع فيه أعلم من المتبوع، أتريد يا أخي أن تحيي ملّة قوم قد كفروا بآيات الله وعصوا رسوله..؟ أعيذك بالله يا أخي أن تكون غداً المصلوب بالكُناسة»، ثمّ أرفضت عيناه وسالت دموعه، ثمّ قال: «الله بيننا وبين من هتك سترنا وجحدنا حقّنا وأفشى سرّنا، ونسبنا إلى غير جدّنا، وقال فينا ما لم نقله في أنفسنا»([82]).
إنّ هذا الحوار الطويل صريحٌ في رفض الإمام محمّد الباقر هذه الحركة الثوريّة من زيد، وعدم القبول بها، وعدم تصويبها، فدلالة الرواية واضحة على الموقف السلبي.
وقد تناقش الرواية سنداً ودلالة من وجوه:
أوّلاً: ما ذكره الشيخ المنتظري، من أنّ الرواية مرويّة عن الإمام الباقر، وقد توفّي عام 114هـ، وقيام زيد كان عام 121هـ، وعلى هذا فمن الممكن أن يكون تحذير الإمام من القيام في ذلك الوقت وعدم الاستعجال، أي في عام 114هـ وما قبله، ولعلّ الظروف تغيّرت بعد مرور قرابة سبع سنوات على الأقلّ، فيصعب الأخذ بهذه الرواية هنا([83]).
وهذا الوجه في النقاش يفيد في تكريس المنهج التاريخي في حلّ التعارض بين الروايات بأن نقول: إنّ الرواية الفلانية لا تعارض الرواية الثانية؛ وذلك لاختلاف الظروف التاريخيّة لصدور النصّين، مثل أن يقال ـ كما قيل ـ: إنّ رواية الإلزام بالطواف بين الركن والمقام صدرت في فترةٍ سابقة حيث كان المسلمون قلّة في الحجّ، وأمّا رواية الترخيص في الطواف بعد المقام فقد جاءت في فترةٍ متأخّرة تنسجم مع زيادة عدد المسلمين وازدحامهم، فنفهم من ذلك أنّ الحكم الثاني ـ مثلاً ـ يدور مدار الضرورة النوعيّة.
لكنّ هذا المنهج الذي نرتضيه من حيث المبدأ يجب أن تتحمّله الروايات، وهنا في هذه الرواية ثمّة ما يمنع عن ذلك، مثل ما جاء في تعبير الباقر: «أعيذك بالله يا أخي أن تكون غداً المصلوب بالكناسة»، فإنّ هذا التعبير يشير إلى ثورة زيد التي وقعت لاحقاً بالفعل، ويطلب العوذ من الله أن تقع، وهو ظاهر في التحفّظ من هذه الثورة التي حصلت، فكأنّ هذا المقطع من الرواية يحوّل أنظارنا ناحية ثورة زيد التي وقعت بالفعل، لا ثورة كان يعتزم القيام بها قبل ذلك، وإلا لو كان الإمام راضياً عن الثورة التي وقعت بالفعل لما كان هناك معنى للاستعاذة تلك، فهذه المناقشة في غير محلّها.
ثانياً: إنّ مضمون هذه الرواية ورسالتها مما لا يمكن القبول به، فهل يشترط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي الجهاد أن يكون عندنا علمٌ غيبيّ يقيني بالنصر وتحقيق الأهداف، كما تريد هذه الرواية أن تُفهمنا؟ وهل يمكن تصوّر شرط من هذا النوع إلا أن يعني تعطيل هاتين الفريضتين؟ ثمّ ألم تسبّب حروب عليّ× الداخلية وحرب الإمام الحسين× في كربلاء سفكاً لدماء المسلمين مع أنّ ملك بني أمية لم يكن قد حان أوانه عند خروج الحسين بن علي؟ فهذا المضمون غير معقول، فهل نسكت عن كلّ جرائم الآخرين وسفكهم للدماء ـ كما تريد الرواية ـ ونتخلّى عن مسؤوليّاتنا وواجباتنا؟!([84]).
وهذه الملاحظة جديرة في الجملة، لولا ملاحظات لاحقة سوف نسجّلها على المقدار الذي يستفاد من ذمّ ثورة زيد أو مدحها قريباً، وسيأتي. ولكن نعلّق هنا بأنّ ظاهر الحوار الذي جرى بين زيد ومحمّد الباقر يعطينا تصوّراً عن طريقة التفكير السياسي للرجلَين وفهمهما لمنطق حركة الدول والسلطات، فالباقر كان يعتبر أنّ الخروج على الدول والأنظمة له وقت محدّد، فهذه الدول لها سنيّ شباب ولها ذروة تمثل أعلى المثلث الموجود في هرمها، وفي هذه الفترة لا يكون مكتوباً لها الزوال والانقضاء، بينما لو تمّ استغلال فترة نزولها وتراجعها وشيخوختها لكان أفضل، في حين نجد أنّ زيد بن علي يلاحظ الأمور من منطلق مبدئي وضرورة مواجهة الظلم والانحراف، وهذا يعني أنّ الباقر لا يريد اشتراط اليقين بالنصر بنحو العلم بالغيب، بل يريد أن يكون الخروج ضمن سياقٍ يكون احتمال نجاح الحركة فيه موثوقاً بحسب منطق التاريخ والأشياء ولا يفضّل الدخول في مجازفات.
ثالثاً: إنّ هذه الرواية ضعيفة السند جداً، فهي مبتلاة ـ من جهة أولى ـ بالإرسال؛ حيث رواها موسى بن بكر عمّن حدّثه. كما أنّ موسى بن بكر بن داب نفسه مجهول، بل مهمل في كتب الرجال السنّية والشيعيّة([85]). نعم احتمل العلامة التستري أن يكون هناك تصحيف ما قد حصل في السند، ويكون موسى بن بكر عن ابن دأب، كما أشار إلى اختلاف النسخ في اسم أبيه واسم جدّه([86]).
لكن حتى مع ذلك، فقد بحثنا في تمام الاحتمالات التي ذكرت، فإذا أخذنا بـ« ابن دأب» فهو مجهول([87])، وأمّا تقدير موسى بن بكر بن ذئاب فهو مهمل لم نعثر عليه، وأمّا تقدير داب وذاب فعلى المنوال عينه، فالرواية ضعيفة من جهة موسى بن بكر على الاحتمالات فيه.
أضف إلى ذلك، ضعف سند الرواية أيضاً بجهالة الحسين بن الجارود الوارد فيه، فلم يُذكر في مصادر الرجال القديمة، بل لعلّه لم ترد له غير هذه الرواية([88])، وربما كان في الاسم تصحيف ما.
وعليه، فالرواية ضعيفة السند بمجهولين، بل مهملين، وبالإرسال.
مع حواريّة زيد ومؤمن الطاق، القيمة والدلالات
الرواية الثانية: خبر أبان، قال: أخبرني الأحول أنّ زيد بن علي بن الحسين بعث إليه وهو مستخفٍ، قال: فأتيته، فقال لي: يا أبا جعفر، ما تقول إن طرقك طارق منّا، أتخرج معه؟ قال: فقلت له: إن كان أباك أو أخوك، خرجت معه، قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال: قلت: لا، ما أفعل جعلت فداك، قال: فقال لي: أترغب بنفسك عنّي؟ قال: قلت له: إنّما هي نفس واحدة فإن كان لله في الأرض حجّة فالمتخلّف عنك ناجٍ والخارج معك هالك، وإن لا تكن لله حجّة في الأرض فالمتخلّف عنك والخارج معك سواء([89]). قال: فقال لي: يا أبا جعفر، كنت أجلس مع أبي على الخوان فيُلقمني البضعة السمينة، ويبرّد لي اللقمة الحارة حتى تبرد، شفقة عليّ، ولم يشفق عليّ من حرّ النار، إذا أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟! فقلت له: جعلت فداك شفقته عليك من حرّ النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار، ثمّ قال له: جعلت فداك، أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء، قلت: يقول يعقوب ليوسف: يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً، لم لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه، ولكن كتمهم ذلك، فكذا أبوك كتمك لأنّه خاف عليك، قال: فقال: أما والله لئن قلت ذلك لقد حدّثني صاحبك بالمدينة أنّي أقتل وأصلب بالكناسة، وأنّ عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي. فحججت، فحدّثت أبا عبد الله× بمقالة زيد وما قلت له، فقال لي: «أخذته من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكاً يسلكه»([90]).
والرواية صرحّوا بصحّة سندها وقوّته، فتكون دالّةً بشدّة على ضعف زيد والتنديد بحركته، كما هو واضح.
لكن مع ذلك، سجّلوا على الاستناد عليها ملاحظات:
أوّلاً: ما ذكره السيد الخوئي، من أنّ دلالة الرواية على القدح في زيد متوقّفة على عدم اعتراف زيد بوجود حجّة لله على خلقه غيره هو نفسه وأنّه لو كان هناك حجّة غيره لأخبره والده، وقد ردّه مؤمن الطاق (الأحول) بأنّ عدم إخبار والده له كان شفقةً منه عليه، ثم أيّد الإمام مناقشة الأحول لزيد، وهنا نقول: كيف يمكن أن ينسب الأحول ـ وهو من الفضلاء المبرّزين ـ إلى الإمام السجّاد أنّه لم يخبر زيداً بالإمامة لشفقةٍ نَسَبيّة؟ وما معنى هذه الشفقة النسبيّة؟ وحتى لو سلّمنا، فعلى تقدير أن لا يقبل زيد بما سيقوله له والده السجّاد سوف يكون من المعاندين، فكيف يمكن أن يكون محلاً للشفقة من جانب والده؟!
وهذا كلّه يؤكّد أنّ القضية كانت مختلفة تماماً عن هذا التفسير، بل المقصود أنّ زيداً طلب من الأحول ـ وهو شخصيّة مشهورة يوجب خروجُها تقوية حركة زيد ـ فردّه الأحول بأنّ الخروج مع الإمام فقط، وإلا هلك الخارج، وهنا لم يتمكّن زيد من أن يبوح له بأنّه مأذون من قبل الإمام ـ كما تفيده الروايات الأخرى ـ لأنّ هذا الأمر كان من الأسرار، لهذا استخدم زيد طريقةً أخرى، وهي الإشارة له إلى أنّه عارف بالدين وأحكامه، وهنا طرح زيد مسألة علاقته بوالده وشفقة والده عليه، لكنّ الأحول لم يفهم مقصوده، وردّ عليه ذلك الردّ، لهذا قال له زيد حينئذ عن مقتله وصلبه بالكناسة فيما أخبر به المعصوم، لكي يشير له إلى أنّه لا يخرج طلباً للرئاسة، لأنّه يعلم أنّه سيذهب شهيداً، ومع ذلك لم يفهم الأحول قصد زيد. وجواب الإمام الصادق للأحول ليس قدحاً في زيد، وإنّما هو مدحٌ لحسن مناظرة الأحول معه وعدم الاستجابة لزيد في الخروج معه حيث لم يكن الأحول مأذوناً في الخروج، ولم يكن يعلم أنّ زيداً كان مأذوناً بذلك، وشاهد ذلك كلّه الروايات المادحة لزيد والتي تؤكّد أنّه كان معتقداً بإمامة أهل البيت([91]).
وهذا التفسير للرواية من السيد الخوئي يقوم ـ إذا أردنا تحليله ـ على شاهدين، وبدونهما فليس سوى افتراض بعيد عن ظاهر الرواية جداً، إذ المدلول الأوّلي البدوي من الرواية لا يكاد يسمح للإنسان بالشكّ في أنّ موقف الأحول والصادق كان مختلفاً عن موقف زيد، وهذان الشاهدان هما:
أ ـ الشاهد الخارجي، وهو النصوص الأخرى المادحة لزيد والدالّة على اعترافه بالإمامة والإذن له بالخروج، وقد تقدّم ما يهمّنا هنا منها.
ب ـ الشاهد الداخلي، وهو ذيل الرواية، حيث نقل زيد للأحول أنّ الصادق أخبره بصلبه بالكناسة، فما معنى هذا القول من زيد؟!
أمّا الشاهد الأوّل، فهو جيّد لو كان يمكنه تشكيل قرينة عرفيّة على تفسير هذه الرواية، فقد ذكرنا سابقاً أنّ الجمع بين الروايات عرفاً مشروط بقدرة طرفي المعارضة على تحمّله، وهنا في هذه الرواية تحميل الحديث فرضيّة أنّ الخروج كان من الأسرار، ولهذا لم يقل زيد لمؤمن الطاق بأنّه مأذون، وكذلك الإمام الصادق أغفل مؤمنَ الطاق أيضاً وأوهمه صواب موقفه من زيد وأيّد قوله معه.. ذلك كلّه سلسلة من التأويلات التي لا تتحمّلها الرواية لمن قرأها بروح عرفيّة غير قاصدة للتأويل، وأعني بذلك أنّ السيد الخوئي أسقط على الرواية سلسلة معطيات وتصوّرات حتى أنّنا لو بقينا مع الرواية بعد ذكره لهذه التصوّرات سنجدها تحميليّة تطويعيّة، فلا يصحّ هذا الجمع بهذه الطريقة، فهذا الشاهد يصلح لطرح الرواية مثلاً لا لتأويلها، وسوف يأتي حديثٌ عن التوفيق بين النصوص.
وأما الشاهد الثاني، فهو أفضل من الأوّل، لكنّ الذي يُحتمل أيضاً في تبرير حديث زيد عن موضوع صلبه بالكناسة ليس فقط الإشارة إلى المأذونين من جانب الإمام الحقّ، بل لفت نظر مؤمن الطاق إلى أنّ الصادق عنده خبر قتل زيد، ومن الطبيعي أنّ معنى الصحيفة أنّها موروثة عن والده عن آبائه، وعلى هذا سيكون الباقر وزين العابدين على علمٍ بمقتلي وصلبي، فهل من الخوف عليّ أن يتركوني هكذا ولا يخبروني بصحّة أو عدم صحّة خروجي وتصرّفاتي؟
وحتى لو تجاهلنا تساوي هذين الاحتمالين: ما طرحناه وما طرحه السيد الخوئي، فهذا الكلام من الخوئي لا شاهد له، فهذا الذيل يصحّ تفسيره وفق كلام السيد الخوئي، لكنّه ليس شاهداً على صحّة كلامه، وهناك فرق بين الأمرين، أي بين أن نقول: هذا الكلام غير مفهوم إلا على التفسير الفلاني للرواية، وبين أن نقول: إنّ هذا الكلام يمثل شاهداً على صحّة هذا التفسير ودليلاً على استظهاره من سائر مقاطع الرواية، وما فعله الخوئي كان الأوّل، وما نريده، كي نكتشف ظهور الرواية، هو الثاني.
ثانياً: ما ذكره السيد الحائري، من أنّ هذه الرواية ليست صريحة في أنّ زيداً كان يدعو إلى نفسه، بل إلى الرضا من آل محمّد، ولعلّه إلى ذلك الوقت لم يكن يعرف الإمام الحق، ولعلّه كان يريد أن يجاهد ثمّ بعد ذلك يسلّم الأمر إلى من يراه مستحقّاً للإمامة([92]).
وهذا الافتراض لا يهمّنا هنا؛ لأنّنا هنا نريد أن نعرف رضا أو عدم رضا الإمام عن ثورة زيد حتى لو كان زيد معتقداً بالإمامة وسيسلّم الأمر لأهله، والرواية ناطقة من أوّلها إلى آخرها بعدم موافقة زيد في الخروج، وأنّه لم يكن مصيباً في تفسيراته وفهمه للأمور، وإلا أفهل يشكّ قارئ للرواية في أنّه قد صادق الصادق× على محاججة مؤمن الطاق ورفضه الخروج مع زيد؛ لأنه ليس الإمام المفترض الطاعة وأنّ الخارج معه هالك؟!
ثالثاً: هذه الرواية غير واضحة في مقاطعها على مستوى الصحّة والصواب، فالظاهر من الصادق في ذيل الرواية أنّه وافق مؤمن الطاق على محاججته، ومعنى ذلك تأييده للحوار الذي جرى، لا أقلّ في مقاطعة الحقيقيّة الأساسيّة. وإذا عدنا لتأمّل كلام مؤمن الطاق رأينا أنّ احتجاجه بمسألة الشفقة غير صحيح أبداً؛ فهل أنّ العلاقة النسبيّة تمنع الإمام المعصوم عن بيان الحقّ في مسألة الإمامة نفسها؟! وكيف لا يبالي الإمام بدخول مؤمن الطاق جهنّم لمعاندته لكنّه يبالي بدخول زيد النار بسبب معاندته، والله تعالى علّمنا في قصّة نوح أنّ الولد العاصي ليس من الأهل بناءً على أحد تفاسير الآية، فهل هذه هي الثقافة القرآنية في التعامل مع قضايا الدين الأساسية في إطار الأسرة؟! وحتى الاحتجاج بقصّة يعقوب ويوسف لا علاقة له بالمقام، بل ذكره غريب؛ لأنّ الآية تنصّ على أنّه لو أخبرهم لكادوا له، فالمشكلة في الإخبار هو الكيد ليوسف، وليس عدم قبولهم به والخوف عليهم، فيعقوب كتم حفظاً ليوسف، لا لسائر الأولاد، والقصّة هنا هو كتم زين العابدين حفظاً لزيد من النار، لا للباقر والصادق من أذى زيد، ولا سيما أنّها عبّرت بعدم قبوله للإمام الحقّ لا محاربته له، فالاستشهاد في غير محلّه. كما أنّ كون الأنبياء أفضل من أهل البيت لا علاقة له بقصّة يوسف، فهل الأفضليّة تعني لزوم أو عدم لزوم فعل ما فعله يوسف ويعقوب في قصّتهما؟! فالرواية في احتجاجاتها لا تبدو عليها معالم المنطقيّة، لا سيما على نظريّة الإمامة في التفسير الشيعي، إلا إذا قيل: إنّ الاحتجاجات كان يراد منها التسكيت دون البرهان، أي المنطق الإقناعي أو الجدلي دون المنطق البرهاني أو العلمي.
الرواية الثالثة: خبر زرارة، قال: قال لي زيد بن علي، وأنا عند أبي عبد الله×: ما تقول يا فتى في رجلٍ من آل محمّد استنصرك؟ فقلت: إن كان مفروض الطاعة نصرته، وإن كان غير مفروض الطاعة فلي أن أفعل ولي أن لا أفعل، فلما خرج (أي زيد)، قال أبو عبد الله×: «أخذته والله من بين يديه ومن خلفه وما تركت له مخرجاً»([93]).
ذلك أنّ تأييد الصادق لكلام زرارة الذي يفيد عدم الاندفاع للخروج مع زيد، شاهدٌ على أنّه لم يكن من المشجّعين على هذه الثورة.
إلا أنّه يمكن النقاش في الاستناد إلى هذه الرواية، وذلك:
أ ـ إنّ هذه الرواية ليست نصّاً في تخطئة زيد، وإنّما تهدف إلى تحسين زرارة؛ إذ من الواضح أنّ زيداً لم يكن إماماً مفترض الطاعة من المنظور الإمامي. يُضاف إلى ذلك أنّ جملة «لي أن أفعل ولي أن لا أفعل» دالّة على جواز القيام في الجملة مع غير المفترض الطاعة، وقد وافقه الصادق على ذلك بحسب ظاهر تعليقه الأخير على كلامه، ونحن نرى أنّ وجوه أصحاب الصادق ما كان يراد لهم أن يخرجوا مع زيد، كي لا يؤدّي ذلك إلى تعرّض الإمام للخطر فلا يحفظ الدين ولا الشريعة([94]).
وهذا الكلام أغلبه معقول، غير أنّه رغم ذلك لا يرى القارئ لهذه الرواية أنّ الإمام الصادق كان مرتاحاً أو منسجماً مع الثورة، فلو كان الأمر كذلك لكان المفترض بزيد أن يجيب زرارة بأنّ هذا الشخص الذي استنصرك من آل محمّد قد خرج بإذن الإمام المفترض الطاعة، وحينئذ كان من المفترض بالصادق أن يجيب زرارة بأنّني لا أرى مصلحةً في خروج وجوه أصحابي مع زيد للسبب الفلاني أو غيره، ما دام ظاهر الحوار أنّ المجلس كان خاصّاً ولم يكن أمام الملأ، وإنّما في بيت الإمام الصادق أو عنده، فسياق الحديث يوحي بعدم رغبة الصادق بخروج زيد، ولا ينسجم مع الفرضيّة التي قدّمت هنا. ما لم نقل بأنّ زرارة في تلك الفترة كان صغيراً بقرينة التعبير بـ "الفتى" عنه، ومن المعروف أنّه في بدايات عمره لم يكن شيعيّاً خالصاً كما صار لاحقاً، وفق ما تفيده بعض النصوص الحديثيّة والتاريخيّة.
ب ـ إنّ الرواية ضعيفة السند؛ وذلك أنّ العلامة الحلي قد توقّف في أبي خِدَاش ورواياته([95])، كما ضعّفه النجاشي بقوله: «ضعيف جداً»، نعم وثقه الكشي، لكن مع تضعيف النجاشي يصعب الأخذ بتوثيق الكشي([96]).
الرواية الرابعة والخامسة: ما رواه الكشي، من أنّه قيل لمؤمن الطاق: ما الذي جرى بينك وبين زيد بن عليّ في محضر أبي عبد الله؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمّد بن علي، بلغني أنّك تزعم أنّ في آل محمّد إماماً مفترض الطاعة؟ قال: قلت: نعم، وكان أبوك عليّ بن الحسين أحدهم، فقال: وكيف وقد يؤتى بلقمة وهي حارّة فيبرّدها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنّه كان يشفق عليّ من حرّ اللقمة، ولا يشفق عليّ من حرّ النار؟ قال: قلت له: كره أن يخبرك فتكفر، فلا يكون له فيك الشفاعة، لا، ولله فيك المشيّة، فقال أبو عبد الله×: «أخذته من بين يديه ومن خلفه فما تركت له مخرجاً»([97]).
ومثلها رواية أخرى ذكرها الكشي بعد هذه مباشرةً([98]).
وتشبه هذه الرواية خبر مؤمن الطاق المتقدّم الصحيح السند، غايته تختلف عنه في بعض التفاصيل، ومن أبرزها نقصٌ واضح في الحوار، كما أنّ تلك الرواية تشير إلى عدم حضور الصادق مجلس التحاور على عكس هذه الرواية، ودلالة الحديث صار أمرها واضحاً، إلا أنّ الرواية ضعيفة السند بالإرسال في أحد طرقها على تقدير، وضعيفة بجهالة إسحاق بن محمّد البصري المتهم بالغلوّ([99])، وجهالة أبي مالك الأحمس([100])، فالرواية ضعيفة السند في حدّ نفسها.
الرواية السادسة: خبر بكّار بن أبي بكر الحَضْرَمي، قال: دخل أبو بكر وعَلْقَمة على زيد بن علي، وكان علقمة أكبر من أبي([101])، فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، وكان بلغهما أنّه قال: ليس الإمام منّا من أرخى عليه ستره، إنّما الإمام من شَهَر سيفَه، فقال له أبو بكر وكان أجرأهما: يا أبا الحسين، أخبرني عن عليّ بن أبي طالب أكان إماماً وهو مرخى عليه ستره أو لم يكن إماماً حتى خرج وشهر سيفه؟([102]) قال: وكان زيد تبصّر الكلام([103])، قال: فسكت فلم يجبه، فردّ عليه الكلام ثلاث مرات، كلّ ذلك لا يجيبه بشيء، فقال له أبو بكر: إن كان عليّ بن أبي طالب إماماً فقد يجوز أن يكون بعدَه إمامٌ مرخى عليه ستره، وإن كان علي لم يكن إماماً وهو مرخى عليه ستره فأنت ما جاء به (بك) هيهنا؟! قال: فطلب إلى علقمة أن يكفّ عنه، فكفّ([104]).
والرواية ـ كيفما كانت ـ لا دلالة لها على موقف أهل البيت؛ إذ لم يرد فيها ذكر أحد منهم أساساً، فضلاً عن أنّها ضعيفة السند؛ فمحمد بن جمهور من الغلاة الضعفاء جداً، كما أنّ بكّار بن أبي بكر الحضرمي رجلٌ مجهول([105]).
الرواية السابعة: خبر أبي الصباح الكِناني، قال: جاءني سَدير، فقال: لي: إنّ زيداً تبرّأ منك، قال: فأخذتُ عليّ ثيابي، قال: وكان أبو الصباح رجلاً ضارياً([106])، قال: فأتيته فدخلت عليه وسلّمت عليه، فقلت له: يا أبا الحسين، بلغني أنّك قلت: الأئمّة أربعة، ثلاثة مضوا، والرابع هو القائم([107])، قال زيد: هكذا قلت، قال: فقلت لزيد: هل تذكر قولك لي في المدينة في حياة أبي جعفر×، وأنت تقول: إنّ الله تعالى قضى في كتابه أن «من قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً»، وإنّما الأئمّة ولاة الدم وأهل الباب، وهذا أبو جعفر الإمام، فإن حدث به حدث فإنّ فينا خلفاً([108]). وقال: كان يسمع منّي خطب أمير المؤمنين× وأنا أقول: فلا تعلّموهم فهم أعلم منكم، فقال لي: أما تذكر هذا القول؟ فقلت: بلي فإنّ منكم من هو كذلك، قال: ثمّ خرجت من عنده فتهيّأت وهيّأت راحلةً ومضيت إلى أبي عبد الله× ودخلت عليه، وقصصت عليه ما جرى بيني وبين زيد، فقال: «رأيت لو أنّ الله تعالى ابتلى زيداً، فخرج منّا سيفان آخران، بأيّ شيء يعرف أيّ السيوف سيف الحق؟([109]) والله ما هو كما قال، لئن خرج ليقتَلَن»، قال: فرجعت فانتهيت إلى القادسية فاستقبلني الخبر بقتله رحمه الله([110]).
فإن سياق حديث الإمام جعفر الصادق ليس خاصّاً في المناقشة في أصل موضوع الإمامة، بل يواجه زيداً في خروجه، وأنّ خروجه سيفضي إلى موته، ولن يكون له من نفع.
إلا أنّ الرواية ضعيفة السند، فقد ورد فيها عليّ بن محمد بن قتيبة المجهول، إلا من أنّ الكشي صاحب كتاب الرجال اعتمد عليه في كتابه([111])، لكنّ هذا الأصل ـ أي كثرة الرواية عن شخص دليل وثاقته ـ لو تمّ من حيث المبدأ، لكنّه في مقامنا يصعب الأخذ به؛ وذلك أنّ النجاشي قد نصّ على أنّ أبا عمرو الكشي يروي عن الضعفاء كثيراً([112])، ومثل هذه الشهادة لا تجعل رواية مثل الكشي دليل الوثاقة في حقّ المرويّ عنه كما هو واضح، من هنا يظهر أنّ من وثق هذا الرجل ـ مثل العلامة الحلي ـ إنّما اعتمد على رواية الكشي عنه لا غير([113])، أو لأنّ الطوسي وصفه بالفاضل، وهو مدحٌ وليس توثيقاً، كما بحثناه في محلّه. كما أنّ الشاذاني الوارد في السند الآخر للرواية مجهولٌ([114])، وعليه فيصعب العمل بهذه الرواية منفردةً.
هذا، وهناك بعض الروايات الواردة في ادّعائه الإمامة أو ما شابه ذلك، وفيها ذمّ له من هذا الجانب، لكنّها ضعيفة السند، مثل خبر علي بن المغيرة، عن أبي الصباح وغيره.. وفي مقابلها روايات توحي بكونه يؤمن بالأئمّة الاثني عشر بأسمائهم!([115]).
هذا هو مهمّ النصوص المنقولة عن أهل البيت النبوي في رفض ثورة زيد، وقد تبيّن أنّها جميعها ضعيفة السند عدا واحدة، هي رواية أبان في قصّة حوار مؤمن الطاق مع زيد بن علي (الرواية الثانية) والمؤيَّدة بما يقارب مضمونها بخبرَي مؤمن الطاق اللذين رواهما الكشي (الرواية الرابعة والرواية الخامسة)، أمّا من حيث الدلالة فقد تبيّن أنّ ستّ روايات من أصل سبعة، ومنها الرواية التامّة السند دالّة على ذمّ ثورة زيد. يُضاف إلى ذلك أنّ روايات ذمّ ثورة زيد لم نجدها في مصادر الحديث الكبرى الشيعيّة والسنيّة، ولا في مصادر التاريخ، باستثناء خبر موسى بن بكر (الرواية الأولى) الذي ورد في الكافي، وكذا خبر أبان الصحيح السند الوارد في الكافي أيضاً، وباقي الروايات نقلها لنا الكشي في رجاله، مثل الرواية الثالثة إلى آخر الروايات.
المقارنة الخاطفة لنتائج المجموعتين
وبهذا تكتمل أمامنا صورة النصوص المنقولة عن أهل البيت في الموقف من ثورة زيد، فأمامنا رواية صحيحة السند تؤيد الثورة، تقابلها رواية تامّة السند ترفضها، وأمامنا ثماني روايات دالّة على التأييد في مقابل ستّ روايات دالّة على الرفض، وإذا كانت أغلب نصوص تأييد الثورة أتانا بها الصدوق فإنّ أغلب نصوص الرفض جاءت من عند الكشي، وإذا كانت أغلب نصوص الرفض ضعيفة السند ولم ترد في مصادر الحديث والتاريخ الكبرى فإنّ أغلب نصوص التأييد حالها كذلك، بل ورد فيها رجالٌ شهد عليهم بالكذب، كما ورد في بعضها رجال من الزيدية أنفسهم.
وطبقاً لمجمل هذه الصورة، وانطلاقاً من حجيّة الخبر الموثوق، يصعب الوثوق بالموقف الحقيقيّ لأئمّة أهل البيت من الثورة، وبهذا يصعب جعل ثورة زيد دليلاً على شرعيّة أو وجوب الخروج المسلّح ضدّ الأنظمة الفاسدة.
11 ـ 2 ـ محاولات في تفسير الموقف وفكّ الاشتباك بين النصوص
هناك مجموعة من المحاولات التي تسعى لفضّ الاشتباك بين هذه النصوص؛ لترجيح مجموعةٍ على أخرى، وأبرزها وأهمّها هو الآتي:
11 ـ 2 ـ 1 ـ الكثرة الروائيّة العدديّة بوصفها مرجّحاً للمجموعة المؤيّدة، نقد وتعليق
ذهب بعض العلماء إلى القول بأنّ روايات المدح والتأييد أكبر وأكثر فيما روايات الذمّ أقلّ، كما قال المجلسي([116]). ولعلّه يمكن العثور على ما يزيد عن خمس وعشرين رواية في مدحه في شخصه أو سيرته أو في شيءٍ ما يتعلّق به أو بثورته.
لكن تبيّن من استطلاع النصوص ـ مما أشرنا له هنا، وما لم نشر له؛ لرجوعه لشخص زيد ـ أنّه لا توجد أكثريّة حقيقيّة، فهناك كما قلنا بين الروايات ذات الدلالة هنا ثماني روايات مؤيّدة مقابل ستّ رافضة، وبين الرافضة روايتان في الكافي، فكيف تحصل الكثرة الموجبة لحصول الاطمئنان في ظلّ الوضع السندي الذي أشرنا إليه.
أضف إلى ذلك أنّنا لو راجعنا مجمل روايات زيد في شخصه وحركته وليس فقط في ثورته، لوجدنا أنّ روايات المدح تزيد عن خمس وعشرين، وروايات الذمّ تزيد عن العشرين، فأيّ أكثريّة ساحقة توجب الترجيح في هذا المضمار؟! هذا فضلاً عن أنّنا لاحظنا ورود أسماء أشخاص من الزيديّة في أسانيد النصوص المادحة، وهذا يتطلّب مراعاة النسبة الوثوقيّة في هذه الحال.
ولا بأس بنقل ما قاله الخوئي هنا حول الروايات المادحة لزيد: «وإنّ استفاضة الروايات أغنتنا عن النظر في إسنادها، وإن كانت جلّها، بل كلّها ضعيفة أو قابلة للمناقشة، على أنّ في ما ذكرناه أوّلاً غنى وكفاية، ومن أراد الاطّلاع عليها فليراجع كتابي الأمالي والعيون للصدوق قدّس سرّه وغيرهما»([117]).
11 ـ 2 ـ 2 ـ الترجيح بفرضيّة اختلاق الأمويّين والعباسيّين نصوص الذمّ، إشكال وترقٍّ
المحاولة الأخرى هنا ما ذكره بعضهم([118]) من أنّ روايات ذمّ زيد يترجّح أنّها مختَلَقَة من طرف الأمويّين ثمّ العباسيّين وأنصارهم لاحقاً؛ بهدف إيقاع الفتنة بين الشيعة الإمامية والزيديّة، وكلاهما من معارضي الدولة العباسيّة، وهو ما تترتّب عليه مصالح سياسيّة وأمنيّة عليا لهذه الدولة.
ومن الواضح أنّ هذه الفرضيّة ممكنة في نفسها([119])، غير أنّ السؤال عن دليل إثباتها، بوصفها مرجّحاً، وبخاصّة مع عدم العثور على أسماء في الرواة الناقلين لنصوص الذمّ فيهم شبهة الميل للعباسيّين أو الأمويّين، بل يمكن طرح فرضيّة منافِسة هنا بأنّ نقول: كما يمكن فرض أنّ الروايات الذامّة موضوعة عباسيّاً كذلك يمكن للطرف الآخر أن يقول بأنّ روايات المدح موضوعة زيديّاً لجلب بقايا الشيعة للتيار الزيدي لاحقاً، وبخاصّة أنّنا لاحظنا وجود أسماء من الزيديّة في أسانيد العديد من الروايات المادحة كما تقدّم.
بل يمكن الترقّي أكثر بافتراض أنّ الأمويّين أقحموا ـ باختلاق روايات المدح ـ اسمَ الإمام الصادق؛ لجعله مستهدَفاً من قبلهم وتبرير الضغط عليه وعلى المقرّبين منه وشيعته أكثر فأكثر، فإنّ هذا احتمالٌ ممكن أيضاً بالمراقبة التاريخيّة، فكيف يمكن نفيه أو ترجيح احتمالٍ آخرَ عليه؟!
11 ـ 2 ـ 3 ـ الترجيح بشهرة مدح زيد بين الإماميّة، عرض وتفنيد
المحاولة الأخرى هنا هو القول بأنّ المشهور بين الإماميّة مدح زيدٍ وتأييد ثورته، فيكون هذا العمل المشهوري موجباً لليقين بروايات التأييد، إمّا بما هو شهرة فتوائيّة (بمعنى الموقف)، أو بوصف هذه الشهرة جابرةً لضعف الأسانيد في نصوص المدح، أو بوصفها ـ من حيث كونها إعراضاً عن روايات الذمّ ـ موجبّةً لوهن نصوص الذمّ([120]).
قال الشيخ المفيد (413هـ): «كان زيد بن علي بن الحسين عين إخوته بعد أبي جعفر× وأفضلهم، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخيّاً شجاعاً، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويطالب بثارات الحسين×»([121]).
وقال الخزاز القمي (ق 4هـ): «إنّ زيد بن علي× خرج على سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا على سبيل المخالفة لابن أخيه جعفر بن محمّد عليهما السلام، وإنّما وقع الخلاف من جهة الناس، وذلك أنّ زيد بن علي× لما خرج ولم يخرج جعفر بن محمّد عليهما السلام توهّم من الشيعة أنّ امتناع جعفر كان للمخالفة، وإنّما كان لضربٍ من التدبير، فلما رأى الذي صاروا للزيديّة سلفاً قالوا: ليس الإمام من جلس في بيته وأغلق بابه وأرخى ستره، وإنّما الإمام من خرج بسيفه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا كان سبب وقوع الخلاف بين الشيعة، وأمّا جعفر وزيد عليهما السلام فما كان بينهما خلاف..»([122]).
ويذهب الشهيد الأوّل (786هـ) أبعد من ذلك فيقول: «قالوا: خرج مع ابن الأشعث جمعٌ عظيم من التابعين في قتال الحجّاج؛ لإزالة ظلمه وظلم الخليفة عبد الملك، ولم ينكر ذلك عليهم أحدٌ من العلماء. قلنا: لم يكونوا كلّ الأمّة. ولا علمنا أنّهم ظنّوا القتل، بل جوّزوا التأثير ورفع المنكر. أو جاز أن يكون خروجهم بإذن إمامٍ واجب الطاعة، كخروج زيد بن علي× وغيره من بني عليّ×»([123]). فهو يرى أنّ أبناء عليّ من الذين نظّموا ثورات على الحكّام كان خروجهم بإذن الإمام مفترض الطاعة تماماً مثل زيد، وهو أمرٌ ليس من السهل إثباته.
وقال العلامة المجلسي (1111هـ) في نصٍّ دالّ: «ثمّ اعلم أنّ الأخبار اختلفت في حال زيد، فمنها ما يدلّ على ذمّه، بل كفره؛ لدلالتها على أنّه ادّعى الإمامة وجحد إمامة أئمّة الحقّ، وهو يوجب الكفر كهذا الخبر، وأكثرها يدلّ على كونه مشكوراً، وأنّه لم يدّع الإمامة، وأنّه كان قائلاً بإمامة الباقر والصادق عليهما السلام، وإنّما خرج لطلب ثار الحسين× وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يدعو إلى الرضا من آل محمّد× وأنّه كان عازماً على أنّه إن غلب على الأمر فوّضه إلى أفضلهم وأعلمهم، وإليه ذهب أكثر أصحابنا، بل لم أرَ في كلامهم غيره. وقيل: إنّه كان مأذوناً من قبل الإمام× سرّاً، ويؤيّده ما استفيض من بكاء الصادق عليه، وترحّمه ودعائه له، ولو كان قتل على دعوى الإمامة لم يستحقّ ذلك([124])..»([125]).
فالمجلسي يعتبر أنّ أكثر الأصحاب ـ بل لم يَعلَم في ذلك خلافاً ـ ذهبوا لتحسين زيد والموافقة على ثورته.
وفي موضعٍ آخر قال: «اعلم أنّ الأخبار اختلفت وتعارضت في أحوال زيد وأضرابه، كما عرفت، لكنّ الأخبار الدالّة على جلالة زيد ومدحه، وعدم كونه مدّعياً لغير الحقّ أكثر. وقد حكم أكثر الأصحاب بعلوّ شأنه، فالمناسب حسن الظنّ به، وعدم القدح فيه، بل عدم التعرّض لأمثاله من أولاد المعصومين([126]) عليهم السلام إلا من ثبت من قبل الأئمّة عليهم السلام الحكم بكفرهم، ولزوم التبرّي عنهم»([127]).
وقد أفاض العلامة الأميني (1392هـ)، في الحديث عن مواقف علماء الشيعة وشعرائهم فيه واحترام الإماميّة له، فراجع([128]). وقد جاء ذلك في سياق نقده ـ فيما يبدو ـ للشيخ بن تيمية الحراني وغيره، وفي هذا قال الأميني: «هذا زيد ومقامه وقداسته عند الشيعة جمعاء، فلست أدري أين يكون إذن مقيل قول ابن تيمية من مستوى الحقيقة: إنّ الرافضة رفضوا زيد بن علي بن الحسين ومن والاه وشهدوا عليه بالكفر والفسق؟! وتبعه على هذه الهفوة السيد محمود الآلوسي في رسالته المطبوعة في كتاب (السنّة والشيعة) ص 52، وقال: الرافضة مثلهم كمثل اليهود الرافضة يبغضون كثيراً من أولاد فاطمة رضي الله عنها بل يسبّونهم كزيد بن علي، وقد كان في العلم والزهد على جانب عظيم. وأخذ عنه القصيمي هذه الأكذوبة وذكرها في كتابه (الصراع بن الإسلام والوثنيّة)»([129]).
نعم، إماميّاً يبدو أنّ التعبير عنه بـ "زيد الشهيد" نادرٌ في الماضي، وأخذ ينتشر أكثر في القرنين الأخيرين، لكنّ هذا لا يضرّ بأصل الموقف منه.
غير أنّ الاستناد للشهرة هنا يمكن التعليق عليه؛ وذلك أنّ المورد من موارد التعارض بين النصوص، وربما أخذوا بهذه الطائفة من النصوص أو تلك لاجتهادٍ وحدس، لا لأنّهم يصحّحون صدورها بحسب المعايير السنديّة والتاريخيّة، فضلاً عن أنّه لا يحرز حصول شهرة بين المتقدّمين تفرض هذا الأمر، فالشهرة في شخص زيدٍ ووثاقته وجلالته، أمّا ثورته فغير معلومة. بل نحن قبل المفيد لا نكاد نعثر على نصّ من أحد علماء الإماميّة يمتدح زيداً، بل كثيرون جداً ما بين المفيد والقرن الثامن الهجري لم يبدوا رأيهم في الموضوع.
11 ـ 2 ـ 4 ـ ترجيح نصوص التأييد عبر توظيف نظريّة التقيّة، مشاكل وعوائق
تعتبر هذه المحاولة أنّ الروايات الرافضة للثورة تُحمل على التقية، فالأمر سياسيٌّ خطير ما من شأنه ورود التقيّة فيه، على خلاف الروايات المؤيّدة للثورة حيث تصعب التقيّة فيها ما دام الموقف الذي تشتمل عليه معارِضاً للسلطات الحاكمة، فيكون هذا شاهداً معزّزاً لروايات التأييد وموهِناً لنصوص الرفض. بل لعلّ بإمكاننا افتراض أنّ نصوص الرفض كانت في حياة زيدٍ تقيّةً، فيما نصوص التأييد كانت بعد رحيله، وربما بعد زوال الدولة الأمويّة؛ لانتفاء مبّرر التقيّة في تلك الحال.
يقول السيّد نعمة الله الجزائري (1112هـ): «وإن ورد طعنٌ من الأئمّة ـ عليهم السّلام ـ في خروجه، فالظاهر أنّه إمّا تقيّة من سلاطين الجور، لئلا يعرفوا من حالهم الرضا بخروج زيد، وإمّا رعاية لجهّال الشيعة لئلا يعتقدوا إمامَتَه بسبب أنّه محقٌّ في خروجه وجلوس الإمام× عن الخروج، كما اتفق ذلك للزيديّة»([130]).
وقد تقدّم كلام الخزاز القمي([131])، فلا نعيد، وقد أكّد فيها القمي أنّ هناك تنسيقاً ذكيّاً بين جعفر وزيد، فحتى لا تنزل البليّة على الشيعة جميعهم، صار الاتفاق بينهما على خروج زيدٍ وبقاء جعفر، فإذا نجح زيدٌ سلّم الإمامة لجعفر، وإذا فشل أكمل جعفرُ الطريق.
وهذا الاحتمال في غاية المنطقيّة، والتقيّة هنا واردة بالفعل، فالموضوع سياسيٌّ أمنيٌّ بامتياز، لكن قد تسجّل ملاحظات:
أ ـ يجب أن نلتفت إلى أنّه ليس هناك في النصوص ما يشير إلى حضور أحد في موقف الإمام× هذا من زيد، وإنّما الحاضر هم خُلّص الأصحاب مثل مؤمن الطاق.. فما معنى التقيّة هنا؟!
لكن قد يقال ـ في مقابل ذلك ـ: إنّ خصوصيّة وحساسية الموقف كانت تستدعي التقية حتى من أقرب المقرّبين، وأنّه لم يكن يعرف أحدٌ بهذا الاتفاق ـ ربما ـ عدا زيد والصادق فقط. وبهذا يمكن تفسير ممارسة التقيّة حتى من أقرب المقرّبين. لكن لو كان الأمر كذلك فكيف عرفنا فيما بعد بالتقيّة وبالاتفاق بينهما؟!
ب ـ إنّ هناك احتمالاً آخر في التقية يواجه أخبار التأييد أيضاً؛ وذلك أنّ الإمام الصادق من الممكن أنّه واجه تيّاراً عظيماً في الشيعة بدأ يتنامى بقوّة بعد شهادة زيد، فاستخدم معه التقيّة كي لا يخسر هؤلاء الشيعة ويضحّي بهم، فلكي يقترب منهم مارس معهم التقيّة، فاحتمال التقيّة يمكن أن يُدّعى أنّه محتملٌ على الخطيّن معاً، وإن كان احتمالها على خطّ السلطان أقوى بكثير ـ عادةً ـ من احتمالها على أيّ خطٍّ آخر.
ويشهد لما نقول بأنّ أغلب روايات الذمّ وقعت قبل شهادة زيد، فيما أغلب روايات المدح جاءت بعد شهادته.
ج ـ إنّ روايات المدح تتضمّن موقفاً مؤيّداً من الرجل ومتعاطفاً معه ومتألّماً عليه، فيما روايات الذمّ تتعرّض لمناقشات واستدلالات نقديّة ضدّه، كما رأينا في انتقادات مؤمن الطاق وغيره له، وقد تمّ تأييدها من قِبل الإمام. واحتماليّاتُ التقيّة في النصوص القائمة على الاستدلال أقلُّ منها عادةً في غيرها، على ما بحثناه في محلّه.
د ـ كيف يُعقل وجود تنسيق بين زيد والصادق، بما يُفهم منه أنّه لو نجح زيدٌ سلّم الأمرَ للصادق، ولو فشِل أكمل الصادقُ المسيرةَ، وفي الوقت عينه ينتقد الصادقُ زيداً أمامَ بعض الشيعة؟! فالإمام في حالةٍ من هذا النوع يفترض أن يلتزم الصمت، لا أن يقدّم إيحاءً عكسيّاً؛ لأنّ هذه الإيحاءات العكسيّة تضرّ بمصلحة زيد في خروجه، والمفروض أنّ الإمام يريد لهذا الخروج أن ينتصر.
إلا إذا قيل بأنّ وقائع الذمّ هذه جاءت قبل الثورة بفترة وجيزة للغاية، بما لا يضرّ بها، كما يظهر من بعض النصوص، فراجع.
هـ ـ إنّ الفكرة التي تقول بأنّ زيداً كان شيعيّاً إماميّاً اثني عشريّاً وأنّه خرج بإذن الصادق معتقداً إمامته، لم ينقلها إلا الشيعة الإماميّة فقط، مع أنّ منطق الأشياء يقول بأنّ زيد بن علي لو كان كذلك لظهر على الأقل في الوسط الزيدي تيّارٌ قريب من هذه الفكرة أو شبيهٌ بها، أعني فكرة الإمامة المنصوصة المعيّنة من قبل الله تعالى، فما تقوله بعض الروايات المادحة ـ سواء أتت من زيد كرواياته في تبيين أسماء الأئمّة الاثني عشر أم أتت من سائر الأئمّة وأصحابهم الإماميّة ـ غير معقولة بمنطق الأشياء. واحتمال التقية، بمعنى السريّة المطلقة من زيد في تبيين آرائه، شيء غير مفهوم هنا، وبخاصّة أنّ زيداً لو كان معتقداً إمامة الصادق والباقر لظهر عليه ذلك قبل تفكيره في الثورة بسنوات طويلة، في حين لا يظهر عليه أيّ أثر لشيءٍ من هذا القبيل. وكتبه المنقولة عنه ليس فيها رائحة هذه المفاهيم إطلاقاً. والغريب أنّ زيداً في بعض نصوص الإماميّة يعلن إيمانه بالأئمّة الاثني عشر بأسمائهم ويكشفها للرواة، وفي الوقت عينه نجد هنا سريّةً مطلقة بحيث حتى أقرب المقرّبين لا يعرفون العلاقة بينه وبين جعفر الصادق!
كما أنّ حساب عدد رواياته في كتب الإماميّة عن جعفر الصادق يؤكّد أنّها قليلة جدّاً، بل شبه معدومة، بل رواياته عن الباقر ليست بتلك المثابة بالنسبة لشخص مثله، بل ليس له في الكتب الأربعة إلا حوالي ستين رواية ينقلها عن آبائه، فراجع، ويفهم منه وصول السند إلى عليّ بن أبي طالب؛ لأنّ تعبير الآباء يعني أنّه لم ينقل عن الباقر والصادق وزين العابدين بعنوانهم أو نحو ذلك، بل نقل عن زين العابدين عن آبائه، فهو يعتبرهم بمثابة الناقلين، فانتبه! فشخصٌ مثله كان يفترض أن يكون من أقرب المقرّبين والمنظّرين لإمامة الأئمّة ونقل أقوالهم وهو عالمٌ فقيه عابد معروف في الأمّة قبل ذلك.
والأغرب من ذلك كلّه أنّ رواياته في الكتب الأربعة جلّها إن لم نقل كلّها مرويّة عن عمرو بن خالد الواسطي أحد رؤساء الزيديّة، فكيف لم نجد له رواية نقلها كبار أصحاب الإمامين الباقر والصادق عنه؟! بل طريق الصدوق إلى زيدٍ في الفقيه ينتهي بهذا الرجل أيضاً! لهذا أشكّ جدّاً في كون الرجل يؤمن أساساً بنظريّة الإمامة المنصوصة التي تقول بها الإماميّة، غايته أنّه كان يحترم زين العابدين والباقرَين، وربما بلغ به الأمر حدّ تقديمهما في بعض الشؤون لا أكثر.
ويزداد الأمر أشكلةً عندما نلاحظ أسماء الذين خرجوا مع زيد أو ناصروه، مثل أبي حنيفة وسفيان الثوري والحجّاج بن دينار وسلمة بن كهيل وأبي هاشم الرماني والمنصور بن المعتمر ومحمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري وغيرهم. فإنّه من الصعب لك أن تجد اسماً من أصحاب الإمام الباقر والصادق ممن يُعرفون في الوسط الإمامي بعدم كونهم من المؤمنين بالزيديّة التي هي في عرض التشيّع الإمامي، وهذا أمر غريب، فلو كان جعفر الصادق مؤمناً بحركة زيد فلماذا لم يقسّم أنصاره قسمين: قسمٌ يرسله لنصرة زيد ومبايعته، وقسم يبقيه، تماماً كما نسّق هو مع زيد؟!
والنتيجة إنّ التقيّة هنا مجرّد افتراض، لا يوجب الاطمئنان بصدور الروايات المؤيّدة، مع ما عرفت من حالها سنداً ودلالة. نعم قد يرجح في الظنّ طرف نصوص التأييد، لكنّ هذا لا يبلغ بها حدّ الاطمئنان والوثوق الذي هو ملاك حجيّة الأخبار، أو حدّ ممارسة ترجيح حجّة ومعتبر، لا سيما على رأي من لا يرى حجيّة خبر الواحد الظنّي في قضايا التاريخ، كما هو الصحيح.
11 ـ 2 ـ 5 ـ النصوص بين الذمّ والإشفاق، قراءة منقوصة
نقل هذه الفرضيّة الشيخُ فخر الدين الطريحي (1085هـ)، حيث قال: «واختلفت الروايات في أمره: فبعضها يدلّ على ذمّه، بل كفره لدعواه الإمامة بغير حقّ، وبعضها يدلّ على علوّ قدره وجلالة شأنه، فجُمع بين الذمّ والمدح بحمل النهي عن الخروج على التقيّة أو أنّه ليس نهي تحريم بل شفقة وخوف عليه، وأمّا غيره ممن خرج بالسيف من أهل البيت كيحيى بن زيد، ومحمّد وإبراهيم، فظاهر حالهم مخالفة الأئمّة، وما صدر منهم ـ عليهم السلام ـ من الحزن والبكاء ليس فيه دلالة على خيريّتهم؛ لاحتمال أن يكون شفقةً عليهم لضلالتهم أو لهتك حرمة أهل البيت»([132]).
لكنّني أعتقد بأنّ هذه المحاولة تلاحظ عدداً محدوداً من النصوص الذامّة التي فيها نوع تعبير بالخوف أن يكون المصلوب بالكناسة وغير ذلك، وهو فضلاً عن عدم وضوحه كما أسلفنا، لا يمكنه أن يستوعب تمام النصوص التي لا تحمل نمطَ بيانٍ من هذا النوع، مثل بعض المناظرات التي وقعت مع زرارة ومؤمن الطاق وغيرهما.
والذي نخرج به من هذه الجولة هو أنّ المناقشة الأولى للاستدلال بثورة زيد ـ وهو وجود تعارض في المواقف المنقولة يعيق الجزم بتأييد الأئمّة لحركة زيد أو رفضهم لها ـ تامّة، فلا نحرز وجود موقف مؤيّد لأهل البيت ـ بالمفهوم الإمامي للكلمة ـ من هذه الثورة، رغم أنّ الميل والظنّ لصالح التأييد.
11 ـ (3 ـ 4) ـ مشكلة القصور في دلالة الإقرار على الفعل من حيث الجواز والوجوب
ثاني المناقشات هنا هو أنّه لو سلّمنا بتأييد أهل البيت لثورة زيد، فإنّ ذلك إقرارٌ بها، إلا أنّ الإقرارات يندر وجود إطلاق فيها، فقد تكون هناك ظروف سياسيّة خاصّة في تلك المرحلة لا نعرفها هي التي جوّزت الخروج، كما لعلّ غصب الخلافة وعدم عدالة بني أميّة مع الناس كانا من موجبات الترخيص في الثورة، فلا يثبت جواز الخروج في مقابل مطلق من لا يطبّق الشريعة في نفسه أو في المجتمع، بل يخصّ ذلك الظالم المدّعي للخلافة الجائر بحقّ شعبه ممن أعمل فيهم السفك والقتل، كما حصل مع ثورة الحسين وما لحقها من قمعٍ غير عادي، فإثبات التعميم غيرُ يسير.
بل يمكن إضافة مناقشة ثالثة، وهو أنّه لو تمّ كلّ شيء هنا يصعب إثبات الوجوب، بل أقصاه الجواز، فلم تبيّن أيّ رواية دلالةً على وجوب الخروج، بل على جوازه، وإمضاء أهل البيت أقصاه إفادة الرخصة دون الوجوب، إلا بقرينة إضافيّة.
11 ـ 5 ـ قصور الإقرار بثورة زيد عن مواجهة نصوص الحظر في "عصر الغيبة"
رابع المناقشات الممكنة هنا هو أنّ ثورة زيد مرخّصٌ بها من قبل الإمام الحجّة في زمانه، فلا تُعارِض ما دلّ من روايات على عدم جواز الخروج في عصر الغيبة دون إذن المعصوم الخاصّ، كما عليه بعض الفقهاء، فالعلاقة بين الأدلّة تفرض الوقوف لصالح نصوص المنع على هذا المستوى، وسيأتي المزيد.
12 ـ مرجعيّة نصوص الجهاد العامّة في الشريعة الإسلاميّة، نقدٌ وتعليق
الدليل الثاني عشر هنا هو الاستناد إلى عمومات الجهاد العامّة الواردة في الكتاب، على أساس أنّ مقاتلة الظالمين المنحرفين عن شرع الله سبحانه من مصاديق الجهاد في سبيل الله تعالى، فتكون واجبةً.
وهذا الدليل يعاني من ضعف؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ أدلّة الجهاد الواردة في الكتاب والسنّة ظاهرة في مواجهة من هو خارج إطار دائرة المسلمين من الكفّار المعتدين، ولا بيان فيها لحالة مقاتلة المسلمين بعضهم بعضاً، سوى دليل جهاد البغاة، الذي ناقشنا إطلاقيّةَ توظيفه هنا سابقاً. والجهاد الابتدائي الذي طرح فكرته مشهورُ المسلمين لا معنى له في صورة إسلام الطرف الآخر ما دام جهاداً للدعوة إلى الإسلام والانتماء إليه. ومعه فلا يظهر في النصوص الجهاديّة العامّة وجود اقتضاء في الدلالة من رأس.
ثانياً: لو سلّمنا شمول عمومات الجهاد لما نحن فيه، لكن مع ذلك لا معنى للابتدائي منه في حقّ جماعةٍ مسلمة، وأمّا الدفاعي فهو خاصّ باعتداء الطرف الآخر ومهاجمته المسلمين، فيكون من موارد البغي، وقد قلنا هناك: إنّ اعتداء الحكّام الظلمة على المسلمين وقتلهم وسفك دمائهم.. مما يجيز للمعتدى عليه فيه المواجهة، بحيث لو كانت حمايته من اعتدائه متوقّفةً على إسقاطه ومهاجمته لصحّت حينئذ، فهذا الدليل أخصّ من المدّعى.
13 ـ المجموعات الحديثيّة المبرّرة لعدم خروج أهل البيت بقلّة الناصر
الدليل الثالث عشر هنا هو ما دلّ من النصوص على أنّ من كانت له قدرة على مواجهة الحاكم الفاسد وجبت عليه مواجهته، وأنّ السياسة السلمية التي خاضها أهل البيت لم تكن إلا لعدم قدرتهم على مواجهة الحكّام الظالمين؛ لقلّة المعين الناصر، لا لأنّهم كانوا قد حسموا رفض الخروج إلا عند قيام القائم في آخر الزمان، كما ألمحنا لهذه القضيّة في أحد الهوامش السابقة.
ومن هذه الروايات، خبر سدير الصيرفي، قال: دخلت على أبي عبد الله× فقلت له: والله ما يسعك القعود. فقال: «ولم يا سدير؟» قلت: لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك. والله لو كان لأمير المؤمنين ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ما طمع فيه تيمٌ ولا عديٌّ([133])، فقال: «يا سدير، وكم عسى أن يكونوا؟» قلت: مائة ألف. قال: «مائة ألف؟» قلت: نعم، ومائتي ألف. قال: «مائتين ألف»؟ قلت: نعم، ونصف الدنيا، قال: فسكت عنّي، ثمّ قال: «يَخِفُّ عليك أن تبلُغ معنا إلى يَنْبُع؟».. فسرنا حتى صرنا إلى أرضٍ حمراء، ونظر إلى غلام يرعى جِدَاءً. فقال: «والله يا سدير، لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود»، ونزلنا وصلّينا، فلما فرغنا من الصلاة عطفت على الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر([134]).
فهذا الحديث ظاهرٌ في أنّ ما أوجب قعود الصادق إنّما هو قلّة الناصر، وأراد أن يبيّن لسدير أنّه ليست العبرة بالاسم والكلام، وإنّما بالإخلاص والاتّباع الحقيقي.
وثمّة نصّ آخر في نهج البلاغة، يذكر ابن أبي الحديد كثرة قول الإمام علي× له ولمضمونه، وهو: «فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت»([135])، أو «لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضت القوم..»([136]).
وحتّى لو تتبّعنا سيرة الإمام الحسن× لوجدناه إنّما ترك القتال عند فقدان القدرة على مواصلة الحرب، ولو أمكنه لاستمرّ. فهذا كلّه شاهد على أنّ المسألة مسألة قدرة، ولولاها لقام أهل البيت وخرجوا([137]).
هذا الوجه قابل للنقاش؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ الرواية الأولى ضعيفة السند بإبراهيم بن إسحاق، حيث لم يرد فيه توثيق، بل ورد فيه تضعيف على تقدير أن يكون الأحمري النهاوندي([138])، والرواية الثانية مرسلة في النهج، وعنه أخذها سائر المحدّثين، كما أنّ الرواية الثالثة مرسلة ذكرها ابن أبي الحديد نقلاً عن نصر بن مزاحم، وأخذها الآخرون عنه.
لكن ربما يدّعى وجود تواتر معنوي أو إجمالي في مضمون هذه الروايات؛ لورودها هنا وهناك عن هذا الإمام أو ذاك. وإثبات التواتر أو الوثوق الصدوري ليس سهلاً، بل يحتاج لحشد عددٍ أكبر.
ثانياً: إنّ هذه النصوص صدرت من صاحب الخلافة المنصوصة في حقّ مغتصبي الخلافة من جهة وظالمي الأمّة من جهة أخرى، كبني أميّة وبني العباس، ولا نستطيع إحراز جواز الخروج غير السلمي في أوسع من هذه الدائرة؛ لعدم وجود نصّ تقعيدي إطلاقي فيها، بل هي تحكي عن ظروف الأئمّة أنفسهم، وهذه الظروف يحتمل فيها دور غصب الخلافة وظلم بني أميّة وبني العباس، طبقاً لما قلناه في الحديث عن الاستناد لدليل جهاد البغاة هنا، فيُثبت هذا الدليل بعضَ الحالات، فيكون أخصّ من المدّعى.
ثالثاً: إنّ الاستناد إلى سيرة عليّ والحسن هنا في غير محلّه، فقد كانا ـ في الجملة ـ يقاتلان البغاة بالاصطلاح الفقهي، فتسرية الحكم إلى ما نحن فيه ـ تسرية إطلاقيّة ـ في غير محلّه.
رابعاً: لو تمّ هذا الدليل لما واجه أيَّ دليل آخر يحرّم الخروج في عصر الغيبة؛ لعدم وجود شمول في هذا الدليل لما بعد عصر حضور الإمام المنصوص.
والمتحصّل أنّ هذا الدليل ـ لو تمّ ـ فهو أخصّ من المدّعى بكثير.
14 ـ موقف أهل البيت من ثورة صاحب فَخّ بوصفه دليلَ الشرعيّة، وقفات وتأمّلات
الدليل الرابع عشر هنا هو الاستناد إلى تأييد أهل البيت ـ عليهم السلام ـ لثورة الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، المعروف بصاحب فخّ([139]) ـ نسبةً إلى موضعٍ يقال له: فخ، وهو موضعٌ أو بئر على فرسخٍ من مكّة ـ والذي خرج في عصر الإمام الكاظم× ضدّ الخلفاء العباسيّين([140]).
ويمكن تعرّف رضا أهل البيت عن ثورته عبر أحد سبيلين:
السبيل الأوّل: أن يقال ـ كما ذكر السيّد الحائري ـ: إنّنا لم نعثر في كتب الحديث والتاريخ على أيّ نصّ من أهل البيت، ولو ضعيف السند، في ذمّ شهيد فخّ أو تضعيفه أو رفض حركته، وهذا شاهدٌ مؤكّد على أنّ أهل البيت كانوا راضين بها؛ إذ لو كانوا غير راضين، لصدرت منهم ـ وهم يعيشون جوّ التقيّة الضاغط ـ نصوصٌ في ذمّه ورفض ثورته، ولوصلنا شيءٌ، ولو مرسلٌ، من هذه النصوص، وهو ما لم يحصل، وهذا بخلاف ما لو كانوا يؤيّدون الثورة فإنّ عدم وصول نصوص يغدو أمراً مبرّراً نظراً لظروف التقيّة([141]).
وهذه الفكرة ـ إذا صحّت ـ يُفترض أن تستوعب تمام أو أغلب الثورات التي حصلت في عصر حضور أهل البيت ولم يرد فيها ذمّ إطلاقاً حتى برواية ضعيفة السند؛ لأنّ القانون الذي بُنيت عليه هذه الفكرة له قدرة الشمول لتمام هذه الثورات من الناحية المبدئيّة. ونحن نعرف أنّ القرنين الثاني والثالث الهجريّين شهدا نسبةً عالية جدّاً من ثورات العلويّين.
لكنّ هذا السبيل قابلٌ للمناقشة؛ وذلك أنّه ربما صدرت نصوص لم تصلنا، وليست بالحديث الذي يستحيل أن تصدر فيه النصوص ولم تصل، ولعلّه صدر منه موقفٌ أو موقفان معارضان ـ وسيأتي ما فيه إشارة لذلك ـ ولم يشأ الإكثار من نقد الحركة بعد شهادة من استشهد، بل قد يتصّور أنّ الإمام بعد الفاجعة التي حلّت في البيت الهاشمي قد لا تسمح ظروف التقيّة أيضاً بنقد هذه الحركة، لا التقيّة من السلطان، بل التقيّة من الشيعة والبيت العلوي، فإنّ تنديد الإمام بالحركة قد تكون له مفاعيل سلبية يستفيد منها السلطان، كما قد تكون له ردّات فعل عكسيّة من جانب الشيعة والبيت العلوي المتحمّس جدّاً في تلك الفترة، ولا سيّما أنّ الكاظم بعدها بمدّة قد دخل السجن فترةً طويلة، فإذاً هناك مبرّرات تفرض أن يقلّل الإمام جداً من إبرار موقفه الرافض، كي لا يجعل ذلك في فائدة السلطان من جهة، وكي لا تحدث ردّات فعل حماسيّة في الوسط الشيعي من جهة أخرى، ولعلّ هذا ما قلّل نصوص الرفض جداً حتى كادت تنعدم، ولهذا لم يصلنا منها شيء، فبرهان السيد الحائري غير تامّ مطلقاً.
ويؤيّد ذلك بعض النصوص التي أبدى فيها الخليفة العباسي اتّهامه وشكّه في الكاظم أنّه متعاطف أو وراء حركة صاحب فخّ وغيرها، وأنّ القاضي أبا يوسف الحنفي هو الذي هدّأ من روعه، وقال له بأنّ الكاظم لا علاقة له بالثورات، على عكس أقربائه.
النصوص المؤيّدة لحركة صاحب فخّ، تفكيك وتفنيد
السبيل الثاني: الاستناد إلى النصوص المرويّة عن أهل البيت والتي تؤيّد ثورة شهيد فخّ، وهي نصوص عديدة ذكرها أبو الفرج الإصفهاني في كتابه «مقاتل الطالبيين»، وأهمّها:
الرواية الأولى: خبر زيد بن علي، قال: انتهى رسول الله‘ إلى موضع فخّ، فصلّى بأصحابه صلاة الجنازة، ثمّ قال: «يُقتل ها هنا رجلٌ من أهل بيتي في عصابة من المؤمنين، ينزل لهم بأكفان وحنوط من الجنّة، تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة»([142]).
وهذا الخبر فيه ثناء من رسول الله‘ على هذا الرجل وجماعته، وهو ما يفهم منه عرفاً مباركة ثورته هذه.
لكنّ الرواية ضعيفة السند، بجهالة ريطة بنت عبد الله، بل إهمالها([143])، وأيضاً إهمال الحكم بن جامع الثمالي جدّاً.
الرواية الثانية: خبر أبي جعفر محمّد بن علي، قال: «مرّ النبيّ‘ بفخّ، فنزل فصلّى ركعة، فلما صلّى الثانية بكى، وهو في الصلاة، فلما رأى الناس النبيّ‘ يبكي بكوا، فلما انصرف، قال: ما يبكيكم؟ قالوا: لما رأيناك تبكي بكينا يا رسول الله‘، قال: نزل عليّ جبرئيل لما صلّيت الركعة الأولى، فقال: يا محمّد، إنّ رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان، وأجر الشهيد معه أجر شهيدين»([144]).
ودلالتها كسابقتها، بل تكون أوضح ببيان أجر الشهادة معه، لكنّ السند ضعيف بجهالة علي بن العباس المقانعي صاحب كتاب (فضل الشيعة)([145])، ولم أجد توثيقاً له في مصادر الرجال السنّية، إلا إذا قلنا بأنّه «الشيخ المحدّث الصدوق، أبو الحسن، علي بن العباس بن الوليد البجلي المقانعي الكوفي»([146]). وكذلك إهمال الحسين بن المفضل العطّار جداً في كتب رجال السنّة والشيعة.
الرواية الثالثة: خبر النضر بن قرواش، قال: أكريتُ جعفر بن محمّد من المدينة إلى مكّة، فلما ارتحلنا من بطن مرّ، قال لي: «يا نضر، إذا انتهيت إلى فخّ فأعلمني..».. فتوضّأ وصلّى ثم ركب، فقلت له: جعلت فداك، رأيتُك قد صنعتَ شيئاً، أفهو من مناسك الحج؟ قال: «لا، ولكن يُقتل ها هنا رجلٌ من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنّة»([147]).
والرواية كالتي سبقتها، لكنّ السند ضعيفٌ بالنضر بن قرواش (قراوش)، فهو مجهول([148])، والظاهر عدم وجود اسم هذا الرجل عند أهل السنّة، لا في كتب الحديث ولا الرجال ولا التاريخ، مما يزيد في مجهوليّته، ويبدو أنّه الجمّال، فالسند ضعيف.
ويسجّل على هذه الروايات الثلاث أنّها لم تذكر صاحب فخّ، وإنّما أطلقت عنواناً قمنا نحن بتطبيقه عليه، ولعلّ نظر الرواية إلى شخصٍ آخر سيأتي، فالتطبيق بهذا الشكل إنّما كان سببه الاستئناس، دون الدليل والبرهان.
الرواية الرابعة: خبر إبراهيم بن إسحاق القطّان، قال: سمعت الحسين بن علي (شهيد فخّ) ويحيى بن عبد الله يقولان: «ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر، فأمرونا بالخروج»([149]).
وهذه الرواية صريحة في إذن الإمام الكاظم لشهيد فخّ بالخروج، لكنّها في غاية الضعف سنديّاً؛ فأحمد بن كثير الذهبي في غاية الإهمال، ولعلّه ليست له سوى هذه الرواية في تراث المسلمين، كما يظهر بالمراجعة، وهكذا الحال في إبراهيم بن إسحاق القطّان الوارد في سندها أيضاً.
الرواية الخامسة: ما رواه جمعٌ، قالوا: جاء الجند بالرؤوس إلى موسى والعباس، وعندهم جماعة من ولد الحسن والحسين عليهما السلام، فلم يتكلّم أحدٌ منهم بشيء إلا موسى بن جعفر، فقال له: هذا رأس الحسين. قال: «نعم، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله»، فلم يجيبوه بشيء([150]).
والرواية فيها مدحٌ للرجل، لكنّها غير ظاهرة في تأييد حركته بالمعنى السياسي؛ لصدورها في محضر الزعماء العباسيّين، فحتى لو كان الإمام غير موافق على الثورة، بل رآها خطأ واشتباهاً، ما كان يصحّ ـ إلا تقيةً ـ أن يذمّ الرجل أمامهم، بل كان من الطبيعي أن يمتدحه في شخصه ويثني عليه، بغية تقريعهم وذمّهم على ما فعلوه به وبأصحابه، فلا يلوح لنا موقف صريح من الثورة عبر هذا النصّ، إلا على تقدير فهم ذلك من عبارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا إضافةً إلى ضعف السند ـ في أحد الطرق ـ بالمقانعي المجهول على تقدير، مضافاً إلى أنّ أبا الفرج الإصفهاني روى سيرة شهادة شهيد فخّ هنا عبر ضمّ طرق إلى بعضها، مشيراً إلى وجود كلامٍ رواه أحد الرواة دون البقيّة فيدمجه، ومعه يصعب أن نعلم أنّ هذا المقطع ـ موضع الشاهد ـ ما هو الطريق إليه، ولا سيما أنّ هناك العديد من المجاهيل في الأسانيد.
عناصر التشكيك في موقف أهل البيت ـ إماميّاً ـ من حركة صاحب فخّ
نستنتج مما تقدّم أنّ جميع الروايات الواردة في مدح شهيد فخّ والثناء على حركته من قبل الأئمّة ـ بالمفهوم الإمامي للكلمة ـ ضعيفة السند، بل صرّح بذلك مثل السيّد الخوئي والشيخ المنتظري([151]).
كما أنّ روايات المدح والتأييد تكاد تنحصر في كتاب "مقاتل الطالبيين" لأبي الفرج الإصفهاني (356هـ)، وهو منتمٍ إلى المذهب الزيدي، بل حتى شهيد فخّ نفسه لم يظهر مدحه الشخصي في خبرٍ موثوق، فقد ذكره الطوسي في الرجال ولم يعبّر عنه بالشهيد، ولا وثّقَه، بل قال: صاحب فخّ([152])، ونصّ ابن داود على إهماله واصفاً إيّاه بصاحب فخّ، دون الشهيد([153])، وعلى المنوال عينه من عدم التوثيق وعدم وصفه بالشهيد أو الترضّي عنه ونحو ذلك، كان كلام التفرشي في نقد الرجال([154])، والأردبيلي في جامع الرواة([155]). وقد أشار الوحيد البهبهاني في تعليقته على منهج المقال إلى وجود أقوال في مدح الرجل وذمّه([156]).
وقد لاحظتُ أنّ التعبير عنه بشهيد فخّ راج في القرن الأخير عند الشيعة الإماميّة، وقلّما جرى التعبير عنه بذلك قبلها، بل كانوا يعبّرون عنه بـ «صاحب فخّ»، ولم يتبيّن وجود شهرة إماميّة على تأييد حركة الرجل، ولا نقلوا أخباراً مادحة له، بل وجدنا في كتاب الكافي روايةً رواها عبد الله بن المفضّل ـ مولى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ـ قال: لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخّ، واحتوى على المدينة، دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: «يا ابن عمّ، لا تكلّفني ما كلّف ابنُ عمِّك عمَّك أبا عبد الله، فيخرج منّي ما لا أريد، كما خرج من أبي عبد الله ما لم يكن يُريد»، فقال له الحسين: إنّما عرضت عليك أمراً؛ فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه، والله المستعان، ثم ودّعه، فقال له أبو الحسن موسى بن جعفر حين ودّعه: «يا ابن عمّ، إنّك مقتول، فأجد الضراب، فإنّ القوم فسّاق يظهرون إيماناً ويسترون شركاً، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، أحتسبكم عند الله من عصبة»، ثمّ خرج الحسين وكان من أمره ما كان، قتلوا كلّهم كما قال عليه السلام([157]).
فهذه الرواية فيها جانبٌ سلبي، وهو أنّ الإمام الكاظم لم يدعمه ولم يبايعه، ولم يصوّب حركته، بل أشار إلى صدور موقفٍ سلبي من الصادق إزاء ثورة محمّد بن عبد الله ذي النفس الزكيّة، لكنّها من جهة أخرى تطالبه بإجادة المضاربة والمقاتلة، واحتسبه عند الله ونوى به وجهه سبحانه، والعصبة قرابة الرجل هنا على ما قيل([158]).
وهذه الرواية ـ رغم دلالتها المشار إليها ـ ضعيفة السند بمحمّد بن رنجويه المهمل([159])، وبعبد الله بن الحكم الأرمني الذي نصّ النجاشي وابن الغضائري على تضعيفه دون أن يرد فيه أيّ توثيق([160])، كما أنّ عبد الله بن المفضّل وعبد الله بن جعفر بن إبراهيم الجعفري مهملان([161])، فالرواية في غاية الضعف.
وعليه، فلم يظهر أيّ موقف تاريخي ثابت من أهل البيت يفيد دعم أو تأييد ثورة صاحب فخّ، كما لا رواية في ذمّها، ومصادر التاريخ لم تُشر لنا إلى موقفٍ، فيصعب جعل هذه الثورة دليلاً هنا.
يُضاف إلى ذلك أنّه حتى لو ثبت إذن الإمام الكاظم ورضاه عن هذه الثورة، فنحن لا نعرف الملابسات، فقد تكون جازت بعنوانٍ ثانوي، وربما يقال: إنّها حينئذ بإذن المعصوم، فكيف نقدّمها على ما دلّ من روايات على عدم جواز الخروج في عصر الغيبة و..؟!
15 ـ الاستناد إلى حركة الإمام الحسين بن علي
من الواضح أنّ البحث الفقهي في شرعية الثورة على الأنظمة الفاسدة من الأبحاث الضرورية التي تحتاج إلى قراءة متأنية وواعية، لا تغرق في الانفعالات الحماسية ولا تخشى من الفعل والإقدام؛ وقد طرح الفقه الإسلامي هذا الموضوع، وتناولته المذاهب الإسلامية منذ القدم؛ واتخذت فيه مواقف بلغت حدّ التناقض.
وفي الوسط الشيعي الإمامي، طرحت هذه القضية منذ زمن بعيد، لكن باختصار خضع ـ تارةً ـ للدراسات المتعلّقة بالمسألة الكلامية المتصلة بالإمام المهدي، وأخرى بالمسألة السياسية المتصلة بموضوع التقية الذي حكم العقل الشيعي في غير مجال وصعيد، وقد سجلت جملة أدلّة لصالح كل فريق، وكان من بين أدلّة شرعية الثورة ومن أبرزها الاستناد المرجعي لنهضة الإمام الحسين، حيث شهد هذا الدليل تنشيطاً ملحوظاً في القرن الماضي.
بدورنا، سوف نحاول هنا تحليل هذه الحركة الحسينيّة بما يتصل بهذا الموضوع؛ لنرى هل تعطي هذه النهضة تبريراً شرعياً لممارسة آلية الثورة ضدّ الأنظمة الجائرة، أو أنّ هناك ما يمنع عن توظيف هذه الحركة التاريخية الكبرى في مثل هذه الحالات؟ وإذا كان الجواب إيجابياً فمن الضروري تحديد المَدَيَات التي يعطيها هذا الدليل في نطاق حالات فساد الأنظمة أو جورها أو انحرافها.
وهذا يعني أنّنا أمام مرحلتين:
المرحلة الأولى: المرحلة التفسيريّة والتحليليّة لخروج الحسين، من حيث المنطلقات والدوافع والمسارات.
المرحلة الثانية: المرحلة الاجتهاديّة الاستنباطيّة، والتي تقع في ضوء نتائج البحث في المرحلة الأولى، فوفقاً لنتائج المرحلة الأولى، إلى أيّ مدى يمكن الاستفادة من الحركة الحسينيّة في شرعنة الثورات وإسقاط الأنظمة الفاسدة ولو بالقوّة؟
من هنا، كانت الصيغة الأوّلية للاستدلال بهذه الحركة؛ فخروج([162]) الإمام الشهيد الحسين بن علي بن أبي طالب× من المسلّمات التاريخية، كما أنّ صاحبه من أئمة أهل البيت، وقد كان خروجاً على السلطان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، نتيجة الانحراف الذي حلّ بالسلطة والخلافة، فيكون من أقوى الأدلّة ـ سنداً ودلالةً ـ على جواز الخروج الدموي ضدّ النظام الفاسد.
المبرّرات الموضوعية لدراسة فلسفة الحركة الحسينيّة
والبحث في علاقة الحركة الحسينية بمسألة الخروج على الأنظمة الظالمة لا يمكن أن يأخذ طريقه الطبيعي بمعزل عن النظريّة التي يكوّنها الباحث على مستوى تحليله لهذا الخروج نفسه وفلسفته؛ لأنّ النظريات التي طرحت حول هذا الموضوع تلقي بظلالها على نتائج الاستناد إليه في بحثنا الفقهي هنا.
ونحن نعرف أنّ فلسفة الحركة الحسينية لم توضع على نار حامية في الوسط الشيعي منذ زمن بعيد، بل إنّ بعض العلماء دعا إلى الإحجام عن دراسة هذا الموضوع واعتبره نوعاً من التكلّف، وأنّ اللازم إحالة الأمر إلى أهل البيت أنفسهم، لأنّهم معصومون([163]).
قال المجلسي ـ معلّقاً على محاولات السيد المرتضى تعقيل خروج الحسين وتبريره ـ: «قد مضى في كتاب الإمامة وكتاب الفتن أخبار كثيرة دالّة على أنّ كلّاً منهم ـ عليهم السلام ـ كان مأموراً بأمور خاصّة مكتوبة في الصحف السماويّة النازلة على الرسول‘، فهم كانوا يعملون بها. ولا ينبغي قياس الأحكام المتعلّقة بهم على أحكامنا، وبعد الاطّلاع على أحوال الأنبياء ـ عليهم السلام ـ وأنّ كثيراً منهم كانوا يبعثون فرادى على ألوف من الكفرة، ويسبّون آلهتهم، ويدعونهم إلى دينهم، ولا يبالون بما ينالهم من المكاره والضرب والحبس والقتل والإلقاء في النار وغير ذلك، لا ينبغي الاعتراض على أئمّة الدين في أمثال ذلك، مع أنّه بعد ثبوت عصمتهم بالبراهين والنصوص المتواترة، لا مجال للاعتراض عليهم، بل يجب التسليم لهم في كلّ ما يصدر عنهم»([164]). ثمّ حاول المجلسيّ رغم ذلك بيان بعض المصالح من خروج الحسين.
وقال الشيخ النجفي: «.. ما وقع من الحسين×، مع أنّه من الأسرار الربانيّة والعلم المخزون، يمكن أن يكون لانحصار الطريق في ذلك.. على أنّه له تكليف خاصّ قد قدم عليه وبادر إلى إجابته، ومعصوم من الخطأ لا يعترض على فعله ولا قوله، فلا يُقاس عليه من كان تكليفه ظاهر الأدلّة والأخذ بعمومها وإطلاقها مرجّحاً بينها بالمرجّحات الظنّية..»([165]).
وهذا الكلام ينطلق من الأصول الموضوعة المسلّمة في العقيدة الشيعية، ومن ثمّ فيمكن التعليق عليه من ناحيتين:
1 ـ إنّ الاعتقاد بعصمتهم لا يعني أنّ دراسة مبرّرات الحركة نحوٌ من الاعتراض عليهم، بل هو للتدبّر في سيرتهم وسنّتهم التي هي كاشف تشريعي، نحاول من خلاله أخذ المؤشرات التي تدلّنا على الموقف الشرعي، وهذا البحث الذي نحن فيه خير دليل على أنّ تحليل الحركة الحسينيّة سوف يترك أثراً ـ ولو في الجملة ـ على نظريّة سياسية مهمّة، هي نظرية الثورة على الأنظمة الفاسدة.
2 ـ إنّ تحليل الحركة الحسينية قد يساعد في الدفاع عنها أمام إشكالات غير الشيعة، ومن المعروف أنّه منذ قديم الأيّام كانت هناك انتقادات عنيفة ومتوسّطة العنف ضدّ الإمام الحسين في خروجه على يزيد، فأبو بكر بن العربي وابن حزم الأندلسي وبعض الخوارج و.. وكثير من المستشرقين مثل فلهاوزن، وجولدتسيهر، وسير وليام مور، ولامانس، انتقدوا الحركة بشدّة، وقلّة من المستشرقين ـ مثل ماريني ـ ممّن أثنوا عليها([166])، فكيف يمكن مواجهة هذه الانتقادات التي تنطلق من مناخ عقائدي ومعرفي آخر، دون الإقدام على تحليل الحركة واكتشاف مبرّراتها ودوافعها ونتائجها؟! ولهذا وجدنا مثل السيد المرتضى (436هـ) يقوم بتحليلها بهدف الدفاع عنها أمام الذين انتقدوها([167]).
ولعلّ هذين العالمين كان نظرهما إلى خصوص القراءات النقديّة لخروج الحسين، والله العالم.
لمحة حول المشهد الشيعي التاريخي إزاء قراءة الحركة الحسينيّة
وعلى أيّة حال، فالقرن العشرين ـ وبالتحديد النصف الثاني منه ـ هو الذي شهد فتح باب الجدل في هذا الموضوع، وإلا فالشيعة الإماميّة قبل هذا التاريخ لم يتداولوا مسألة النهضة الحسينية ـ غالباً ـ سوى من زاوية تراجيدية لا يتمّ توظيفها في الإطار السياسي والنهضوي إلا نادراً، وقد لعب ظهور الإسلام النهضوي (السياسي ـ الاجتماعي) الشيعي في الفترة الأخيرة بقوّة دوراً بالغاً في هذا التحوّل في قراءة الحركة الحسينيّة، مما دفع للانتقال من تفسيرها مجموعةَ عناصر بكائيّة تراجيدية إلى توليفة من العوامل النهضوية والتغييريّة.
ويدلّنا على هذا الأمر عناوين المؤلّفات التي كان يكتبها الشيعة حول الحسين، وهي مؤلفات تعجّ بالمفردات التراجيدية مثل: طريق البكاء، طوفان البكاء، عمّان البكاء، أمواج البكاء، رياض البكاء، مفتاح البكاء، منبع البكاء، مخزن البكاء، معدن البكاء، مناهل البكاء، مجرى البكاء، سحاب البكاء، عين البكاء، كنز الباكين، مبكى العيون، مبكى العينين، المبكيات، بحر الدموع، فيض الدموع، عين الدموع، سحاب الدموع، ينبوع الدموع، منبع الدموع، دمع العين، مدامع العين، مخازن الأحزان، رياض الأحزان، قبسات الأحزان، مثير الأحزان، مهيّج الأحزان، نوحة الأحزان وصحيفة الأشجان، أحزان الشيعة، بحر الحزن، كنز المحن، بحر الغموم، بحر الغم، قصص الغم، واحة الغموم، الهم والغم، مشرط الغم، كنز المصائب، مجمع المصائب، وجيزة المصائب، إكليل المصائب و..
بينما شاعت في كتابات المتأخّرين مفردات الثورة والحماسة والسياسة بشكل لافت من قبيل: في ظلال الحرية، زعيم الأحرار، الحسين حامل لواء الحرية، الحسين سيّد الأحرار، الحسين رمز الحرية، الملحمة الحسينية، ملحمة عاشوراء، ملحمة كربلاء، رجال الثورة، رسالة الحسين الثورية وظروفها الحرجة، ثورة الحسين، ثورة الطفّ، النهضة الحسينية، نهضة عاشوراء، الأهداف الاجتماعية عند الحسين بن علي، تحليل دوافع ثورة كربلاء، الثورة الحسينية وأهدافها الاجتماعية، الثورة الخالدة و..([168]). وهذا كلّه يؤكّد غياب التفسيرات التحليلية لهذه الحركة قبل القرن العشرين في الوسط الشيعي.
ومن إفرازات التأثير السياسي على إعادة قراءة الحركة الحسينيّة، صدور كتاب «الشهيد الخالد» الذي ألّفه الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي (2006م) عام 1969م، فقد شكّل هذا الكتاب منعطفاً في دراسة فلسفة قيام الإمام الحسين في الوسط الشيعي.
ومنذ 1969م بالتحديد، ظهرت قفزة مهمّة في تاريخ دراسة الشيعة لفلسفة الحركة الحسينية، وتبلورت العديد من النظريات، التي كان بعضها ضعيفاً جداً، وبعضها أكثر حضوراً وهيمنةً على العقل الشيعي، وقد كان الإسلام السياسي والاجتماعي الشيعي ـ كما قلنا ـ بمدارسه قد لعب دوراً في إعادة قراءة حركة الحسين؛ لهذا وجدنا قراءات لها أيضاً في العالم العربي الشيعي، كان منها قراءات: السيد محمد باقر الصدر والسيد هاشم معروف الحسني، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد محمد باقر الحكيم، وباقر شريف القرشي، والسيد محمود الهاشمي، والشيخ محمد مهدي الآصفي، والسيد محمد حسين فضل الله، وغيرهم.
وعندما نتحدّث عن تأثير الحركة السياسية الإسلاميّة المتأخرة على إعادة قراءة هذا الموضوع؛ فلا ننفي وجود بعض الوقفات السابقة في هذا المجال، لعلّ من أقدمها وقفة السيد المرتضى (436هـ) في كتاب: تنزيه الأنبياء، قيل فيها: إنّها كانت جواباً تنزّلياً منه لبعض من لم يكن يؤمن بالإمامة سلفاً([169])، كما كان لبعض العلماء والفقهاء وقفات متواضعة في ثنايا دراساتهم الفقهيّة، كما سيظهر للقارئ في مطاوي هذا البحث.
والبحث في حركة الإمام الحسين ومنطلقاتها ومديات تعميق هذه المنطلقات طويلٌ، وقد كتب في ذلك الكثير، بل قد تحدّث بعضهم عن وجود ثمانية مناهج علمية لدراسة الظاهرة العاشورائية([170])، وسوف نحاول هنا معالجة ما من شأنه أن يتصل بموضوعنا فحسب، وإلا خرجنا عن محور البحث ودخلنا في الاستطرادات.
وسيكون كلامنا على مرحلتين:
المرحلة الأولى: في النظريّات التفسيريّة للحركة الحسينيّة.
المرحلة الثانية: في التأثيرات الفقهيّة لهذه النظريّات على موضوع بحثنا.
المرحلة الأولى: النظريّات التفسيريّة والتحليلية للحركة الحسينيّة
قبل البحث عن أبرز النظريّات في تفسير حركة الإمام الحسين، والتي تتصل ببحثنا هنا، من الضروري أن نعرف أنّ بعض هذه النظريات لا يهمّنا مدى صحّته وصوابه إذا حسمنا النتيجة التي يعطينا إياها على مستوى بحثنا الفقهي هنا، فإذا كانت هناك نظريةٌ ما لا تنتج إمكانيّة الاستدلال بحركة الحسين ولا عدمها، أي أنّها ساكتة حول هذا الموضوع أو متساوية النسبة، فلا يهمّنا تحديد صوابها من خطئها.
وعلى أيّة حال، فأبرز النظريّات ذات الصلة بموضوعنا هنا هو:
النظريّة الأولى: النظرية الغيبية الاختصاصية، أو اللامعقول الحسيني
يقصد بالنظرية الغيبية الاختصاصية التي لها حضور عند بعض علماء الشيعة([171])، أنّ الإمام الحسين إنّما انطلق في حركته لأوامر غيبية خاصّة به وجهت إليه، فلم يهدف الحسين إسقاط الأنظمة ولا تأسيس دولة إسلامية ولا إحياء ضمير الأمّة ولا نحو ذلك، كلّ ما في الأمر أنّه نظراً لعصمته وإمامته فقد تلقّى أوامر غيبية لا نقدر على تقديم تفسير عقلاني لها، لا سياسياً ولا اجتماعياً ولا غير ذلك، وأنّه اندفع لتطبيق تلك التعاليم الربانية. نعم، ترتّب على حركة الحسين أن حقّقت نتائج باهرة على أرض الواقع، فخلقت مدرسة الثورة في حياة المسلمين، وأسقطت ـ بعد حوالي سبعة عقود ـ سلطان بني أمية الجائر، لكنّ هذا كلّه لم يكن منظوراً للحسين نفسه لحظة خروجه، بل المنظور له أوامر غيبيّة وجّهت إليه واختصّت به([172]).
من هنا، يمكن تسمية هذه النظرية، بالنظرية الميتافيزيقية، وتتميّز بأربع خصائص:
1 ـ الإمام الحسين شخص متعالٍ عن التاريخ والزمكانيّة.
2 ـ الثورة الحسينية حركة ما فوق تاريخية تأبى التحليل العقلاني.
3 ـ الموقف من الحركة هو موقف تسليمي كامل، ولا يمكن أن تكون أنموذجاً للآخرين.
4 ـ الإمام الحسين كان مأموراً بالشهادة وفق التقدير الإلهي([173]).
ومهما كانت هذه النظريّة، فإن لها تأثيراً هائلاً على الفقيه والفقه الإسلامي، وهو أنّها تجعل هذه الحركة من خصائص الإمام الحسين، فكما أنّ هناك أحكاماً وواجبات وتشريعات خاصة بالنبي| كوجوب صلاة الليل عليه، كذلك كانت ثورة الحسين تكليفاً خاصاً به غير متوجّه إلى غيره. ومن المعلوم أنّ مثل ذلك يعني تحييد الحركة الحسينية عن أن تكون مستنداً للاستدلال الفقهي، لا في أصل حدوثها ولا ـ ربما ـ في تفاصيلها ووقائعها؛ لأنّ خصائص المعصوم لا يستدلّ بها على أحكام شرعية في حقّنا، كما تقرّر وقرّرناه في مباحث حجية الفعل من مسألة السنّة الشريفة([174]).
وعليه، لا يصحّ الاستدلال بقيام الحسين× لإثبات جواز الخروج على الأنظمة الفاسدة.
أوّلاً: نظريّة اللامعقول الحسيني، الأدلّة والوثائق
وربما نستشهد ـ لتبرير هذه النظرية ـ ببعض الشواهد والنصوص المتفرّقة، منها:
1 ـ ما ورد من طلب الإمام الحسين من والي المدينة ـ عندما طلب منه البيعة ليزيد ـ أن يستمهله فترة، فذهب× إلى مرقد النبي، وهناك غلبه النوم، فرأى النبيَّ في المنام، فطلب منه الحسين أن يأخذه إليه، فأجابه رسول الله‘: إنّ الله شاء أن يراك قتيلاً([175]).
فقد يفهم من هذا النص أن هناك اتصالاً غيبياً ما هو الذي حرّك الحسين للخروج، لا أنه كان يريد إسقاط الحكم، ولا أنّه أخذ يقدّر الحسابات والأرباح والخسائر، ويقوم بدراسة سياسية ميدانية للموقف.. فهذا ما لا تشير إليه الرواية إطلاقاً، بل الموضوع يغلب عليه الطابع الغيبي غير القابل لإخضاعه لأبعاد عقلانيّة.
2 ـ ما جاء في حوار الإمام الحسين مع أخيه محمد بن الحنفية، حيث اتفق معه على أن يفكّر الحسين بالأمر، ولا يسارع للخروج لأهل الكوفة بعدما علم من غدرهم بأبيه، ولما علم ابن الحنفية بخروج الحسين فيما بعد طالبه بالموضوع، فأجابه بأنه رأى رسول الله وأنه أخبره أنّ الله شاء أن يراه قتيلاً وأنه شاء أن يرى أهله سبايا([176]).
وهذا النصّ كسابقه أيضاً؛ يدلّ على أنّ ثمّة مشيئة إلهيّة خاصّة تعلّقت بحركة الإمام الحسين، وأنّه ما من تفسير يقف خلف هذا الأمر سوى هذه المشيئة الإلهيّة.
3 ـ ما جاء في بعض رسائل الإمام الحسين لأخيه محمد بن الحنفية، من أنّ من لحق به استشهد، ومن لم يلحق به لم يُدرك الفتح([177]).
فهذا النصّ لا يدع مجالاً للارتياب في أنّ الحسين كان عالماً بالهزيمة بمعناها المادي، والذي تعبّر عنه كلمة الشهادة، ولا يعقل أن ينطلق شخص لتغيير واقع قائم وهو على يقين بأنّ الأمر سيؤول إلى الموت والهزيمة وعدم النجاح.
4 ـ ما جاء في حوار عبد الله بن جعفر أو مكاتباته مع الإمام الحسين، حيث ورد فيها أنّ الإمام أخبره بأنّه رأى رسول الله في المنام، وأنّه أمره بأمرٍ وهو ماضٍ إليه، وقد رفض الحسين إخبار عبد الله بن جعفر بمضمون الرؤيا التي رآها، وذكر له أنّه لن يحدّث بها حتى يلقى الله عز وجل، وفي بعض صيغ القصّة أنّه أخبره بموته([178]).
فهذا يدلّ أيضاً على هذا البعد الغيبي الذي يتصل بهذه القضيّة فيما تعطيه مسألة الاتكال على الرؤيا من دلالات، فلو كان هناك مبرّر عقلاني سياسي لذكره بدل الاعتماد على رؤيا الرسول.
5 ـ ما جاء في بعض النصوص والكلمات، من أنّ الإمام الحسين كان يردّ بعض الذين كانوا يطالبونه بعدم الخروج بأنّه سيستخير الله تعالى، كما جاء في ردّه على المِسْوَر بن مَخْرَمَة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مُطيع([179])، فلماذا لم يوضح لهم المبرّرات بدل أن يقول لهم: إنّه سوف يدعو الله لما فيه الخير وينظر في الأمر؟! بل لو فسّرت الاستخارة بما صار لها من معنى اليوم بين المتشرّعة لكان البُعد الغيبي أكبر وأوضح، وإن كان هذا المعنى بعيداً هنا([180]).
6 ـ إنّ إقدام الإمام الحسين على تعريض نفسه للموت وهو يعلم بأنّه سوف يستشهد يعدّ ـ من الناحية الشرعية ـ إلقاءً للنفس في التهلكة، فيكون محرّماً، وهذا معناه أنّ هذا التصرّف من الإمام انطلق من خصوصيّة له، وإلا فلو لم يكن الأمر كذلك للزم الالتزام بارتكابه الحرام وتعريض نفسه للهلاك، وهو التزام غير مقبول إطلاقاً.
7 ـ ما جاء في حوار الإمام مع عمرو بن لَوذَان عندما التقاه بُعيد خروجه من مكّة عند بطن العقبة، فبعد أن ذكر له عدم الذهاب، أجابه الحسين بالقول: «يا عبد الله، إنّه ليس يخفى عليّ الرأي ما رأيت، ولكن الله لا يُغلب على أمره.. » ([181])؛ فهذا كلام واضح في أنّه يستصوب موقف ابن لوذان، وأنّ ذلك لا يخفى عليه، لكنّه يتحرّك بمشيئة إلهية تكوينية لا تحكمها حسابات البشر في قضايا السياسة والمواجهة.
8 ـ حاول بعض العلماء أن يقارن بين حركة الحسين وبين فقه الجهاد في الإسلام؛ فرأى أنّها تمتاز عن الجهاد العام في الشريعة؛ فهي لا تخضع لقانون سقوط وجوب الجهاد بزيادة عدد العدو عن الضّعف، وكذلك يشترط في الجهاد عدم ظنّ الهلاك دونها، والجهاد لا يجب على الشيخ الهرم والصبيّ الصغير مع أنّه شارك فيها هؤلاء، فهذا كلّه شاهد اختصاصها([182]).
9 ـ ما جاء في كلمات الإمام الحسين وهو في الطريق يتحدّث عن كتابة الموت على ولد آدم مخطّ القلادة في جيد الفتاة، ويتكلّم عن أوصاله المقطّعة بين النواويس وكربلاء، وأنّه لا مفرّ عن يوم خطّ بالقلم([183])؛ فهذا كلّه شاهد أكيد أنّه كان يتجه نحو مصير مأساوي محدّد سلفاً، لا نحو مشروع إسقاط سلطة سياسية فاسدة.
فهذه الشواهد ـ وغيرها ـ تؤكّد هذا الأمر، وإلا لو كان لديه مخطّط سياسي اجتماعي لبيّنه لأقرب المقرّبين إليه وهو ابن الحنفية، ولم يستعض عنه بقضية الرؤيا التي رآها([184]).
ثانياً: قراءة نقديّة في نظرية التخصيص واللامعقول الحسيني
ويمكن أن تناقش هذه النظرية من جهات:
أ ـ معارضة بعض النصوص التاريخيّة لمعطيات نظريّة التخصيص (إشكالية الانتقائيّة)
إنّ هذه النظرية والنصوص التي تعزّزها تعارضها نصوص أخرى، يقدّم لنا الإمام الحسين× فيها تفسيرات عقلانية لثورته، مثل النصوص التي يشير فيها إلى قضيّة الانحراف عن الحقّ، وإلى ترك المعروف، وفعل المنكرات ونحو ذلك، وجعلها أسباباً ودوافع لحركته، وهذه النصوص الكثيرة المتفرّقة كلّها تعارض هذا التفسير الغيبي المتعالي عن التعقيل والعقلانية([185]).
ومن نماذج هذه النصوص ـ عدا ما سيأتي ـ ما ورد في كلماته× التي يفسّر فيها مبرّرات خروجه، مثل ما رواه أبو مخنف عن العقبة بن أبي العيزار: إنّ الحسين خطب أصحابه..: «أيها الناس، إنّ رسول الله| قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله|، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله وأنا أحقّ من غيري..»([186]).
فهذه الرواية تجعل حركة الحسين في هذا الإطار الذي أسّسه الرسول، مما يمكّننا من الاستناد إليها للترخيص في مواجهة الظالم الذي يتصف بهذه الصفات المذكورة أعلاه، وهو غير خاصّ بعصر حضور النبي والإمام، بل يوجد بعدهم إلى يوم الدين.
وفي خطبة له× أنّه قال فيها ـ وقد رويت لنا بالسند المتقدّم ـ: «.. ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؛ ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، فإني لا أرى الموت إلا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برماً..»([187])، ووردت في مصادر أخرى مع تغيير «إلا سعادة»([188])، وفي بعض المصادر: «.. مع الظالمين إلا ندامة»([189])، وفي بعضها: «إلا ندماً»([190]).
فالمعيار في هذه الحركة هو عدم القيام بالحقّ بل عمل السلطة بالباطل، وهو معيار كلّي عقلاني ومفهوم، يجعلنا قادرين على الاستفادة من هذه الحركة لتأسيس مبدأ في شرعيّة الثورات العسكرية المسلّحة أو الدمويّة ضد الأنظمة الفاسدة.
يضاف إلى ذلك أنّ بعض النصوص المرويّة عن الإمام الحسين مثل ما تقدّم، تفيد أنّه كان يجعل نفسه مصداقاً لقولٍ عام صدر عن رسول الله|، فعندما يستشهد الحسين بقول جدّه في ضرورة مواجهة انحراف الظالم، فهذا معناه أنّه يعتبر نفسه مصداقاً لعنوان كلّي وتكليف عام، وهو ما يبعّد احتمال الخصوصية([191]).
ب ـ فقدان التجسير الصحيح بين الشهادة ولامعقوليّة الحركة الحسينيّة
إنّ النصوص المستدلّ بها هنا حتى لو ثبتت لا تدل على المطلوب؛ إذ لا ملازمة بين أن يعرف الإنسان أنّه سوف يستشهد في ثورته وبين أن تكون هذه الثورة غير عقلانية وخاصّة به، فقد يقدّر مصلحةً للأمة في شهادته، فلا ملازمة بين الأمرين حتى عند الثوار الماديين فضلاً عن الدينيّين، فعلم الإنسان بشهادته لا يعني عبثية حركته دائماً، بل يمكن تقديم تفاسير عقلانية لذلك([192])، وسوف نرى في النظرية الرابعة القادمة تفسيراً يجمع بشكل منطقي وعقلاني بين هذه الأمور كلّها.
يضاف إلى ذلك أنّ غاية ما تدلّ عليه جملة النصوص المتقدّمة أو أغلبها، أنّ الإرادة الإلهية قد تعلّقت بشهادة الحسين، وهذا لا يعني أنّ هذه الشهادة غدت خاصّة به؛ بل هذا المدلول أعمّ من الاختصاص وعدمه، وإلا فنحن نعلم أنّ الإرادة الإلهية والمشيئة العليا الربانية قد اقتضت وقوع صلح الإمام الحسن، ومن المؤكّد أنّ الإمام الحسن بن علي قد علم بإلهامٍ من الله ـ بحكم إمامته وعصمته وفق المعتقد الإمامي ـ أنّ التكليف الشرعي يستدعي منه أن يوقع الصلح مع معاوية، لكنّ هذا لا يعني أنّ هذا الصلح ـ وأيّ صلحٍ مع البغاة ـ خاص بالمعصوم، ومجرّد أنّ النص بيّن لنا تعلّق المشيئة بشهادة الحسين وسبي نسائه لا يعني الدلالة الحصرية على أنّ أمراً من هذا النوع لا يمكن أن يتعلّق بغيره، وهذه نقطة بالغة الأهمية، ولا يوجد عندنا أصل اسمه أصالة الاختصاص بفعل الأئمة، وإلا فلو شككنا في أنّ فعلهم كان خاصّاً بهم أو تطبيقاً لحكم إسلامي عام للزم عند عدم إحراز الخصوصية أن لا نستدلّ بفعلهم، وهذا ما لن يقف عند الإمام الحسين، بل سيطال مجمل أفعال المعصومين إلا ما حصل يقين من الخارج بأنّ هذا الفعل ليس فيه أي خصوصيّة، ومعه لن يصبح فعل المعصوم حجّةً إلا في موارد قليلة، ولا نظنّ أنّ هذا مما يلتزم به صاحب هذه النظرية نفسه.
واستتباعاً لما تقدّم، فإنّ تعلّق المشيئة الإلهية قد يكون لأجل النهوض بالأمة وإحداث تغيير فيها عبر الشهادة نفسها؛ وهذا معناه ـ إذا أردنا استخدام التعبير الأصولي ـ محكومية هذه الأدلّة التي تدعم هذه النظرية لأيّ دليل آخر أو فرضية معقولة يمكن أن يقيمها الطرف الآخر؛ لأنّ هذه الأدلّة هنا تفيد تعلّق المشيئة بالشهادة، فإذا استطعنا أن نتعقل وجهاً منطقيّاً لإرادة الشهادة نفسها بحيث تكون الشهادة ذات دور في إحياء الأمة، فإنّ هذه الأدلّة لن تعارض تلك التفسيرات المعقولة، كما هو واضح؛ لأنّها سوف تفسر تعلّق المشيئة ولا تنفيه إطلاقاً.
ج ـ غياب التبرير الأصولي (أصول الفقه) لنظريّة الاختصاص المدّعاة
لقد بحثنا في حجيّة الفعل النبوي([193]) وتوصّلنا إلى أنّ المرجع عند الشك في اختصاص النبي بفعل وعدمه أن نحمله على عدم الاختصاص إلا في بعض الحالات القليلة التي فصّلنا الكلام فيها هناك؛ فإذا كان الشكّ في الاختصاص موجباً لعدم الاختصاص ـ إن صحّ التعبير ـ في الأفعال النبوية، فهو كذلك ـ بطريق أولى ـ في أفعال أهل البيت؛ لندرة الفعل الخصوصي عندهم نسبةً لما عند رسول الله، كما يظهر بمراجعة الأبحاث الفقهية والأصولية عند الشيعة والسنّة في هذا الموضوع.
والجدير ذكره أنّ مسألة الأفعال المختصّة بالمعصوم والتي لا يمكن الاستناد إليها في الاجتهاد الفقهي مسألة طرحت في حقّ النبيّ‘، وقد لا تجري في حقّ أهل البيت؛ لعدم وجود خصائص معتدّ بها لهم، كما يصرّح بذلك بعض علماء الإمامية([194])، إلا ما قيل من بعض الأمور، مثل جواز الجنابة لعلي× و.. في المسجد وما شاكل ذلك([195])، إلا أنّ مراجعة خصائص النبيّ‘ في باب النكاح من مصنّفات الفقه الإمامي تؤكّد لنا أنّ السائد بين الإمامية عدم وجود خصائص شرعية لهم، إلا خصائص في مقام الإمامة والولاية، وهذا بحثٌ آخر، وأمّا بعض الكتب المسمّاة بخصائص الأئمة، مثل كتاب خصائص الأئمة للشريف الرضي، فهي تحتوي على درر كلماتهم وروائع مقالاتهم([196])، لا أنّها تذكر الخصائص بالمعنى الفقهي والأصولي الذي نقصده هنا، نعم الخصائص التكوينية كالعصمة والعلم والكرامات و.. كلّها خارجة عن إطار بحثنا؛ لدخولها في مجال الخصائص الخارجية دون التشريعيّة.
وقد يستند للتعميم هنا ورفع الخصوصيّة بما دلّ من النصوص على أنّ الحسين قدوة ومصباح يقتدى به ويستضاء بنوره؛ كقول رسول الله‘: «الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة» ([197])، فإنّ هذه النصوص ـ كما يقول السيد محمد باقر الحكيم ـ تريد أن تعرّف الحسين سلوكاً قابلاً للاقتداء، وهي من ثم ترفع الخصوصية المفترضة في أعماله([198]).
لكنّ الصحيح أنّه إذا قامت الشواهد على الخصوصية في هذا الفعل أو ذاك لم يعد يمكن لمثل هذه النصوص أن تقف في وجهها، فرسول الله| ورد القرآن فيه بأنّه أسوة (الأحزاب: 21)، لكن مع ذلك كانت له خصائص تشريعية لا تشمل غيره، كما اتفق عليه المسلمون تقريباً، وأمّا إذا لم تقم الشواهد على الخصوصية هنا أو هناك، رجعنا إلى دليل حجية فعل المعصوم، وكان كافياً في المقام، وقد كنّا أشكلنا على الاستناد لمثل هذه الروايات ـ بشكل عام ـ في مسألة حجية فعل المعصوم، وقلنا: إنّها مفيدة لكن بقدر، فليراجع.
د ـ عجز نصوص الاستخارة الحسينيّة عن تأكيد نظريّة الاختصاص
إنّ الروايات التي تشير إلى استخارة الإمام الحسين لا تنفع هنا؛ لأنّ الاستخارة هو طلب الخير، فكأنّه قال: سوف أسأل الله أن يكتب لي ما فيه الخير، وهذا ليس إغراقاً في الغيبية التي تنفي التفسير المعقول لهذه الحركة، فضلاً عن اختصاصها بالمعصوم. ويعزّز هذا الكلام أنّه× ذكر في بعض هذه الروايات ـ كما في خطابه لابن عباس ـ: «أستخير الله، وأنظر ماذا يكون»، فهذا معناه أنّه كان يريد التأمّل في هذا الموضوع، والتأمّل يقرّب الصورة من المشهد العقلاني، كما أنّ في بعض الروايات أنّه في النص نفسه الذي تحدّث فيه عن الاستخارة بيّن مبررات ذهابه إلى الكوفة، وأنّ إرسال الكتب إليه والرسائل تدعوه للتوجّه ناحيتها هو الدافع والمرجّح لذلك، كما جاء في مثل خبر الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي([199]).
وهناك احتمال يرد في بعض النصوص ـ دون جميعها ـ التي نجد الإمام الحسين× يأبى فيها الجواب عن سبب خروجه أو يحاول التهرّب من الجواب بطريقة أو بأخرى، وهو أنّه قد لا يريد البوح لأيّ إنسان بمخطّطاته، وهذا عمل منطقي ومعقول يحافظ فيه على بعض السرية أحياناً في مشروعه.
هـ ـ مشكلة تواجه توظيف "إلقاء النفس في التهلكة" في تكريس نظريّة الاختصاص
إنّ الحديث عن مسألة إلقاء النفس في التهلكة يمكن الجواب عنه بما ذكره بعض العلماء الباحثين من أنّ فعل الإمام ذلك يمكن أن يعدّ دليلاً على جواز العملية الاستشهاديّة هذه؛ كونه يخصّص الإطلاقات الموجودة في نصوص تحريم تعريض النفس للتهلكة، فبدل أن يكون هذا الحكم موجباً لجعل الثورة خاصّة بالحسين يمكن أن يكون موجباً لتخصيص دليل حرمة تعريض النفس للتهلكة فيما لو كانت هناك مصالح إسلامية عليا. علماً أنّه لو كانت الثورة خاصّة بالحسين بوصفه معصوماً فما معنى مشاركة أهل بيته وأصحابه فيها؟!([200])، إلا إذا قيل: إنّ الخصوصية تستوعب ـ أيضاً ـ هذا العدد من المحيطين بالمعصوم.
هذا، وسوف يأتي الحديث عن العمليّات الاستشهاديّة، وسنتوقف هناك عند الاستدلال بحركة الإمام الحسين على شرعيّتها، ومدى صحّة ذلك.
و ـ عدم دلالة تمايز الأحكام على تمايز الحركة الحسينيّة عن فقه الجهاد
لنفرض أنّ بعض الأحكام التفصيلية لم تتوافق فيها حركة الحسين مع القواعد العامّة في فقه الجهاد في الإسلام؛ فهذا لا يعني صيرورتها خاصّة بالحسين، بل هذا يعطيها خصوصية في موردها من حيث طبيعة الاستثنائية التي كانت تحيط بها، فهذا مثل بعض العناوين الثانوية التي قد تسقط الكثير من العناوين الأولية في موردها، فأيّ تلازم بين هذا الأمر وبين الخصوصيّة أو عدم المعقوليّة؟!
يضاف إلى ذلك، أنّ ما ذكر من خصوصيات لا نحرز كونه خصوصية على تمام النظريات الفقهية، فالجهاد ليس واجباً على الأطفال لكنّه ليس محرّماً لو رضي أهلهم بذلك، وأرادوا هم ذلك، وكانت فيه المصلحة القاهرة للمسلمين، كما أنّ عدم ظنّ الهلاك إن قصد به الظنّ الذي هو دون اليقين فهذا ليس بشرط في الجهاد قطعاً، وإلا فكلّ جهاد أو أغلب أشكاله فيه ظنّ الهلاك كما هو واضح، وإن قصد به اليقين بالهلاك فهذا ما يسمّى في عصرنا بالعمليات الاستشهادية، وسوف يأتي بحثناها مفصّلاً في موضعها، وسنرى هناك كيف أنّ هناك نظريات فقهية تجيزها طبقاً لقواعد الصناعة الفقهية، وأنّ ثورة الحسين نفسها شكّلت أحد الأدلّة التي طرحت أو يمكن أن تطرح هناك.
وأمّا مسألة اشتراط الضعف لا أزيد في الجهاد، فقد حقّقناه بالتفصيل، وقلنا: إنّه شرط الوجوب، لكنّه ليس شرط الجواز، فقد يكون جائزاً حتى من دونه.
ز ـ نقد صدوري لبعض الشواهد التاريخيّة الجزئيّة
إنّ الشاهد الثاني هنا ـ وهو خبر حواره× مع محمد بن الحنفية واحتجاجه بالرؤيا([201]) التي رآها ـ يرجع مصدره الرئيس إلى كتاب اللهوف لابن طاووس (664هـ)، وقد نقل البقية عنه، ولم أعثر على هذه القصّة في مصدر أسبق من هذا المصدر، وسند السيد ابن طاووس إلى الأصل الذي نقل عنه غير معلوم، فالاحتجاج بهذه الحادثة مشكل. نعم ورد خبر المنام في أمالي الصدوق([202])، لكن بسند ضعيف بجهالة بهجة بنت الحارث بن عبد الله التغلبي المهملة جداً في مصادر الرجال الشيعية والسنيّة، وكذلك إهمال كل من صفية بنت يونس بن أبي إسحاق الهمدانية ومريسة بنت موسى بن يونس، اللتين لا ذكر لهما عندهم([203])، فالسند مشكل جداً.
أمّا خبر عمرو بن لوذان، فلا يستند إليه أيضاً؛ لأنّه بهذه الصيغة ورد تارةً مرسلاً كما في إرشاد المفيد، وأخرى بسند فيه لوذان أحد بني عكرمة، وهو رجل مجهول جداً لا ذكر له في مصادر الرجال الشيعية والسنيّة؛ فالاستناد إلى مثل هذه الأخبار ـ مع قلّة ناقليها ومصادرها التاريخية والحديثية ـ مشكل. كما أنّ خطبة الإمام الحسين التي يعلن فيها شهادته، ويتحدّث عن أوصاله المقطّعة بين النواويس وكربلاء، لم ترد في مصادر التاريخ الأولى، وإنّما جاءت في مصادر متأخرة بلا سند، والأغلب أَخَذَها من كشف الغمة واللهوف؛ فيصعب الاستناد إليها أيضاً([204]). هذا، وثمّة من ذهب([205]) إلى أنّها مأخوذة ـ بتصرّف ـ من كتاب المصابيح لأبي العباس الزيدي (353هـ).
هذا كلّه، مضافاً إلى التأييد بأنّ قضيّة الحسين لو كانت مسألة غيبية خاصّة به، لرأينا انعكاس ذلك في نصوص أهل البيت لاحقاً عندما كانوا يُطالَبون من قبل الزيدية والحسنيّين وغيرهم بالخروج، وتكون قضيّة الحسين حاضرة، فلو كانت لها خصوصيّةٌ ما لذُكرت هناك؛ إذ من المناسب جدّاً ذكرها لتبرير التمايز بينهم وبين الحسين.
من هنا، نستنتج أنّ الثورة الحسينية ليست من خصائص الإمام الحسين حتى نخرجها عن دائرة الاستناد الفقهي هنا، فضلاً عن أنّ العديد من الروايات التي تعدّ شاهداً لهذه النظرية يصعب إثباته تاريخياً وحديثياً، كما ألمحنا إلى بعضه آنفاً.
النظريّة الثانية: نظريّة تجنّب البيعة المفضي إلى المواجهة المفروضة
تذهب هذه النظرية إلى أنّ حركة الحسين× لم تهدف لا إسقاط نظام فاسد، ولا إحياء ضمير الأمة ولا ما شابه ذلك، وإنّما كانت تريد الفرار من بيعة يزيد بن معاوية، فلو لم يحاول بنو أمية الضغط على الحسين كي يبايع يزيداً لظلّ في المدينة معتزلاً الأمر، لكن حيث فرضوا ذلك عليه، وأصرّ على موقف الرفض، لم يجد بُداً من المواجهة، فالمواجهة لم تكن مشروعاً بقدر ما كانت فراراً أوّلاً ثمّ اضطراراً ثانياً فرض على الحسين ولو تمكّن من رفعه لفعل([206])، ولولا أنّه كان مهدّداً بالاغتيال لما خرج([207])، من هنا كانت حربه حرباً دفاعيّة([208]).
فالفرق بين هذه النظريّة والنظريّة السياسيّة كاملة الأوصاف (النظريّة الثالثة) أنّ النظريّة السياسيّة تحاول اعتبار خروج الحسين مشروعاً تغييريّاً في الحياة السياسية والاجتماعيّة للمسلمين في عصره، بينما هذه النظريّة تختزل الحركة الحسينيّة في أنّها تعبير عن رفض البيعة، وأنّها لما لم يكن أمامه من خيار إلا البيعة أو الموت قدّم الموت على بيعة يزيد، فالجانب السياسي من هذه النظريّة هو الامتناع عن بيعة يزيد امتناعاً مفضياً للموت والشهادة، وهذا يتضمّن رسالة خاصّة ذات بعد ديني وسياسي واجتماعي، دون وجود مشروع تصحيحي أبعد من ذلك. وبهذا يتضح الفرق بين هذه النظريّة والنظريّة الأولى.
ويمكننا اعتبار النظريّة الثانية والثالثة والرابعة معارضةً للنظريّة الأولى هنا، وتحمل جميعها منطقاً ثوريّاً على درجات واختلافات فيما بينها في ذلك.
ويبدو من بعض الباحثين الكبار هنا أنّهم يرون صواب هذه النظرية ولو في المرحلة الأولى، أي مرحلة الخروج من المدينة إلى حين وصول الكتب وتواتر الرسائل الى الإمام الحسين وهو في مكة، ويظهر هذا الرأي من هبة الدين الحسيني الشهرستاني([209])، وسيأتي ما يتعلّق برأي الشيخ مطهري، إن شاء الله تعالى.
أوّلاً: نظرية المواجهة المفروضة، الشواهد والمستندات
وقد نعزّز هذه النظريّة بجملة شواهد، أبرزها:
1 ـ لما خرج الحسين من المدينة لم تكن قد وصلته أيّ رسائل، وما قيل عن وصول رسائل إليه من مكّة غير دقيق ولا حتى واضح، لا سيما بعدما سيأتي من أنّه لم يدم وجوده في المدينة أكثر من ثلاث ليالٍ عقب وصول خبر وفاة معاوية إلى بلاد الحجاز([210])؛ فلا مؤشر في المدينة على حركة نحو منطقة يعتزم إجراء ثورة فيها.
أمّا مكّة، فثمّة نصوص تتحدّث عن أنّ الإمام الحسين كان يريد الخروج من مكّة حمايةً لحرمة هذه المدينة؛ لأنّه بلغه أنّ يزيد بن معاوية أرسل من يغتاله ولو فيها، ولم يحب الإمام أن يكون سبباً في هتك حرمة الحرم؛ لهذا كان مضطراً للخروج ناحية منطقة أخرى؛ ففي حواره مع أخيه محمد بن الحنفية يصرّح الإمام بخوفه من أن يغتاله يزيد في الحرم، فيكون ممّن تستباح به حرمة البيت، وفي حواره مع عبد الله بن الزبير ـ أو ابن عباس ـ يذكر شيئاً من ذلك أيضاً([211])؛ وقد نسب العلامة المجلسي إلى ما وصفه: «بعض الكتب المعتبرة» أنّ يزيد بن معاوية أنفذ عمرو بن سعد بن العاص في عسكر عظيم وأمّره على الحاجّ، وأوصاه بقتل الحسين، وأنّه دسّ بين الحجيج ثلاثين رجلاً لفعل ذلك؛ فلما علم الحسين بالأمر حلّ من إحرامه وجعلها عمرة مفردة([212])؛ وهذا معناه أنّ الخروج كان اضطراريّاً؛ لا لمشروع يستقبله في العراق.
2 ـ ما ورد عن الإمام الحسين في حواره مع ـ ابن الحنفية أو ابن عباس أو عبد الله بن جعفر الطيار ـ من قوله: «لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض، لاستخرجوني حتى يقتلوني» ([213])؛ فهذا النصّ واضح في أنّه يعلم بخطّتهم وأنّه لا مجال أمامه ـ إذا لم يرد البيعة ـ سوى الخروج من مكة والمدينة، وليس من مكان أفضل من العراق. ومثله قوله×: «والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي» ([214]).
3 ـ إنّ الإمام الحسين لم يقبل بأمانهم ووعودهم؛ لعلمه بغدرهم، يشهد لذلك قتلهم لمسلم بن عقيل بعد إعطائه الأمان، وقول مروان لوالي المدينة بأخذ البيعة من الحسين ثم يرون فيه رأيهم، وهذا معناه أنّهم يريدون ـ بعد أخذ البيعة منه ـ أن يغدروا به([215])، فهو ـ على حدّ تعبير الشهرستاني ـ مقتول بايع أم لم يبايع([216]).
4 ـ ما جاء في كتاب يزيد بن معاوية إلى الوليد بن عتبة والي المدينة، من أخذ البيعة من أهل المدينة: «.. وليكن مع جوابك إليّ رأس الحسين بن علي.. »، وأنّ الوليد استثقل ذلك جداً، وطلب الحسين ليأتيه، فخرج الحسين من ليلته تلك نحو مكّة وهو يقول: «فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين»، وقصّة استدعاء الإمام الحسين إلى والي المدينة فيها الكثير من الإشارات للرغبة في قتله على تقدير عدم البيعة([217])؛ وربما لهذا ورد في المصادر التاريخية أنّه× لما استُدعي إلى الوليد ـ والي المدينة ـ طلب من أهل بيته وعشيرته أن يقفوا بالباب، وأن إذا سمعوا صوته دخلوا لمنع من يريد قتله أو المساس به([218])، مما يدلّ على أنّه منذ اليوم الأوّل كان يتوقع أن يقدموا على خطوة من هذا النوع. فهذا كلّه يدلّ بوضوح على أنّه كان يوجد قرار بقتله، وأنّه كان يعلم بالأمر؛ لهذا كان خروجه من المدينة على عجلة وخوف وترقب فراراً من البيعة والموت؛ فالمصادر التاريخية تتحدّث عن أن خروجه كان بعد اجتماعه بالوليد بساعات في الليلة نفسها([219])، وبعضها يقول: في غداة اليوم اللاحق([220])، وبعضها في ليلة آتية، وبعضها بعد ليلتين..([221])، ومهما يكن فهذه العجلة غير طبيعية أبداً لشخص يأمر عشيرته بالتهيؤ لهجرة شاملة؛ ويعزز فرضية حالة من الفرار من أمر ما، ورغبة في عدم المواجهة.
يضاف إلى ذلك ما ذكره السيد هاشم معروف الحسني (1403هـ) من أنّ مسلسل الإقالات والعزل، كان جارياً مع المتساهلين مع الحسين في مكّة والمدينة، لهذا عزل يحيى بن حكيم لتركه الحسين وشأنه، ليستعمل بدلاً عنه على مكّة عمرو بن سعيد بن العاص، ثم عزل الوليد بن عتبة لاعتداله في موقفه من الحسين، وعدم استجابته لما قلناه أعلاه([222]).
5 ـ ما جاء في رسالة عمر بن سعد لعبيد الله بن زياد عقب لقائه الحسين، حيث قال: «هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه أو أن يسير إلى ثغر من ثغور المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده، فيرى فيما بينه وبينه رأيه.. »، ولكنّ شمر بن ذي الجوشن هو الذي خرّب جهود الصلح التي قام بها ابن سعد، وأقنع ابنَ زياد بقتل الحسين، ولولا ذلك لما وقعت الحرب([223]).
ولعلّ هذا النص الذي جاء ـ أيضاً ـ في إرشاد الشيخ المفيد (413هـ) هو ما جعل تلميذه السيد المرتضى (436هـ) يذكر أنّ الإمام الحسين كان يريد ـ بعد الحيلولة بينه وبين التوجّه إلى الكوفة ـ سلوك طريق الشام؛ ليذهب إلى يزيد بن معاوية؛ لعلمه بأنّه أرأف به من ابن زياد، لكنّه واجه جيش عمر بن سعد في كربلاء فلم يستطع الاستمرار في المسير([224])؛ فهذا الكلام يدلّ على أنّه ما كان يريد المواجهة وإنّما فرضت عليه الحرب فرضاً.
6 ـ ما جاء في قصّة وصول عثمان بن محمد بن أبي سفيان الثقفي، الذي أرسله يزيد بن معاوية إلى بلاد الحجاز ليتولاها، فإنّه بعد أن أنهى الصلاة في مكّة، وعلم بخروج الحسين، قال: «اركبوا كلّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه» ([225]). فهذا نصّ واضح يعطي دلالة على السياسة التي كانت ستتّبع لو لم يخرج الحسين من بلاد الحجاز.
7 ـ ما جاء في رسالة عبد الله بن عباس إلى يزيد بن معاوية، حيث قال له: «.. فلستُ بناسٍ اطّرادك الحسين بن علي من حرم رسول الله إلى حرم الله، ودسّك عليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم الله إلى الكوفة؛ فخرج منها خائفاً يترقّب.. ولكن كره أن يكون هو الذي يستحلّ حرمة البيت وحرمة رسول الله، فأكبر من ذلك ما لم تكبر؛ حيث دسست عليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم.. ثم طلب الحسين بن علي إليه الموادعة، وسألهم الرجعة، فاغتنمتم قلّة أنصاره، واستئصال أهل بيته؛ فعدوتم عليهم.. » ([226]).
فهذا كلام واضح في أنّ السلطة كانت تريد قتله وحربه وهو في الحرمين الشريفين، وأنّه خرج منها خائفاً يترقّب، فهو نصّ صريح في نظريّة الفرار من البيعة.
ويتعزّز هذا النص بما جاء في لقاء الإمام× لقرّة بن قيس الحنظلي في كربلاء، حيث قال: «فإن كرهوني أنصرف عنهم من حيث جئت» ([227])، وقوله لابن سعد: «..أرجع فأقيم بمكة أو المدينة أو أذهب إلى بعض الثغور فأقيم به كبعض أهله.. » ([228])، وكذلك يتعزّز بقوله× في رواية أخرى: «..وطلبوا دمي فهربت.. » ([229])، فهذا أيضاً صريح في نظرية الفرار. ونحو ذلك أيضاً قوله في خطاب له مع أهل الكوفة أو في الطريق: «..وإن كنتم لمقدمي كارهين، انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم» ([230]). وكذلك دعاؤه في كربلاء قائلاً: «اللهم إنا عترة نبيك محمد| قد أخرجنا وطردنا وأزعجنا عن حرم جدّنا.. » ([231]). كما ورد في حواره مع جيش عمر بن سعد أنّه قال لهم ـ فيما قال ـ: «أيّها الناس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض.. » ([232]).
يضاف إلى ذلك كلّه، وجود نص ينقل عن عقبة بن سمعان الذي صحب الحسين×؛ حيث يقول: «صحبت الحسين من مكّة إلى حين قتل، والله ما من كلمة قالها في موطن إلا وقد سمعتها، وإنه لم يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده في يده، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور، ولكن طلب منهم أحد أمرين: إمّا أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يَدَعُوه يذهب في الأرض العريضة، حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه.. » ([233]).
إنّ هذه الشواهد بأجمعها تعزّز فرضية أنّ الحسين ما كان لديه مشروع ثورة وإسقاط أنظمة، لكن كان يريد أن لا يبايع ولم يكن يجد مكاناً للعيش مع رفض السلطة فحاصروه، وفرضوا الحرب في النهاية عليه فرضاً، فحصل ما حصل.
ثانياً: مطالعة نقدية في نظرية المواجهة المفروضة
ومع ما رأينا من إمكان أن نحشد لهذه النظرية من شواهد، إلا أنّه يمكننا تسجيل بعض الملاحظات عليها؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ الحسين كانت وصلته رسائل أهل الكوفة في مكّة، وقد أعطاهم كلمته وأرسل إليهم مسلم بن عقيل، فخروجه من مكّة جاء عقب شروعه في التخطيط والتواصل لحركة سياسية واضحة، وهذا لا ينافي أنّه خرج منها نتيجة علمه بمخطّط تقوم به السلطة لاغتياله، بمعنى أن الاستعجال في الخروج كان اضطرارياً نتيجة خوف الاغتيال، دون أصل الخروج، بعد أن كانت الرسائل قد بدأت بينه وبين أهل العراق، وهذه نقطة مهمة جداً في مسألة طبيعة خروج الحسين من مكّة وعدم إكماله الحج. نعم خروجه من المدينة لا توجد مؤشرات على كونه قد سبقه تخطيطٌ ما لثورة في مكان ما من جغرافيا العالم الإسلامي؛ لأنّه حصل بسرعة فائقة كما رأينا.
ثانياً: كل الشواهد التي تتعلّق ـ فقط ـ بمعلومات عن خطّة للسلطة لاغتيال الحسين أينما كان، لا تقف في مواجهة وجود مشروعٍ سياسيٍّ ما له×، على الأقلّ في بعض الفترات، وأعني بذلك أن نتصوّر الحسين يعلم بمخطّط السلطة الأموية في اغتياله، ثمّ يفسح له في المجال لقيادة ثورة، فيقدم على فعل ذلك بعد وصول الرسائل إليه والاطمئنان على الوضع من خلال ما بعثه له مسلم بن عقيل، هنا لماذا لا يمكن الجمع بين علمه بخطّة الاغتيال وإقدامه ـ ولو فيما بعد ـ على مشروع ثوري؟! لست أرى تنافياً بين الأمرين.
هذا ما يدعم فرضية أنّ الفرار من البيعة فكرة صحيحة إلى ما قبل وصول رسائل أهل الكوفة، أي بعد خروجه من المدينة، فالخروج من المدينة لم يكن لوجود مخطّط ثوري، لكن لماذا لا يكون الخروج من مكّة لوجود هذا المخطّط؟! فهذه الشواهد لا تنفي أصل المشروع السياسي للحسين، وإذا تمّت فهي تنفي هذا المشروع في بدايات خروجه من المدينة المنوّرة فقط.
ثالثاً: إنّ بعض نصوص الإمام الحسين× نفسها تعلن مبرّرات الحركة وتغيير الواقع، كما تقدّمت وسيأتي، فكيف يمكن تفسير هذه النصوص؟ ألا تعارض الدلالة الإطلاقية الموجودة في نظرية المواجهة المفروضة والفرار من البيعة؟! إن أنصار هذه النظرية مطالبون بتفسير هذا النوع من النصوص والخطب التي صدرت عن الحسين في مواطن متعدّدة.
رابعاً: إنّ رسالة ابن سعد لعبيد الله بن زياد (الشاهد رقم 5) الدالّة على عرض الصلح من الحسين لوضع يده في يد السلطة، ينقلها الطبري ـ واتّبعه في ذلك المفيد والمرتضى وغيرهما ـ وهي غير موثقة تاريخياً؛ فلم نعثر عليها سوى عنده، وغيره إما ينقلها عنه أو يرسلها بلا سند واضح، أما سند الطبري ففيه مجالد بن سعيد الهمداني المهمل في مصادر الرجال الشيعية والمتعارض توثيقه مع تضعيفه في مصادر الرجال السنيّة، حتى أنّ ابن حبّان المعروف بالتوثيقات جعله في المجروحين([234])، وكذلك فيه الصقعب بن زهير المهمل شيعياً([235])، نعم سنيّاً وثقه الحاكم النيسابوري وابن حبّان، ونقل الأوّل توثيقه عن أبي زرعة الرازي([236])، والأولان من المحسوبين ـ ولو عند جماعة ـ على الإفراط في التوثيق.
وكذلك الحال في رسالة ابن عباس إلى يزيد؛ فإنّ مصدرها الرئيس ـ على ما يبدو ـ إنّما هو تاريخ اليعقوبي، ولم يذكر سندها، وفي مثل هذه الحال يصعب مع تفرّد مؤرّخ واحد بالنقل وأهمية الرسالة، الأخذُ بها، ولا سيّما مع عدم وجود سند معتبر لها، وكذلك خبر الفتوح وأمالي الصدوق الذي دلّ على أنّه طُلب دمه فهرب، حيث هو في المصادر القليلة التي نقلته بين مرسل وضعيف ببهجة بنت الحارث بن عبد الله التغلبي، وهي مهملة في مصادر الرجال السنية والشيعية، وكذلك كلّ من صفية بنت يونس بن أبي إسحاق الهمدانية ومريسة بنت موسى بن يونس، اللتين لا ذكر لهما عندهم كما أشرنا سابقاً، ومثل ذلك خبر الإرشاد الذي يفيد طلب الحسين من أهل الكوفة أن يتركوه يرجع من حيث أتى، فهو خبر تفرّد به المفيد (413هـ) والخوارزمي (568هـ) ـ حسب الظاهر ـ بلا سند، ثم ظهر عند متأخري المتأخرين، وكذلك دعاؤه في كربلاء يخبر فيه أنه أخرج من حرم جدّه فهو مرسل قليل المصادر جداً اشتهر بين المتأخرين فقط حسب الظاهر. وأما خبر عقبة بن سمعان فهو غير قابل للتصديق؛ فكيف يمكن أن يكون رجل قد تابع الحسين طوال هذه الفترة حتى اطّلع على كل أسرار الحركة الحسينية ومفاوضاتها، ولم يغب عنه شيء إطلاقاً؟ ومتى أخبر عقبة بهذا الخبر وقد كان من شهداء كربلاء على بعض المصادر على الأقلّ وإن تحدّث بعضهم عن فراره([237])، فإن كان شهيداً فمتى نقل هذا الخبر، وإن فرّ فالرجل لا دليل على وثاقته بعد ذلك؛ لأنّه لم يوثقه أحد مع صرف النظر عن شهادته. هذا إضافةً إلى أنّ هذا الخبر نفسه يعارض بعض الأخبار الأخرى كما هو واضح منه؛ حيث ينفي أن يكون الحسين قد عرض وضع يده في يد السلطة أو الذهاب إلى ثغر من ثغور المسلمين، فهو يضعّفها وهي تضعّفه نتيجة التعارض بينها من بعض الجوانب، وإن اشتركت معه في قدر من القاسم المشترك.
وبهذا يتبيّن أن هذه النظرية صائبة بقدر، لكنّها غير دقيقة بقدر آخر، وسوف نتعرّض لاحقاً لمحاولة جمع نقرّب من خلالها المقدار الصحيح من هذه النظرية، إن شاء الله تعالى.
النظريّة الثالثة: النظرية السياسيّة ومحاولات التعقيل
يذهب أنصار هذه النظرية ـ وهم كثير من المؤرخين كما يقول السيد محمد باقر الحكيم([238]) ـ إلى أنّ الإمام الحسين× كان يريد بحركته إسقاط النظام الفاسد في دولة بني أمية، ورسائله ومراسلاته لأهل الكوفة كلّها تشهد على صحّة ذلك، ومن يقرأ هذه الحركة ويحلّلها تحليلاً تاريخياً لا يفهم منها سوى إرادة تأسيس نظام إسلامي عادل في العراق مقدّمةً لعودة دولة الإمام عليّ× كي يكون ذلك بهدف إسقاط نظام الظلم والجور في الشام.
وقد نسبت هذه النظرية إلى السيد المرتضى فيما ذكره في كتابيه: تنزيه الأنبياء والشافي([239])، حتى قيل: إنّ السيد ابن طاووس (664هـ) ألّف كتابه اللهوف على قتلى الطفوف، للردّ على المرتضى، وكذلك حصل مع السيد عبدالوهاب الحسيني الاسترآبادي (قرن 9هـ)، صاحب تنزيه الأنبياء، وعبد الله البحراني، ورضي بن نبي القزويني([240]). وتنسب هذه النظريّة للشيخ المفيد (413هـ)، وللشيخ الطوسي (460هـ)، كما يذهب إلى هذه النظرية كلّ من الشيخ علي بن عبد الله البحراني الستري (1319هـ) في رسالته: قامعة أهل الباطل بدفع شبهات المجادل([241])، والشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي (2006م) في كتابه الشهير (الشهيد الخالد)، والأستاذ محمد علي خليلي([242])، والسيد علي الأمين العاملي المعاصر، على ما سمعنا شفاهاً عنه.
ويعتبر بعض أنصار هذا النظريّة ـ إذا أردنا تحليل كلمات غير واحدٍ منهم ـ أنّ الوقائع السياسيّة البشريّة التاريخيّة كثيراً ما تكون هناك رغبة مستبطنة أو ميل، في فضاءٍ ديني، لتحويلها لقضايا دينيّة ميتافيزيقيّة ذات بُعد ما ورائي، فالحسين خرج مثله مثل الكثير من الذين خرجوا على الأمويّين والعباسيّين في التاريخ الإسلامي، ولهذا فهم منه جمهور المؤرّخين وعامّة أهل السنّة والباحثين الغربيّين، بل وكثير من الشيعة غير الإماميّة ـ سواء من هؤلاء من أيّد الحسين في خروجه أم عارضه ـ فهموا منه أنّه قاد حركة سياسيّة وخرج للمعارضة وتأسيس سلطة شرعيّة إسلاميّة تعمل بشرع الله في العراق، لكنّ بعض أنصار الإمام الحسين وشيعته من بعده حوّلوا حركته إلى أمر متعالٍ عن السياسة والزمكان، وخلعوا عليها صفات غيبيّة غير مفهومة، فصارت أمراً دينيّاً، وتحوّلت إلى جزء من الدين الإسلامي، وهذا ما يسمّى بنزعة تحويل السياسي التاريخي إلى ديني أسراري ميتاتاريخي. وهو يشبه ـ من وجهة نظر نقّاد اللاهوت المسيحي الرسمي ـ ما حصل مع المسيحيّة، فإنّ صلب المسيح أمرٌ تاريخي حصل مع غيره كثيراً، غير أنّهم أعادوا تفسير الصلب تفسيراً أنطولوجيّاً جعله ظاهرة دينيّة عقديّة وجزءاً متعالياً عن الفهم والتعقيل في مساحة كبيرة منه، مع أنّه ـ من وجهة نظر النقّاد ـ مجرّد حادث صلب يحصل مثله الكثير في تلك الأيّام.
لقد كان للحركة الإسلاميّة السياسيّة بين الشيعة في العصر الحديث أكبر الدور في إعادة تفسير الحركة الحسينيّة تفسيراً سياسيّاً في مقابل التفسير الغيبي (النظرية الأولى)؛ لأنّ هذا التفسير يصبّ تماماً في المنطق الثوري أو التغييري الذي تبنّته هذه الحركة بأغلب أطيافها ـ على الأقلّ ـ في القرن العشرين. ووفقاً لتعبير كارين آرمسترونغ، فإنّ الإمام الصادق استخدم سياسة "العلمانيّة المقدّسة" لحماية الشيعة في العصر العباسي، فيما رأى أمثال السيد موسى الصدر أنّ الشيعة تغيّرت أوضاعهم اليوم في العصر الحديث، وصاروا بحاجة إلى أن يعودوا لروح الإمام الحسين كي ينهضوا من جديد([243]).
نحن نعرف أنّ الحركة الإسلاميّة السياسيّة بإعلائها من شأن السياسة في المنظومة الإسلاميّة، قامت بإعادة قراءة الكثير من المفاهيم الدينية قراءةً مرتبطة بهذا الفهم المركزي السياسي، ويحصل هذا عادةً عند بروز تحوّلات فكريّة، حيث يقوم الفهم الجديد للدين على نقطة محوريّة، ثم يسعى الفريق المؤمن بهذا الفهم لإسقاط هذه النقطة المحوريّة للدين ـ وفقاً لفهمه ـ على مختلف مساحات الدين وأجزائه، ليغدو تفسيره للدين تفسيراً منسجماً مع محوريّة هذه الفكرة، ولما كانت السياسة نقطةً محوريّة أولى عند الكثير من الإسلاميّين الشيعة في القرن العشرين، حتى بلغت أوجها مع نظريّة مثل السيد الخميني الذي اعتبر أنّ الفقه مندكّ في الدولة الدينية، كان من الطبيعة إعادة تفسير مختلف الظواهر التاريخيّة والنصوص الدينيّة تفسيراً سياسياً، ولهذا لما ظهرت تيارات جديدة ترفض المنطق الثوري وجدنا حديثاً عن مفهوم "صلح الإمام الحسين"، وكذلك عن كون الإمام الحسين هو داعية حقوق إنسان وغير ذلك.
من هنا، وجدنا كيف أنّ مفاهيم من نوع "حسين العصر" و "يزيد العصر"، أخذت بالرواج والاتساع في النصف الثاني من القرن العشرين؛ لأنّها تعبير عن إعادة إنتاج القضيّة الحسينيّة في الحياة إنتاجاً معاصراً، بدل بقائها أمراً تاريخيّاً أو ميتافيزيقياً، ولهذا نجد الصراع بين المدرسة التعقيليّة السياسيّة والمدرسة الميتافيزيقيّة بادياً عند الحديث ـ مثلاً ـ عن أنّ شهداء الإسلام اليوم أفضل أو شهداء كربلاء وهكذا.
وكمثال آخر، دراسة سيرة أئمّة أهل البيت النبويّ، ففي الوقت الذي نجد فيه الكثيرين عبر التاريخ والعديد من المستشرقين الذين تعرّضوا للموضوع، يذهبون إلى أنّ أئمّة أهل البيت من ولد الحسين اعتزلوا الحياة السياسيّة ما أمكنهم، وتحوّلوا إلى عبّادٍ وزهّاد ورموز إيمان وتقوى في المجتمع، وأعطوا الأولويّة لإصلاح إيمان الناس وأخلاقهم ووعيهم وتقواهم بعد أن جرفت المسلمينَ الدنيا، عقب الفتوحات وعلى يد السلاطين الفاسدين، لهذا كانوا رموزاً عند المتصوّفة والعرفاء أيضاً عبر التاريخ.. نجد أنّ الكثير من رموز الحركة الإسلاميّة ـ وليس آخرهم السيد علي الخامنئي في كتابه: "إنسان بعمر 250 سنة" ـ يفسّر الكثير من حركات الأئمّة ومواقفهم وتوجيهاتهم ونشاطاتهم بعد الحسين تفسيراً سياسيّاً، على أنّهم كانوا دائماً في حالة تهيّؤ تام وعمل جادّ لتحقيق مشروع الدولة الإسلاميّة في اللحظة المناسبة([244]).
كتاب "الشهيد الخالد" ونقطة التحوّل باتجاه النظريّة السياسيّة الكاملة
بلغت القراءة السياسيّة للحركة الحسينيّة أوجها مع صدور كتاب «الشهيد الخالد» الذي ألّفه الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي (2006م) عام 1969م، واستمرّ في الإعداد له ـ كما يقول ـ سبع سنوات، فقد شكّل هذا الكتاب منعطفاً في دراسة فلسفة قيام الإمام الحسين في الوسط الشيعي، وأدّى إلى صخب وجدال كبيرين في الوسط العلمي الإمامي، وانقسمت الحوزات العلميّة بين مؤيّد ومعارض، الأمر الذي أفضى إلى تدخّل بعض كبار الفقهاء ومراجع التقليد ضدّه، مثل السيد المرعشي النجفي والسيد محمّد رضا الگلپايگاني وغيرهما، حيث اعتبر الگلپايگاني أنّ هذا الكتاب من كتب الضلال ودعا الناس لعدم قراءته، وهي دعوة شبيهة بما أصدره المرعشي النجفي.
وقد كتب في ردّ هذا الكتاب مصنّفات عديدة بعضها كبير الحجم، زادت عن الأربعين نقداً، وكان من الناقدين: الشيخ لطف الله الصافي، والشيخ رضا الأستادي، والشيخ علي پناه الاشتهاردي، والسيد أحمد الفهري، والشيخ محمد الفاضل اللنگراني، والسيد محمد المرتضوي، والميرزا أبو الفضل الزاهدي القمّي، والدكتور علي شريعتي، والشيخ مرتضى مطهري، والعلامة الطباطبائي، وغيرهم.
ولم يصدر موقف واضح من بعض الشخصيات المهمّة آنذاك، ولا سيّما الإمام الخميني، الذي اعتبر أنّ الموضوع أشغل الحوزة عن قضايا كبرى، كما كان هناك من يرى أنّ للمخابرات الإيرانية (السافاك) دوراً في تأجيج الفتنة([245])؛ لأنّ التيار الثوري أيضاً كان قد انقسم انقساماً كبيراً حول الكتاب. وبالجملة فهناك نوع تنازع بين نجف آبادي ورضا استادي حول موقف السيد الخميني، ففيما يدّعي نجف آبادي أنّ موقف الخميني قريب منه ومن الكتاب، يرى استادي العكس تماماً. والمعروف تاريخيّاً أنّ نجف آبادي وحسين علي المنتظري كانا من أوائل من طرح مرجعيّة السيد الخميني بعد وفاة السيد محسن الحكيم.
وقد ردّ الشيخ نجف آبادي على الكتابات والأعمال النقديّة، وذلك عبر أعمالٍ له، أبرزها كتابان: "عصا موسى" و"نظرة في الملحمة الحسينيّة"، وتضمّنا الكثير من الأفكار النقديّة، وبخاصّة في قضايا الغلوّ وتفاصيل التصوّر الإمامي للأئمّة وشخصيّاتهم وأدوارهم،كما سجّل في الكتاب الثاني سلسلة من الانتقادات ضدّ الشيخ المطهري الذي اعتبر صالحي أنّ قراءته للموضوع مليئة بالتناقضات وبالأخطاء التاريخيّة وبالفهم المستعجَل للأمور([246]).
على أيّة حال، منذ 1969م بالتحديد، ظهرت قفزة مهمّة في تاريخ دراسة الشيعة لفلسفة الحركة الحسينية، وتبلورت العديد من النظريات، التي كان بعضها ضعيفاً جداً، وبعضها أكثر حضوراً، ومن بينها النظرية السياسية الكاملة هذه.
لكنّ السؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا عمّت حالة الرفض والغضب ضدّ هذا الكتاب؟ ولماذا انتقدوه كثيرون على تنوّع أطيافهم ومن بينهم من ينتمي إلى خطّ الإسلام السياسي أو الاجتماعي أو النهضوي؟! ما الشيء الذي كان مزعجاً في الكتاب حتى أدّى ـ وما يزال بدرجةٍ ما ـ إلى كلّ هذا الاشتباك الكبير الذي عبّر عنه بعضهم بالفتنة؟ هل يرفض الشيعة أن يقوم الحسين بتطبيق شرع الله وحكم الأرض على سنّة الله ورسوله، وهم الذين يؤمنون بأنّ المهديَّ سوف يفعل ذلك؟! لو كان الإشكال في الدولة الدينيّة في عصر الغيبة لكان أمراً مفهوماً في سياق شيعي إمامي، لكنّنا نتحدّث هنا عن شخصيّة معصومة في العقل الشيعي، وهي الإمام الحسين، فما المشكلة لو خرج ليُسقط حكماً فاسداً غاصباً للخلافة وليُقيم شرع الله؟!
للإجابة باختصار عن هذا السؤال ـ على قاعدة التمييز بين أسباب المعارضة وأدلّة بطلان النظريّة السياسيّة ـ يمكن طرح عدّة عناصر قد تتعاضد وقد تنفرد، نذكر من بينها:
أ ـ إنّ نظرية صالحي نجف آبادي اشتملت على عناصر، وكان لبعض هذه العناصر خصوم، فكلّ فريق كانت لديه مشكلة مع أحد هذه العناصر انضمّ إلى المعركة ضدّ الكتاب. ومن أبرز هذه العناصر فكرة علم الإمام بالغيب، كما سوف نرى عند الحديث عن تقويم النظريّة، فعلم الكلام الإمامي كان قد استقرّ مشهوره ـ بين المتأخّرين على الأقلّ ـ على سعة علوم أهل البيت الغيبيّة، فتحطيم هذه المقولة العقديّة يمكن أن يترك تأثيراً كبيراً جداً على صورة أهل البيت في العقل الكلامي الإمامي.
ب ـ إنّ نظرية نجف آبادي من شأنها أن تغيّر الصورة النمطية عن علاقة الشيعة بالسلطات عبر التاريخ، فالإماميّة يختلفون عن الزيدية في أنّهم ـ في الأعمّ الأغلب ـ كانوا محايدين سياسيّاً، ليسوا سلطة ولا معارضة([247])، على خلاف الزيديّة والإسماعيليّة، فتحويل الإمام الحسين إلى رجل معارضة مسلّحة، يمكنه أن يهشّم هذه الصورة، ويُطالب بحضور المؤسّسة الدينيّة في الحياة السياسيّة المعارضة، الأمر الذي يمكنه أن يشكّل تحوّلاً غير عادي عبر التاريخ.
ونتيجة هذا الأمر صارت قضية الكتاب عنواناً للصراع بين تيارات الإسلام السياسي المناهضة للشاه في إيران والتيارات النمطية في المؤسّسة الدينيّة، ولهذا فأغلب غير الثوريّين كانوا ضدّ الكتاب، في حين تيّار غير قليل من الثوريّين، وعلى رأسهم الشيخ حسين علي المنتظري، كانوا معه. وقد كان المنتظري والشيخ علي المشكيني كتبا تقديماً وتقريظاً للكتاب، ثمّ سحب المشكيني ما كتبه بفعل ـ على ما قيل ـ ضغوط شديدة. بل نقل شفاهاً عن المنتظري أنّه كتب المقدّمة دون أن يقرأ الكتاب!
ج ـ تضمّنت رؤية نجف آبادي نقداً للتصوّر النمطي الموجود عند الشيعة حول قضيّة الحسين، إذ اعتبر أنّ هذا التصوّر قائم على المظلوميّة، وأنّ من أهداف حركة الحسين هو إبراز المظلوميّة، بمعنى أنّ نشاطاته وخطواته كانت تريد الوصول لإبراز هذه المظلوميّة بأكبر شكل ممكن، وأنّه كان يريد أن يُقتل بأبشع صورة ممكنة، ومن ذلك إخراج النساء والأطفال معه كي تكون قضيّته من أبرز مظاهر المظلوميّة عبر التاريخ، فالمظلوميّة هدفٌ حسينيّ، وليست نتاجاً فقط لسلوك بين أميّة وأعوانهم في كربلاء وما بعدها. وقد انتقد صالحي نجف آبادي هذا التفسير انتقاداً مركّزاً، واعتبر أنّ الشهادة في سبيل الله ليست هدفاً في نفسها، بل الدفاع عن الدين هو الهدف وتحقيق النصر، لكن لو واجه الإنسان أثناء ذلك الموتَ في سبيل الله فهذا أمر طبيعي، لا أنّه ذاهبٌ للموت، فهذه ثقافة غير إسلاميّة. وهو ما يترك تأثيراً أيضاً على النظريّة الرابعة الآتية من نظريّات تفسير الحركة الحسينيّة (الشهادة لأجل إحياء الأمّة)، ويمهّد الطريق لنجف آبادي كي يجعل مركز الهدف في حركة الحسين هو تحقيق الدولة الصالحة. إنّ نجف آبادي يعتبر أنّ هذه الفكرة استغلّها نقّاد الإمام الحسين كي يشنّعوا عليه ويصفوه بالساذج.
في هذا السياق، كان تجنّب تعريض الإمام الحسين للنقد هو الآخر أحد العناصر، حيث شعر الفريق الرافض للنظريّة السياسيّة ـ كما سوف نلاحظ من بعض انتقاداتهم ـ أنّ جعل الحسين صاحب مشروع سياسي يساوي أنّه قد فشل، وأنّ ما يقوله عنه خصومه ونقّاده من أنّه ساذج سياسياً ولم يحسب الأمور بطريقة صحيحة، سوف يصبح أمراً صحيحاً، أمّا لو قلنا بأنّ هدفه الشهادة عالماً بها؛ لإبداء مظلوميّته أو لإحياء ضمير الأمّة وما شابه ذلك، فإنّنا بذلك نكون قد جنّبنا الحسين النقدَ الموجّه ضدّه، وكأنّ النظريّة السياسية تعرّض الحسين لمخاطر النقد والتشويه، فيما سائر النظريّات تنزّهه عن الفشل والإخفاق والغباء السياسي.
د ـ كون صالحي نجف آبادي عموماً نقّاداً للتراث الإمامي ومحارباً مشهوراً معادياً لنزعات الغلوّ بين الشيعة، وكونه قد تعرّض للكثير من وقائع الحركة الحسينية بالنقد التاريخي، وذكر أنّ الكثير من المنقولات التاريخيّة لم تثبت، وكانت له انتقادات كثيرة جداً على ما يُتلى على المنابر والمآتم، وملاحظات نقديّة على قرّاء العزاء والمدّاحين معاً، وبسبب هذه النقطة والنقطة الأولى المتقدّمة (علم الإمام بالغيب)، اعتبر الكثير من النقّاد أنّ هذا الكتاب يعبّر عن نفوذ التفكير الوهابي بين الشيعة ـ وبخاصّة التيار الثوري ـ في العصر الحديث، ونحن نعرف أنّ هناك ظاهرة "نقد إصلاحي" للتفكير الشيعي في الوسط الشيعي ظهرت منذ ثلاثينيات القرن العشرين مع شخصيّات عدّة من أمثال أبي الفضل البرقعي وحيدر علي قلمداران وشريعت سنغلجي وعبد الوهاب فريد وغيرهم.
بهذا كلّه نكتشف أنّ قضيّة تفسير الحركة الحسينيّة ليست مسألة جزئيّة مورديّة، بل حملت معها منهجاً مختلفاً في قراءة التراث والتاريخ والحديث، وفي التفكير الكلامي أيضاً، فهي أنتجت منهجاً في داخل التطبيقات، بعكس كثيرين ممن ينتجون مناهج، ويعلنونها غير أنّك عندما تذهب إلى تطبيقاتهم في الفقه والتاريخ والأصول والكلام، تجد النتائج عينها، فصناعة المنهج في داخل التجربة والتطبيق يظلّ أمراً له قيمته العلميّة. إنّ صالحي نجف آبادي كانت له قراءات كثيرة أيضاً في علم الكلام الإمامي، مثل آية المودّة في القربى وآية التطهير وغير ذلك([248]).
يذهب الشيخ صالحي نجف آبادي في كتابه الشهير: «الشهيد الخالد» إلى أنّ لحركة الحسين ثلاثة أهداف بينها ترتيب طوليّ، بعد أن يقسّم الثورة الحسينيّة وتحركات الإمام إلى مراحل أربع، ويضع الفترة الواقعة بين عزم الإمام على السفر إلى الكوفة إلى حين لقائه بالحرّ بن يزيد الرياحي في إطار المرحلة الثانية:
الهدف الأوّل: هو ـ مضافاً إلى رفض بيعة يزيد ومقاومة ذلك واحتمال تصفيته ـ تشكيل حكومة إسلاميّة قويّة كما هو مطمح رؤى الأحرار في العراق، وكسر سيادة الظلم والفساد وقلعها من الجذور، وبذلك ينجّي المسلمين ويحيي سنّة الرسول الأكرم‘.
الهدف الثاني: الانصراف، أي بعد أن تضعضعت الأوضاع في العراق وتسلّط عبيد الله بن زياد على الكوفة؛ بحيث أدّى ذلك إلى عدم إمكانيّة الانتصار العسكري، وجد الإمام نفسه مضطراً للدعوة للانصراف.
الهدف الثالث: الشهادة؛ وذلك لأنّ الحسين بعد ما رأى إصرار عمّال حكومة يزيد على عدم قبول طلبه بالانصراف، وتيقّن أيضاً أنّ خضوعه يعني التعامل معه بذلّة ومهانة، كما هو الأمر مع مسلم بن عقيل، حينها كان الدفاع أمام هجوم الأعداء ضرورياً، فقدّم نفسه شهيداً بعزّ وافتخار، فالانتصار العسكري هو الهدف الأوّل؛ والصلح مع الكرامة هو الهدف الثاني؛ والاستشهاد هو الهدف الثالث([249]).
والشواهد لهذه النظرية ـ غير أنّ هذا هو المتبادر عقلانياً من دراسة أيّ حركة ثوريّة ـ لا تكاد تعدّ ولا تحصى؛ فأخذه× أهل بيته معه معناه أنه كان يريد الاستقرار في مكانٍ ما، وكذا أخذه الأموال الكثيرة على ما جاء في بعض النصوص، وتنسيقه مع أهل الكوفة لا يُفهم سوى على هذه الطريقة، ولا سيّما أنّه طالبهم وذكّرهم بخذلانه والتخلّي عنه، فما معنى ذلك كلّه إلا أنه أراد إسقاط الفساد في نظام الحكم عند المسلمين. يضاف إلى ذلك النصوص السابقة التي ذكرناها والتي يطرح فيها الإمام مشروعه بطريقة عقلانية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسير بسيرة رسول الله وتغيير الوضع القائم ورفع الظلم ووقف العدوان على بيت المال وغير ذلك.
يُضاف إلى ذلك الوقائع والمجريات، فإذا كان الإمام الحسين لا يهدف تحقيق شيء في العراق، فلماذا قامت الدولة الأمويّة بالاستنفار وإرسال عبيد الله بن زياد لإخماد التحرّك قبل وصول الحسين عبر استخدام ثنائي الترغيب والترهيب؟! هل كان ذلك كلّه لمنع الحسين فقط من مجرّد الإقامة في الكوفة دون أي نشاط سياسيّ؟! وإذا لم تكن هناك إرادة فعلٍ سياسي، فما معنى إرسال مسلم بن عقيل سفيراً له لترتيب الأوضاع ومختلف المجريات التي حصلت مع مسلم؟! بل حتى رسائل مسلم للحسين كلّها تُعطي هذا المعنى. يضاف إلى ذلمك رسائل أهل الكوفة له؛ إذ كلّها تتضمّن مفاهيم سياسيّة وإرادات تغييريّة في الواقع السياسي في العراق، والمفروض أنّ الحسين قد بنى علاقته بهم على هذا الأساس، مضافاً لبعض الاحتجاجات التي ذكرها بعض الذين نصحوا الحسين بعدم الخروج، فإنّ جملةً منها كانت تذكّره بما فعله أهل الكوفه مع أبيه وأخيه، وهذا معناه أنّهم تصوّروا موقع الحسين مشابهاً لموقع عليّ والحسن، وهذا كافٍ في أنّهم فهموا الموقعيّة السياسية والقياديّة للحسين في الكوفة عقب وصوله إليها.
بل ما معنى إرسال الحرّ الرياحي في جيشٍ لمنع الحسين من دخول الكوفة وإجباره على التوجّه شمالاً؟! هل كانت مشكلة الدولة الأمويّة معه أنّه ممنوع من النزول في "فندق" في الكوفة مثلاً، أو أنّ القضية أنّ السياق هو سياق أنّ وجوده في الكوفة معناه قيامة المعارضة ضدّ بني أميّة؟
بل في واحدة من أواخر رسائله لأهل الكوفة، قال: «..وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليّ أنّه قد أجمع رأي ملأكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحقّ، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام» ([250])؛ فهذا النص واضح في أنّه كان يريد العمل بالكتاب والأخذ بالقسط و..
بل في كتابه إلى أهل البصرة قال: «..وكنّا أهله وأولياءه، وأوصياءه وورثته، وأحقّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا، وكرهنا الفرقة.. وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه؛ فإنّ السنّة قد أميتت، وإنّ البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد» ([251])، وهذا النص صريح في التذكير بأمر الإمامة بعد رسول الله، وبالإطاعة والولاية وغيرها من المفاهيم التي تتصل بالتفسير السياسي.
مطالعة تقويمية في التفسير السياسي
يمكن الحديث عن تقويم هذه النظريّة والقراءت النقديّة لها عبر الآتي:
أ ـ القراءة النقدية الكلامية ـ الأيديولوجية لنظرية التعقيل السياسي، عرضٌ وردّ
ورغم الطابع الإيجابي الذي تعطيه العناصر المترابطة لهذه النظرية، لكنّها ـ في واقع الأمر ـ تواجه مشكلين اثنين: أحدهما كلامي والآخر تاريخي.
1 ـ أما المشكلة الكلامية، فتتمثل في الاعتقاد الإمامي بأنّ الإمام يعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وأنهم يعرفون موتهم وما يطرأ عليهم عبر علوم لدنية غير كسبية، فطبقاً لهذه النظرية الكلامية كيف يقدم الحسين على ثورة تهدف تغيير النظام وهو يعلم بفشلها مسبقاً، وبأنها سوف تودي به وبأهل بيته، وهل يكون غرض شخص من ذلك هو الاستيلاء على السلطة وإسقاط السلطة القائمة؟! وحيث قد ثبتت هذه النظرية الكلامية بالأدلّة العقلية والسمعية القاطعة فلا مفرّ من إبطال هذا التفسير، كونه لا يصمد في وجهها.
وهذه المشكلة التي تمثل واحدة من أعقد المشكلات عند ناقضي النظرية السياسية، لا مجال لبحث أصلها ـ أي علم المعصوم ـ هنا، وإن كنّا لا نؤمن بفكرة علم الأئمّة بالغيب بنحو القاعدة المطلقة إلا ما خرج بالدليل، وتفصيله في محلّه([252])، لكن مع القول بأنّ علم المعصوم كذلك، وليس بعزيز على الله، ثمّة جواب يقدّمه بعض أنصار هذه النظرية عادةً ـ أي نظرية علم المعصوم ـ لدى إيراد بعض الإشكالات عليهم، ويمكن لهذا الجواب أن يجري هنا أيضاً لصالح النظرية السياسية؛ فنظرية العلم الوسيع للإمام تواجه عادةً بأسئلة حرجة، مثل كيف يقضي الرسول والأئمة بين الناس بالأيمان والبيّنات الظنية ولديهم العلم بالواقع؟ أليس في ذلك ظلم وإجحاف في بعض الحالات حيث لا يصيب حكم القاضي الواقع؟ كيف نفسّر الكثير من الروايات التي يفيد ظاهرها جهل الإمام بشيءٍ ما، كما في أكله× لطعامٍ من مال غير شرعي، ثم لما أخبروه دعا بطشت فقاء الطعام فيه، أو بحثه عن شيء لا يعرف أين هو وما شابه ذلك..؟
وقد ردّ أنصار نظرية العلم اللدني المطلق هنا بجواب حاصله: إنّ النبيّ أو الإمام يعلم الواقع لكنّه مكلّفٌ بالظاهر، أي أنه وإن علم بواقع الحال غير أنه في مقام العمل الخارجي يتعاطى على أنه إنسان طبيعي، يعمل بالطرق الطبيعية في الوصول إلى الواقع والحقيقة؛ ولهذا يقضي بالأيمان والبيّنات رغم علمه اللدني بأنّها هنا أو هناك لا تطابق الواقع، ومهما كان السبب في فعله هذا، إلا أنه هو التفسير الطبيعي الجامع بين هذه المعطيات عن حياة النبي والإمام وبين ما ثبت في علم الكلام من العلوم اللدنية الكثيرة التي عنده.
والذي نقوله هنا: إنّ بالإمكان رفع التناقض بين علم الإمام وبين هذه النظرية السياسيّة في تفسير الحركة طبقاً للمنهج عينه الذي يسير عليه كثير من أنصار هذه النظرية أنفسهم، فالإمام وإن علم بشهادته وما سيحلّ به وبأهل بيته، إلا أنّه كان مكلّفاً على مستوى الظاهر بالتعاطي الظاهري مع الأمور، فعندما تصله آلاف الرسائل من الكوفة ـ بل ومن غيرها أيضاً ـ تعلن الاستعداد للجهاد، فإنّ التعاطي الطبيعي حينئذ أن يستجيب لها انطلاقاً من الموقف الشرعي في هذا المجال، متجاهلاً علمه اللدني بخذلانهم فهو يتعامل مع الظاهر، ومتجاهلاً علمه اللدني بشهادته؛ لأنه أيضاً يتعامل مع الظاهر، فالنظرية السياسية المذكورة تعدّ تفسيراً ظاهرياً للحركة بهذا المعنى، دون أن تضطرّ إلى إنكار علم الإمام اللدني، وعبر ذلك يمكن الجمع بين المعتقد الشيعي في علم الإمام من جهة وبين التفسير السياسي الذي قد يخرج به الباحث في تحليله لأحداث هذه الحركة من جهة ثانية.
وبعبارةٍ جامعة: أيّ جواب يجيب به القائلون بعلم الإمام هناك يمكن لأنصار النظرية السياسية أن يجيبوه هنا، فالمشكلة الكلامية قابلة للحلّ، بلا حاجة لا إلى إنكار أصل المعتقد الكلامي ولا إلى إنكار النظريّة السياسية المذكورة هنا.
والملفت أنّني وجدت من أثار فكرة وجود تكليفين للإمام هنا؛ أحدهما ظاهري والآخر باطني، ومنهم الشيخ جعفر التستري (1303هـ) والسيد محمد الصدر (1999م)([253])، وإن لم يكن قصدهما الشكل الذي ذكرناه تماماً.
2 ـ وأمّا المشكلة التاريخيّة ـ الأيديولوجية، فتتمثل في العديد من النصوص التي تتحدّث عن تنبؤ الرسول| وأهل البيت، وحتى الإمام الحسين بشهادته، مثل تلك الروايات التي مرّت في النظريّة الأولى، وهي نصوص كثيرة موجودة في المصادر الحديثيّة، ومنها التي أخبرت بأنّ الحسين ابني هذا شهيد، وسيُقتل في أرض كذا وكذا، وستكون نهايته الشهادة، وأنّ أمّتي تقتله وما شابه ذلك، ورواية أمّ سلمة([254]) وغير ذلك.
وقد حاول أنصار النظرية السياسية هنا معالجة هذه النصوص من الناحية السندية والتاريخيّة، وذكروا أنّها ضعيفة السند، ولسنا هنا بصدد استعراضها، لكنّها في الحقيقة عقبة أساسية عليهم حلّها لتتميم نظريّتهم، دون المرور عليها عبر بعض الكلمات التي قد يطلقها بعض الباحثين الجدد في الأوساط الإسلامية كلّما جاءتهم نصوص ذات طابع غيبي، من اتهامها بالوضع والصنع الأسطوري للمخيلة الجماعية، وأنّها ردّ فعل القهر والحرمان في التاريخ الشيعي، فهذا وحده لا يكفي هنا.
وما يمكن قوله ـ نقداً على توظيف أغلب هذه النصوص ـ هو أنّ هذه النصوص تدلّ على أنّ النبيّ والحسين وأهل البيت كانوا يعلمون بأنّ نهاية الإمام الحسين في حياته هي الشهادة، لكنّ من النادر العثور على رواية ـ غير بعض الروايات التي مرّت في تبيين النظرية الأولى هنا وعلّقنا عليها ـ تحدّد زمان شهادته، وعليه فمن الممكن أنّه× خرج للعراق عالماً أنّ نهاية حياته هي الشهادة، لا أنّه بالضرورة عالم بأنّ نهايته الآن هي الشهادة، بل لعلّه سوف يحكم العراق لعشرين عاماً، ثمّ يكون منتهاه الشهادة، فيعمل الآن بوظيفته، ولهذا لما حصل ما حصل معه في الطريق وأعلموه بأنّ هذه الأرض هي كربلاء أدرك أنّ ما وعده به النبيّ يُشرف الآن على التحقّق.
بعبارة ثانية: إنّ هذه الروايات التي جُمع أغلبها في الجزء الرابع من كتاب (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة)، من تأليف الشيخ عزت مولائي والشيخ محمد جعفر الطبسي، تحتاج أنّ تُقرأ من هذه الزاوية: هل هذه النصوص ـ بصرف النظر عن قيمتها التاريخية والحديثية ـ تقول بأنّ نهاية الإمام الحسين هي الشهادة أم تقول بأنّ نهايته الشهادة بتاريخ كذا وكذا؟ فإذا كانت تحدّد الوقت بطريقةٍ أو بأخرى، كان الإشكال وارداً، وأمّا إذا كانت تقول فقط بأنّ نهاية هذا الإمام هي الشهادة، فهذا المعطى لا يحدّد الزمان، بمعنى أنّه من الممكن أن يكون الإمام عالماً بأنّ نهايته الشهادة بموجب الإخبار النبوي ـ بصرف النظر عن علم الإمام بالغيب ـ لكنّه ليس عالماً بأنّ الشهادة الموعود بها ستقع في هذا العام بالتحديد.
لا بدّ أن نتوقّف قليلاً عند هذه القضيّة المهمّة في تحليل المسألة، فإذا قلتُ لشخصٍ: إنّ نهايتك في هذه الحياة هو الموت والقتل من قبل الأتراك، وكان هذا الشخص من أهل العراق، وسافر هذا العام إلى تركيا، فهل يعني الإخبار السابق أنّه سيعلم بمقتله هذا العام أو سيكون مجرّد احتمال ولو فيه بعض القوّة؟! ألا يمكن أن يكون الإمام الحسين عالماً بأنّ نهايته في العراق هي الشهادة لكن قد يحصل ذلك بعد عشرين سنة من ذهابه إليها وانتصاره وتحقيق الأهداف الكبرى بإقامة شرع الله فيه؟ فهل من ترابط بين إخبار النبي بمبدأ قتل فلان من قبل الجماعة الفلانية وبين أن يصبح هذا الشخص عندما خرج إلى تلك الجماعة عالماً بموته في هذه السنة؟! هذا يحتاج إلى معطى إضافي. ألم يقل الرسول لعمّار بن ياسر: يا عمار تقتلك الفئة الباغية، ومع ذلك لم يقل أحد لعمّار عندما خرج للقتال في صفين بأنّك ستقتل في هذه المعركة؟
بل علينا ملاحظة النصوص والروايات التي تحكي عن مناقشات بعض الصحابة للإمام الحسين، وبعض هذه الروايات استُدلّ به لصالح التفسير الغيبي لقضيّة الثورة، فإنّنا نجد أنّ الصحابة لا يقولون للإمام بأنّك ستقتل هناك كما أخبرنا النبيّ، بل يذكرون له أنّك ستُخذل؛ وذلك من خلال المعطيات التي حصلت مع والدك وأخيك مع أهل الكوفة، فهم يبرّرون قولتهم بمعطيات تاريخية وميدانيّة، ولا يقولون له بأنّ النبي أخبر بشهادتك في هذا الخروج، كيف ولو كان النبيُّ أخبر بشهادته في هذا الخروج بالذات فلماذا لم يقل لهم الحسين ذلك؟! ولماذا لم يذكّرهم بقول النبيّ في هذه المسألة ليُسكتهم في اعتراضهم ويُقنعهم بخروجه امتثالاً للقدر وما أخبر به الرسول الصادق من أنّه سيخرج إلى العراق وسيقتل هناك؟!
ولعلّه لكلّ هذا الذي قلناه، ذكر الشيخ المفيد ـ كما أشرنا في الهامش آنفاً ـ أنّ الإمام لا يملك العلم المطلق هنا، بل هو يعلم ما يكون من مقتله، دون أن يعلم التفاصيل. فلو كان هناك في الروايات ما يفيد تحديد الزمان والتفاصيل وكان ذلك معتدّاً به ـ لا مثل رواية واحدة متأخّرة المصدر يتيمة مثلاً ـ فهو ينفع، وإلا فالحسين ولو علم أنّ نهايته الموت في العراق لكن ما دام لم يحدّد الزمن من قبل النبيّ الأعظم، فهذا يعني أنّه مُلزم بأداء تكليفه؛ إذ قد تكون شهادته بعد ثلاثين سنة من مشروعه التغييري هذا، ومجرّد أنّه عالم بشهادته من حيث المبدأ لا يسقط ذلك قيمة مشروعه التغييري هذا، تماماً كما كان عليٌّ عالماً بما ستؤول إليه أخبار الخارجين عليه، وأنّه سيُقتل في لحظة ما، ومع ذلك قام بواجبه وأسّس لتجربة ممتازة، حتى لو سقطت بعد ذلك بفعل المتخاذلين والمتآمرين، فلو نجح الحسين في إقامة دين الله لثلاثين سنة، كنّا اليوم نملك رصيداً كبيراً في الفكر والممارسة والتجربة، كما امتلكنا ذلك مع العصر النبوي والعصر العلوي حتى لو كانت المآلات مؤلمة ومفجعة. ولهذا يلاحَظ كيف أنّ الروايات التاريخيّة تقول بأنّ الإمام الحسين عندما علم أنّه وصل إلى كربلاء، وازدادت الشدّة، كأنّه أعلم أصحابه بأنّ هذا هو موطن شهادتنا، فطبّق العنوان على المصداق الزمكاني عندما تعاضدت القرائن عنده.
إنّ المهم في دراسة الأحداث التاريخية أن لا نقرأها بعيون الذين أتوا بعدها فقط، بل نحاول أن نكون وكأنّنا نعيش في تلك اللحظة الزمنيّة، فنحن نعلم اليوم بما حصل وتفاصيله، لكن فلنحاول أن نكون قبل شهادة الإمام، ونفكّر بعقليّة تلك اللحظة الزمنيّة، حيث الأفراد لا علم لهم بتفاصيل الشهادة، كلّ ما يعرفونه أنّ الإمام الحسين ستقتله الفئة المنحرفة عن الإسلام، أمّا كيف ومتى وما التفاصيل؟ فهذا نحن نعلمه، لكن من غير المعلوم أنّ أبناء تلك اللحظة يعلمونه من إخبار النبيّ‘، إذ هم يعلمون المبدأ دون التفاصيل الزمنيّة، فإذا قرأنا الأمور بهذه الطريقة فقد نكتشف الخيارات بطريقةٍ أفضل.
هذا، وكلامنا كلّه هنا بصرف النظر عن كليّة نظريّة العلم الغيبي للإمام، بل هو مبنيٌّ على خصوصية النصوص النبويّة وأمثالها الدالّة على شهادته× من حيث المبدأ.
ب ـ القراءة النقديّة التاريخية ـ التحليليّة للتفسير السياسي، وقفات وتأمّلات
وبقطع النظر عن هذه المشكلة التاريخية ـ الأيديولوجية التي يرى الفريق الناقد للنظرية السياسيّة أنّ الضعف السندي في هذه الروايات ـ لو سلّمناه، وسلّمنا أنّه يشملها برمّتها ـ لا يضرّ بها بعد كثرتها وتظافرها وشهرتها وأخذ المشهور بها، ثمة ملاحظات أخرى أثيرت على هذه النظرية، وإن كنّا نعتقد بأن المشكلتين المتقدّمتين هما الأكثر إشكاليّةً أمام أصحاب النظرية السياسيّة.
وعلى أية حال، فهذه الملاحظات هي:
أً ـ عدم منطقيّة تصوّر إمكان سقوط الدولة الأمويّة في عصر الحسين، نقد وتعليقات
إنّ التحليل التاريخي العقلاني يجعل أيّ خطوة في عصر الإمام الحسين تحاول إسقاط الحكم الأموي، فاشلةً؛ لأنّ الدولة الأموية كانت في عزّ سلطانها وقدرتها آنذاك، وقد كان معاوية قد أنهى قوّة أنصار عليّ في العراق، وأحكم قبضته على بلاد المسلمين، بل لاحظنا ـ كشاهد مؤكّد على ذلك ـ أن معاوية نصب ابنه للخلافة رغم غرابة القضية، ورغم انقسام بعض وجوه المسلمين في الأمر دون أن نسمع كلمةً واحدة واجهته مواجهة حقيقية في خطوة كهذه، مما يكشف عن استتاب الأمر له بشكل كامل، كما لم يكن الإمام الحسين بذاك القادر على جمع الجيوش والمال والعتاد في ظلّ ظروف كهذه، ولم يكن ذلك خافياً عليه، كما أنّ اختيار الكوفة ـ رغم كلّ تاريخها المظلم مع علي والحسن، وليس بالتاريخ البعيد، بل هو تاريخ قريب عايشه الحسين نفسه ـ يكشف عن أن الخطّة لم تكن إسقاط نظام بني أمية، وإلا كان فشلها واضحاً، ولهذا نصح الحسينَ عددٌ من وجوه المسلمين وذكّروه بحال أهل الكوفة، مثل عبد الله بن عباس، كما يذكر ابن الأعثم في الفتوح والخوارزمي في المقتل، ونصحه أيضاً عمر بن عبدالرحمن المخزومي، بل في تاريخ الطبري وابن الأثير والفتوح وإرشاد المفيد ما يفيد تحفظ عبد الله بن جعفر أيضاً، بل تشير بعض النصوص أحياناً إلى أنّ الحسينَ كان يوافق من ينصحه في رأيهم بعدم وفاء القوم، كما جاء في حديثه إلى الفرزدق الشاعر وإلى بشر بن غالب الأسدي، طبقاً لما جاء في تاريخ الطبري وبحار الأنوار وإرشاد المفيد وفتوح ابن الأعثم وغير ذلك.
إنّ هذه المعطيات بأجمعها تؤكّد أنّ الحسين لو كان ينظر بعين الإمساك بالسلطة لما أقدم في ظلّ مناخ كهذا على التحرّك، وهذا ما يؤكد أنّه كان له هدف آخر من ثورته([255]).
وهذه الملاحظة ليست معطياتها بهذا الوضوح حتى نرجّحها على التفسير السياسي؛ وذلك:
أوّلاً: لا شكّ في أنّ عهد معاوية كان عهداً ذهبياً في دولة بني أمية، إلا أنّ الحال لم تكن كذلك في عهد يزيد؛ إذ من يحسب الأمور في تلك الأوقات، يعرف أن المسلمين لم يكونوا موافقين جميعاً على يزيد، وكان شاباً غير خبير بقضايا السلطة، ويعرف أن الصحابة والوجوه قد اختلفوا في أمره، فإذا جاءت الحسينَ ـ في ظلّ ظروف كهذه ـ آلاف الرسائل ليحكم قبضته على العراق في الحدّ الأدنى، وليكن إسقاط الدولة الأموية مرحلةً أخرى، فإن من الطبيعي في ظروف كهذه أن تغدو الحركة معقولةً، لا أمراً ميؤوساً منه، ولعلّ مرور الزمن هو الذي أوحى لنا بقوّة سلطان بني أمية، فيما المفترض أن نضع أنفسنا في ذلك الزمان وظروفه.
ثانياً: كيف لم يكن الإمام الحسين بقادر على جمع الجيوش والمال، مع أنّه تهيأ له آلاف المقاتلين في جنوب العراق، فأرسل إليهم مسلم بن عقيل، وسار هو بما عنده من أموال؟! وليس من الضروري أن نتصوّر حركة الحسين محاولةً مباشرة لشنّ حرب بجيش شامل على بلاد الشام، فقد تكون هناك مراحلية في العمل، والجيوش في تلك الأيام كان يغلب في تجهيزها ـ أو على الأقل يمكن في ذلك ـ أن يقوم كل فرد بتجهيز نفسه وسيفه ودرعه وفرسه إن أمكنه، وليس كحالنا اليوم، ثمة حاجة لتدخل الدولة لدعم الجيش كي يستمرّ.
ثالثاً: إنّ مسألة أهل الكوفة وغدرهم بأبيه وأخيه لا بد ـ منطقياً ـ أن تكون حاضرةً في وعي الحسين، ولا يعني ذلك أنّه ـ والعياذ بالله ـ أقدم على حماقة على تقدير صحّة التفسير السياسي؛ لأنّ حجم الرسائل والتأييد كان كبيراً، كما أنّ الحسين أرسل إليهم رسوله كي يجهّز الأمر؛ ولعلّ الحسين لما تأكّد من غدرهم كان قد فات الأوان ولو أنّه علم من حال رسله غدرهم قبل تحرّكه ما كان خرج من مكّة نحوهم، ولهذا ورد في بعض الروايات السابقة أنه طلب من جند يزيد أن يتركوه وشأنه فيذهب في ديار الله الواسعة؛ لكنّهم رفضوا وأصرّوا على مقاتلته كما أوحت بعض النصوص المتقدّمة، هذا كلّه مع عدم القول ـ كما ذكره المرتضى والمفيد ـ أنّه لا دليل من عقل ولا نقل على علم الحسين بغدر أهل الكوفة له([256])، وعدم القول أيضاً بما قاله الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، من تعرّض البداء لعلمهم ـ عليهم السلام ـ لهذا كانوا دائماً يحتملون عروضه([257]).
وجملة القول: إنّ من الصعب وفق معطيات هذه الملاحظة أن يحصل لنا تأكّد من أنّ هذه الحركة كانت محكومةً مسبقاً بالفشل، فكلّ ثورة فيها احتمال الفشل. وسيأتي ـ إن شاء الله ـ ما يتصل بغير فقرة من فقرات هذه الملاحظة.
بً ـ إخراج الحسين للأهل والعيال بين التفسير السياسي والتفسير الرسالي
إنّ الشواهد التي يذكرها أنصار النظرية السياسية ليست دقيقة؛ فإخراج الحسين× أهله وعياله وأطفاله لا يصحّ تفسيره إلاّ لأجل علمه بحصول فاجعة يراد لها أن تضاعف حجم المأساة بغية إحياء ضمير الأمة، وإلا فلماذا يخرج قائد ثوري بأهله وأطفاله وهو ذاهب إلى الثورة؟!
يُضاف إلى ذلك أنّ الحسين علم في الطريق بمقتل مسلم بن عقيل وغدر أهل الكوفة، كما أخبره الفرزدق في الطريق بأنّ «قلوبهم معك وسيوفهم عليك»، بل إنّ بعض النصوص تفيد بأنّ الحسين يصرّح بأنّ القوم لن يتركوه إلا بعد أن يستخرجوا هذه العلقة من جوفه كما تقدّم ذكرها، كناية عن قتله، مما يعني إدراكه لكونه ميتاً([258]).
وهذه الملاحظة قابلة أيضاً للنقد؛ فإنّ إخراج الحسين أهله وأطفاله لا حاجة لتفسيره بأنه يريد ضخّ المزيد من المأساويّة في المشهد؛ إذ من قال بأنّ الحسين كان سيقاتل في الصحراء، فقد كان المفترض أنّه سوف يذهب إلى الكوفة التي ستسقط على يد آلاف المقاتلين الذين سوف يقاتلون فيها، وأهله وعياله سيكونون وسط حماية قوّة عسكرية تقدّر بالآلاف، أفهل كانت أسرته في مأمن تحت رحمة جُند يزيد في المدينة؟! وكأننا نتصوّر مسبقاً ـ بصرف النظر عن المعتقد الكلامي ـ أنّ الحسين كان على علمٍ بأنّ المعركة ستقع في كربلاء وبهذه الطريقة، بل الصورة الطبيعيّة أنّه كان سيصل إلى الكوفة سالماً، وأنّه من هناك سيبدأ العمل والامتداد، لا أنّه سوف يقاتل لكي يصل إلى الكوفة.
وبعبارة أخرى: عندما يعزم قائد ثوري على إسقاط نظام الشام في بلاد العراق ـ ولو كمرحلة أولى ـ فمن الطبيعي أنّه سوف يجعل الكوفة عاصمةً له، فكيف يترك أهله وعياله وأمواله في المدينة أو مكّة تحت قبضة عدوّه فيما يستقرّ هو في عاصمة الخلافة الجديدة؟! فإخراج أهله وأمواله لا يعني أنّه يريد أن يضخّ المأساوية في المشهد. نعم هو احتمال أوّلي، فإن قصد هذا المقدار فهو جيّد.
أمّا النصوص الدالّة على علمه فيما بعد بغدرهم، فسيأتي التعرّض لها إن شاء الله تعالى.
وأمّا حديث الحسين عن أنهم لن يتركوه حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفه، فهذا ليس دليلاً على علمه بالشهادة ونقض التفسير السياسي؛ لأنّ هذا النصّ معناه أنهم سيظلّون وراءه، وأنّ عليه ـ إذاً ـ أن يواجه ليمنعهم، وليس معناه الإنباء بقتله، بل الإشارة إلى ضرورة المواجهة ودفاعيّة الموقف، فهذا الشاهد قد يقع لصالح التفسير السياسي أو تفسير الفرار من البيعة أكثر من غيره، ولهذا تعرّضنا له في النظريّة السابقة.
جً ـ غياب التبرير السياسي عن كلمات الإمام الحسين، عرض وتفنيد
إنّ تتبع كلمات الحسين منذ لحظة خروجه، لا تكشف لنا في أيّ موضع عن نصّ صدر منه في إقامة نظام إسلامي أو إزالة سلطان بني أمية، مع أنّ طبيعة الأمور تستدعي أن يفصح عن موقفه وأهدافه من الحركة، بل على العكس كان دائماً يوطّن نفسه وأصحابه على الشهادة والقتال([259]).
وهذه الملاحظة فيها بعض الغرابة؛ ففي النصوص ـ وقد تقدّم بعضها وسيأتي ـ أنه يريد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويسير بسيرة جدّه، ويقيم العدل، ويعمل بالحق.. وهو ما ورد في العديد من الروايات التي يستشهد بها في مواضع عديدة حتى عند مخالفي النظرية السياسيّة، أليست هذه النصوص كافية لإعلان أنّه يريد إصلاح الأمور؟!
يضاف إلى ذلك أنّ من الطبيعي لمن يخرج في ثورة أن يوطّن أنصاره على الشهادة، فهذه هي ثقافة الثورات ولو التي تهدف النصر والإمساك بزمام السلطة، فلا يعني إنكار علم الإمام بشهادته أنّه لا بدّ أن يكون متأكّداً من الوصول إلى السلطة بدون أيّ قطرة دم، ألم يكن الرسول| يهدف إسقاط قريش واستبدادها ومع ذلك حث القرآن والنبي ووطّنا المسلمين على الشهادة؟! فلا ملازمة بين هذه الظاهرة وبين عدم وجود هدف سياسي للحركة الحسينيّة.
دً ـ استبعاد خطأ الحسين في قراءته السياسيّة مقابل رموز إسلامية عارضت خروجه
تؤكّد الشواهد التاريخية أنّ العديد من الصحابة والشخصيات الإسلاميّة الكبيرة في الأمّة كانت وجهة نظرها أن لا يخرج الحسين إلى العراق، فقد نبّهه إلى ذلك مثل عبد الله بن عباس، والمسور بن مخرمة، وعبد الله بن جعفر، وأبي بكر المخزومي، وعبد الله بن جعدة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن مطيع، وعمرو بن سعيد، ومحمد بن الحنفية، وعبد الله بن عمر، وأم سلمة، وعبد الله بن الزبير وغيرهم، بصرف النظر عن نواياهم في مقولاتهم، وكثير منهم صادق([260])؛ فهل يمكن أن نفترض ـ كما قيل([261]) ـ أنّ الإمام أخطأ في قراءته السياسية والميدانية للواقع، فيما أصاب مثل هؤلاء، وهو الأعلم منهم والأخبر والمؤيّد من الله تعالى؟!
ومن الواضح أنّ هذا الاستدلال أيديولوجي قائم على العقيدة المذهبية، ولا يمكن للمؤرخ أن يقبل به إلا بعد الاعتقاد بالمذهب الإمامي، على خلاف بعض ما تقدّم من مناقشات، ولهذا استند بعض الكتّاب العرب والمستشرقين إلى مثل هذه القضية كي يفترضوا أنّ الحنكة السياسية للإمام الحسين لم تكن بالمستوى المطلوب، وأنّ هناك من كان أكثر وعياً للسياسة والأوضاع منه.
لكن ـ مع ذلك ـ لنضع أنفسنا مكان الإمام الحسين، شخصٌ تأتيه رسائل كثيرة من أهل الكوفة منذ زمن معاوية([262])، ويرفضها نظراً لعقد الصلح مع معاوية ـ كما يقول الشيخ المفيد وغيره حسبما تدلّ عليه بعض الروايات([263]) ـ بل ولغير عقد الصلح أيضاً([264])، ثم تتالى عليه آلاف الرسائل بعد ذلك حتى بلغ بها الذهبي (748هـ) المائة ألف اسم([265])، ولا يكتفي بذلك ولا يستعجل ـ خلافاً لما صوّره بعضهم([266]) ـ بل يرسل مبعوثاً له إليهم لينظر في الأمر([267])، ثم يأتيه المبعوث ـ مسلم بن عقيل ـ بخبر مفرح بأن الأمر مستتبّ له، فيقول: «أما بعد فإنّ الرائد لا يكذب أهله، إنّ جمع (جميع) أهل الكوفة معك فأقبل حين تقرأ كتابي، والسلام» ([268])، وقد نصّت بعض مصادر التاريخ أن من بايع مسلماً بلغ ثمانية عشر ألفاً، كما يقول الطبري([269])، أو نيفاً وعشرين ألفاً، كما يقول ابن الأعثم الكوفي([270])، أو أكثر من ثلاثين ألفاً كما يقول الدينوري([271])، بل ذكروا أكثر من ذلك([272])، يضاف إلى ذلك كون الكوفة أقرب البلدان إلى التشيّع آنذاك بحيث يمكن حشد الجيوش منها، فمصر أقرب إلى العثمانية والأموية منها إلى العلويين آنذاك، وفارس ليس فيها رصيد يذكر لأهل البيت، والبصرة عثمانية الهوى، ومنطقة الحجاز غير قادرة على الصمود العسكري إطلاقاً كما أكّدته أحداث ما بعد كربلاء، واليمن بلاد فقيرة آنذاك لا يمكن لها أن تستمرّ في الانشقاق عن السلطة المركزية، على خلاف الكوفة وما لها من خراج هائل وبلاد تتبع لها([273])؛ ففي ظروف كهذه هل يجوز لقائد حكيم أن يترك كلّ هذه المعطيات ويتكل على احتمال الغدر والخيانة؟ بل لو اغتال مسلمُ بن عقيل عبيدَ الله بن زياد ـ كما يقول الشريف المرتضى ـ في دار شَريك بن الأعور، لحسم الأمر لصالح الإمام الحسين، لكنّ مسلماً رفض معللاً بالنص المعروف عن النبي بأنّ «الإسلام قيّد الفتك»؛ فلعلّ الشخصيات التي أشارت على الحسين بعدم الخروج لم تكن مطّلعةً على تمام هذه التفاصيل والمجريات([274])، بل اتكلت على الصورة النمطية التي كانت تحملها عن تجربة البيت العلوي مع أهل الكوفة. علماً أنّ تفاوت مستوى قوّة الحضور والتأثير بين معاوية وولده يزيد يمكن أن يشكّل فرصةً مناسبة للخروج على يزيد؛ لأنّه لا يحظى بالقوّة التي يكان يحظى بها والده، ولهذا اضطرّ لارتكاب مجازر متعدّدة خلال سنوات قليلة جدّاً من حكمه، وما ذلك إلا لحاجته إلى بسط نفوذه وكثرة معارضيه.
وعلى فرض صحّة الروايات التي نقلت عن بعض الشخصيات الكبيرة، وبعضها ضعيف المستند تاريخياً ورجالياً، لكن هل يصحّ القبول بها مع وجود حجّة على الإمام ـ وهو الناصر والمعين ـ ونحن نعرف أنّ الإمام يعمل بالظاهر في حياته وليس بالعلوم الإشراقية الغيبية التي عنده؟! لست أدري لو أنّ الحسين لم يخرج بعد كلّ هذه الرسائل والظروف لربما قال النقّاد والمستشرقون: إنّه أيضاً غير ناضج سياسياً! فقد ترك فرصاً ثمينة، فالمشكلة تكمن في الأفكار المسبقة التي نسقطها على تحليل التاريخ، ولا سيّما عندما نقرؤه بعد وقوعه لا في ظرفه الزمكاني.
وربما لهذا كنّا نجد في بعض الروايات أنّ الإمام يريد أن ينظر في الأمر ويفكّر فيما يقولون، ولعلّه كان ينتظر توافر المعطيات ليرى ماذا يمكن أن يتخذ من إجراء، وهذا كلّه عملٌ في غاية الحكمة والإتقان، والإنسان مكلّف بالوظيفة وطلب النتيجة الحسنة، وقد تحصل وقد لا تحصل، فالهزيمة ليست خطأ من الإمام وإنّما من تخاذل من طلبوه، فهل نحمّل أحداث أُحُد للنبيّ؟!
ثمّ لماذا نصوّر وجوه المسلمين رافضين لخروج الحسين وننسى أنّ هناك الكثير منهم كانوا معه؟! ولا يخفى على أحدٍ كم هو عدد الصحابة والوجوه الذين كانوا مع الحسين في كربلاء، فلا يفترض أن نصوّر المشهد استبداداً بالرأي من الحسين في مقابل إجماع وجوه المسلمين، وهذه نقطة جديرة بالتأمّل.
هـً ـ استمرار الحسين في المسير شمالاً بوصفه نقداً على التفسير السياسي، قراءة وردّ
ذكر بعض العلماء الباحثين([275])، أنّه إذا كان هذا التفسير صحيحاً فلماذا استمرّ الإمام الحسين في سيره شمالاً بعد علمه بمقتل ابن عقيل وقيس بن مُسْهِر (مُسَهَّر) الصيداوي وغيرهما من الرجال والأنصار، وتخاذل أهل الكوفة وتركهم له؟! إنّ هذا الاستمرار ليس له أيّ معنى سياسي إطلاقاً؛ لأنّ كل المبرّرات التي طرحت لحركته على أساس سياسي ستنهار هنا، فقد كان يفترض به أن يعود فوراً، وهذا ما لم يحصل.
ويمكننا حشد الشواهد لهذا الكلام الذي ذكروه بصرف النظر عن قصّة ابن عقيل و.. فلقاء الحسين بالفرزدق كان في منطقة الصفاح أو بالشقوق أو بذات عرق([276])، وهي قريبة من مكّة، أي قبل مسافة كبيرة من ملاقاة جماعة الحر بن يزيد الرياحي، وكذلك لقياه للأعرابيّين من بني أسد قبل ملاقاة الحر([277])، ولقاؤه بشر بن غالب الأسدي في ذات عرق أو الثعلبية([278]).
وهذه الملاحظة جيّدة، غير أنّه يمكن التوقّف عندها من ناحيتين:
أوّلاً: الحديث عن هذا الأمر تعارضه بعض النصوص التاريخية التي سبق التعرّض لها، والتي تتحدّث عن عرض الإمام على القوم الذهاب إلى مكان آمن وتركهم؛ فهذا الكلام معناه أنّه عندما أيقن بتحوّل الظروف طلب التوجّه إلى مكان آخر يكون فيه في أمان، ولم يكن يريد الاستمرار لو سمحوا له بهذا الخيار. وربما من هنا بدا التردّد في كلمات السيد محمد الصدر في هذا المجال؛ إذ احتمل أخيراً أن يكون الإمام غير قادر على الذهاب إلى اليمن التي كانت المنطقة الأوفر حظاً بعد الكوفة؛ حيث كان قد خرج من مكّة في ذلك الوقت وبدت الأمور بالنسبة إليه صعبة، فكأنّه صار يائساً من الحياة، بحسب تعبيره([279])، وربما من هنا أيضاً نشأت فكرة أن الحسين كان يغلب على ظنّه أنّهم لن يقتلوه لمكانه من رسول الله، وهذا يعني أنّ قتلهم لبعض الشخصيات لن يمتدّ لقتله هو بنفسه، نظراً لمكانته الاستثنائية، وقد جعل هذا الاحتمال الطبرسيُّ أحدَ احتمالين في تفسير خروج الإمام الحسين([280])؛ وعليه فمن يأخذ بهذه الروايات عليه التوقف مع هذه الملاحظة هنا، أو الجواب عنها، تماماً كما يفترض بالآخرين أن يفسّروا الاستمرار في المسير.
ثانياً: إنّ هذه الملاحظة تبطل التفسير السياسي البحت القائم على جعل دعوة أهل العراق للإمام هي محور الحركة الحسينية، لكنّها لا تنفي أن تكون الحركة الحسينية قد تعدّدت المبرّرات لها؛ إذ يمكننا للخروج من هذه الملاحظة وتبعاتها أن نجمع هنا بين نظريّتي: تجنّب البيعة والعامل السياسي، بصرف النظر عن تحديد أيّ من هذين العاملين كان هو الأساس؟ فلما علم الحسين بفشل المشروع في الكوفة، لم يرجع إلى مكّة ولا المدينة؛ لأنّه سوف يقتل هناك، كما أسلفنا المؤشرات التاريخية على ذلك، فاستمرّ نحو العراق باتجاه الشمال إمّا كسباً للوقت؛ بحيث بعد أن وصله الخبر ما استطاع الرجوع، فكان يريد أن يستقرّ فترة لكسب الوقت فاتجه شمالاً ليصل مكاناً ما ثم يعود! أو أنّه يتخيّل للناظر ـ كما يقول هبة الدين الشهرستاني([281]) ـ أنّه كان يريد عبور الفرات نحو الأنبار أو المدائن؛ علّه يجد لنفسه أنصاراً وشيعة، أو لعلّه كان اقتراحاً من الحرّ بن يزيد الرياحي للخروج من المأزق، كما تفيده بعض الروايات التاريخيّة([282]).
توظيف قراءة المطهري لنظريّة تعدّد العوامل والأسباب في تحقيب مسيرة الحسين زمنيّاً
ونظريّة تعدّد العوامل المسبّبة للحركة كان فصّل فيها الشيخ مرتضى مطهري، ليس بقصد الانتصار للتفسير السياسي؛ فقد كان من المعارضين له، وإنّما بقصد التحليل ووضع أسباب الحركة ضمن نظام من الأولويات والرتبية؛ فقد ذهب المطهري إلى أنّ الشواهد بأكملها تؤكّد أنّ حركة الإمام الحسين انطلقت من ثلاثة عناصر، هي:
العنصر الأوّل: عنصر رفض بيعة يزيد؛ وهذا العنصر الرافض هو الذي حرّك الحسين للخروج من المدينة المنوّرة، كما صار واضحاً بملاحظة النصوص التاريخية. وهذا معناه أنّ عنصر الفرار من البيعة كان عنصراً أساسياً في انطلاقة الحركة واستمراريّتها.
العنصر الثاني: عنصر دعوة أهل الكوفة للإمام الحسين، وهذا العنصر لم يكن في المدينة بل ـ كما صار واضحاً ـ فإنّ رسائل أهل العراق وصلت للحسين بعد حوالي أربعين يوماً من خروجه من المدينة، أي بعد أن علموا بخروجه، كما يؤكّده أيضاً لقاء كبار رجال الكوفة بهذا الصدد، من هنا يلاحظ على التفسير السياسي الذي طرحه الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي أنّه ركّز على هذا العنصر الثاني في حين كانت ولادة هذا العنصر متأخرةً عن انطلاقة حركة الحسين برأي المطهّري.
العنصر الثالث: عنصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي تكشف عنه بعض النصوص الحسينية التي سبق أن أسلفنا ذكرها، وهو عنصر برز في نصوص الحسين حتى وهو في المدينة المنوّرة، ممّا يدعم فرضية أنّ دعوة أهل الكوفة كانت عنصراً ثانوياً([283]).
وأقصد من الاستعانة بوجهة نظر المطهري هنا، أنّه لا يوجد ما يؤكّد أنّ الإمام الحسين خرج من المدينة يحمل مشروعاً سياسيّاً في العراق، وإنّما لم يرد البيعة فترك المدينة بلا أملٍ في الرجوع اليها، ولم يشأ أن تظلّ نساؤه وأمواله تحت رحمة القوم؛ لاحتمال ظهور مستجدّات في الأمر، لكن لما بلغته رسائل أهل الكوفة وغيرهم، بدأت تتبلور فكرة الحركة السياسيّة الثورية، فأقدم على مقدّماتها من إرسال مسلم بن عقيل وغيره، ثم لما علم بخطّة اغتياله في مكّة استعجل خروجه، وكانت أكثر الفرص آتية من ناحية العراق، فاتجه نحوها، وبلغه استتباب الوضع فاكتملت الفكرة لأخذ العراق ومناهضة حكم الشام منه، ولمّا عادت الأخبار تنبؤ بتدهور الأوضاع لم يعد يمكن وضع برنامج سياسي مضمون، لكنّه كان يحتمل أنّ توجهه إلى العراق رغم المعطيات قد يقدّم فرصاً أكبر من توجّهه نحو أيّ بلد آخر بعد عجزه عن الرجوع إلى مكّة والمدينة، فاستمرّ يجدّ السير تحدوه الآمال بوضعٍ ما لحركةٍ سياسيّة ما وإن ضعفت احتمالات نجاحها، ولمّا جاء الحرّ بن يزيد الرياحي، وتفاقمت الأوضاع، عزم على الشهادة حيث رآها السبيل الوحيد المتبقّي للنهوض بالأمّة.
من هنا؛ فهذه الملاحظات لا ترد على التفسير السياسي، بل تضيّق بعض مساحاته على امتداد المسافة الزمنيّة لحركة الحسين؛ لهذا نعتقد أنّ أقوى مشكلة تواجه التفسير السياسي هي مشكلة النصوص الكثيرة الدالّة على إنباء النبي| وأهل البيت بشهادة الحسين([284])، وبهذا تمتاز هذه النصوص عن قضية العلم اللدني للإمام، فإنّ ذاك العلم حيث كان خاصّاً بالإمام أمكن التمييز فيه بين الظاهر والواقع كما أسلفنا، لكنّ هذه النصوص تخبر عن إنباء المعصومين للناس بأمر الحسين، وإن كنّا علّقنا عليها أيضاً بما يُضعف من قوّة مقاومتها للنظريّة السياسيّة التي نراها هي النظريّة الأرجح في تفسير حركة الحسين بالتفصيل والحدود الزمنيّة التي بيّناها.
النظريّة الرابعة: النظريّة الرسالية الإحيائية
تعرف هذه النظريّة في الفترة المتأخّرة، وقد اشتهرت بها مدرسة السيّد محمد باقر الصدر، حيث ذكرها الصدر وشرحها تلامذته وأنصاره، كما تبنّاها غير واحد من العلماء، مع اختلاف في كيفيّة التعبير([285]). وسبق إلى طرح روحها ـ بعيداً عن ابن طاووس نفسه ـ احتمالاً تنزّليّاً المحقّقُ النجفي حيث اعتبر وهو يفكّ إشكاليّة الإلقاء في التهلكة في حقّ الحسين، أنّ الحسين حفظ دين جدّه وأبان كفر الآخرين عند المؤالف والمخالف، ودليل الإلقاء في التهلكة لا يخرج عن دلالته على التحريم إلا بمصلحة أقوى، لهذا قد تكون هناك ضروراتٌ ما فرضت الموقف([286]).
وتذهب هذه النظريّة إلى أنّ التفسير السياسي ـ على صحّته ـ يجعل حركة الحسين× محدودةً زمكانياً، فيما التفسير الرسالي يعطيها بُعداً عملياً وتاريخياً فيوسّع حضورها التاريخي. وخلاصة هذا التفسير أنّ عليّاً والحسن كانا يواجهان مشكلة الشكّ وعدم الوضوح في الأمّة، بينما الحسين كان يواجه في الأمّة مرض موت الضمير، وفتور الهمم، وضياع القيم، ففي فترة العشرين عاماً بعد شهادة عليّ قام معاوية بحرف وعي الأمّة، وكسر عنفوانها، وقتل روح العزّة والشموخ فيها، فالأمّة باتت تعيش أزمة إرادة لا أزمة معرفة؛ لأنّها تعرف أنّ الحسين على حقّ ويزيد على باطل، لكنّ الإرادة قد ماتت، وبهذا تكون الثورة بهدف الاستشهاد كي يصحو ضمير الأمّة، ويهتزّ كيانها، بمنظرٍ مأساوي فجيع، يعيدها حيّةً من جديد، لتعيد إحياء الإسلام، وبعث الروح الرساليّة. وتلك النصوص كلّها التي تتحدّث عن إرادته إصلاح الأمور يمكن تفسيرها أيضاً بهذا التفسير، وهذا ما حصل فعلاً، كيف اهتزّ ضمير الأمة بعد شهادته بحركة التوابين وأحداث مكة والمدينة وغيرها([287])، وبه نجمع بين كلّ الروايات الغيبيّة والمستقبليّة والمعطيات السياسيّة والميدانية، ولا نقع في أيّ محذور يخصّ علم الإمام.
من جوانب الضعف والقصور في النظريّة الإحيائيّة
هذه النظريّة من النظريات التي تحمل افتراضاً منطقياً في الثقافة الدينية، إلا أنّه إذا استُبعدت نظريّة علم الإمام، إما من أصلها أو توظيفها كما أشرنا سابقاً، إلى جانب إنكار الروايات الدالّة على التنبؤ بشهادته من قبل الرسول أو إعادة تفسيرها بالطريقة التي قدّمناها، فإنّ هذه النظرية ستغدو خلاف ظاهر النصوص والأحداث، ولا شاهد لها، بل الشيء الذي يفهمه أيّ قارئ للتاريخ هنا ـ بعيداً عن القراءات الأيديولوجية المسبقة ـ هو الاقتراب من الفهم السياسي أو الفرار من البيعة؛ إذ ليس هناك نصّ واضح أو موقف صريح يبيّن هذا الهدف الحسيني، فهو عمليّة تأويلية، تهدف فضّ الاشتباك بين النظريّة الغيبية والنظريّة السياسيّة عبر طريقة جمع تجعل الشهادة ذات معنى، خلافاً لما فهمه صالحي نجف آبادي، وتعطيها دلالة معقولة، خلافاً لنظريّة نفي التعقيل، وبهذا يمكن اعتبارها ضرورةً نظريّة، بمعنى أنّ المعطيات تشابكت ففرضت الضرورةٌ فرضيّةً من هذا النوع لفضّ الاشتباك، وهذا كلّه على خلاف نظريّة هدفيّةِ تغيير الواقع أو تجنّب البيعة، فهي أقرب لدلالة النصوص والوقائع بدون توسّط مفهوم غير مختزَن في النص أو الحدث نفسه؛ وعليه، فمعيار البحث في هذا الموضوع هو النصوص المذكورة ودراستها من ناحية المصادر والأسانيد والمتون، إلى جانب الرصد التاريخي لها. بعد أن تحدّثنا عن سائر المعطيات والشواهد التي تقف لصالح التفسيرات الثلاثة السابقة أو ضدّها، فلا نعيد.
بل قد يقال بأنّه لو كان الهدفُ هو الثورة على بني أميّة بعد إحياء ضمير الأمّة، فلماذا نجد أنّ هذه الثورات التي وقعت كثورات التوابين وغيرها لم تكن بموافقة أهل البيت كالإمام زين العابدين ثمّ الإمام الباقر وفقاً للرأي السائد؟! إلا إذا قصد من إحياء ضمير الأمّة بقاء ضميرها حيّاً بثقافة الثورة عبر العصور، أو أنّ خللاً ما قد حدث بعد تحقّق إحياء ضميرها.
وقد ناقش بعضٌ هذه النظريّة بأنّها غير معقولة؛ إذ ألم تأتِ فرصةٌ من هذا القبيل مع شخصٍ من أهل البيت بعد الحسين كي يقوم بنفس عمل الحسين؟! فلماذا لم تتكرّر هذه التجربة إطلاقاً؟!([288]).
غير أنّ هذا الإشكال لا يبدو لي كافياً، رغم مشروعيّة السؤال الذي يحتويه من حيث المبدأ؛ لأنّ عدم تكرّر الظروف خلال مائتي سنة بعد شهادة الحسين، ليس أمراً غريباً في عالم المتغيّرات السياسيّة، وبخاصّة أنّ ضخّ تجربة من هذا القبيل لم يعد بنفس المستوى؛ لأنّه حدثت تجارب عديدة لثورات انتهت بشهادة أبنائها، فالأمّة ربما تعوّدت على هذا النَفَس، ولم يعد من السهل خلق أيقونة مشابهة في ظروف مختلفة.
وقفة تقويميّة مختصرة مع محاولة السيد علي الخامنئي
وفي تحليلٍ يلتقي جزئيّاً مع هذه النظريّة من جهة ومع النظريّة السياسية من جهة ثانية، ويقترب كثيراً من كلام المحقّق النجفي من جهة ثالثة، يذهب السيد علي الخامنئي إلى أنّه يجب التمييز بين هدف الحسين والنتيجة، فهدف الحسين كان إنقاذ دين جدّه من الاضمحلال والزوال، وإعادة الإسلام والمجتمع الإسلامي إلى الوضع الصحيح، وهو بخروجه هذا كان يريد تحقيق ذلك، فحالة الخروج كانت في وضع التهديد الوجودي للإسلام نفسه، فإذا أمسك بالسلطة حقّق ذلك، وإذا لم يمسك بها بل استشهد أحيا ضمير الأمّة وحقّق الوعي والنهوض وبقاء الدين بروحه الصافية أيضاً، وألهم اللاحقين منطق الثورة لحفظ الدين، وكأنّ النظريّة السياسية والنظريّة الرساليّة صحيحتان وغير صحيحتين معاً عنده. وهذا معنى بعض النصوص عن الإمام الحسين بأنّ على الإسلام السلام إذا حكم أمّةَ المسلمين شخصٌ مثل يزيد([289]). وكأنّ الخامنئي أراد تخطّي النقاش النمطي في العصر الحديث حول هويّة الحركة الحسينيّة، حتى لا يجد نفسه واقفاً مع التفسير السياسي ضدّ فكرة علم الغيب أو بالعكس.
والذي يبدو أنّ السيد الخامنئي يفترض أن لا يرى خروج الحسين لغاية إقامة الدولة، فالدولة ليست مقصداً له، بل ممرّاً، وهذه نقطة مهمّة من شخصيّةٍ مثل الخامنئي في تحليل الحركة الحسينيّة، وبخاصّة فيما تتركه على طريقة توظيف الحركة الحسينيّة في فقه الثورة على الأنظمة، كما سوف نرى قريباً إن شاء الله.
لكنّ النقطة المهمّة هنا أنّ العصور الإسلاميّة الأولى كان المحور فيها هو الدين والشريعة، فلا معنى للحديث عن الإمساك بالسلطة بعيداً عن مفهوم الشريعة؛ لأنّ الشريعة هو المحور وليس السلطة، على حدّ تعبير الدكتور وائل حلاق. ومن الطبيعي أنّ التفسير السياسي يريد أيضاً أن يتوصّل إلى أنّ خروج الحسين هو بهدف حماية الدين وبقائه وتعاليه، فليس قصده فكّ الارتباط بين السلطة والشريعة، فنظريّة السيد الخامنئي غير مفهومة لي إلا من جهة فكرة الخطر الوجودي، ومفهوم "الخطر الوجودي على الإسلام" مفهومٌ هلامي غير محدّد بدقّة هنا في كلمات الخامنئي، فما هي العناصر التي إذا حصلت قلنا بأنّ ثمّة خطراً وجوديّاً على الإسلام؟ وكيف يمكننا تحديد ذلك؟ وإنّما نسأل هذا السؤال؛ لأنّ السيد الخامنئي كان قارن بين حركة الإمام الحسين وحركة السيد الخميني في وحدة الهدف، الأمر الذي يعقّد فكرة الخوف الوجودي على الإسلام.
يضاف إلى ذلك أنّ محاولة الخامنئي تبدو لي غير كافية في حلّ المشكلات العويصة القائمة هنا بين الأطراف المتنازعة، بل كأنّها أرادت أن تتخطّاها وتتجاهلها أو تجري مصالحة بينها عبر ذلك، وإلا فهل كان الحسين عالماً بشهادته أو لا؟ فإذا كان عالماً فهذا هو نفس النظريّة الرساليّة التي ترى شهادته بهدف هزّ ضمير الأمّة للنهوض خوفاً على الإسلام، وإذا لم يكن عالماً عادت المواجهة التي كانت قائمة بين التفسير السياسي والمشهور، وكأنّ تفسير السيد الخامنئي يعطي هدفاً مثاليّاً دون أن يبتّ في الهدف المباشر، مع أنّ التنازع كلّه حول الهدف المباشر هذا، وإلا فالكلّ متفق على أنّ الهدف المثالي هو إنقاذ الدين وحمايته وإعادة الأمور في الأمّة إلى نصابها.
خلاصة التصوّر الراجح في الحركة الحسينيّة
لقد رأينا أنّه لم يتوقّف تدفّق الفرضيات التفسيرية لهذا الحدث التاريخي الذي وقع في القرن الهجري الأوّل، فكلّ فريق من موقعه العقدي أو خلفيّاته الفكرية مارس تفسيراً له، وقوّم من منطلق هذا التفسير الحدثَ نفسه، فرأى بعضهم أنّ ما قام به الإمام الحسين لا يعدو أن يكون انتحاراً سياسياً وجسديّاً لم يُنتج أيّ شيء، وأنّه كشف عن سذاجة سياسية وانفعال عاطفي لم يقرأ الأمور بعقليّة واقعيّة، فيما ذهب فريقٌ آخر إلى القول بأنّه كان انتصاراً تاريخياً أبدى نفسه في تفوّق القيم والمبادئ تارةً وفي تداعي الدولة الأمويّة بعد عقود تارةً أخرى.
يبدو لي ـ إذا أردت استبعاد بعض المنطلقات المذهبية، مع تأييدنا للفريق الثاني من حيث المبدأ ـ أنّ غير فريقٍ من هؤلاء فسّر المشهد وقوّمه وفقاً لافتراض أنّ حركة الإمام الحسين من المدينة إلى مكّة ومنها إلى الكوفة فكربلاء، كانت في تلك اللحظة الزمنية مرسومةً وفقاً لهدف واحد، ومن ثمّ فنحن نحاكم هذه الحركة في سياق هذا الهدف الواحد، لكنّ الفرضيّة الأقرب في تفسير الحركة أنّه قد حصل فيها تحوّل في الأهداف الاستراتيجيّة بين الخروج من المدينة، والخروج من مكّة، وخيار القتال في كربلاء:
أ ـ فالخروج من المدينة كان بهدف تجنّب تقديم البيعة ليزيد الذي رآه الحسين لا يملك أدنى مقوّمات الإمامة، ولهذا خرج بسرعةٍ من المدينة مع أهل بيته خلال ثلاثة أيام على أبعد تقدير بعد وصول خبر وفاة معاوية ومطالبة يزيد بأخذ البيعة من الوجوه والأعيان، في تلك اللحظة لم يكن هناك قرار حرب ولا ثورة ولا انتحار ولا مشروع سياسي محدّد غير رفض البيعة، مع احتماليّة أن يكون الحسين متوقّعاً أن تأتيه رسائل من أهل الكوفة فيقدم على خطوةٍ أكبر من ذلك؛ لأنّه كان مسبوقاً بمطالبات كوفيّة ـ ومراسلات كذلك ـ بعد وفاة الحسن غير أنّه لم يكن يتجاوب معها، كما نصّ على ذلك السيد المرتضى وفق ما تقدّم([290])، وهنا كانت مكّة المكان الأنسب لدرس الخيارات الممكنة وكانت اللحظة مناسبة أيضاً، لحظة قرب موسم الحج.
ب ـ وبخروجه المريب من المدينة المنوّرة ورفضه البيعة، تواترت الأخبار إلى حواضر العالم الإسلامي، وقرّر وجوه الكوفة التواصل معه مجدّداً ليصله سفراؤهم ورسائلهم وهو في مكّة ملقين عليه الحجّة وهو يتعامل مع منطق الأشياء الطبيعي، هنا ظهر الخيار الاستراتيجي الجديد، وهو التوجّه نحو الكوفة لقيادة حركة سياسية انفصاليّة إذا صحّ التعبير، تُصلح الأوضاع في الأمّة وفي دين جدّه المصطفى، وما عزّز هذا القرار كان تتالي الأخبار بخطّة الاغتيال التي تستهدف الحسين في الحرم، الأمر الذي اضطرّه للخروج باكراً قبيل الحجّ، متجهاً نحو الشمال منتظراً أخبار سفيره مسلم بن عقيل لتحسم الخيارات بشكل نهائي، وبعد مجيء الرسول بأخبار مطمئنة حسم خيار الاستقرار في الكوفة، واستمرّ السير.
ج ـ وفي أواسط الطريق أو أواخره جاءت الأخبار المعاكسة، في لحظة لم توفّر للحسين خيارات جديدة مفتوحة، فلم تكن العودة إلى المدينة أو مكّة أو غيرهما بمجديةٍ، فقد وقع الخذلان، وفي مسيره نحو الشمال جاءه الحرّ الرياحي، وحال بينه وبين دخول الكوفة، فتحرّكت القافلة شمالاً دون هدف محدّد، وكان الاستقرار في كربلاء، ولمّا لم تتوفّر أي خيارات تفاوضيّة عدا خنوعه للذلّ وإقراره بخلافةٍ غير شرعية، قرّر الخيار الاستراتيجي الثالث، وهو الشهادة، ليكون مشعلاً للرفض والإباء، وليكتب بدمه الزاكي معاني العزّة والكرامة وقيم التضحية والتفاني في سبيل المبادئ العليا.
وأخيراً، ليس كلّ فشل مادّي تعبيراً عن فشل في الرؤى والتخطيط؛ لأنّ الأمور في الحركات الاجتماعيّة الكبرى لا تكون بيد طرف واحد يمسك بالخيط، بل هي دوائر من الخيوط الملتفة المعقّدة، إذ لا يصحّ القول بأنّ الأنبياء كانوا فاشلين بهذا المعنى؛ لأنهم لم يوفّقوا إلا لكي يؤمن معهم القليل.
تأجيل البحث في النظريّات الخارج ـ دينيّة، والخارج ـ شيعيّة في تفسير حركة الحسين
كانت هذه أبرز النظريّات في تفسير الحركة الحسينيّة، ولم نبحث في النظريّات القائمة على الفهم الخارج ـ ديني، والخارج ـ إمامي؛ لأنّ غرضنا هنا الحديث عن الجانب الفقهي المبنيّ من الأوّل على مرجعيّة حركة الحسين في الاستنباط الفقهي وهو أمرٌ منحصر في دائرة التفكير الشيعي، لهذا لم نبحث عن قراءات نقّاد الإمام الحسين في خروجه، بما في ذلك الرواية التي قدّمها خصوم الحسين من الأمويّين وأنصارهم في تلك الفترة نفسها، وكذلك انتقادات بعض علماء أهل السنّة مثل القاضي أبي بكر بن العربي المالكي (543هـ)، والمؤرّخ عبد الرحمن بن خلدون (808هـ)، والداعية محبّ الدين الخطيب (1969م)([291])، ولا على معالجات المستشرقين وأمثالهم للموضوع، مثل بعض الموسوعات ودوائر المعارف الغربيّة، من نوع أنّ النزاع ذو هويّة قبلية عشائريّة أو مرجعه لاختلاف الطبيعة النفسيّة والشخصيّة بين الحسن والحسين أو غير ذلك، تاركين الأمر لمناسبة أخرى.
هذا، ومن الضروري في هذه المللفّات الحسّاسة دراسة الأمور بعيداً عن التحيّزات السياسيّة وغيرها، فالتحيّز والحماس قد يفضيان إلى أخطاء بحثيّة، وكذلك معاداة بعض التيارات الإسلاميّة السياسية قد يوقع في الخطأ عينه. وأختم هنا بكلام مهم للميرزا الشعراني، حيث يقول: «وقد يتفق لبعض الرواة الغالين في عداوة المخالفين والمبالغين في خلاف المنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام أن يجاوزوا الحدّ ويلزموا أموراً من غير عمد ليخالفوا أهل الخلاف تدعوهم إلى ذلك شدّة علاقتهم بالتشيع كما نرى جماعة في الأعصار المتأخرة ينكرون استحباب صوم عاشوراء مع الاتفاق على استحبابه ليخالفوا المخالفين، ويلتزمون بتحريف القرآن ليطعنوا به على أعداء أهل البيت عليهم السلام، مع أنّ مطاعنهم في الكثرة بحيث لا يحتاج معها إلى اثبات التحريف وهدم أساس الدين»([292]).
المرحلة الثانية: التأثيرات الفقهيّة وإشكاليّات الاستنتاج والتوظيف
طبقاً لما تقدّم، ومع استبعاد التفسير الأوّل، ودوران الأمر بين الثلاثة الباقية، أو بالبيان الذي بيّناه بما يجمع بين بعضها، لا بدّ من الخروج بنتائج؛ من هنا:
أ ـ لا شك ـ مبدئياً ـ في أنّ التفسير الثالث أقرب هذه التفاسير إلى تصحيح الاستناد لحركة الحسين في شرعيّة الخروج على الحاكم الجائر خروجاً مسلّحاً؛ لأنّها تفرض أنّ الحسين خرج بصورة عسكريّة لإسقاط نظام ظالم، فتكون دلالتها على ما نحن فيه واضحة جدّاً. ومعنى "الصورة العسكريّة" هو أنّ الحسين توافق مع قوات مسلّحة تمثلها العشائر والقبائل وانقلب بها على نظام الحكم في الشام.
ب ـ أمّا إذا أخذنا بالتفسير الرابع فقد يقال: إنّ هذا التفسير يعطينا دلالة على جواز الاستشهاد العمدي لإيقاظ الأمّة، دون الدلالة على شرعيّة الخروج المسلّح لإسقاط النظام أو إقامة نظام إسلامي؛ لأنّ الحسين ـ حسب الفرض ـ لم يكن يريد لا إسقاط نظام بني أميّة بنفسه، ولا إقامة نظامٍ إسلامي بديل كذلك.
لكن مع ذلك، وإذا مارسنا نظرة مقاصديّة لحركة الحسين ـ طبقاً لهذا التفسير ـ سنجد أنّ هذا الخروج عندما يراد له أن يحيى ضمير الأمة فمعناه أنّه يدفعها لاستنساخه وممارسة تجربة شبيهة به، أي أنّه من الناحية الطبيعية المفترضة سوف يحرّك جماهير الأمّة للثورة والرفض، وإلا ماذا سيكون معنى إحياء ضمير الأمة وهزّ كيانها الذي يتحدّث عنه هذا التفسير؟! وكيف يمكن أن يتحقّق إسقاط نظام الشام آنذاك بعد نهضة الأمّة بغير القوّة المسلّحة؟!
هذا، وثمّة إشكاليّات هنا نطرحها لمزيد من الدرس والبحث والتفكير:
أ ـ إشكاليّة البُعد اللاديني في السلطة
وتعني هذه الإشكاليّة أنّ الحسين كان يريد كشف عدم شرعيّة هذه السلطة وعدم كونها دينيّةً، وأنّ جمعها بين الديني والدنيوي كان جمعاً باطلاً، كما يذهب إليه العلامة محمد مهدي شمس الدين([293])، فهو يريد كشف (لا دينية النظام) بأسلوب من الصدمة الوجدانيّة، عندما يرى المسلمون أنّ هذا النظام قد قتل أسرة النبيّ‘ وشخصيّات من وجوه الصحابة، وليكون ذلك انطلاقاً لعدم جعل هذا النظام ورموزه ناطقين باسم الدين ولا معبّرين عنه، بقطع النظر عن لزوم إسقاطهم من سدّة السلطة بالقوّة أو لا، فطبقاً لهذا التفسير الرابع قد يصعب الاستناد إلى الثورة الحسينيّة للإفتاء بجواز الثورة المسلّحة وشبهها إلا في حالات شبيهة، مثل إرادة كشف لا دينيّة الحاكم، لا إسقاطه من سدّة السلطة؛ لأنّ كشف لا دينيّته يحمي الإسلام منه حتى لو لم يحمِ المسلمين من بطشه.
وهذه الملاحظة لا تأتي على التفسير السياسي للثورة، لأنّ هذا التفسير لا يفترض حالة الصدمة الوجدانيّة التي تحدثها شهادة ابن بنت النبيّ في الأمّة، وإنما تطال التفسير الرابع بشكل رئيس، وما دامت الاحتمالات التفسيريّة في فعلٍ ما متعدّدة فيصعب ترجيح أحدها إلا بشاهدٍ أو معطيات إضافيّة أو نفي تمام الاحتمالات الأخرى.
ولعلّ ما يلتقي مع فكرة شمس الدين هنا هو ما نقلناه آنفاً عن الخامنئي؛ فإنّ مقتضى ما ذهب إليه هو اختصاص حالة الخروج بمورد الخوف الوجودي على الإسلام، لا مطلقاً.
ب ـ إشكاليّة الصمت في دلالة الأفعال
وفي قراءة تخضع لمعايير الدرس الأصولي، قد يورد على الاستدلال بخروج الحسين ـ كما أورده السيد الحائري([294]) ـ حتى بالتفسير الثالث فضلاً عن غيره، أنّها فعل المعصوم، والفعل ليس فيه دلالة إطلاقيّة؛ فقد يكون خروج الحسين منحصراً بحالة الخوف على الإسلام أن يزول نهائياً، وفي هذه الحال لا شكّ في شرعيّة الخروج، ولو بالعنوان الثانوي، لكنّه لا يثبت جواز الخروج على الظالم لظلمه للرعيّة أو لعدم قانونيّة دولته، أو لفسقه الشخصي أو لعدم حكمه بالإسلام، مع سماحه للدين أن يواصل مسيره أو نحو ذك.
وهذا الإشكال يعزّزه أنّنا لم نشهد تكراراً لهذه التجربة طوال عهد الأئمّة، رغم ظلم وجور الخلفاء الأمويّين ثمّ العباسيين، فكونها التجربة الفريدة، إلى جانب رفض الأئمة لبعض الحركات الثوريّة التي عاصروها ـ كما ألمحنا سابقاً لبعض ذلك ـ شاهد على صعوبة اتخاذ تعميم من الثورة لغير القدر المتيقّن المشار إليه، ولا سيّما على نظريّة الشيخ شمس الدين الذي يذهب إلى أنّ علياً والحسن لم يخرجا على الخليفة، لا من أجل الخوف من إبادة الشيعة، بل من أجل حفظ كيان الأمة الإسلاميّة ووحدتها، وهكذا موقف سائر الأئمّة بعد الحسين([295]). فاعتداء بني أمية على الناس بالظلم والقتل والجور، يضاف إليه احتمال إحساس الخطر على الدين كلّه وقيمه، قد يجيز الخروج المسلّح، لكنّه من غير المعلوم أنّه يجيزه في غير هذا النطاق.
وهذه الإشكالية لا بدّ من الأخذ بها، ومن ثمّ التفتيش عن المقدار المتيقّن للسير خلفه، فتبقى الحركة الحسينية شاهداً فقهيّاً هنا، لكنّها لن تحوي إطلاقاً يستوعب تمام حالات فساد الأنظمة.
والمخرج الوحيد من هذه الإشكالية هو ملاحظة بعض النصوص التي يطبّق فيها الحسين نفسه عمومات نبويّة على حركته، فإنّ هذه النصوص ـ إذا رآها الفقيه حجّةً معتبرة ـ يمكنها أن تكون دليلاً على التعميم، وقد أسلفناها، فلا نعيد؛ لأنّها تجعل حركة الحسين ضمن قانون لفظي يمكن التمسّك بإطلاقه.
وعلى أيّة حال، فالجزم بالتعميم مشكل جدّاً هنا.
ج ـ إشكاليّة التعارض في أفعال الأئمّة
هذه الإشكاليّة أثارها السيد محمد محمّد صادق الصدر، ويقصد بها أنّ الإمام الحسين قد خرج وترك التقية فيما التزم بها سائر الأئمّة من بعده، وفي هذه الحال لا نستطيع ترجيح أحد الموقفين ما داما قد صدرا من المعصوم، فتقع المعارضة بين الأفعال وتتساقط، فتسقط الدلالة على العموم ـ أي شمول التكليف للآخرين ـ ويرجع إلى القواعد العامّة([296]).
هذا الكلام جيّد إذا قصد به عدم إمكان استفادة وجوب أو جواز الخروج المسلّح بنحو القاعدة العامّة، إلا أنّه لا يمنع من الأخذ بالقدر المتيقّن لمورد هذا الفعل أو ذاك، فإذا حصلنا على قدر متيقّن في كلّ واحدٍ من الفعلين أمكن الأخذ به بلا محذور؛ لأنّ التعارض هنا وقع بين إطلاقَي الفعلين دون الفعلين نفسيهما؛ فنرفع اليد عن الإطلاقين ـ على تقدير انعقاد إطلاق هنا ـ لصالح القدر المتيقّن لكلّ من الفعلين؛ وبهذا لا يخرج فعل الحسين عن الشمول للآخرين؛ بل حتى لو أجمل الأمر كليّاً لا يكون ذلك دليل الاختصاص به، بل هو من باب عدم الدليل على شكل التعميم لنا؛ فالمشكلة إثباتيّة لا ثبوتية؛ ولهذا ذكرنا هذا الوجه هنا ولم نذكره لدى بحث النظريّة الأولى.
بل يمكن القول بأنّ الفعل دليل الجواز، فتدلّ سيرة مجموعهم على الجواز، أي جواز الثورة وجواز عدمها ولو في الجملة، وهذا جزءٌ من مطلوب المستدلّين بثورة الحسين، نعم استفادة الوجوب صعبة ضمن الصيغة والإطار الذي بيّناه أعلاه، إلا إذا قيل: إنّ الاستدلال يكون بمعونة النصوص المحيطة بأفعالهم والتي تمنع عن القيام بغير ما قاموا به، مثل التي تذمّ من يترك التقيّة، أو من يتخلّف عن الحسين، وهذا بحث فقهي آخر يتعدّى دائرة الفعل، فلاحظ جيداً.
لكن يبقى أنّ أحد الفعلين يحتمل أنّه كان بعنوان ثانوي غير معروف لنا دون العنوان الأوّلي، فلا نستطيع إثبات الجواز بالعنوان الأوّلي، ولا إثبات الحرمة كذلك، بنفسيهما، فيصبح توظيف مثل دليل الفعل هنا في غاية الإشكال، بل تكون نتيجته مبهمة ما لم نخرج بنتائج تاريخيّة توضح المبرّرات والملابسات.
د ـ إشكاليّة اللاثوريّة في الحركة الحسينيّة
ثمّة مشكلة أخرى أمام الاستدلال بالحركة الحسينية على جواز الثورة المسلّحة ضدّ النظام الفاسد، ينقلها العلامة محمّد حسين فضل الله، ثمّ يناقشها بمخالفتها لظاهر النصوص والأحداث الحسينيّة([297])، وهو أنّ الإمام الحسين لم يكن يريد من الأساس القيام بثورة دموية، بل أراد إرسال مسلم بن عقيل للإمساك بزمام الكوفة؛ نتيجة تأييد وجوهها له دون حربٍ أو سفك دماء، فلا يحرز أنّه كان يريد الخوض بمعركة دموية ضدّ النظام الفاسد، وإنّما اضطرّ إليها في آخر المطاف اضطراراً؛ دفاعاً عن نفسه وأهل بيته.
هذه الفرضية تحتاج لوقفات جادّة لتحليل الموقف، وإن كانت المؤشرات ـ بحسب التحليل الذي أوردناه سابقاً ـ تساعد على عكس ذلك، فلا نطيل؛ فإنّه من البعيد جداً أنّ حكومة الشام لن تواجه حركة الحسين حتى لو سيطر على الكوفة بلا قتال، إلا إذا قيل بأنّ ذلك يكون من محاربة البغاة على الإمام مبسوط اليد، لا من الحرب لتحصيل بسط اليد، وفرقٌ بينهما، فتظلّ هذه الإشكاليّة ذات جدوى، وتحتاج لمزيد تأمّل.
هـ ـ من اللاثوريّة إلى فكرة صلح الإمام الحسين
لا بأس أن نختم هنا بوجهة نظر تقول بأنّ الإمام الحسين لم يقم بأيّ ثورة، ولم يكن لديه أيّ مشروع تغييريّ بالمعنى الواسع للكلمة، ولم تكن لديه أيّ فكرة حول حرب أو قتال أو دم أو ما شابه ذلك، وأنّ المسلمين وأتباع مذهب أهل البيت هم الذين صوّروا لأنفسهم عبر التاريخ أنّ هناك ثورة وحرباً وجهاداً ومشروعاً كبيراً أراده الإمام الحسين بحركته هذه.
سوف أحاول تقسيم الحديث ـ اختصاراً وبنحو الإجمال ـ إلى مرحلتين:
المرحلة الأولى: عرض القراءة التي ترفض الثورية وترى صلح الحسين.
المرحلة الثانية: مناقشة الأطروحة والتعليق الموجز عليها.
أمّا ما يخصّ بيان وجهة النظر هذه، فتبدأ هذه القراءة بتفحّص سلامة التقسيم السائد في الأوساط الشيعيّة بين الموقف الحسني والموقف الحسينيّ؛ حيث إنّ الذائع على الألسن بين الشيعة هو التمييز بين موقف الإمام الحسن وجعله رمزاً للصلح والسلم واللا حرب واللا عنف، وبين موقف الإمام الحسين وجعله رمزاً للثورة والمقاومة والبسالة والتضحية وسفك الدم والحرب؛ ومن ثمّ فإنّ هناك افتراضاً ينطلق منه الموقف الشيعي يقرّر وجود فرق جوهريّ بين الحركتين والموقفين؛ فحركة الحسن حركة سلميّة صلحيّة، فيما حركة الحسين حركةٌ ثوريّة مقاومة نضاليّة، تختزن كلّ معاني الشهادة والدم والحرب والقتال.
لكن هذا التصنيف غير صحيح؛ فلا يوجد منهج حسنيّ يختلف عن المنهج الحسينيّ في إدارة الأمور وتحرير قضايا المسلمين.
وفي ضوء هذا التأسيس يتمّ انتقاد تصنيف الناس والعلماء والحركيّين وأصحاب المشاريع السياسيّة إلى: حسنيين وحسينيين، لأنّه تصنيف خاطئ؛ إذ لا يوجد لدينا هذا الانقسام من البداية حتى نصنّف الناس وحركاتها ومشاريعها على أساسه.
من هنا، فشعار الإمام الحسين شعار ثوريّ، لكنّه من صنف الثورة على الحرب، بمعنى أنّنا نريد أن نقدّم صورةً مختلفة تفيد أنّ الحسين ثار ضدّ الحرب واللا سلم والعنف والقتال وسفك الدم، لا أنّه ثار وكانت ثورته عنفيّةً حربيّة، مختزنةً للقتال وسفك الدم.
إنّ المذهب الإمامي يعتقد بأنّ أهل البيت النبوي كلّهم نور واحد، والمفهوم من كلمة «نور واحد» هو عدم الامتياز فيما بينهم، فلماذا وضعنا جداراً، بين الحسن والحسين؛ حينما جعلنا الحركة الحسنيّة حركةً سلميّة، وجعلنا الحركة الحسينيّة حركةً عنفيّة كما يُصوّر؟! لقد اختلقنا بهذه الطريقة حاجزاً بين هذين الإمامين، مع أنّ المفترض أن يكونا نوراً وضوءاً واحداً يشعّ على العالم، ولا امتياز ولا تمايز بينهما، فلماذا صوّرناهما على أنّهما يملكان خطّين سياسيّين، وكل خطّ يسير باتجاهٍ معاكس للخط الأوّل؛ حيث لكلّ منهما منطقٌ خاصّ في العمل السياسي يتغاير عن الآخر بدرجة مئويّة؟! وما هذا التصوير إلا مناقضاً للمبدأ العقديّ الذي يؤمن به الشيعة من أنّ أهل البيت نورٌ واحد ومنهج وخطّ واحد.
وإذا سألنا أنصار هذه الرؤية عن الهدف الذي كان يتوخّاه الإمام الحسين من حركته التي كان واقعها في نهاية المطاف حرباً وسفكاً للدماء؟ فإنّهم يجيبون بأنّ الذي حصل في عام (61) من الهجرة ليس هو الذهاب للاستشهاد كما هي النظريّة السائدة، وليس هو الذهاب لخوض حربٍ لاستلام سلطةٍ، كما هي النظريّة التي يختارها بعض العلماء مثل الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي صاحب كتاب الشهيد الخالد، وإنّما مبايعة يزيد بن معاوية كانت أمراً مرفوضاً بالنسبة إليه وهكذا لاحقوه إلى حدّ القتل، فهو لا يريد أن يقاتل أصلاً؛ ولكن حينما هجموا عليه يريدون قتله؛ لأنه لم يبايع، اضطرّ لإشهار السيف دفاعاً عن نفسه، وهذا كلّ ما حصل، فلا يوجد هناك مشروع انقلاب على السلطة وعلى الهويّة الحاكمة انطلاقاً من العراق، ولا هناك مشروع حرب ومواجهة، ولا هناك مشروع تضحية شاملة بعشرات من الشهداء حتى تكون هذه التضحية موجبة لهزّة على مستوى الأمّة وإحياءً لضميرها، كلّ ما في الأمر أنّ الحسين لم يرد أن يعطي شرعيّةً للسلطة الحاكمة من خلال مبايعة يزيد بن معاوية، ففرّ من المدينة كي لا يبايع، ولحقوه إلى مكّة، ففرّ من مكّة إلى الكوفة، ولحقوه إلى الطريق، وكلّما طلبوا منه المبايعة أنكر ذلك ولم يطلب الحرب والقتال والمواجهة، وحينما رفعوا السيف يريدون قتاله في وسط الصحراء أشهر السيف حينذاك دفاعاً شخصيّاً عن نفسه.
ولذلك نجد أنّ الإمام الحسين قد طلب في عدّة مرات أن يَدَعوه للذهاب إلى أيّ مكان في ديار الله الواسعة، بينما الذي عنده مشروع سياسي أو استشهاديّ أو ثوريّ لا يمكن أن يتفوّه بمثل هذه الكلمات، كأن يختفي في كهف من كهوف الجبال أو يعيش في بطن الصحراء مثلاً، فما معنى أن يطالب بمثل هذه المطالب لأكثر من خمس أو ستّ مرات كما تشير الشواهد الروائيّة والتاريخيّة.
ومن خلال هذه الشواهد، نستنتج أنّ الإمام الحسين قام بذلك لكونه داعية صلح وسلم، ولكونه لا يريد أن يتحمّل مسؤوليّة الدماء التي ستسفك، ولم يكن شخصاً يودّ سفك الدماء أصلاً، فحركته نظير بعض الثورات التي شهدها القرن العشرين والتي أطلق عليها ثورات اللا عنف كالثورة الهنديّة مثلاً. فالإمام الحسين هو رمز ثورة اللا عنف. ثورةٌ تقوم على أن نرفض ممارسة العنف لا على أن نمارسه.
وتخلص هذه الرؤية في نهاية المطاف إلى النتيجة الآتية: إنّ الإمامين الحسن والحسين كانا يريدان إذا خاضا حرباً أن تكون عقلائيّة، ومعنى عقلائيّة الحرب أن يكون فيها توازن قوّة، وحينما لا يكون في الحرب مثل هذا التوازن فلن تكون حرباً عقلائيّة، والحسين يعلم بعدم وجود توازن قوى بينه وبين جيش يزيد بن معاوية أصلاً؛ حيث يمتلك الأخير البلدان الإسلاميّة بأجمعها، وهذا معناه أنّه من غير الممكن أن يخوض هذه الحرب؛ لأنّه إنسان عقلانيّ، ومثل هذا الإنسان لا يخوض حرباً لا تكافؤ فيها.
ولذلك يجد هؤلاء أنّ الإمام الحسن حينما شعر بعدم وجود توازن قوى مع معاوية بن أبي سفيان أقدم على إجراءات السلم والصلح؛ لأنه لا يمكن لحرب أن تخاض دون وجود توازن في القوى، وإلا اعتبرت انتحاراً وتهوّراً وعبثيّةً وسفكاً للدم يتحمّل مسؤوليّته هذا الفاعل أمام الله سبحانه وتعالى([298]).
ويمكننا التعليق هنا سريعاً:
أوّلاً: ما أعتبره الإشكاليّة المنهجية وورطة المفارقات، فإنّ الذين ينتمون إلى تيار النقد الحداثي ـ إذا جاز التعبير ـ من أشدّ الناس إيماناً في الفكر الدينيّ بالنزعة التاريخيّة، أي النزعة التي تتحدّث عن أنّ ظروف الزمان والمكان تؤدّي إلى اختلاف المواقف والتقويمات والآراء والأفكار، فمثلاً يمتلك هذا الفريق توجّهاً دائميّاً يرون من خلاله أنّه لو واجه الإنسان حكماً معيّناً مثلاً، وهذا الحكم الفقهي لا ينسجم مع الواقع الحاضر، فإنّه يقول بأنّ هذا الحكم الفقهيّ يتناسب مع ذلك الزمان، ولذلك أصدره الرسول‘ ليحلّ مشكلةً زمانيّة مكانيّة ظرفيّة حاليّة في لحظة تاريخيّة معيّنة، ومن ثمّ فهذا الحكم لا يخاطب الحاضر بنفس الطريقة التي يخاطب بها الماضي.
هذه النزعة موجودة، وليست في أصلها أمراً باطلاً، ولكنّني أتحدّث الآن عن مدى صحّة توظيفها في هذا المكان الذي نتحدّث عنه، وإلا فأصلها يلتزم به حتى بعض الفقهاء المسلمين.
وما يبدو لي غريباً هو أنّ هذه الرؤية تعاطت مع الموضوع محلّ البحث بذهنيّةٍ لا تمتّ إلى هذا التفكير التاريخي بصلة على الإطلاق، أي إنّه وبدل أن تدرس ظاهرتين مختلفتين في التاريخ، إحداهما وقع فيها صلحٌ بين شخصين كانا يتحاربان، والثانية وقعت فيها حربٌ أدّت إلى مجزرة رهيبة في التاريخ، أقول: بدل أن تقرّر أنّ المواقف المختلفة بين الظاهرة الأولى والثانيّة تعود إلى اختلاف الظروف، ثمّ تقوم بدراسة الظروف التي برّرت هذه الاختلافات في المواقع، ألغت هذا الأساس في طريقة التفكير الذي تتبنّاه في أمكنة أخرى كثيرة، لتذهب فوراً إلى القول بأنّ الأئمّة نورٌ واحد، وكونهم كذلك يعني أنهم نسخة واحدة، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه، فهل ينسجم هذا النمط من التفكير مع منطق القراءة التاريخيّة الذي يعدّ أحد أهم أساسيّات تفكير هذا الفريق الذي يشتغل على قراءة الأحداث التاريخيّة بنظرة تاريخيّة زمكانيّة؟! وإذا كان أهل البيت نوراً واحداً، فإنّ ذلك لا يعني عدم وجود اختلافات في المواقف تبعاً للاختلافات القائمة في الظروف التاريخيّة.
ثانياً: إذا كان أهل البيت النبوي نوراً واحداً، فنحن نسأل: كيف يمكن لهم أن يفسّروا لنا الاختلاف ما بين التجربة العلويّة والتجربة الحسنيّة، مع إغماض النظر عن التجربة الحسينيّة؟ فالتجربة العلويّة هي التي بادرت في حرب الجمل لقتال جيش البصرة، لا أنّها كانت تدافع عن نفسها دفاعاً شخصيّاً، فأين هو منطق المصالحة والمسالمة الذي تتحدّث عنه هذه النظريّة؟ وإذا كانوا نوراً واحداً فلماذا حصلنا على اختلاف في الأداء؟
ومهما جاءت الإجابة، فنحن نخلص إلى أنّ مبدأ (نور واحد) والذي ركّزت هذه الرؤية عليه، لا ينفي اختلاف المواقف السياسيّة التاريخيّة بين الأئمة، تبعاً لاختلاف الظروف والمتغيّرات الزمانيّة والمكانيّة.
ثالثاً: نصّت هذه الرؤية على مبدأ عقلانيّة الحرب، وهي بطبيعتها تقوم على توازن القوى، وهو ما لم يكن متوفّراً في التجربة الحسنيّة؛ ولذلك أحجم الإمام الحسن عنها وأقدم على الصلح، وكذا الحال في التجربة الحسينيّة، حيث إنّه لمّا لم يكن توازن القوى قائماً لم يصرّ الحسين على الحرب، بل دعا للذهاب في الأرض.. إذا كان هذا الأمر صحيحاً وأن توازن القوى مفقودٌ، فهنا سؤال: لماذا لم يبايع الإمام الحسين، وبذلك يتخلّص من المجزرة التي حصلت على أقلّ التقادير؟! ألم يكن الإمام الحسن قد وقّع على عريضة الصلّح التي تنصّ على أنّ معاوية هو إمام المسلمين لمصالح اقتضتها المرحلة كما يقال، إذا صحّت الروايات التاريخية في قضيّة الصلح؟
وعليه، إذا كان عدم توازن القوى يسمح للإمام الحسن أن يوقّع صلحاً يعطي الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، فلماذا لا يكون هذا الأمر مبرّراً يعطي للإمام الحسين مجالاً للتوقيع على مبايعة يزيد بن معاوية؟ ولماذا أصرّ على الامتناع إلى اللحظة الأخيرة؟ ألا يُعدّ هذا الأمر غير عقلانيّ وفق منطق هذه الرؤية؟!
رابعاً: ومن خلال منطق التحليل السياسي، إذا كان الإمام الحسين قد جاءته في مكّة المكرّمة تلك الرسائل الكثيرة تطالبه أن يأتي إلى الكوفة من وجوه القوم وعيونهم، فما معنى أن يأتي إلى الكوفة جرّاء ذلك؟! ألا يعني ذلك أنّ الحسين تحرّك إلى هناك لأنّ هؤلاء قالوا له: إنهم سيعزلون الوالي، وسوف ينصّبون والياً على خلاف إرادة الدولة المركزيّة في الشام، أي سيشكّلون باصطلاحنا المعاصر دولةً انفصاليّة؟ وهل هذا إلا إعلان حرب على السلطة المركزيّة بالمدلول السياسي الذي لا نفهم لإعلان الحرب معنى غيره؟! فلو كان هناك دولة وفي داخلها إثنيّات وقوميّات وأعراق متعدّدة، وتقوم واحدة من هذه القوميّات بإعلان الانفصال عن الدولة المركزيّة، فهل من المعقول أن تصمت الدولة المركزيّة حيالهم؟
إنّ نفس موافقة الإمام الحسين على تلك الرسائل التي جاءته من العراق لتعلن موالاة جميع وجوه العشائر والقبائل له لاستتباب الأمر له في الكوفة.. أقول: إنّ نفس الموافقة هو إعلان انفصال عن الدولة المركزيّة، وهو بمثابة إعلان حرب، وإذا لم يكن مثل هذا الموقف إعلاناً للحرب، فما هو إعلان الحرب إذاً؟ ولا أقلّ من أنّه المرحلة الأولى لإعلان الحرب، فكيف يقدم الحسين على خطوة من هذا النوع لا تعبّر إلا عن إعلان حرب، ثمّ بعد ذلك نقرأ تجربته على أنّها معارضة للحرب؟ ألا يصحّ أن نقول بأنّ خطوته هذه انفصالٌ يعلن فيه أيضاً استعداده للحرب لو وقعت، وهي بالتأكيد سوف تقع كما رأينا؟ فهل هذا الشخص داعية سلام بالمعنى الذي تريده هذه الرؤية؟!
خامساً: إنّ هذه الرؤية ركّزت على تلك النصوص التي نقلت في التاريخ ـ كتاريخ الطبري واليعقوبي ـ وهي خمسة أو ستة نصوص، والتي يقول فيها الإمام الحسين: اتركوني أذهب إلى أيّ مكان في الأرض، وفي بعضها إنّه عرض عليهم الذهاب إلى يزيد، كما احتمل السيد المرتضى، وعلّل ذلك بأنّ الإمام الحسين يحتمل أن يكون يزيد أرأف به من عبيد الله بن زياد([299]).
لا نريد في هذه النقطة أن نتحدّث عن سلامة هذه النصوص، وما هو الوجه في تفسيرها، ولكن نريد أن نسأل: لماذا لم تأخذ هذه الرؤية هنا مجموع النصوص والوثائق التاريخيّة التي صدرت عن الإمام الحسين، لتقارن بينها؛ إذ هناك نصوص صدرت منه يعلن فيها مبادئ ثوريّة، ويمهّد للانفصال عن الدولة وأنّه سيواجه السلطة المركزيّة، أي هي نصوص إقدام على ما من شأنه إعلان حرب، فلِمَ لم تؤخذ هذه النصوص بعين الاعتبار؟! وقد سبق أن نقلنا مضمونها فيما مضى فلا نعيد.
إنّ هذه النصوص تحمل مضامين كثيرة يمكن أن يطول الحديث في شرحها؛ لأنّ كلّ فقرة منها لها مداليلها بمفاهيم السياسة المعاصرة؛ حيث إنّها تحمل اعتراضاً على السياسة الاقتصاديّة للدولة وعلى السياسة الجزائيّة والجنائيّة لها، ويعترض على هذه الطبقيّة القائمة في البلاد، كما يعترض على عدم تطبيق الدولة للدستور حينما حرّموا حلال الله وحرّموا حلاله.. وبعد ذلك يقول: أنا أحقّ من غيري.. فإذا لم تكن مثل هذه النصوص دليلاً على إعلان مشروعٍ سياسيٍّ وإعلان مواجهة ورفض يدرك أنّه يؤدّي إلى مواجهة مسلّحة فأيّ نصّ يفي بهذا الأمر؟! ولا ندري حينما يطلب الإمام ـ في ظلّ طبيعة الحياة السياسية آنذاك ـ التغييرَ بالفعل «فلم يغيّر عليه بفعل»، فكيف يمكن أن لا يكون ذلك إعلاناً للحرب؟!
هذا كلّه معناه أنّ السلطة الحاكمة سلطة غير شرعيّة، وأنا الذي أستطيع أن أمثّل السلطة الشرعيّة دون غيري، فهل يعني هذا النصّ أنّه يريد أن يقول لأصحابه بأنّه لا يريد المواجهة وأنّ غرضه الاعتراض السلمي مثلاً؟! وهل يعني ذلك أنّ مقتله واستشهاده في العاشر من المحرّم هو دفاع شخصيّ؟! لو كان هذا الشخص يريد أن يذهب إلى أيّ مكان في ديار الله فلِمَ يقرّر أنّ الموت شهادة وسعادة؟!
إذن، علينا حينما نريد استخراج صورة عن التجربة الحسينيّة أن لا نقوم باجتزاء النصوص والاقتصار على بعضها وترك سائر النصوص الأساسيّة التي وردت في المصادر الرئيسة، هذا فضلاً عن أنّ النصوص التي تتحدّث عن أنّه طلب الخروج إلى أيّ مكان في الأرض أو طلب أن يذهب إلى يزيد بن معاوية هي نصوص بينها تناقض ـ ولا نريد الدخول في هذا الموضوع حاليّاً وأشرنا سابقاً إليها ـ وبينها تهافت في الجملة، وغير ثابتة من الناحية التاريخيّة، بل بعضها لم يرد في المصادر التاريخيّة القديمة، وإنما جاء في المصادر المتأخّرة.
فلا يصحّ لي ـ وفق هذا النظرة الموجزة ـ الخروج بتفسير يقول: لا يوجد فرق بين حركة الإمام الحسن والإمام الحسين، وأنّ منهجهما معاً صلحٌ، ولا يمتّ إلى الثورة والعنف والمواجهة بصلة، ومن ثمّ يكون تقسيم التيارات إلى حسنيّة وحسينيّة لا أساس له من الصحّة، إنّ هذه المعطيات وغيرها كفيلة في تقديري بأن تضعنا أمام تشكيك أساسي في تلك الرؤية.
أكتفي بهذا القدر من التعليقات وقد سبق غيرها مما يرتبط بها.
خاتمة واستنتاج
من خلال هذه المطالعة الموجزة لحركة الإمام الحسين، يتبيّن أنّ الاستدلال بها لصالح نظريّة الثورة على الأنظمة ممكنٌ من حيث المبدأ، لكنّ ذلك لا يعني أنّ دائرة الاستناد واسعة، بل هي محدّدة بالأطر التي تمثل القدر المتيقّن من العناصر المبرّرة لحركة الحسين، بحيث تتقارب مع الظروف التي تأتي فيما بعد، دون إدخال الاحتمالات البعيدة عن الذوق والعرف والعقلائيّة، الأمر الذي يجعل الاستناد محدود الدائرة جدّاً.
ونكتفي بهذا القدر في الحديث عن هذا الدليل ـ الحركة الحسينيّة ـ حتى لا نطيل أكثر.
16 ـ مقاتلة الظلمة بوصفها شكلاً من أشكال الدفاع عن الإسلام
يُتداول هذا الاستدلال ـ بكثرة ـ في ثقافة الحركات الإسلاميّة المعاصرة، حيث يرى أنّ مقاتلة الحكّام الظالمين الذين لا يقيمون شرع الله تعالى يعدّ من مصاديق الدفاع عن الإسلام؛ لأنّ هذه الأنظمة الحاكمة أنظمة كافرة، حتى لو كان الحكّام وأعوانهم مسلمين([300]).
ويحاول الشيخ شمس الدين الإجابة عن هذا الدليل وغيره بأنّ قضيةً من هذا النوع تحتاج إلى نصّ صريح، والأئمّة هادنوا لقرابة قرنين بعد الحسين، ولا يحتمل التقيّة كلّ هذه الفترة، فلو كان لهم موقفٌ ينسجم مع الثورة وأنّها مصداقٌ للدفاع عن الإسلام، لظهر وبان([301]).
ولكن الذي يتخذ الأدلّة المتقدّمة يمكنه أن يعتبرها نصوصاً واضحة، لا ينبغي المبالغة في عدم وضوحها، على تقدير تماميّتها؛ فخطوة بوضوح خروج الحسين ـ بقطع النظر عن الملاحظات السابقة ـ لا سيّما على التفسير السياسي، لماذا لا يصحّ جعلها صريحة، وبخاصّة مع ضمّ موقف أهل البيت من مثل ثورة زيد وصاحب فخّ وغيرهما؟! وقد لاحظتُ أنّ الشيخ شمس الدين في دراسته لهذا الموضوع قد حاول أن يصوّر الأمر أنّه بحاجة إلى نصّ واضح جليّ من الأئمّة يعلنون فيه هذا الموقف، وكلّما قدّم دليلاً أعاد تكرار هذه المقولة، ونحن وإن كنّا نميل في أصول الفقه إلى عدم الاكتفاء بخبر الواحد ـ على تقدير حجيّته أصلاً ـ في القضايا الخطيرة، إلا أنّ الشيخ شمس الدين لم يظهر لنا أنّه يصرّح بموقفٍ من هذا النوع.
وعلى أيّة حال، فيمكن أن يناقش هذا الدليل بأنّ هناك حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون الحكم غير شرعي والحكّام مسلمون لا يملكون أهلية تولّي السلطة، ولا يهتمّون بقضايا الدين باعتبارها من أولويّاتهم، بل قد تجدهم ينتقدون حكماً شرعيّاً هنا، وحكماً شرعياً آخر هناك، ويحاولون تغييره، مثل ما حدث مع الحركة البورقيبيّة في تونس.
الحالة الثانية: أن يكون الحكم غير شرعي، والحكّام المسلمون لا يملكون أهلية تولّي السلطة، ولا يقتصرون فقط على عدم الاهتمام بقضايا الدين، بل لديهم مشروع منظّم من أنفسهم أو مشروع للآخرين يسمحون به في بلدانهم، يهدف إلى إبادة دين المسلمين وإسلام الأمّة، بحيث يتلاشى أمر هذا الدين تدريجيّاً في المجتمع، ويصبح بقاء الإسلام في هذا البلد أو ذاك عرضة لخطر الفناء.
ففي الحالة الأولى يصعب تعميم مفهوم الدفاع عن الإسلام لها لإثبات جواز أو وجوب الثورة المسلّحة؛ إذ يلزم لو كان هذا الحكم صحيحاً أن يُقاتَل دوماً تمامُ حكّام المسلمين، ولو كان هذا حقيقياً لدلّت النصوص والأدلّة عليه، لكثرة الابتلاء به منذ وفاة النبيّ‘، ولعلم النبيّ وأهل بيته أنّ الأمة سوف تبتلي بهذا النوع من الحكومات على امتداد التاريخ، علماً عادياً حتى لو لم يكن غيبيّاً، فإذا كانت الأدلة الخمسة عشرة المتقدّمة لا تدلّ على أمرٍ من هذا القبيل، ولم تكن توجد أدلّة على ذلك، ولو على نحو التقعييد العام، لكان هذا دليلاً على عدم وجود مفهوم الثورة المسلّحة في هذه الحال، وإلا لظهر وبان موقفٌ صريح هنا.
وإنّما نقول: على نحو التقعيد العام، كي لا يورد علينا بأنّ فترة الإمامة الظاهرة وعصر الحضور كانت تحكمها التقيّة؛ لهذا لم يدعُ أهل البيت إلى الثورة، فإنّنا وإن كنّا لا نمانع منطقيّاً وتاريخيّاً أن يعجز أهل البيت والشيعة لقرابة قرنين من ممارسة ثورة مسلّحة ناجحة، لا سيما في تلك العصور، إلا أنّ إصدار نصوص قواعديّة عامة تتعالى عن ملامسة الواقع الخارجي المحيط آنذاك، نظراً لظروفه الخاصّة، يظلّ أمراً ممكناً. وكما أنّ الكتاب والسنّة مسؤولان عن بيان الأحكام التي تبتلي الأمّة بموضوعاتها في عصورهما، كذلك هما مسؤولان عن بيان الأحكام لما تبتلي به الأمّة في العصور اللاحقة لفرض الخاتميّة والخلود، وخاصّة في موضوعٍ بالغ الابتلاء وكثيره، ويمسّ مصالح الأمة بأجمعها، فهذا يكشف عن عدم شرعيّة هذه الثورة على أساس عدم جواز سفك دماء المسلمين.
وعبر ذلك يتبدّى هنا أنّ الدفاع عن الإسلام في هذه الحال واجبٌ بكلّ الوسائل التي لم يثبت بدليلٍ آخر حرمتها مثل قتل المسلمين وإيجاد الفتنة المحرّمة بينهم، فيدافع هنا بالفكر والقلم والاحتجاجات المدنيّة والمقاطعة وممارسة وسائل الضغط المتنوّعة التي تتسم جميعها بالطابع السلمي، فنحن لا نقول هنا بعدم وجوب الدفاع والسعي لعدم حصول انحراف كلّ بحسب وجهة نظره، لكنّنا لا نرى إطلاقاً في مقولة الدفاع هذه يشمل استخدام العنف المفضي إلى الدماء ما لم يطرأ عنوان ثانوي خاصّ.
أمّا في الحالة الثانية؛ فيمكن أن يقال بأنّه يجوز استخدام تمام الوسائل للوصول إلى الحيلولة دون إبادة أمّة الإسلام، يعرف ذلك بأدلّة الجهاد الدفاعي نفسها؛ فإذا شرّع الجهاد المسلّح كي لا تحتلّ ديار المسلمين من قبل الكافرين، مع أنّه لا خوف على إسلامهم، فكيف لا يكون مشرّعاً مع الخوف على هيمنة الكفر على بلد إسلامي وديار المسلمين مع إلغاء الإسلام فيما بينهم؟! لكن ينبغي التفريق هنا بين صورتين أيضاً:
الصورة الأولى: أن يكون هذا الحاكم المسلم الذي يهدّد وجود الإسلام في هذا البلد أو ذاك، قامعاً للحرّيات فيلغي وجود الإسلام بالقمع والقوّة، بحيث لا تتمكّن الحركة الإسلاميّة ـ بالمعنى العام للكلمة ـ من ممارسة دور مضادّ يحافظ على حركة الإسلام وبقائه، فهنا يمكن الاستناد إلى السيرة المتشرّعية وإلى الإطلاق المضموني لمفهوم الجهاد الدفاعي. ونقصد بالإطلاق المضموني أنّ هذا الحكم حتى لو لم نجد له إطلاقاً لفظيّاً يشمل ما نحن فيه، بالمعنى الأصولي للكلمة، إلا أنّ روحه ومضمونه وفلسفته عقلائيّاً تصلح لتعميمه إلى كلّ حالة يستخدم فيها الآخرُ القوّةَ لفرط عقد الإسلام وإسقاطه.
الصورة الثانية: أن لا يكون الحاكم قامعاً للحريّات، وإنّما لأجل سماحه بالحريات يتسبّب ذلك في نفوذ أفكار الكافرين فتضلّلُ أجيالُ المسلمين بما يؤدّي ـ كما أشرنا ـ إلى زوال أصل الإسلام، كظهور حالة التنصير بشكل واسع في هذا المجتمع، بما يقول فيه الخبراء: إنّه لو استمرّ لأدّى إلى تنصّر المجتمع مثلاً.. ففي هذه الحال يجب الدفاع عن الإسلام بتمام الوسائل، إلا أنّه لا دليل على شرعيّة الحرب والقتال ضدّ هذا الحاكم للحيلولة دون نشر الكفر؛ لأنّ أدلّة الجهاد والدفاع لا يوجد إطلاق مضموني ولا لفظي لها لحالة استخدام القوّة، فما دام هذا الحاكم يسمح بنشر الإسلام ومدارسه ويسمح بنشر الكفر ومدارسه، مهما كان رأينا الفقهي من هذه السياسة، فإنّه لا يصحّ القول بأنّ الدفاع عن الإسلام هنا يلزمنا بالحرب، ما دام المسلمون الذين يتنصّرون إنّما يفعلون ذلك في جوٍّ من الحرية الدينيّة، فيكون كفرهم نتيجة مثل ضعف الحركة الإسلاميّة فكرياً وثقافياً ودعويّاً و.. لا لاعتداء خارجي أو من قبل الحاكم. نعم للحركة الإسلاميّة ممارسة أشكال الضغط السلمي على الحاكم كي يحدّ من هذه الحريّات، ذلك كلّه بحسب العنوان الأوّلي؛ وإلا فقد يرى الفقيه هنا أو هناك أنّ هناك عناوين ثانوية قد تطرأ تدفعه إلى الإلزام بالقتال لإسقاط هذا الحاكم أو إسقاط منحه الحريّات الدعويّة مثلاً للكافرين، وهذا مطلبٌ آخر، أو نقول بالولاية العامة للفقيه، ثم يصدر الفقيه حكماً ولائيّاً في المقام.
وبهذا يتبيّن عدم صحّة إطلاق وجوب الثورة في الحالة الثانية كما تفيده بعض الكلمات([302])، كما يتبيّن أنّ تعدّد الاجتهادات المشروعة لا يدخل ضمن هذا النطاق؛ فلو كان إلغاء هذا الحكم أو ذاك أو اتّباع هذا الإجراء أو ذاك منطلقاً من نظريّة علميّة في فهم الدين واجتهادٍ مشروع، كان خارجاً عن كلامنا؛ نظراً لحجيّة الاجتهاد وشرعيّته ما دام ملتزماً بالضوابط العلميّة، وإلا يلزم الثورة على أيّ نظريّة اجتهاديّة لا نؤمن بها! وهو واضح الفساد.
وقد يُستدلّ لوجوب الجهاد في حالة الخوف على أصل الإسلام، برواية يونس، عن الإمام علي بن موسى الرضا×، قال: سأل أبا الحسن رجلٌ وأنا حاضر.. فإذا جاء العدو إلى الموضع الذي هو فيه مرابط، كيف يصنع؟ قال: «يقاتل عن بيضة الإسلام». قال: يجاهد؟ قال: «لا، إلا أن يخاف على ذراري المسلمين». قلت: أرأيتك لو أنّ الروم دخلوا على المسلمين لم ينبغ (يسع) لهم أن يمنعوهم؟ قال: «يرابط ولا يقاتل، وإن خاف على بيضة الإسلام والمسلمين قاتل، فيكون قتاله لنفسه لا للسلطان؛ لأنّ في دُروس الإسلام دُروس ذكر محمّد‘»([303]).
فإنّ هذه الرواية ترى وجوب الدفاع عن بيضة الإسلام، ومن أوضح مصاديق الدفاع عن البيضة هو الدفاع عن الإسلام من خطرٍ يتهدّد بقاءه، كما أنّ مسألة الأهمّ والمهم قد تدخل هنا كما أشرنا([304]).
17 ـ الدفاع عن النفس أساساً لشرعنة الثورات، ملاحظات ناقدة
من الأدلّة هنا الاستناد إلى مقولة الدفاع عن النفس لتبرير النشاط المسلّح للمعارضة الإسلاميّة ضدّ الأنظمة، وهذا معناه إدراج مفهوم الثورة المسلّحة تحت عنوان الدفاع عن النفس، وهو عنوان آخر مختلف عن فقه الجهاد والدفاع عن الإسلام.
والأساس في ذلك أنّ الحركات الإسلاميّة قد تبرّر نشاطها العسكري بقمع السلطات ومطاردتها لها أو بمحاربة بعض القوى المسلّحة لها وشنّ هجمات عسكريّة عليها في الأرياف أو الجبال، وهذا ما يجعلها قادرة على الدفاع عن نفسها، بقطع النظر عن مقولة الدفاع عن الإسلام نفسه.
وقد يمكن ممارسة مقاربة اجتهاديّة هنا على أساس أنّ الدفاع عن النفس لا يختصّ فقهيّاً بنفس الإنسان وشخصه، بل يشمل أمواله وعرضه، لا بل يمكن القول بشموله للدفاع عن استقلاله وحريّته وإرادته، فعندما تقمع النظم الحكوميّة الحركةَ الإسلاميّة وتلاحقها وتحول دون حرّيتها وإرادتها واستقلالها، فإنّ الدفاع عن النفس سيشمل هذه الحال بالتأكيد، فقد ورد في بعض النصوص أنّه من قُتل دون مظلمته فهو شهيد، يضاف إلى ذلك أنّ عنوان النفس عندما يستوعب المال والأهل والجواري، فإنّه يعني تخطّيه نطاق الفرديّة البحتة، فيصبح الدفاع عن العشيرة والقبيلة والجماعة داخلاً في الدفاع عن النفس حينئذ، فيمكن تعميم هذا الدفاع لحالة الدفاع عن الحركة الإسلاميّة([305]).
وقفة تحليلٍ وتأمّل مع رؤية العلامة شمس الدين للعنف المسلّح
يذهب الشيخ محمد مهدي شمس الدين إلى نظريّةٍ تفصّل في المسألة، وخلاصتها أنّ ممارسة العنف ضدّ الحركة الإسلاميّة له أنحاء ثلاثة:
النحو الأوّل: أن يستعمل العنف ضدّ الحركة الإسلاميّة من دون أن يصدر منها أيّ عنف ضد خصومها ولا استفزاز، ويكون استعمال هذا العنف ضدّها لمجرّد أنها تدعو إلى تطبيق الشريعة سلميّاً. وقد قبل شمس الدين هنا للحركة الإسلاميّة أن تدافع عن نفسها بشروطٍ ستأتي.
النحو الثاني: أن يستعمل العنف ضدّ الحركة الإسلاميّة لأنّها تتبع في العمل السياسي أو التنظيمي أسلوباً يستفزّ الخصم، ويدفعه لممارسة العنف ضدّها.
وقد ذهب شمس الدين هنا إلى حقّ الحركة الإسلاميّة في الدفاع عن نفسها لمواجهة العنف، ضمن قيود.
النحو الثالث: أن تستعمل الحركة الإسلاميّة أسلوب العنف المسلّح في البداية، فتردّ الحكومات بالعنف المسلّح وبالقمع، فتقوم الحركة الإسلاميّة بالدفاع عن نفسها، فتمارس العنف المسلّح ضدّ النظام. وقد حكم الشيخ شمس الدين هنا بعدم شرعيّة العنف المسلّح الأوّل في هذا النحو الثالث، أي العنف السابق على عنف السلطة، وأجاز العنف اللاحق له([306]).
وفي كلّ نحوٍ من الأنحاء الثلاثة، حاول شمس الدين ذكر أدلّته، ونحن نلاحق مقولاته للنظر فيها.
أ ـ العنف الدفاعي المحض
قد يقال: إنّه لا يجوز للحركة الإسلاميّة أن تدافع عن نفسها حتى في الحالة الأولى، وهي حالة الاعتداء عليها دون سابق عنفٍ منها ولا استفزاز، بل المطلوب منها ترك هذا الأمر انطلاقاً من الاحتياط الشديد في مسألة الدماء، حتى قال القرآن ـ في إشارةٍ رمزيّة دالّة ـ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ..﴾ (المائدة: 28)، فالمفترض في هذه الحال حقناً لدماء المسلمين حلّ الحركة الإسلاميّة، ويسقط التكليف بالعمل السياسي الإسلامي، بل يقال: إنّه في مثل هذه الحال يجب ممارسة التقيّة والعمل الشبيه بمرحلة الدعوة الأولى في حياة النبيّ‘، وسيرة أهل البيت عليهم السلام بعد الحسين×، وقد وجدناهم ينهون عن الإعلان والإشاعة، للاقتصار على المرحلة السريّة، وبذلك لا يجوز للحركة الإسلاميّة الاستمرار في العمل السياسي؛ حقناً لدماء المسلمين([307]).
وهذا الكلام يُلاحظ عليه:
أوّلاً: ما ذكره شمس الدين نفسه، من أن صدّ عدوان المعتدي والدفاع عن النفس/الذات من بديهيّات الشريعة الإسلاميّة التي ورد فيها الكتاب والسنّة، أمّا تعميم هذا الدفاع للدفاع عن الجماعة التي تمثل هويّة الإنسان الاجتماعيّة والثقافيّة فدليله مثل رواية «من قتل دون مظلمته فهو شهيد»، يُضاف إلى ذلك أنّ الآية التي تأذن بالقتال تنطبق على الواقع الذي نتحدّث عنه هنا، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ..﴾ (الحج: 39 ـ 40). فالدفاع في هذه الحال لا ينبغي الارتياب فيه([308]).
وقد يجاب عن هذا الكلام:
1 ـ إنّه تامٌّ في حالات الدفاع الشخصي، بأن يدافع الإنسان عن شخصه أو بيته، أمّا الاعتداء على انتمائه السياسي، فمن غير الواضح صحّة الردّ عليه بالعنف، إذ بإمكانه هنا عدم ممارسة العمل السياسي بما يدفع إلى حصول تقاتل، فمن قال: إنّه يجوز له ممارسة العمل السياسي المفضي إلى وضع من هذا القبيل؟! فإذا لم يحصل اليقين بعدم شرعيّة هذا العمل السياسي، فلا أقلّ من الشك في الشرعيّة. وهذا ما تؤيّده النصوص الدالّة على ضرورة احتراز الإنسان من التعرّض للسلاطين كي لا تصيبه بليّة، فإن أصابته فليتحمّل هو نفسه مسؤوليّتها، بل يمكن حشر نصوص أخرى تؤيّد هذا الأمر، مثل الروايات الواردة في نهي المؤمن عن حشر نفسه في أمرٍ لا يطيقه، وأنّ الله لم يفوّض للمؤمن أن يذلّ نفسه، وهذه النصوص تكون حاكمةً على النصوص الدالّة على الأحكام الأوليّة. وعليه، يفضّل في هذه الحال استعمال التقيّة حتى إشعارٍ آخر([309]).
ولكن يقال: لا أحد يتحدّث عن التكليف بما لا يطاق، فإنّ الإطاقة في الحياة السياسيّة ليست تابعةً للأفراد، وإنّما للجماعة السياسيّة بما هي جماعة، فإذا كانت مواجهتها من التكليف بما لا يطاق بالنسبة إليها، سقط الوجوب ولزمت التقية، إذ يكون انتحاراً سياسيّاً أن تواجه السلطةَ بالعنف حينئذ، إلا أنّ الأمر ليس كذلك دائماً.
وأمّا الحديث عن عدم التعرّض للسلاطين وأمثال ذلك، فعلى تقدير صحّة السند، ظاهر في حالة التعرّض الابتدائي، أمّا إذا لم تتعرّض الحركة الإسلاميّة لهم، بل تعرّضوا هم لها بالسوء، فلا يحرز ظهور هذه الروايات في المنع من الدفاع عن النفس، إلا إذا أريد من هذه الروايات تحريم مطلق العمل السياسي ولو السلمي، بوصفه تدخّلاً في شأن السلطان، وهو أمرٌ قد يقال بأنّه يخالف أهداف الدين ومقاصد الشريعة، ويقف على النقيض من النصوص العديدة حول الاهتمام بأمور المسلمين.
وأمّا ما نصّ على عدم إذلال المؤمن نفسه فربما يكون في بعض الحالات أدلّ على العكس، فإن الخنوع للحاكم ينطبق عليه عنوان الذلّ ووضع النفس والجماعة في ذلّ أكثر من التعرّض للسلطان والمعاناة بشرف وعزّة أمامه.
غاية الأمر أنّنا نتوقفّ في صدق عنوان الدفاع عن النفس الثابت في الشريعة الإسلاميّة على حالة دفاع حركةٍ سياسيّة عن نفسها، فحتى لو اتسعت دلالة الدفاع عن النفس لتشمل العيال والمال، فإنّ هذه الأمور من توابع الذات عرفاً، إلا أنّ الحزب السياسي أو الحركة السياسيّة لا تعدّ عرفاً من توابع الفرد بما هو فرد، حتى نعمّم ذلك العنوان عليها، وإن كان عنوان «الحركة الإسلاميّة تدافع عن نفسها» مفهوماً صحيحاً، لكن هل من الصحيح أن يقال: إنّ زيداً يدافع عن نفسه عندما تتعرّض الحركة الإسلاميّة لاعتداء؟! فما يطرحه هذا الإشكال من التوقّف في تعميم مفهوم الدفاع عن النفس هنا صحيحٌ غالباً.
2 ـ إنّ الاستناد إلى آية الإذن بالقتال غيرُ واضح هنا، فالآية تتحدّث عمّن اعتُدي عليهم من قبل الكافرين؛ لكونهم يجعلون الله وحده إلهاً، ولا تعرّض لها لحالات الخلاف السياسي التفصيلي بين المسلمين أنفسهم، حتى لو كان على تطبيق الشريعة، فليس في الآية قدرة التعميم لحالات التقاتل بين المسلمين، فلو لم يكن النصّ اللاحق في الآية موجوداً لأمكن الاستناد إلى الآية الأولى، كونها تضع معيار الظلم مطلقاً، لكنّ السياق الخارجي وأسباب النزول مضافاً إلى الآية اللاحقة يمنعان الاطمئنان بهذا التعميم، لا سيما مع معارضتها حينئذ بما دلّ على حرمة دماء المسلمين.
3 ـ إنّ الاستناد إلى رواية «من قُتل دون مظلمته فهو شهيد»، وقد وردت عند الشيعة والسنّة([310])، وصحّحها الهيثمي والألباني([311])، والظاهر صحّة سندها الشيعي، كما صرّح بذلك السيد الخوئي والشيخ الأميني وغيرهما([312]).. إنّ الاستناد إليها يواجه مشكلة واحدة، وهو أنّها رويت بسندين معتبرين: أحدهما عن عبد الله بن سنان، وثانيهما عن أبي مريم، وفي الرواية الثانية جاءت إضافة «هل تدري ما دون مظلمته؟ قلت: جعلت فداك دون أهله أو ماله أو ما شابه ذلك. قال: إنّ من الفقه عرفان الحقّ»، فإنّ هذه الإضافة تؤكّد تفسير هذا النصّ الوارد في مصادر الشيعة والسنّة على الأساس الشخصي، وكلمة «ما شابه ذلك» ظاهرة في المشابهة في القضايا الشخصيّة، لا في مثل القضايا العامّة، فلا يُحرز انعقاد ظهور اطلاقي حجّة يشمل المقام في هذه الرواية.
وبهذا يظهر أنّ هذه المناقشة الأولى غير صحيحة.
ثانياً: إنّ حالة العدوان المحض لا تحتاج إلى أدلّة الدفاع عن النفس، بل يمكن أن يُستند فيها إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194)، فإنّ مفهوم ردّ العدوان بالمثل مفهومٌ قرآني عام استخدمه الفقهاء حتى لو كان السياق هو سياق الردّ على الكفار في هتكهم حرمة الشهر الحرام؛ إذ لسانها تقعيدي بكبرى عامّة. بل يصحّ هنا الاستناد إلى أدلّة محاربة البغاة وفق ما تقدّم.
ثالثاً: إنّ أصالة الاحتياط في الدماء إنّما تجري في موارد الشكّ والشبهة، لكنّنا هنا نتمسّك بدليل الدفاع عن النفس مثلاً، هذا فضلاً عن أنّ عدم الدفاع معناه تعريض النفس للهلاك، وهذا خلاف الاحتياط في الدم، فقد يكون في الدفاع الحدُّ من سفك الدماء([313]).
وهذا الكلام صحيح مع استبدال الدليل المقدّم على أصالة الاحتياط بدليل ردّ الاعتداء بالمثل مكان الدفاع عن النفس أوّلاً، ثم عدم تعميم حفظ الدماء بحالة الدفاع، إذ وإن صدق في الجملة لكنّه ليس بالجملة، فإنّ التصدّي للحاكم قد يكون أحياناً موجباً لمضاعفة سفك الدماء، دون الحدّ منها، فالصدق جزئيٌّ وليس كلّيّاً.
رابعاً: إنّ آية ابنَي آدم حكمٌ شرعي ورد في الشرائع السابقة، وقد ثبت نسخه بالكتاب والسنّة والأدلة القطعيّة الدالة على القصاص والجزاء والدفاع عن النفس([314]).
وهذا الكلام تامٌّ إذا فسّرت الآية بعدم جواز الدفاع، وإن كان يمكن تفسيرها بما يخرجها عن مورد البحث هنا، وعلى أيّ تقدير فهذه الآية ليست مستنداً هنا.
وبهذا يظهر أنّ للحركة الإسلاميّة الدفاع عن نفسها بردّ الاعتداء عليها بمثله، لا سيما لو كان قانون الأهمّ والمهم يقف لصالح ذلك في بعض الموارد، وعلى الحركة أن تدرس المرحلة، وهل الجدوى قائمة في المواجهة أو لا؟
لكن يشترط في ذلك أن ينحصر الأمر بأسلوب العنف، فإن أمكن الوصول بطريقٍ آخر وجب، اقتصاراً في مخالفة حرمة سفك الدماء و.. على القدر المتيقّن، كما أنّ ردّ الاعتداء يجب أن يقتصر على الطرف المعتدي، لا أن يشمل سائر المرافق العامّة ومصالح الناس، فهذا ما لا يشمله الدليل هنا. وأمّا ما ذكره الشيخ شمس الدين من شرط أن لا يؤدّي دفاع الحركة الإسلاميّة عن نفسها إلى حدوث فتنة([315])، فهذا غير واضح ما لم يتعنون بعنوان آخرٍ، ثانويّ أو غيره.
ب ـ العنف الدفاعي الناتج عن استفزاز
وهو أن تستخدم الحركة الإسلاميّة أساليب استفزازيّة، فتلجأ الدولة للقوّة والاعتداء، وهنا مهما كان الموقف من الاستفزاز، لا يحقّ للدولة القتل والتنكيل بالحركة، فيحقّ للحركة الدفاع وردّ العدوان بالمثل بناءً على ما يُتبنّى في الصورة السابقة، والشروط هناك هي الشروط هنا، فلا نعيد ولا نطيل.
ج ـ العنف الدفاعي الناتج عن عنفٍ مسبَق
وقد تقدّم توضيح هذه الحالة، والحكم هنا هو الحكم في الحالات السابقة بشروطه، مهما كان تقويم الابتداء باستعمال العنف الابتدائي؛ لنفس الأدلّة، لكن في غير حالات الدفاع الشخصي يشكل الأمر؛ لإمكان عدم صدق عنوان البغي على الطرف الآخر (السلطة) إذا حكمنا بحرمة العنف الأوّل، وعدم صدق الردّ بالمثل، لكون المبتدئ هو الحركة الإسلاميّة، فعلى القول بعدم شرعيّة استخدام العنف الابتدائي يشكل استخدام العنف هنا، خلافاً للعلامة شمس الدين([316]).
نتائج البحث الأوّليّة في مدارك نظريّة شرعيّة الثورات غير السلميّة
هذا تمام الكلام في نظريّة شرعيّة الخروج المسلّح وأمثاله، بقطع النظر عن مقارنتها بأدلّة الحرمة، وما خرجنا به حتى الآن هو الآتي:
1 ـ إنّ الدليل الأوّل والثاني والثالث والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثالث عشر والرابع عشر، غيرُ تامّة مطلقاً.
2 ـ شرعيّة الثورة غير السلميّة أو مثل المسلّحة في حالة صدق عنوان البغي والمحاربة الاعتدائيّة من قبل الدولة بحيث يصدق على المعارضة أنّها تقاتل المعتدي وتردّ اعتداءه بمثله وتبطل بغيَه، لهذا كان الدليل الرابع تامّاً بهذا القدر، لا ما إذا كانت الدولة لا تعتدي على الحركة الإسلاميّة غاية الأمر لا تطبّق الشريعة مثلاً.. وهذا هو القدر المستفاد من الدليل الخامس أيضاً، والدليل الخامس عشر.
3 ـ شرعيّة الثورة المسلّحة في حالة الخوف على "أساس الإسلام" مع قمع السلطة للإسلاميّين وعدم إعطائهم الحريّة، وهذا هو المستفاد من الدليل الثاني عشر على أقصى تقدير، وكذا الخامس عشر والسادس عشر. والمراد بأساس الإسلام ذهاب وجوده الاجتماعي (عدم وجود جماعة مسلمة) أو زوال شعائره من الأرض؛ لأنّ هذا هو القدر المتيقّن.
4 ـ جريان قانون التزاحم هنا بحيث يفسح المجال لطروّ عناوين ثانوية، أو إعطاء الصلاحيّة للحاكم الشرعي بناءً على مثل نظريّة ولاية الفقيه.
فالثورة المسلّحة والعنفيّة لإقامة نظام إسلامي أو تطبيق الشريعة، أو خلع الحاكم لفسقه شخصي أو.. غير جائزة ما لم يصدق ما تقدّم، ولم يطرأ عنوان ثانوي.
النظريّة الثانية
نظريّة عدم شرعيّة الثورة غير السلميّة ضدّ الأنظمة الفاسدة
تمهيد
تعدّ نظريّة عدم شرعيّة الثورة المسلّحة أو مطلق غير السلميّة ضدّ الأنظمة غير الشرعيّة أو الظالمة أو.. ذات وجهين:
الأوّل: عام، وهو الوجه الذي كان له حضور في وسط أهل السنّة ومدارسهم الفقهيّة، ويتلخّص في النظريّة التي تأمر بإطاعة الحاكم الجائر مطلقاً ولزوم جماعة المسلمين وعدم شقّ عصاهم مهما كان السبب إلا في حالة الكفر البَواح الظاهر البادي أو الشرك الصريح من السلطان. وقد استند بعضُ فقهاء أهل السنّة الآخذين بهذه النظريّة إلى بعض المقولات العامّة من جهة، وإلى روايات خاصّة من جهة ثانية. وكثيراً ما يتعرّض علماء أهل السنّة لهذا الموضوع في كتب العقيدة، بما قد يشي وكأنّها من عقائد وأساسيّات أفكارهم.
وهذا الوجه هو الذي دارت المناقشات والمنازعات عليه بين التيارات التقليديّة، وكذلك السلفيّة التقليديّة، والتيارات السياسيّة الإسلاميّة مثل الإخوانيّة والجهاديّين. وهناك نوع من التداخل بين هذه النظريّة ونظريّة حدود شرعيّة الحاكم، فإذا قلنا ـ كما قال بالفعل بعض علماء أهل السنّة ـ بانعزاله بالفسق أو بالجور، فلا معنى لطاعته عندئذٍ؛ لأنّه لم يعد حاكماً، فيكون معنى الطاعة المطلقة هو حالة خطئه أو ظلمه مع بقائه على شرعيّة السلطة، وفي المسألة تفصيل، مثل أنّ البيعة اختيارية في البداية لكنّها ليست كذلك بعدها.
ولا بدّ من التمييز هنا ورفع الخلط والالتباس الذي يقع فيه بعضٌ، بين مسألتَي: الخروج على الحاكم، والإنكار عليه، فقد يقال بجواز الإنكار ولو علناً فضلاً عنه سرّاً، لكنّ الخروج ـ بما له من دلالة خاصّة ـ يكون محرّماً.
الثاني: خاصّ، وهو الوجه الذي غلب حضوره في الوسط الشيعي الإمامي، وهو لا يرفض الثورة بالمطلق من حيث ذاتها، لكنّه يحرّمها في عصر غيبة الإمام الثاني عشر، أو بتعبير آخر: في عصر ما قبل ظهور الإمام المهدي، أي أنّ الرايات التي ترفع وتقوم قبل قيام المهدي هي رايات ضلال، أو أنّه محكومٌ عليها بالفشل سَلَفاً أو أنّ مصائبها وسيّئاتها على الشيعة ستكون أكبر من حسناتها وفوائدها و.. وقد كان الأساس في المستند هنا هو نظريّة التقيّة تارةً والنصوص الخاصّة المرويّة عن أهل البيت أخرى، بعد استبعاد أصالة البراءة نتيجة الدمّ.
وفرقُ الوجه الأوّل عن الثاني أنّ التحريم في الوجه الأوّل أبديٌّ وفي تمام الحالات والأعصار والأمصار، سواء كان الإمام المنصوص حاضراً أم لا، أمّا التحريم في الوجه الثاني فهو خاصّ بحالة عدم الإذن الخاصّ من الإمام المنصوص على تقدير حضوره، وكذلك حالة غيبته أيضاً.
ولكي نستوعب نظريّة حظر الثورات غير السلميّة بالبحث، علينا استعراض هذين المنحيين في معالجة الموضوع، أي المنحى العام الذي غلب في الفقه السنّي، والمنحى الخاص الذي غلب في الفقه الشيعي الإمامي، وذلك لدراسة مديات الصواب فيهما.
1 ـ نظريّة التحريم انطلاقاً من لزوم طاعة مطلق الحاكم، الأدلّة والملاحظات
تتعدّد الأدلّة التي ذكرها أنصار نظريّة التحريم على قاعدة لزوم طاعة الحاكم، وأهمّها الآتي:
1 ـ 1 ـ النصوص الحديثيّة والتأسيس للطاعة المطلقة للحكّام، عرض وتحليل وتعليق
ثمّة روايات جاءت في مصادر الحديث تشير إلى لزوم إطاعة الحاكم الجائر مهما فعل، وأبرزها:
الرواية الأولى: خبر حُذيفة بن اليَمان، قال: قلت: يا رسول الله، إنّا كنّا بشرّ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرّ؟ قال: «نعم»، قلت: هل وراء ذلك الشرّ خير؟ قال: «نعم»، قلت: فهل وراء ذلك الخير شرّ؟ قال: «نعم»، قلت: كيف؟ قال: «يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي، ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس» قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع»([317]).
فهذه الرواية واضحة الدلالة ليس على عدم شرعيّة الخروج على الحاكم فحسب، بل على لزوم طاعته والسمع له حتى لو ظلم الناس وأخذ أموالهم، فضلاً عن حالة عدم شرعيّته مثلاً لفسق شخصي أو غيره.
وبقطع النظر عن الملاحظات اللاحقة، فهذه الرواية ـ بهذه الصيغة ـ ضعيفة السند؛ لأنّه رواها أبو سلام عن حذيفة بن اليمان، وهو ممّن لم يروِ عن حذيفة، فيكون الحديث مرسلاً أو منقطعاً، كما نقله المقريزي عن الدارقطني([318]) ؛ وإن عاد وصحّحه عبر رواية البخاري، وهو: كان الناس يسألون رسول الله‘ عن الخير وكنت أسأله عن الشرّ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنّا كنّا في جاهليّةٍ وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: «نعم». قلت: وهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن» قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هدى تعرف منهم وتنكر»، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها»، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: «هم من جلدتنا ويتكلّمون بألسنتنا» قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها ولو أن تعضّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»([319]).
وبهذا لا تتعيّن رواية السمع والطاعة للأمير ولو ضرب ظهرك؛ لأنّ الحوار النبويّ مع حذيفة واحدٌ وقد نُقل بشكلين، فيكون المراد في الحدّ الأدنى هو لزوم الجماعة والإمام عند الفتن والاختلافات، ولا إشارة فيها لمفهوم ظلم الإمام وبطشه وغير ذلك.
الرواية الثانية: خبر عُبادة بن الصامت، قال: دعانا رسول الله‘ فبايعناه، فكان (فقال) فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهلَه. قال: «إلا أن تروا كفراً بَوَاحاً عندكم من الله فيه برهان»([320]).
وفي بعض النسخ ـ كما أشار النووي في شرح مسلم ـ بَرَاحاً، والمقصودُ واحدٌ وهو الكفر الظاهر، وقيل: أراد بالكفر المعاصي([321])، ونُقل هذا التفسير ـ أعني المعاصي ـ عن النووي أيضاً([322])، وقد نصّ الألباني على صحّة هذا الحديث([323]).
وليس في هذا الحديث أمر بلزوم الطاعة، بل نهيٌ عن منازعة السلاطين في سلطانهم، إلا في حالة الكفر البواح الظاهر.
وقد تُناقش هذه الرواية من حيث الدلالة بأنّ الاستثناء فيها منقطعٌ؛ ذلك أنّها تنهى عن منازعة الأمر أهلَه؛ فهي تسلّم بأنّ السلطان الذي يجري الحديث عنه هو أهلٌ لهذا المنصب، فيكون الاستثناء إشارة إلى أنّ الكافر خارج تخصّصاً عن كونه من أهل الحكم، لا أنّه داخل وقد خرج تخصيصاً، إذاً فهي تفترض أهليّة الحكم، إلا إذا قيل بأنّ الاقتصار على هذا الاستثناء المنقطع كاشفٌ عن عدم وجود استثناءٍ آخر، ولا سيما أنّ الكفر البواح يندر تحقّقه عادةً بالنسبة لحاكم المسلمين، فلماذا ميّزه بالذكر وترك غيره؟! وثمّة احتمال أنّ الجملة موضع الشاهد من كلام عبادة بن الصامت نفسه وليست جزءاً من الرواية بل مدرَجة فيه.
الرواية الثالثة: خبر سلمة بن يزيد الجعفي، أنّه سأل رسول الله‘: يا نبيّ الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقّهم ويمنعونا حقّنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس، وقال: «اسمعوا وأطيعوا؛ فإنّما عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم»، وفي روايةٍ أخرى تصريح بأنّ القائل الأخير هو رسول الله‘([324]).
وهذه الرواية دالّة على أنّ الحاكم حتى لو منع الحقوق تُرِك، وأنّ اللازم معه هو السمع والطاعة رغم ذلك. لكن هنا مشكلة وهو أنّ الرواية في موردٍ كان ظاهرها نسبة الجملة الأخيرة إلى الأشعث بقرينة: «فجذبه الأشعث.. وقال:..»، فيما جاءت في موردٍ آخر منسوبةً إلى النبيّ‘.
وقد انتقد هذه الرواية بعضُهم بأنّها توحي بعدم تدخّل النبيّ في حياة الناس العامة؛ وإلا فلماذا هذا الإعراض مرّةً أو مرّتين؟! مضافاً إلى أنّ الرواية تأمر بإطاعة الحاكم وتنهى عن نهيه عن المنكر، وهذا أمرٌ واضح الفساد([325]).
لكنّ هذه الملاحظة لا تبدو صحيحةً؛ فإنّ الإعراض الموجود في الرواية من النبيّ لا يعني عدم تدخّله في الحياة العامّة، بل مثله موجود كثيراً في الروايات، يدلّ ـ فيما يدلّ حسب الظاهر ـ على ثقل الأمر وشدّة القضيّة، ولعلّه نوعٌ من حثّ السامع على السؤال والتكرار كي يأتي الجواب في موقعه، وإلا لزم ردّ تمام الروايات التي فيها هذا اللسان، مع أنّه لا يُظن أخذ المستشكل بذلك؛ إضافةً إلى أنّ الرواية لا تتعرّض لترك الأمر بالمعروف و.. وإنّما تريد أن تقول بأنّ عليكم السمع والطاعة، وهم يتحمّلون الوزر، فهذا معناه ـ بقرينة السؤال ـ أنّ حقوقهم يجب أن تؤدّى إليهم ولا يصحّ بحجّة أنّهم لا يؤدّون حقوق الناس أن نمنع حقوقَهم، فهم يتحمّلون وزر منعهم الحقوق، وهذا تماماً كمنع الزوجة حقّ الرجل في إجراءٍ احترازي أو ردّ فعل على منع الرجل حقّ المرأة، فهذا ما أفتى بعض الفقهاء بعدم جوازه، لكنّ هذا لا يعني سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لكن تبقى مشكلة التردّد في الجملة الأخيرة: هل صدرت من الرسول أو لا؟ ومع تردّد الأمر لا نستطيع الجزم بالصدور، والروايتان تتحدّثان عن واقعة واحدة، ومعه لا نجزم بصدور هذه الجملة عن الرسول. هذا وفي السند إرسال من طرف علقمة التابعيّ حسب نقلين، فيما هو متصلٌ حسب نقلٍ ثالث، الأمر الذي قد يوجب الريب.
الرواية الرابعة: خبر ابن عباس، عن رسول الله‘، قال: «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه؛ فإنّه ليس أحدٌ من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتةً جاهليّة»، وفي ذيل نقلٍ آخر حديثٌ عن مفارقة الجماعة، وليس الخروج من السلطان شبراً([326]). وقد ذكر النووي أنّه حديث متفقٌ عليه([327]).
والرواية قد يمارَس نقدٌ متنيٌّ عليها في تعبير «السلطان»، فهل كان رائجاً استخدامه في أدبيّات الفترة النبويّة؟!
الرواية الخامسة: خبر عوف بن مالك، عن رسول الله‘، قال: «خيار أئمّتكم الذين تحبّونهم ويحبّونكم، ويصلّون عليكم وتصلّون عليهم، وشرار أئمّتكم الذين تبغضونهم ويبغضوكم وتلعنونهم ويلعنونكم». قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم (بالسيف)؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة»([328]).
وإقامة الصلاة إمّا يراد منها هنا المعنى الحقيقي للكلمة، أو تكون كنايةً عن دوام الإسلام في شعائره، بحيث لا يخرج الحاكم عن شعائر الدين الإسلامي، فتشابه تلك الرواية التي استثنت الكفر، أو تكون إشارة إلى إقامة أحكام الله فيهم.
وهذه الرواية تعاني من ضعفٍ سنديّ؛ فقد ورد فيها مسلم بن قرظة الأشجعي، الذي لم نجد توثيقاً له، سوى توثيق الذهبي (748هـ)، وهو متأخّر([329])، نعم يفهم توثيقه بدرجةٍ ما من ابن حبان. والرجل حسب الظاهر من رجال الشام وجماعة بني أميّة.
الرواية السادسة: خبر أم سلمة، أنّ رسول الله‘، قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع» قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلّوا»([330]).
وقد شرح النووي لنا الحديثَ بأنّ معنى «من عرف برئ» أي من عرف المنكر صارت له طريق للبراءة من إثمه وعقوبته بالتغيير باليد واللسان، وإلا فليكره في قلبه، وفي رواية «من كره برئ»، كما أنّ جملة «ولكن من رضي وتابع» معناها الإثم عليه، إذ عليه الكره في قلبه([331]).
وجاء الخبر بصيغةٍ مختلفة على الشكل الآتي: «إنّه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضى وتابع»، قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلّوا»([332]).
وهذه الرواية تختلف عن سابقاتها من حيث إنّها تحثّ على الإنكار والتغيير وعدم الرضا و.. لكن ذيلها صريح في النهي عن قتال الأمراء إلا إذا تركوا الصلاة، إمّا وقوفاً على ترك الصلاة، أو كناية عن التخلّي عن الإسلام.
وفي سند الرواية ضبّة بن محصن، ولم يوثقوه([333])، ولعلّه وثقه ابن حبّان([334])، ووثقه الذهبي من المتأخّرين([335]).
الرواية السابعة: خبر نافع، أنّ عبد الله بن عمر جاء بعد وقعة الحرّة([336]) زمن يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن مطيع([337])، فقال الأخير: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثاً سمعت رسول الله‘ يقوله. سمعت رسول الله يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهليّة»([338]).
وهذه الرواية استُفيد منها أنّ ابن عمر كان ضدّ الثورة على الأمويّين، خلافاً لابن مطيع الذي ثار على يزيد آنذاك.
لكن بقطع النظر عن موقف ابن عمر، فإنّ هذه الرواية لا إطلاق فيها حتى لو طبّقها ابن عمر على ذاك المورد؛ لأنها تدلّ على النهي عن ترك الخضوع لبيعة الحاكم أو الأمير، وتعبير «مات ميتةً جاهلية» لا يعني ـ بالضرورة ـ أنّه مات كافراً، بل هي إشارة إلى أنّ العرب في الجاهليّة لم يكن لهم قائد وزعيم، فالرواية تنهى عن ترك اتخاذ الحاكم والخروج من يد البيعة؛ فهي تأمر بالبيعة للحاكم وعدم العودة لعصر الجاهليّة الفوضوي، لكنّها لا تحدّد من هو الحاكم؟ فلو فرضنا أنّ الشيعي يرى جعفر الصادق حاكماً حقيقيّاً للأمّة وبايعه، لا يكون قد لقي الله بلا بيعة، بقطع النظر عن صوابيّة هذه البيعة أو تلك.
وبعبارة مختصرة: الرواية وكثير غيرها مما شابهها لا تدلّ على أزيد من رفض الفوضى وعدم اتخاذ حاكم للأمّة، لكنّها لا تعيّن مورد البيعة والرجل المبايَع، فهي أشبه بتحديد لزوم الانتماء السياسي للمسلم مقابل العزلة واللاإنتماء. كما أنّ الرواية لا تتحدّث عن الصور والحالات الطارئة، وماذا لو خرق الحاكم نفسه مقتضى البيعة؟ وماذا لو ظلم وقتل وسفك الدماء البريئة؟ فتمسُّكُ ابن عمر بالإطلاق هنا غير مفهوم.
الرواية الثامنة: خبر أبي هريرة، عن النبيّ‘: «.. من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصي الأمير فقد عصاني»، وهذه الرواية وما يشبهها وردت بأسانيد مختلفة إلى أبي هريرة تارةً فيها هذا المقطع وأخرى بدونه، وتارةً فيها تعبير «أميري» وأخرى «الأمير»([339]).
أ ـ وهذه الرواية ـ بقطع النظر عن سندها، لا أقلّ من جهة أبي هريرة نفسه المختَلَف فيه بين المسلمين ـ لا يُستدلّ بها هنا؛ لأنّها تقرّر مبدأ إطاعة الحاكم، وليست في مقام البيان من حيث التفاصيل والعوارض، فهي كقوله: أطيعوا الحاكم، أمّا من هو الحاكم؟ وهل يجب طاعة من سقط عن شرعيّة الحكومة أو صار ظالماً منحرفاً أو..؟ فهذا كلّه مسكوتٌ عنه، فلا إطلاق فيها من هذه النواحي ليتمسّك بها هنا، وبخاصّة مع تعبير: «أميري».
ومعنى ذلك أيضاً أنّ الخارج على الحاكم لا يرى شرعيّة حكمه، فهو لا يعتبره أميراً شرعيّاً، في حين أنّ منظور الكثير من هذه النصوص هو الحاكم الشرعي، فتطبيق هذه النصوص في حقّ الخارج على الحاكم مع افتراض أنّه لا يراه حاكماً شرعيّاً نوعٌ من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة للعام نفسه.
ب ـ يضاف إلى ذلك أنّه في بعض الأسانيد لا يوجد هذا المقطع في الرواية، فيحصل لنا تردّد في القضيّة، هل أُقحم هذا النصّ وزيدَ أو أُنقص من قبل بعضهم، سواء عن عمد أم عن سهو؟
ج ـ كما أنّ الرواية تارةً وردت بعنوان «أميري» وأخرى «الأمير»؛ ونحن نحتمل ـ بناءً عليه ـ احتمالاً قويّاً أنّ المراد بالأمير هنا أمراء السرايا الذين كان يرسلهم رسول الله‘، أي المبعوثون من قبله على فرق الجيش والقتال، فلا يحرز أنّ لها نظراً إلى مفهوم الإمارة بالمعنى الواسع، لا سيما مع عدم كون الأمراء اللاحقين منصوصاً عليهم من النبيّ‘ كأمراء السرايا.
وعليه، فالاستناد إلى مثل هذه الأحاديث مشكلٌ هنا. ومثلها النصوص التي تستخدم عبارة "سلطان الله" فإنّها أظهر في كونه من الله سبحانه ومرضيّاً عنه، لا مطلق السلطان، فراجع حتى لا نطيل.
الرواية التاسعة: خبر أبي هريرة، قال: «إنّ خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مُجَدَّع الأطراف([340])»، ومثله عنه قال: قال رسول الله‘: «عليك السمع والطاعة في عُسرك ويُسرك ومنشطك ومكرهك وأثرةٍ عليك»، ومثلها أخبار عن يحيى بن الحصين، وشعبة، وابن عمر([341]).
وهذه الرواية وأمثالها ـ مهما كانت أسانيدها ـ لا تفيد هنا أيضاً؛ لأنّها بصدد الحديث عن أصل طاعة الحكّام، ولا تتصدّى للتفاصيل والطوارئ، ولا سيما أنّ بعضها قيّد الطاعة بأن لا تكون في معصية، وبعضها قيّدها بما دام الحاكم يعمل بكتاب الله، فبعض ألسنة هذه الروايات ضدّ من يريد الاستدلال بها هنا، فهي مستندٌ غير قوي هنا إطلاقاً.
وأمّا تعبير المنشط والمكره والعسر واليسر وأمثالها فلا علاقة لها بموضوعنا، بل هي تريد أن تطالب المسلمين بالطاعة للحاكم، سواء كانوا متحمّسين لها أم لا، وسواء كانت الظروف ظروف يُسر أم ظروف عُسر، فهي تندّد بمن يطيع الحاكم عندما تكون في الطاعة راحةٌ له أو مصلحة، أمّا عندما تكلّفه الطاعة وتفرض عليه تحدّيات فهو يتخلّى عنها ويتباطأ، وأين هذا من موضوعنا هنا؟!
الرواية العاشرة: خبر أبي هريرة أيضاً، عن النبيّ‘: «إنّما الإمام جُنّةٌ يُقَاتَل مِن ورائه ويُتّقَى به، فإن أمر بتقوى الله عزّ وجل وعدل كان له بذلك أجر، وإن يأمر بغيره كان عليه منه»([342]).
وظاهر الرواية أنّ الإمام جُنة يقاتل معه حتى لو أمر بغير التقوى حيث يتحمّل هو بنفسه الوزر، فعدم تعرّضها لرفضه والإنكار عليه والإبقاء على وصفه بالجُنّة و.. دليلٌ على لزوم البقاء على بيعته وحرمة التخلّف عنه.
والمشكلة في الرواية من حيث ورود مثل أبي هريرة في سندها، وهو رجل الشام الذي لا وثوق بروايته في هذه الأمور حتى لو كان ثقةً في نفسه، فضلاً عن الخلاف فيه حتى بين أهل السنّة.
يُضاف إلى ذلك أنّ ذيل الرواية إن قُصدَ منه أنّه يجب علينا طاعة الحاكم حتى لو أمر بمعصية ويتحمّل هو الوزر، فهذا خلاف النصوص الدالّة على أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
الرواية الحادية عشرة: خبر عبد الله بن عمرو بن العاص، في حديث، قال: كنّا مع رسول الله‘.. قال: «.. ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليُطعه إن استطاع، فإن جاء آخَر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» فدنوت (أي عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة) منه، فقلت له: أنشدك الله، أنت سمعت هذا من رسول الله؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي..([343]).
وفي خبرٍ آخر أورده السيد علي خان المدني في «الدرجات الرفيعة» أنّ عبد الله قال لوالده عمرو بن العاص: لولا أنّ رسول الله أمر بطاعتك ما سرت معك هذا المسير، أما سمعتَ رسول الله يقول لعمّار: «تقتلك الفئة الباغية»([344]).
والرواية واضحة في دلالتها على لزوم الطاعة والحكم بضرب عنق كلّ خارج عن الإمام المبايَع، تؤيّدها الرواية الثانية عن الرجل نفسه، نعم كون الرجل في أجواء بني أميّة يثير الغرابة، طبقاً لرواية الدرجات الرفيعة؛ إذ كيف صار ابن العاص واجب الطاعة مع أنّ معاوية إمامَه لم يبايعه أحد، بل المبايَع من جانب المهاجرين والأنصار هو عليّ×، ومع نقله نصّ الفئة الباغية في أكثر من رواية ألا يكون معاوية هو الخارج عن البيعة فيلزم ضرب عنقه دون الخروج مع ابن العاص! وسيأتي ما يتعلّق ببعض هذه الأمور.
نعم، يحتمل أن تكون إطاعته لوالده لا من باب كونه إماماً، بل لما ورد في الكشي مسنداً إلى حنظلة بن خويلد العنزي من أنّ عبد الله إنّما يُجبَر على إطاعته والده؛ لأنّ عمرو بن العاص شكاه مرّةً إلى النبيّ‘، فقال له الرسول: «أطع أباك ما دام حيّاً ولا تعصه»([345]). وحتى لو صحّت هذه الرواية عنه ـ وهي ضعيفة بإهمال أسود بن مسعدة الوارد في سندها([346]) ـ هل يمكن تصوّر أن يفهم صحابيٌّ عاشر النبيَّ‘ لزوم اتّباع الوالد حتى لو خاض فتنةً يعرف هو أنّهم البغاة فيها؟!
برأيي إذا صحّت هذه النصوص، فهي لا تقبل التفسير، إلا أنّ هذا الرجل إمّا بسيط جداً وساذج أو أنّه يتحايل على الرأي العام ليبرّر ميله المعروف لطرف بني أميّة، أو أنّه يتحايل على أنصار بني أميّة في مجمل سلوكه، فيستخدم معهم مثل هذا الأسلوب، خاصّة مع البناء على أنّه نصح الفريق الأموي في أكثر من موضع بعدم الخروج على عليّ بن أبي طالب، والله العالم، وإلا فالنصّ الأوّل دالٌّ بإطلاقه على نظريّة حرمة الخروج المسلّح.
الرواية الثانية عشرة: خبر الحسن البصري، قال رسول الله‘: «لا تسبّوا الولاة؛ فإنّهم إن أحسنوا كان لهم الأجر وعليكم الشكر، وإن أساؤوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر، وإنّما هم نقمة ينتقم الله بهم ممّن يشاء، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحميّة والغضب، واستقبلوها بالاستكانة والتضرّع»([347]).
فالرواية ظاهرة في الحثّ على الصبر عند إساءة الحكّام، وأنّه لا معنى لسبّهم أبداً؛ فضلاً عن أن يقوم المرء بثورة ضدّهم؛ فإنّها مواجهةٌ لنقمة الله تعالى.
وتبدو معالم التأويل الكلامي والأيديولوجي هنا منسجمةً مع نمط تفكير الحسن البصري (110هـ) ذي النزعة الروحيّة والمعنويّة، بحيث يتحوّل الحاكم الظالم إلى غضب إلهي على الناس، فكأنّهم عصوا الله فغضب عليهم بهذا الحاكم الظالم، والمفروض أن يتقبّلوا هذا الغضب بروح الرضا والتسليم والخضوع، لا بروح الغضب والحمية والمواجهة. ومن المعروف ـ تاريخيّاً ـ أنّ الحسن البصري رفض المشاركة في أيّ حركة تخرج على بني أميّة.
وقد روى هذه الرواية أبو يوسف القاضي (182هـ) في كتاب "الخراج"، والظاهر أنّها مرسلة؛ لعدم ذكر الواسطة بين البصريّ والرسول، وبخاصّة أنّ شيوخ البصري كان فيهم الصحابي وغيره.
الرواية الثالثة عشرة: خبر أبي هريرة، عن النبيّ‘، أنّه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتةً جاهلية، ومن قاتل..»([348]).
وبقطع النظر عن سند الرواية، قد لا تكون دالّةً على النهي عن مطلق الخروج على الحاكم؛ لأنّ نظرها الخروج على الجماعة، أي الأكثريّة، وإلا فلو كانت أكثريّة الشعب ضدّ الحاكم، فهذا ليس خروجاً عن جماعة المسلمين، فتختصّ بالحركات المسلّحة التي لا تمثل غالبيّة المسلمين في توجّهها، لا لمحذور مخالفة الحاكم، بل لمحذور مخالفة الجماعة. مضافاً إلى ما أسلفناه سابقاً من أنّ النظر هنا إلى التحذير من العودة إلى الفوضى وحياة الجاهليّة وضرورة ممارسة الحياة المركزيّة في السياسة.
إنّ مجموعة لا بأس بها هنا من النصوص الحديثيّة تضع المعيار في الجماعة دون الحاكم، لكنّ العقل الإسلامي كثيراً ما قام بالمماهاة تاريخيّاً بين الحاكم والجماعة، وإلا فمن الممكن أن تكون جماعة المسلمين على خلاف الحاكم، غير أنّها مقهورة. وهذه حقيقة يجب أخذها بعين الاعتبار لتمييز نصوص طاعة الحاكم عن مطلق نصوص عدم مفارقة الجماعة.
ومثل هذه الرواية رواية عرفجة ـ بأسانيد متعدّدة، في متونها بعض الاختلاف ـ قال: سمعت رسول الله‘، يقول: «إنّه ستكون هنّاتٌ وهنّات([349])؛ فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الأمّة، وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان»([350]).
وقد شرح النووي روايةَ عرفجة فقال: «فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك، وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل، وإن لم يندفع شرّه إلا بقتله فقُتل كان هدراً، فقوله‘: فاضربوه بالسيف، وفي الرواية الأخرى فاقتلوه، معناه إذا لم يندفع إلا بذلك..»([351]).
الرواية الرابعة عشرة: خبر حذيفة ـ في قضيّة الخروج على عثمان ـ قال: سمعت رسول الله‘ يقول: «من فارق الجماعة واستذلّ الإمارة لقي الله عزّ وجل ولا وجه له عنده»([352]).
وبصرف النظر عن سند الرواية، فهي تتحدّث عمّن خالف نظر أكثريّة الناس وانشقّ عليهم ليُذلّ الحاكم، فلا تشمل حالة الخروج من جانب الأكثريّة نفسها التي بايعت غير الحاكم الذي يحظى بأقليّة، وكلّ نصوص مفارقة الجماعة التي لا نطيل باستعراضها والواردة في مصادر السنّة والشيعة يفترض أن تُفهم بهذه الطريقة، أي مواجهة الأكثريّة من الشعب المسلم. نعم، هذه النصوص قد يقال: إنّها تشمل حتى حالة الخلاف السياسي، ومن ثمّ فهي تنظّر لاستبداد الأكثريّة، وبعضها خاصّ بالخروج المسلّح.
الرواية الخامسة عشرة: خبر حسين بن زيد بن علي، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين بن علي، عن عليّ، عن النبيّ‘، قال: «السلطان ظلّ الله في الأرض، يأوي إليه كلّ مظلوم، فإن عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإن جار كان عليه الوزر وعلى الرعيّة الصبر حتى يأتيهم الأمر»([353]).
وهذا الحديث من النصوص القليلة الموجودة في مصادر الشيعة الإمامية بهذا اللسان، لكنّه ورد في مصادر أهل السنّة بالسند إلى ابن عمر تارةً وكثير بن مرّة أخرى عن النبيّ، لكن من دون عبارة «حتى يأتيهم الأمر»، فراجع([354]).
وفي أحد السندين إرسال؛ لأنّ كثير بن مرّة ليس من الصحابة، وفي سند الطوسي أبو المفضّل.
الرواية السادسة عشرة: خبر زر بن حبيش، قال: لما أنكر الناس سيرة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فزع الناس إلى عبد الله بن مسعود، فقال لهم عبد الله: اصبروا فإنّ جور إمامكم خمسين عاماً خيرٌ من هرج شهر؛ وذلك أنّي سمعت رسول الله‘ يقول: «لا بدّ للناس من إمارة برّة أو فاجرة، فأمّا البرّة فتعدل في القسم، وتقسم فيئكم فيكم بالسويّة، وأما الفاجرة فيبتلي فيها المؤمن. والإمارة الفاجرة خيرٌ من الهرج» قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: «القتل والكذب»([355]).
وقد علّق الهيثمي على الحديث بقوله: «رواه الطبراني، وفيه وهب الله بن رزق، ولم أعرفه، وبقيّة رجاله ثقات»([356]). ولم أعثر على شيءٍ في محمّد بن عبد الله بن عرس ووهب الله بن رزق، يعتمد عليه، وقد وقعا في الإسناد.
الرواية السابعة عشرة: خبر أسماء بنت يزيد، أنّ أبا ذرّ الغفاري كان يخدم النبيّ‘، فإذا فرغ من خدمته آوى إلى المسجد، فكان هو بيته يضطجع فيه، فدخل رسول الله‘ المسجد ليلةً، فوجد أبا ذر نائماً منجدلاً في المسجد، فنكته رسول الله‘ برجله حتى استوى جالساً، فقال له رسول الله‘: «ألا أراك نائماً»، قال أبو ذر: يا رسول الله، فأين أنام؟! هل لي من بيت غيره؟!، فجلس إليه رسول الله‘، فقال له: «كيف أنت إذا أخرجوك منه؟»، قال: إذاً ألحق بالشام، فإنّ الشام أرض الهجرة، وأرض المحشر، وأرض الأنبياء، فأكون رجلاً من أهلها. قال له: «كيف أنت إذا أخرجوك من الشام؟»، قال: إذاً أرجع إليه فيكون هو بيتي ومنزلي، قال له: «كيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية؟»، قال: إذاً آخذ سيفي فأقاتل عنّي حتى أموت، قال: فكشر إليه رسول الله‘ فأثبته بيده، قال: «أدلّك على خيرٍ من ذلك»، قال: بلى بأبي أنت وأمي يا نبيّ الله. قال رسول الله‘: «تنقاد لهم حيث قادوك، وتنساق لهم حيث ساقوك، حتى تلقاني وأنت على ذلك»([357]).
وفي السند شهر بن حوشب، وفيه توثيقٌ وتضعيف، واللافت أنّ ابن حبان ضعّفه رغم تساهله في التوثيق. وفي الرواية رائحة الوضع.
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا الصدد، والباقي إمّا مذكور في المصادر الحديثيّة اللاحقة، نقلاً عن سابقاتها، فيكون تكراراً، مع بعض الاختلافات الطفيفة أحياناً في المتن، أو متأخّر ضعيف السند جداً لا يعتدّ به هنا، فلا داعي للإطالة. وأمرُها ـ من حيث السند والمتن ـ صار واضحاً ممّا تقدّم.
1 ـ 2 ـ مرجعيّتا: الإجماع وهتك الحرمات في تأسيس الطاعة المطلقة للحكّام
يضاف إلى الاستناد إلى النصوص هنا، الاستناد إلى الإجماع، حيث ادّعى بعضهم ـ كالنووي في شرح مسلم([358]) ـ إجماع المسلمين على حرمة الخروج.
وتنقل هنا جملة عن الشيخ البخاري، يقول فيها: «لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم، أهل الحجاز ومكّة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر.. منهم المكّي بن إبراهيم ويحيى بن يحيى وعلي بن الحسن بن سفيان وقتيبة بن سعيد وشهاب بن معمر وبالشام محمد بن يوسف الفريابي وأبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر وأبا المغيرة عبد القدوس بن الحجاج وأبا اليمان الحكم بن نافع ومن بعدهم عدّة كثيرة وبمصر يحيي بن بكير وأبا صالح كاتب الليث بن سعد وسعيد بن أبي مريم وأصبغ بن الفرج، ونعيم بن حماد، وبمكّة عبد الله بن يزيد المقرئ والحميدي وسليمان بن حرب قاضي مكّة، وأحمد بن محمد الأزرقي، وبالمدينة إسماعيل بن أبي أويس ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن نافع الزبيري وأحمد بن أبي بكر الزهري أبا مصعب وإبراهيم بن حمزة الزبيري وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وبالبصرة أبا عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني وأبا الوليد هشام بن عبد الملك والحجاج بن المنهال وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني، وبالكوفة أبا نعيم الفضل بن دكين وعبيد الله بن موسى وأحمد بن يونس وقبيصة بن عقبة وابن نمير وعبد الله وعثمان ابني أبي شيبة، وببغداد أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبا معمر وأبا خيثمة وأبا عبيد القاسم بن سلام، ومن أهل الجزيرة عمرو بن حماد الحراني، وبواسط عمرو بن عون وعاصم بن علي، وبمرو صدقة بن الفضل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، واكتفينا بتسمية هؤلاء حتى يكون مختصراً وأن لا يطول ذلك.. فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء.. وأن لا ينازع الأمر أهله..»([359]). وإن كانت هذه الجملة غير واضحة في الدلالة؛ لافتراض أنّ المنازعة فيها وقعت مع من هو أهل لهذا الأمر، بينما الخارج على الحاكم لا يرى الحاكم أهلاً أساساً.
كما استند بعضهم إلى أنّ في الخروج فتنةً وانتهاكاً للحُرمات، ومفسدتها أعظم من مصالحها، وأنّها بحسب التجربة التاريخيّة للمسلمين لم تنتهِ إلا بالفشل وشقّ العصا وإضعاف الأمّة، كما حصل في ثورات عديدة، كوقعة الحرّة([360]).
وهذا التحليل يبني على واقع التجربة التاريخيّة الإسلاميّة، وينطلق من التفكير السياسي الاجتماعي التاريخي على قواعد فقه المصلحة، فهو يتساءل: ماذا استفاد المسلمون من كلّ هذه الثورات سوى سفك الدماء وضعف الدولة المركزيّة وتلاشي قوّتهم وبناء دويلات متعدّدة؟! وماذا حقّقت هذه الثورات والحركات الانفصاليّة من إنجازات تتخطّى ما كانت الحال عليه مع الدولة التي تمّت الانتفاضة ضدّها؟! وبماذا انتفع المسملون بمتابعتهم لهذه العقليّات الثوريّة الغاضبة؟! يجب عدم الاستهانة بتحليلٍ من هذا القبيل في دراسة موضوع من هذا النوع.
1 ـ 3 ـ وقفات نقديّة حول توظيف الروايات والإجماع و.. لتكريس الطاعة المطلقة
وفي مقابل هذه النصوص وهذا الإجماع، ثمّة مناقشات عديدة لا بدّ لنا من ذكرها:
1 ـ 3 ـ 1 ـ علاقة التخصيص والتقييد بين النصوص المانعة والمرخّصة في الثورة
أوّل الملاحظات هنا هو أنّ غاية ما تدلّ عليه هذه النصوص هو الحكم بحرمة الخروج على الحاكم مطلقاً، ونقيّدها حينئذ بما توصّلنا إليه في نظريّة شرعيّة الخروج، فإنّ الأدلّة قد دلّت هناك ـ ومنها آية محاربة أهل البغي ـ على جواز الخروج في بعض الحالات، فتكون أخصّ فتقيّد أو تخصّص العمومات والمطلقات الواردة هنا، وهو ما لا تأباه هذه الأدلّة هنا؛ لأنّ بعضها هو في أصله في غير مقام البيان، وما كان في مقام البيان لم نجد فيه صيغةً تمنع عن تقييده. فلا يبقى ـ لو بقي ـ سوى شيء يسير جدّاً من النصوص يأبى عن التخصيص، ولا يُعمل بخبرٍ آحاديّ على التحقيق.
وهكذا الحال فيما دلّ من هذه النصوص على لزوم الطاعة مطلقاً؛ فهي مقيَّدة بما دلّ على حرمة الطاعة في معصية، ومعه يمكن الجمع بين الأدلّة والوصول إلى نتائج يجمعها حرمة الخروج على الحاكم حتى لو لم يكن شرعيّاً إلا في بعض الحالات المحدودة التي أشرنا إليها في استعراض نظريّة التجويز. إلا إذا قيل بأنّ نظر هذه الروايات هنا للحكّام الخارجيّين المعروفين آنذاك بأنهم معتدون وبغاة وظلمة وما شابه ذلك.
1 ـ 3 ـ 2 ـ إضعاف قوّة الدلالة في النصوص من خلال فهم وتجربة الصحابة و..
المناقشة الثانية هنا ذكرها بعض علماء أهل السنّة، حيث احتجّوا على الأخذ بهذه الروايات بمثل خروج الحسين بن علي، وابن الزبير، وخروج أهل المدينة على بني أميّة، وغير ذلك مما حصل في القرن الأوّل الهجري. وهؤلاء من الصحابة أو من هو في قوّة الصحابة، فكيف يمكن أن لا يعرف هؤلاء بهذه النصوص، لا سيما إذا كانت واضحة جليّة كما يدّعي أنصار التحريم؟! فهل يُعقل أنّها صدرت ولم يطّلعوا عليها؟! وهل يعقل أنّهم اطّلعوا وفهموا منها ما فهمه المستدلّ هنا، ومع ذلك خرجوا أو باركوا الخروج؟!
وهذا الكلام تارةً نستبعد منه الحسين بن علي، وأخرى نلاحظه:
أ ـ فإذا استبعدنا الإمام الحسين، فلا يمثل أيّ دلالة، لأنّ أقصاه أنّ أحد الفريقين فهم الإطلاق من هذه النصوص واجتهد في الموضوع، وخرج بهذا الاستنتاج، فيما تبنّى فريقٌ آخر فهماً إطلاقيّاً، فغاية ما هناك تعدّد اجتهاداتهم في هذا الموضوع. وفعلهم ليس بحجّة، ولا سيما نحن نتحدّث بعد عصر الخلفاء الأربعة الأوائل، حيث لم يبقَ هناك سوى عدد قليل من الصحابة، فلا يعارض هذا التاريخ ظواهر النصوص. أمّا لو انعقدت سيرة المتشرّعة على الخروج، لشكَّكَنَا ذلك في الإطلاق الظاهر من هذه النصوص حتى لو لم تكن سيرتهم حجّةً أحياناً، لكنّ هذا غير واضح إطلاقاً هنا.
ب ـ وأمّا إذا أخذنا بنظر الاعتبار حركة الحسين، فالأمر كذلك بالنسبة لمن لا يعتقد بعصمته وإمامته ومرجعيّته المطلقة، أمّا بالنسبة للشيعي المعتقد بإمامته وعصمته، فالكلام معه يرجع إلى ما أسلفناه في بحث نظريّة شرعيّة الخروج، وقد ذكرنا هناك عدّة نظريّات بعضها يسمح بالاستدلال بخروجه× هنا وبعضها لا يسمح، وقد ذكرنا إمكانيّة هذا الاستدلال هنا لكن في نطاق محدود.
وطبقاً لنظريّتنا في الجمع بين نصوص الطاعة هنا وما خرجنا به من نتائج في بحث شرعيّة الخروج سابقاً يمكن تفسير الثورات المسلّحة في القرن الأوّل، تفسيراً إمكانيّاً، بأنّ من خرج كان يرى خروجه مصداقاً لدليل الرخصة والجواز، فيما كان يرى الآخرون أنّه ما يزال تحت عمومات النهي عن القتال بين المسلمين.
1 ـ 3 ـ 3 ـ وقفةٌ نقديّة مع ادّعاء الإجماع في موضوعٍ خلافيّ بامتياز!
إنّ الحديث عن إجماع المسلمين هنا مثيرٌ للاستغراب، فكيف حصل إجماع المسلمين مع كلّ هذه الثورات التي حصلت في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى مدعومةً بفهمٍ ديني ـ في الكثير منها ـ ليبرّرها؟ بل حتى الخوارج ومعاوية وعائشة أمّ المؤمنين وأنصارهم، كيف خرجوا لولا أنّهم تأوّلوا النصوص وأقنعوا الآخرين بهذا التأويل حتى لو تابوا بعد ذلك؟ وكيف انعقد إجماع المسلمين وثورات المدينة والحسين، وابن الزبير، وزيد الشهيد الفقيه، وموقف أبي حنيفة المعروف في دعمه و.. معالم واضحة على عدم وجود وجهة نظر واحدة عند المسلمين في القرون الأولى؟ بل ما معنى ثورة العباسيّين المدعومة بأفهام فقهيّة ضدّ الخلافة الأمويّة نفسها؟ وما معنى ثورات الزيدية والحسنيّين؟! والأمثلة لا تعدّ ولا تحصى، ولا سيما أنّ الثورات في تلك العصور في الوسط الإسلامي كانت تحمل معها ـ ولو ظاهراً ـ تفسيراً دينيّاً يبرّرها، وإلا لما خرج الناس معها، فكيف نفسّر كلّ هذه الثورات يا تُرى؟!
وحتى لو نظرنا في المواقف الفقهيّة اللاحقة لم نجد أيّ إجماع إسلامي، فقد أسلفنا بيان موقف الزيدية، والخوارج، والمعتزلة، وجملة من المرجئة، وأبي بكر الأصم في الجملة، والجهم بن صفوان، وجملة أساسيّة من الظاهريّة على رأسهم ابن حزم الذي حكم بوجوب الخروج، وحتى الإماميّة، لا يحرّمون الخروج بنفسه بل يربطونه بالمعصوم، كما ذكرنا آنفاً، ومع هذا كلّه كيف يصحّ القول بانعقاد إجماعٍ إسلامي في الموضوع؟! فالإنصاف أنّ القضية مشكلة مختلف عليها تعدّدت فيها الاجتهادات وكثرت فيها المواقف، فلا يصحّ الاستناد إلى الإجماع هنا، وحتى لو سلّمناه فهو واضح المدركيّة، كونه يعتمد على النصوص والأدلّة المتقدّمة فلا يكون حجّةً حينئذ.
والمشكلة هنا هو في طريقة بعض العلماء ـ وبخاصّة بعض من في الوسط السلفي ـ الذين يملكون تعريفهم الخاصّ لمفهوم "أهل السنّة والجماعة"، فيُخرجون من الأوّل كلَّ التيارات التي يختلفون معها، من شيعةٍ ومعتزلةٍ وخوارج وكثير غيرهم، ثم يدّعون انحصار عنوان أهل السنّة والجماعة بغيرهم، فتظهر في كلماتهم دعاوى الإجماع الإسلامي، في مقابل المبتدعة والمنحرفين!
واللافت أنّ ابن تيمية ينسب هذا القول لمذهب أهل الحديث، ولا ينسبه لعامّة المسلمين، فيقول: «مذهب أهل الحديث ترك الخروج بالقتال على الملوك البغاة والصبر على ظلمهم إلى أن يستريح بَرٌّ أو يُستراح من فاجر»([361]).
ولا نريد الإطالة في الحديث عن صغرى الإجماع، لكن فلنلاحظ ما قاله ابن حجر العسقلاني، في ترجمة الحسن بن صالح: «وقولهم كان يرى السيف، يعني كان يرى الخروج بالسيف على أئمّة الجور. وهذا مذهبٌ للسلف قديم، لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك؛ لما رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه، ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظةٌ لمن تدبّر، وبمثل هذا الرأي لا يقدح في رجل قد ثبتت عدالته واشتهر بالحفظ والاتقان والورع التام»([362]). فابن حجر يقرّ بأنّه مذهبُ بعض من السلف، لكنّه يرى أنّ الأمر استقرّ على تركه، واللافت أنّه يبيّن منطلق الترك بقواعد فقه المصلحة عبر مبرّرات تجربيّة عقلانيّة، وليس لأجل النصوص الحديثيّة، وهذا ما يستحقّ التوقّف عنده أيضاً!
1 ـ 3 ـ 4 ـ وقفة نقديّة مع منطلقات فقه المصلحة في تحريم الخروج مطلقاً
المناقشة الرابعة هنا هو أنّ الحديث عن حصول مفسدة في الخروج على الظالم أكثر من مفسدة بقائه، ولزوم ذلك للتقاتل بين المسلمين ووقوع الفتنة بينهم، محلّ نظر؛ وذلك أنّ القائل بشرعيّة الخروج يمكنه أن يقيّد هذه الشرعيّة بقيدين سبق أن ذكرناهما في دليل الشرعيّة، وهما:
1 ـ أن يفقد الخارج على الإمام تمام وسائل الإصلاح الأخرى والتغيير، بحيث ينسدّ باب الإصلاح السلمي.
2 ـ أن لا يطرأ عنوان ثانوي يجعل الخروج حراماً، كما لو لزم من الخروج حلول الفوضى مع عدم إحراز النصر أو الظنّ به ظنّاً عقلائياً، فمفهوم الخروج ليس مفهوماً فوضويّاً، وإنّما هو كسائر أنواع العمل الجهادي المنظّم الخاضع للأطر العقلائيّة والشرعيّة.
ومعه، فلا معنى لإطلاق أنّ مفسدة الخروج أكبر مطلقاً ودائماً من مفسدة بقاء الحاكم، كما أنّ أصل حصول تقاتل بين المسلمين هو محلّ بحثنا، فلا يصلح أن يكون دليلاً بعد فرض وجود أدلّة سابقة متقدّمة على دليل حرمة الفتنة وسفك دماء المسلمين، وإلا فكيف صار قتال البغاة؟!
يضاف إلى ذلك أنّ القول بأنّ كلّ الانتفاضات التي حصلت في التاريخ الإسلامي كانت مُفْسِدةً أكثر من كونها مُصلحة، غير واضح؛ فلعلّ وجود هذه الانتفاضات أو بعضها كان سبباً في الحدّ من إغراق الحكّام في الفساد وإبادة الدين يوماً بعد يوم، وبقاء الخوف والقلق من قبلهم تجاه جمهور المسلمين، بحيث منعهم ذلك من بعض ما هو أفسد، فكيف لنا التكهّن بالمشهد التاريخي على تقدير عدم وجود هذه الحركات الثوريّة عبر التاريخ؟! فلعله كان أسوأ وليس أحسن حالاً.
1 ـ 3 ـ 5 ـ تطبيق مقولة نسخ التحريم بنصوص الجهاد، نقدُ رأيِ ابن حزم الأندلسي
ذكر ابن حزم الأندلسي هنا مداخلة نقديّة خلاصتها أنّ هذه الروايات كلّها الدالّة على لزوم إطاعة الحاكم وعدم جواز مقاتلته، إنّما تنسجم مع حال الدين الإسلامي قبل تشريع الجهاد بعد الهجرة، فهي مثل ما دلّ على عدم القتال أثناء ما كان المسلمون في مكّة؛ إذ لها الروح نفسها والجوّ نفسه، ومعنى ذلك أنّها تكون قد ُنسخت بآيات الجهاد وتشريع القتال، فلم ينسخ الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكون هذه النصوص منسوخةً لا يُعمل بها ولا يحتجّ([363]). فكأنّه يعتبرها ضمن منظومة الفقه المكّي الذي نسخت بعض أحكامه في المدينة على مستوى قضايا الجهاد.
ولكنّ دعوى النسخ هنا غير دقيقة؛ إذ تتحدّث الروايات عما سوف يحصل بعد الرسول من فِتَن، وأنّ المطلوب فيها كذا وكذا، فهي إشارة إلى ما بعد وفاة النبيّ، فكيف تكون منسوخةً بنصوص تشريع الجهاد في الكتاب والسنّة؟! فهذا من النسخ قبل وقت العمل بالمنسوخ وفيه كلام. ومن أبرز مصاديق ما نقول خبر حذيفة (رقم: 1)، وكذلك خبر أم سلمة (رقم: 6).
كما أنّ لحن بعض الروايات فيه إشارة إلى أئمّة المسلمين، وهو في حدّ نفسه متصوّر بعد وفاة الرسول، يشهد لذلك ـ على نحو التأييد ـ أنّ الصحابة، مثل عبد الله بن عمرو بن العاص، قد طبّقوا هذه النصوص بعد وفاة النبيّ بسنوات، مثل تطبيقها أيام الثورة على عثمان، وفي معارك صفّين، و.. فكيف يتصوّر النسخ حينئذ؟!
يضاف إلى ذلك، أنّ موضوع الطاعة لحاكم المسلمين والأمراء لم يكن موضوعاً ابتلائيّاً ولا حاضراً في حياة المسلمين العمليّة قبل تشريع الجهاد، فلم تكن للمسلمين حكومة ولا دولة، ولا كان هناك حديثٌ عن الطاعة، لهذا يستبعد صدور هذه الروايات بهذا العدد في الحقبة المكيّة كلّها، نعم بعضها لا ضير في صدوره، ويكفي صدور بعضها بعد تشريع القتال حتى تبطل نظريّة النسخ هنا. بل من أسماء بعض الصحابة الرواة هنا، مثل أبي هريرة الذي أسلم في النصف الثاني من العقد الأوّل الهجري، يُفهم أنّها مدنيّة، فراجع.
يُضاف إليه، أنّ تشريع القتال ونصوص الجهاد العامّة سبق أن قلنا: إنّها ظاهرة في مواجهة الكافرين ومنصرفة عن التقاتل بين المسلمين، وعليه فكيف تكون ناسخةً لهذه الروايات هنا والتي تتحدّث عن العلاقات الداخليّة بين المسلمين أنفسهم؟! والإنصاف أنّ نظريّة ابن حزم بعيدة جداً، فهذه النصوص غير منسوخة ظاهراً.
1 ـ 3 ـ 6 ـ توليفة ملاحظات تُضعف الوثوق بنصوص التحريم المطلق
إنّ لدينا تشكيكاً في صدور هذا اللحن من النصوص عن رسول الله، ولا أقلّ أكثرها؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ بعض هذه الروايات غيرُ معتبر، مثل الرواية الثالثة التي لم نحرز أنّ المقطع الشاهد صدر فيها من رسول الله أو من الأشعث بن قيس، ورواية الحسن البصري المرسلة المرويّة في كتاب الخراج لأبي يوسف، وهي الرواية الثانية عشرة، وغيرها من الروايات مما أشرنا له في البحث التجزيئي.
ثانياً: إنّ بعض رواة هذه الروايات محسوبين على جماعة بني أميّة تاريخياً، وصدور هذه الروايات نقلاً عنهم يثير شكّاً في الموضوع بحيث يُفقدنا الوثوق، تماماً كما قلنا في قضيّة زيد الشهيد والحسين بن علي صاحب فخّ، من حيث ورود الرواة الزيديّة في الأسانيد، فهذا أبو هريرة الذي يروي هنا الرواية الثامنة، والتاسعة، والعاشرة، والثالثة عشرة، من المتعاطفين الذين عاشوا في كنف الدولة الأمويّة. وأما عوف بن مالك (الرواية رقم: 5)، فقد ذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى([364]) أنّه ذهب إلى الشام منذ خلافة أبي بكر وبقي هناك إلى وفاته عام 73هـ، مما يدلّ أنّه عاش في الوسط الشامي، بل في التاريخ الصغير للبخاري أنّه شارك في بعض حروب يزيد في القسطنطينيّة([365])، وفي الرواية نفسها التي رواها عوف بن مالك ورد مسلم بن قرظة الأشجعي وكان من جماعة الشام كما أسلفنا. وهكذا الحال في عبد الله بن عمرو بن العاص (الرواية رقم: 11)، فقد كان في ركب جند الشام، ولو تقيّةً، وقد تحدّثنا عنه سابقاً.
وإذا لم نقل بأنّ هؤلاء اختلقوا هذه الأحاديث، فلا أقلّ من احتمال أنّهم مارسوا ضرباً من التقية في صناعتها، فتأمّل جيّداً.
فهناك ستّ روايات ـ بالحدّ الأدنى ـ مرويّة عبر رواة محسوبين على المدرسة الأمويّة التي لطالما روّجت عن لسان النبيّ مثل مقولات طاعة الحاكم للحدّ من الثورات ضدّها، أو يتوقّع منها ذلك.
ثالثاً: إنّ بعض هذه الروايات ممّا لا يمكن صدوره عن النبيّ‘؛ فإنّ المفهوم منها ليس حرمة الخروج على الحاكم الجائر فحسب، بل حرمة الاختلاف معه، وأنّه إذا ارتكب خطأ أو مارس الظلم فلا علاقة لنا بالأمر. إنّ هذا المفهوم الذي يستوحى من جملة من هذه الروايات، لا سيما من حيث عدم إشارتها إلى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، تساوي حقَّ الحاكم في الاستبداد المطلق، إلا إذا ترك الصلاة، وهذا شيءٌ مخالفٌ لقواعد الإسلام العامّة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتصويب الخطأ والإصلاح في المجتمع. ومخالف في الجملة للقرآن فيما دلّت عليه آية البغي و.. وكلّ مخالف لكتاب الله لا يصدر عن المعصوم.
بل إنّ البيعة نفسها عبارة عن تعاقد له طرفان فإذا أخلّ الحاكم بما تمّ الاتفاق عليه من إقامة العدل بين الناس والسير فيهم بحقّ، فإنّ المبايعين يفترض منطقيّاً أن يملكوا خيار التحلّل من هذه البيعة، وهذا بحثٌ نوكله لمحلّه([366]).
رابعاً: إنّ بعض الروايات المتقدّمة لا دلالة فيه أصلاً على هذا الموضوع، كما أسلفنا عند استعراض الروايات، حتى لو كان ثابتاً سنداً، مثل الرواية الثانية، والسابعة، والثامنة، والتاسعة، والى حدٍّ ما الرواية الثالثة عشرة والرابعة عشرة.
خامساً: إنّ هذه الروايات تخالفها روايات أخَر في الخروج على الحاكم، كتلك التي تقدّم بعضها عند الحديث عن خروج الإمام الحسين، فمثل هذه الروايات ـ وبعضها مرويٌّ عن النبيّ‘ ـ يخالف هذه النصوص التي كأنّ بعضها لا يريد قبول التخصيص أو الاستثناء، غير الكفر البواح أو ترك الصلاة. ومع المعارضة تضعف قوّة الوثوق.
وبضمّ هذه النقاط الخمس، لا يبقى لنا عدد من الروايات يوثق بدلالاته وبصدوره عن النبيّ‘، بحيث نستند إليه في إثبات حكمٍ شرعيّ بوجوب الطاعة بهذه الطريقة أو حرمة الخروج على الحاكم مطلقاً، بناءً على مسلك الوثوق الاطمئناني في حجيّة الأخبار.
نتيجة البحث في حرمة الخروج على الحاكم مطلقاً ولزوم الطاعة
وبهذه الانتقادات العامّة يتبيّن عدم صحّة نظريّة الطاعة المطلقة وشبه المطلقة للحاكم، من هنا نحتمل ـ في بعض الروايات هنا ـ أن تكون واردةً لبيان مبدأ الطاعة أو عدم الخروج عنها بذريعة أنّ الحاكم فعل معصيةً هنا أو هناك، فالمعاصي أو بعض الأخطاء المتعارفة في ممارسة السلطة لا تخرج الحاكم عن شرعيّة الحكومة.
2 ـ نظريّة حرمة الخروج في عصر الغيبة، الأدلّة والمداخلات
قبل كلّ شيء علينا التأكيد على أنّ هذا البحث يَفْتَرِضُ مجموعةَ مصادرات عقديّة خاصّة بالمذهب الإمامي بوصفها أصولاً موضوعة، وفي العادة من لا يأخذ بهذه المصادرات العقديّة الإماميّة فهو في غنى عن هذا البحث كليّاً أو بشكل غالب، من هنا فغير الشيعي من سائر المذاهب نادراً ما ما ينفعه مثل هذا البحث فقهيّاً.
وعلى أيّة حال، فقد تعدّدت الأدلّة لتحريم الثورة بالمنحى الخاص المتقدّم، ونحن نشير بحول الله تعالى إلى أبرزها على الشكل الآتي:
2 ـ 1 ـ نصوص حرمة الخروج في عصر الغَيبة أو قبل قيام الإمام المهدي
ذهب بعض الفقهاء الشيعة إلى حرمة الخروج على الحاكم ـ كائناً من كان ـ قبل ظهور الإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري، بل في بعض الكلمات حرمة تأسيس دولة إسلاميّة في هذا العصر ـ كما صرّح به الشيخ المنتظري([367]) ـ وقد حظي هذا الرأي باهتمام أجيال من العلماء الشيعة فضّلوا التنحّي، بنسبة عالية، عن التدخّل في العمل السياسي إلى ظهور المهديّ.
وعُمدة الدليل هنا ـ بعد استبعاد الإجماع والشهرة؛ للشكّ في صغراهما تارةً مع احتمال المدركيّة جدّاً نتيجة نظريّة التقيّة والنصوص الحديثية القادمة أخرى ـ هو مجموعة من الروايات التي أورد أكثرَها الحرّ العاملي (1104هـ) في كتاب الجهاد من «تفصيل وسائل الشيعة»؛ حيث خصّص الباب الثالث عشر لها، لكنّه لم يذكر للباب عنواناً يفيد جزمه بموقفٍ من مضمون هذه الروايات، خلافاً لعادته في أن تكون عناوين الأبواب في كتاب «تفصيل وسائل الشيعة» تعبيراً عن فتاواه الشخصيّة، فسمّى هذا الباب «باب حكم الخروج بالسيف قبل قيام القائم×».
ويجب أن نعلم ـ بدايةً ـ أنّنا بحثنا سابقاً عن شرط أن يكون الجهاد بإذن المعصوم أو حضوره، وقلنا بأنّ الأدلّة على ذلك غير تامّة، لا في الجهاد الابتدائي ولا في الجهاد الدفاعي، لهذا يعدّ هذا البحث هنا وذاك البحث هناك مكمّلين لبعضهما بعضاً، فليُلتفت إلى ذلك.
وسوف نقوم ببحث هذه النصوص التي تشكّل العائق الديني عن الثورة في عصر الغيبة على مرحلتين:
المرحلة الأولى: عملية التفكيك التجزيئي لهذه النصوص ودراستها كلاً على حدَة من حيث السند والدلالة، وستكون هذه الدراسة التجزيئيّة مقدّمة ضرورية للبحث المجموعي التحليلي.
المرحلة الثانية: عمليّة التفسير المجموعي الإجمالي لهذه النصوص، حيث سنعرض ـ إن شاء الله تعالى ـ للفرضيات المحتملة فيها بوصفها كلاً مجموعاً.
2 ـ 1 ـ 1 ـ التحليل التفكيكي التجزيئي لنصوص المنع عن الثورة في عصر الغَيبة
وعلى أيّة حال، فمهم الروايات الواردة هنا، على الشكل الآتي:
الرواية الأولى: خبر عِيص بن القاسم، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «عليكم بتقوى الله وحده لا شريك له وانظروا لأنفسكم؛ فوالله إنّ الرجل ليكون له الغنم فيها الراعي، فإذا وجد رجلاً هو أعلم بغنمه من الذي هو فيها يخرجه ويجيء بذلك الرجل الذي هو أعلم بغنمه من الذي كان فيها، والله لو كانت لأحدكم نفسان يقاتِل بواحدة يجرّب بها، ثم كانت الأخرى باقية تعمل على ما قد استبان لها، ولكن له نفس واحدة، إذا ذهبت فقد والله ذهبت التوبة، فأنتم أحقّ أن تختاروا لأنفسكم، إن أتاكم آتٍ منّا فانظروا على أيّ شيء تخرجون، ولا تقولوا: خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً ولم يدعكم إلى نفسه، وإنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد‘، ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه، إنّما خرج إلى سلطانٍ مُجْتَمِعٍ ليَنْقُضَهُ؛ فالخارج منّا اليوم إلى أيّ شيء يدعوكم؟ إلى الرضا من آل محمّد عليهم السلام؟ فنحن نشهدكم إنّا لسنا نرضى به، وهو يعصينا اليوم وليس معه أحد، وهو إذا كانت الرايات والألوية أجدر أن لا يسمع منّا إلا من اجتمعت بنو فاطمة معه، فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه، إذا كان رجب فأقبلوا على اسم الله عز وجلّ، وإن أحببتم أن تتأخّروا إلى شعبان فلا ضير، وإن أحببتم أن تصوموا في أهاليكم فلعلّ ذلك يكون أقوى لكم، وكفاكم بالسفياني علامة» ([368]).
هذه الرواية صريحة ـ كما نرى ـ في عدم رضا أهل البيت بالخروج بعد ثورة زيد بن علي، والإمام فيها يشهد بأنّهم لا يرضون بهذا الخروج حتى لو ادّعى الخارج أنّ ثورته هي للرضا من آل محمّد، وهذا معناه انفتاح تحريم الثورة إلى عصر ظهور المهديّ، لا سيّما بقرينة ما جاء في آخر الرواية من جعل السفياني علامة، وسند الرواية تامّ على المشهور، كما صرّح به غيرُ واحد.
حول البعد التاريخي لرواية العِيص المشهورة وملابسات ظهور اسم السفياني فيها
إلا أنّ الاستدلال بهذه الرواية وقع محلاً لمناقشات وردود، أهمّها:
أوّلاً: ما ذكره الشيخ الآصفي، من أنّ الرواية ليست بصدد جعل حكمٍ إلهي عام ممتدّ في الزمان والمكان، وإنّما تريد أن تبيّن أنّ الثورات في ذلك الزمان كانت مرفوضةً من جانب أهل البيت، فلم يكونوا يروا في الخروج مصلحةً. والشاهد على هذا التحديد الزماني هو استخدام تعبير (اليوم) في الرواية، كقوله: «فالخارج منّا اليوم إلى أيّ شيء يدعوكم؟» وكذا: «وهو يعصينا اليوم»، وهذا يعني أنّ التحريم آنيٌّ مرحلي حكومي، وليس إبلاغاً لحكمٍ إلهيّ ثابت([369]).
لكن لعلّ العائق أمام رفض التأبيد الزمكاني من هذه الزاوية هو إثارة قضية السفياني في آخرها، وهي قضيّة مرتبطة بالإمام المهدي كما هو المعروف في المرويّات الشيعيّة، وهذا معناه أنّ "صاحبكم" هو المهديّ، وأنّه سوف يظهر في شهر رمضان أو بُعيده، وأنّ بالإمكان التهيّؤ له من رجب بالتوجّه إلى مكان خروجه ـ وهو مكّة على المعروف ـ منذ رجب، أو التأخير والصيام في أهلهم إلى رمضان، فيكون ذكر السفياني مشيراً إلى أنّ الاستثناء الوحيد في الرواية هو ثورة المهدي لا غير، وهذا ما يجعل الرواية ممتدّة زمانيّاً إلى عصره، وإلا فلماذا جاء الحديث عنه في آخر الرواية؟!
لكن احتمل العلامة المجلسي (1111هـ) أن يكون المراد من آخر الرواية أنّه× يحثّهم على المجيء إليه في موسم الحجّ كي يلتقوه ويستفيدوا بعلمه، بدل التهالك على الثورات والقتال، لكنّه جعل هذا الاحتمال بعيداً([370])، وهذا البُعد في محلّه بملاحظة ما قبل هذا المقطع وبعده، خاصّةً في مثل السفياني.
ومن هذا المنطلق، لا يكون تعبير «اليوم» المتكرّر مرّتين في الرواية حاصراً لمفادها بتلك المرحلة، أي مرحلة نهايات الدولة الأمويّة وبدايات الدولة العباسيّة؛ إذ يمكن أن يقال: إنّ تعبير (اليوم) تطبيقٌ لقضيّة عامة على ذلك الزمان آنذاك، وهذه القضيّة العامّة هي حرمة الخروج منذ حادثة زيد إلى عصر ظهور الإمام المهدي، وعدم رضا أهل البيت آنذاك ليس لخصوصيّات مرحلة معيّنة، بل لأخذهم بهذا القانون العام. وسيأتي ما له علاقة بهذه القضيّة، فانتظر.
ثانياً: ما ذكره الشيخ المنتظري، من أنّ الرواية ليست بصدد إصدار قرار حظر على تمام الثورات، وإنّما هي بصدد الإشارة إلى وجود تمييز بين نوعين منها؛ فبعض الثورات كان يهدف إعادة أمور السلطة والحكم إلى نصابها، مثل ثورة الإمام زيد، وقد كان مرضياً ومقبولاً من جانب أهل البيت، أمّا بعض الثورات الأخرى فلم يكن حالها كذلك؛ لهذا نهت الرواية عن الانجرار خلف دعوات الثورة بلا دراية، وحثّت في مطلعها على التمييز بين الثورات وأهدافها والقيّمين عليها، فإذا كانوا مثل زيد بن علي علماءَ صدوقين يطلبون الرضا من آل محمد أمكن الخروج معهم، وإلا فلا تخرجوا مع أحد إلى أن يظهر الإمام المهدي([371]).
ثالثاً: ما ذكره السيد كاظم الحائري، من أنّ هذه الرواية لا تنظر إلى عصر الغيبة، بل تلاحظ عصر الحضور، بمعنى أنّها تتحدّث عن ثورات تخرج بادّعاء الإمامة أو بادّعاء تسليم الأمر إلى الإمام الحقّ، فإنّ كلمة: «الخارج منّا اليوم» تشير إلى أنّ هذا الثائر هو واحد من أهل البيت بالمعنى الذي يستوعب البيت العلوي، كما أنّ إرداف الحديث هذا الأمر بإعلان عدم رضا الأئمّة بثورته إنّما هو لسحب بساط الشرعيّة منه، فإذا كان الثائر يزعم أنّه يثور لنا فنحن نعلن الرفض كي تبطل حجّته المزعومة هذه. وهذا السياق لا يشمل وقوع ثورة في عصر الغيبة؛ لأنّ الثورة التي تقع في عصر الغيبة لا تهدف تسليم السلطة للإمام المعصوم وما شابه ذلك، فتكون الرواية ـ حيث لا تحوي جملةً ذات إطلاق ـ خاصّةً بعصر الحضور([372])، وربما لهذا جاء ذكر السفياني في آخرها في إشارة إلى أنّ ثورات عصر الحضور قد انتهت إلى عصر المهدي بن الحسن العسكري.
رابعاً: ما نجده مؤكّداً للإشكاليّات السابقة، وهو أنّ الذي يبدو من مطالعة الرواية هو تأكيد عدم كونها قانوناً عاماً؛ لا فقط لأجل كلمة (اليوم)، بل لروح ما في الملاحظة الثانية والثالثة، بإضافة أنّ الرواية منذ بدايتها وحتى حديثها عما يرتبط بالمهدي في آخرها، واضحةٌ جداً في كونها تتحدّث عن واقع قائم آنذاك؛ فإذا كان الموضوع هو حرمة مطلق الخروج إلى قيام المهدي، فلماذا تحدّثت الرواية في أغلبها عن لزوم النظر على أيّ شيء نخرج ولماذا؟ ولماذا عندما استثنت ثورة زيد جعلت معيار الاستثناء هو كونه صدوقاً عالماً يريد تسليم الأمر لأهله، مع أنه إذا كان الاستثناء على أساس أنّه بعد ثورة زيد يوجد تحريم مطلق، بقطع النظر عن نيّة قائد الثورة أو ميزاته الشخصية، لكان المفترض في سياق التعليل الذي يميّز موقفنا من ثورة زيد عن موقفنا من غيرها، أن يكون بأنّ الله حرّم عليكم بعد زيد الثورة إلى عصر الإمام المهدي، فهذا السياق الحاكم في الرواية يقف كلّه في عكس ما يريده هذا التفسير التأبيدي لها، وحينئذ فمجيء الحديث عن السفياني في آخرها لا يهدم هذا الظهور الواضح فيها في معايير رفض الثورات، ولا أقلّ من احتمال قويّ في أنّ الرواية إنّما أثارت موضوع السفياني في مقابل الحركات التي قيل: إنها ادّعت المهدوية في عصر الإمام الصادق، مثل حركة محمد بن عبد الله المحض (145هـ)، كما تشير بعض النصوص التاريخيّة، فتكون الإشارة للسفياني في سياق أنّ من يدّعي المهدويّة في تلك الفترة لا تصدّقوه ما لم تكن العلامة المركزيّة قد وقعت، وهي خروج السفياني، وبخاصّة أنّ تعبير "صاحبكم" منصرفٌ ـ في الأدبيّات الراجعة للمهدويّة وآخر الزمان ـ إلى المهديّ المنتظر، فالسفياني هنا ذُكر في سياق مواجهة دعاوى المهدويّة لا في سياق الحديث عن آخر الزمان وما بعد الغيبة الكبرى. ولا أقلّ من أنّ الرواية إذا لم يكن الاستنتاج النهائي فيها لصالح ما قلناه، فالإجمال فيها هو المحكّم؛ حيث يتعارض ظهور الذيل مع ظهور الصدر، فتغدو مجملةً من هذه الناحية، فلا يستند إليها هنا، وبخاصّة أنّ المقطع الأخير من الرواية الذي يتحدّث عن السفياني وإن ورد في الكافي إلا أنّه لم يرد في نقل الشيخ الصدوق لهذه الرواية في علل الشرائع، فيكون في الحديث نوع عُلّةٍ، فليُلاحظ.
يضاف إلى ذلك أنّ هذه الرواية الدالّة على دعم حركة زيد تعارضها أخبار أخر تقدّم الحديث عنها سابقاً عند البحث عن ثورة زيد، الأمر الذي يُضعِفُ الوثوق بها.
ونتيجة الكلام: إنّ الرواية غير واضحة في إصدار تحريم مطلق مؤبّد للثورة حتى ظهور الإمام المهدي.
الرواية الثانية: خبر سَدير، قال: قال أبو عبد الله×: «يا سَدير، إلزم بيتك وكن حِلْسَاً من أحلاسِه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك»([373]).
والرواية واضحة في لزوم اللبد والسكون وعدم الثورة حتى ظهور السفياني المقترن بقيام المهدي. وتعبير "حلساً" واضح في عدم الحركة؛ فإنّ الحِلس هو الكساء الذي يكون على ظهر البعير تحت القتب، شبّهه به لسكونه ودوامه، كما يقول المازندراني([374])، فتكون أمراً بالسكون إلى خروج الإمام المهدي، فتكون دالّةً بوضوح على المطلوب.
إلا أنّ في الرواية مناقشات، عُمدتُها:
المناقشة الأولى: إنّ الرواية وإن عدّت موثقةً ومعتبرة السند عندهم، إلا أنّه ربما أمكن النقاش في سندها من ناحية سدير الصيرفي الراوي لها، فالرجل لم يوثقه علماء الرجال، والروايات فيه بعضها يمدحه وبعضها يذمّه وهي ضعيفة السند. نعم، وثاقته من حيث إنّه قد ورد في أسانيد تفسير القمّي وكامل الزيارات، وليس من المشايخ المباشرين([375])، فعلى مبنى عدم اعتبار التوثيق العام في هذين الكتابين لاسيما لغير المشايخ المباشرين، يشكل الأمر فيه، وهو الصحيح كما بحثناه في محلّه من علم الرجال([376])، وإلا أمكن الأخذ بالرواية، لاسيما مع ادّعاء ابن شهر آشوب ـ وهو من المتأخّرين الذين لا حجيّة لتوثيقاتهم ـ أنّه من خواصّ الإمام الصادق، فيما يبدو أنّه استنتجه اجتهاداً من الروايات المادحة الواردة حوله.
وقفات نقاش مع المنتظري والحائري والآصفي في رواية سدير المشهورة
المناقشة الثانية: ما ذكره الشيخ المنتظري، من أنّه يصعب إلغاء خصوصيّة سدير في هذا الخبر؛ فإذا درسنا شخصيّة هذا السائل سنجد أنّه كان إنساناً عادياً ليست لديه إمكانات الثورة، لهذا طلب منه الإمام أن يسكن ولا يتحرّك؛ لعدم كون حركته ناجحة، وأين هذا من شخص يملك الإمكانات والقدرات التي قد تغيّر الواقع كلّه؟! فالظاهر اختصاص الرواية بسدير وأمثاله، ولا يحرز إمكان إلغاء الخصوصية فيها كي تعمّم إلى جميع الأفراد والأحوال والأزمنة([377]).
وهذه المناقشة لا تبدو موفّقة؛ فإذا كان المعيار هو عدم القدرة فلماذا علّق الإمام الخروج على ظهور السفياني ولم يعلّقه على ظهور شخص مقتدر ناجح؛ فقد كان بإمكان الإمام أن يأمر السائل بالسكون حتى خروج من يقدر على تحقيق الأهداف الكبرى، ولو افترضنا أنّه لن يظهر مثل هذا الشخص في حياة سدير، ولهذا لم يعلّق الإمام عليه، كان الجواب إنّ السفياني لم يظهر أيضاً في حياة سدير، فأيّ معنى لتعليق الخروج على السفياني؟! بل الأولى تعليق الخروج على أمرٍ كلّي، وهو خروج من يتصف بصفات خاصّة يرى الإمام أنها توفّر نجاح الثورة ضدّ الظالمين، فتعليق الخروج على السفياني إشارة إلى ربط الأمور بخروج قائم آل محمّد بعد ضمّ سائر روايات السفياني هنا أيضاً.
وربما نقوم بتطوير إشكال المنتظري ـ كما فعل السيد الحائري ـ بافتراض أنّ الرواية لا تحوي نصاً عاماً تقعيدياً وإنّما هو خطاب خاصّ لسدير، والتعليق فيها على السفياني، كان للإشارة إلى أنّه لن تكون هناك ثورات شرعيّة في عصر أيّ من الأئمّة سوى المهدي، فلا يفكرنّ أحدٌ بالثورة في عصر الحضور، وهذا معناه أنّها غير ناظرة إلى عصر الغيبة إطلاقاً، حتى يتمسّك بها في أمثال زماننا([378]).
وهذا التطوير بهذه الصيغة مشكلٌ أيضاً؛ إذ نسأل أنفسنا: لماذا يريد الإمام أن يبيّن حكم ثورات المعصومين وأنّ غير المهدي منهم لا ثورة شرعيّةً في حقّه ولا في زمنه؟ فهل هذا هو الموضوع؟ إنّ سديراً إما يريد معرفة حال عصره أو يريد معرفة قاعدة عامة، وحال عصره لا حاجة فيه إلى ذكر السفياني أساساً، فلماذا حشرت الرواية السفيانيَّ وطلبت من سدير الرحيل عند ظهور السفياني، مع أنه سيمضي على ظهور السفياني مئات السنين بعد وفاة سدير؟! فكيف تقولون بأنّ الرواية مع ذلك خاصّةٌ بسدير؛ وإذا كان يهدف هنا قاعدة عامة فلماذا استثناء عصر الغيبة بطوله، مع أنّه أقرب إلى عصر سدير من عصر السفياني؟!
يُضاف إليه أنّ السيد الحائري نفسه قَبِل بشرعيّة ثورة صاحب فخّ وكلّ الثورات التي لا ذمّ لها من جانب الأئمّة، كما أسلفنا الحديث عن مقولته هذه سابقاً، فكيف يضمّ تلك القاعدة إلى هذا النصّ هنا؟! ولماذا علّق الخروج على ظهور السفياني لا على ظهور أحد الثوريّين قريبي العصر من سدير كصاحب فخّ الذي قَبِل السيد الحائري شرعيّة ثورته رغم أنّها في عصر الحضور. إلا إذا قيل: إنّ سديراً لم يكن يجب عليه ـ شخصاً ـ الخروج في هذه الثورات، مع أنّ الحائري جعل الرواية بصدد بيان حال عصور الأئمّة، لا حال سديرٍ فقط.
المناقشة الثالثة: ما ألمح إليه الحائري، من احتمال اختصاص هذه الرواية بفرض أنّ الإمام يريد أن ينهى سديراً عن الخروج المستقلّ في مقابل المعصوم وفي عرضه، دون مطلق الخروج، وهذا لا علاقة له بالخروج مع المعصوم أو في عصر الغيبة([379]).
وهذا الكلام أبعد من سابقه؛ إذ لو كان هذا هو الموضوع لكان المفترض أن يكون سياق الكلام ولحنه مختلفاً، كأن يقول له: لا تخرج بلا إذن إمامك أو.. ثم لماذا استثناء السفياني؟! فهل معناه أنّه إذا ظهر السفياني خرج في عرض الإمام أو معه كما يظهر من الرواية؟! وما دام سيظهر مع ظهور السفياني تحت راية الإمام، وكانت العقبة هي الخروج المستقلّ، فلماذا لم يعلّق على كبرى كلية، كالخروج مع إمامك أو عندما يناديك أو ما شابه ذلك؟ فلسان الرواية يبعّد هذا الاحتمال، ولا سيما أنّه لا شاهد على وجود فكرة للخروج المستقلّ عند سدير.
المناقشة الرابعة: ما ذكره الآصفي([380])، من تخصيص هذه الرواية بعصر الصادق، وظروف ذلك العصر؛ لعدم وجود تقعيد عام فيها.
وهذه أضعف من سابقاتها من حيث لَغْويّة التعليق على خروج السفياني، الذي يعلم ارتباطه بعصر ظهور المهديّ، ما لم ندعِ أنّ ذكر قضية السفياني مرتبطٌ بنقض دعاوى المهدويّة آنذاك فقط، وقد صار الردّ على مثل هذه المناقشة واضحاً. وسوف يأتي في المناقشات اللاحقة والروايات القادمة بعض ما يفيد هنا إن شاء الله.
المناقشة الخامسة: وهي مناقشة تتركّز على ذيل الرواية، الذي نعتقد أنّه الأساس في الاستدلال بها، ولولاه لأمكن جعلها خاصّةً بسدير لظروف تلك المرحلة، لا سيّما على ما حقّقناه في مباحث حجية السنّة الشريفة من عدم ثبوت أصالة الإلهيّة والتأبيد عند الشك الحقيقي ـ دون الافتراضي ـ بين التأبيد والتاريخيّة([381]).
وعليه، لماذا جاء ذكر السفياني في الرواية مع أنّ سديراً سيموت قبل ظهور السفياني بأكثر من ألف عام؟ وهل من المنطقي أن يبيّن الإمام هذا الأمر بهذه الطريقة إلا أن يكون معناه قرب ظهور السفياني من عصر سدير؟ يضاف إليه أنّه مادام السفياني سيسبق بقليل ظهور المهدي والمفروض أنّ الرواية هنا عن الصادق، ممّا يعني أنّ الإمام الصادق يدرك أنّه حتى بالمعايير العادية لن يكون سدير حياً، بل المفروض أن يكون سدير عالماً بذلك طبقاً لإيمانه بالأئمّة الاثني عشر، وعليه فما معنى أن يعلّق له الإمام على ظهور السفياني؟ فهذا أشبه بأن أقول اليوم لشخص عمره سبعين سنة لا تخرج، ولكن إذا خرج حفيد حفيدي فالحَقْ به، فهذا ما يوجب السخريّة والاستغراب؟!
من هنا فهذا المقطع مشكوكٌ فيه، لا نراه إلا غريباً يُلقي في قلوبنا التردّد والريبة من صدور الحديث، وخاصّة بعد أن لم نَمِلْ إلى ثبوته السندي، فالاعتماد على هذه الرواية مشكلٌ، كيف وقد تدفع للتورّط بإشكاليّات عقديّة في نظريّة الإمامة وفقاً لفهمها المشهوري، لا حاجة لبحثها هنا، مثل أن يقال بأنّ الأئمّة لم يكونوا ليعرفوا أصلاً فكرة الغَيبة الكبرى ولم يكن متعيّناً في ذهنهم من هو الإمام القائم المهديّ من بينهم، وغير ذلك.
وأحتمل أنّ الرواية ـ أو هذا المقطع الأخير منها على الأقلّ ـ من وضع شخص يعتقد بأنّ الصادق أو الكاظم مثلاً هو مهديّ هذه الأمة، والله العالم.
وقفة مع روايات توصيف الخروج بالفرخ الطائر الواقع من وكره، دلالات ومعانٍ
الرواية الثالثة والرابعة: مرفوعة ربعي، عن عليّ بن الحسين×، قال: «والله لا يخرج واحدٌ (أحد) منّا قبل خروج القائم، إلا كان مثله كمثل فرخٍ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه؛ فأخذه الصبيان فعبثوا به»([382]).
ومثل هذا الحديث خبر جابر، عن الإمام الباقر×، قال: «مثل خروج القائم منّا أهل البيت كخروج رسول الله‘، ومثل من خرج منّا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخٍ طار فوقع (ووقع) من وكره، فتلاعبت به الصبيان»([383]).
يدلّ هذا الحديث على فشل كلّ المحاولات الثوريّة التي سوف يقوم بها الشيعة قبل خروج المهديّ، فتشمل عصرَي: الحضور والغيبة، وهي لا تتحدّث بصراحة عن التحريم، لكنّها تخبر أو تتنبّأ بالفشل، في دلالة جليّة على رفض هذه المحاولات؛ لأنّها قبل أوانها.
ويمكن المناقشة هنا:
أوّلاً: إنّ الرواية ضعيفة السند، وذلك أنّها مرسلة مرفوعة لم تذكر مسندةً إلى الإمام زين العابدين، فلا يستند إليها. ونظريّة تصحيح السند الواقع قبل أحد أصحاب الإجماع غير ثابتة كما عليه جمهور المتأخّرين من محقّقي علم الرجال، فلا قيمة لرواية حمّاد بن عيسى هنا عن ربعي.
وهكذا الحال في الرواية الثانية، فهي ضعيفة السند بكلّ من: المثنى الحضرمي، وعثمان بن يزيد، وأحمد بن علي الجعفي، وجعفر بن محمد بن مالك، حيث لم تثبت وثاقتهم.
ثانياً: إنّ هذه الرواية ليست بصدد إصدار حكم شرعي بالتحريم، بل بصدد الإخبار الغيبي عن أنّ الثورات التي ستقع قبل ظهور القائم سوف تنتهي بالفشل والإخفاق، لكن مع ذلك ربما تكون جائزةً أو واجبة، لما لها من آثار مهمّة([384])، تماماً مثل ثورة الإمام الحسين التي ينطبق عليها مفهوم الفشل دنيوياً بالمعنى الضيّق، وتصدق عليها هذه الرواية؛ إلا أنها ـ مع ذلك ـ واجبٌ شرعي وفريضة إلهية قام بها الحسين، فلا تلازم بين الفشل والحرمة.
وقد يتعزّز ذلك ـ كما يقول الحائري ـ بضمّ مواقف أهل البيت المؤيّدة لثورة زيد وصاحب فخّ، فهذه الثورات وقعت بعد صدور هذا النصّ من الإمام زين العابدين، مما يكشف عن عدم إرادة التحريم من هذا النص([385]).
لكنّ هذه الملاحظة غير دقيقة؛ لأنّه لا يشترط في إصدار بيان تحريمي أن يكون بلغةٍ فقهيّة أو قانونيّة، فعندما يعلن إمامٌ أنّ أيّ محاولة ثورية هي محاولة تشبه حركة فرخ سقط ولعب به الصبيان؛ فإنّ هذا معناه عرفاً أنّ هذا الخروج هو خروج غير عقلائي ولا ناضج بل هو عبثي؛ إنّ وصف ثورةٍ ـ تستبطن سفك الدماء في العادة ـ بهذا الوصف ليس تعبيراً عن إخبار بحت، وإنّما فيه دلالة على عدم صواب هذا الخروج، وإذا كان قصده الفشل فلماذا التشبيه بالفرخ الذي لم يستوِ جناحاه في إشارة إلى عدم عقلانيّة الخروج؟!
وبعبارة ثانية: فليرجع كلّ واحد إلى وجدانه، هل يصحّ التعبير بهذا اللسان عن ثورة الحسين بحجّة أنّه محض إخبار؟!
طبعاً نحن لا نقول: إنّها نصّ في التحريم، لكنّنا نقول: إنها واضحة في عدم الرغبة في هذه الثورات قبل خروج المهدي.
وأمّا الاستشهاد بثورتَي: زيد وصاحب فخّ، فقد كان لنا موقفٌ متحفّظ سابقاً حيث لم نحرز تأييدهما من جانب أهل البيت، تماماً كما لم نحرز الرفض، ولعلّ هذه الرواية تعزّز موقفنا هناك.
نعم، إنّ النصوص المؤيّدة لثورة زيد وصاحب فخّ وأمثالهما حتى لو لم تعطنا وضوحاً في موقف أهل البيت، لكنّ معارضتها لمثل هذا النصّ هنا قد تضع جملة النصوص كلّها في حال فقدان الوثوق بالصدور بنحو التعيين، والذي هو العمدة في حجيّة الأخبار، فإذا قصد السيد الحائري ذلك فهو جيّد، وإلا جرت مناقشتنا المتقدّمة في حقّه.
ثالثاً: ما هوالمقصود بكلمة «منّا» الواردة في الرواية([386])؟
أ ـ إذا كان المقصود الإشارة إلى أهل البيت، أي خروج واحد من الأئمّة قبل المهدي، فهذا ما يجعل الرواية أجنبيةً عن بحثنا، فنحن نريد تحديد موقفنا الشرعي دون وظيفة الأئمّة أنفسهم.
ب ـ وإذا كان المقصود أحد العلويين، أي البيت العلوي أو الفاطمي وربما الهاشمي، بمعنى أنّ كلّ شخص يخرج من البيت العلوي والفاطمي سوف يكون مصيره كذا وكذا، سواء كان من الأئمّة أم من غيرهم، فهذا شيء قد تناقضه حقائق التاريخ؛ فقد خرج علويّون ـ بهذا المعنى ـ وانتصروا وتحوّلوا إلى دول مقتدرة لا يصدق عليها التوصيف بالطائر الفرخ، فهذه دولة الأدارسة التي دامت لأكثر من قرنين من الزمان في المغرب، وهذه الدولة الفاطميّة، إذا كان أعلامها علويّين، وغيرها من الدول التي دامت مئات السنين مقتدرةً بحيث لا يصحّ وصفها بهذا الوصف الوارد في الرواية، مما يبطل الإنباء الغيبي الموجود فيها، وما ذكره مثل الشيخ المنتظري من عدم شمول سلطان هذه الدول لتمام بلاد المسلمين([387])، لا يضرّ، فالرواية لا حديث فيها عن ذلك إطلاقاً، وإنّما عن أصل النجاح، أفهل يشكّ في نجاح ثورات أو حركات علويّة أو فاطميّة عبر التاريخ قامت لها دول مقتدرة كالأدارسة والفاطميّين وغيرهم؟!
ج ـ وأمّا إذا كان المقصود أحدٌ من شيعتنا بالمعنى العام للشيعي، فهو الآخر ينتقض بحقائق التاريخ كالبويهيّين والحمدانيّين والصفويّين والفاطميّين والأدارسة، فهم شيعة بالمعنى العام.
وعليه، فلا أقلّ من الشك في المراد من كلمة «منّا»؛ إذ لا يوجد ما يثبت شمولها لتمام المسلمين، بل قد تكون مختصّة بهم عليهم السلام، في محاولة للحدّ من المطالبات الشعبيّة لهم بالثورة والخروج، والرواية الثانية الواردة في غَيبة النعماني أكثر وضوحاً في هذا الأمر من حيث تعبيرها صراحةً بأهل البيت.
رابعاً: ما ذكره بعض المعاصرين، من أنّ التعبير بالفرخ، وكذلك الحديث عن الإمام المهدي يدلان على أنّ الحديث ناظر إلى الأمور الخارجيّة، وتوفّرها وعدم توفرها، فإذا توفّرت جاز الخروج([388]).
ويناقش بأنّ ذلك صحيح، لكنّ المفروض أنّ الرواية تخبر عن عدم توفّر الظروف مطلقاً قبل قيام الإمام المهدي في هذه الأمّة، فكيف نتجاهل إخبارها هذا ثم نأخذ بالنكتة التي من أجلها حرم الخروج أو منع؟!
ومعه، فالاستدلال بهاتين الروايتين غيرُ تامّ أيضاً لا سنداً ولا دلالة.
مع رواية "الغبرة على من أثارها" والنهي عن الاستعجال
الرواية الخامسة: خبر أبي المرهف، عن أبي جعفر×، قال: «الغبرة على من أثارها، هلك المحاضير (المحاصير) »، قلت: جعلت فداك، وما المحاضير (المحاصير)؟ قال: «المستعجلون، أما إنهم لن يردوا (يريدوا) الأمر (إلا من) يعرض لهم ـ إلى أن قال ـ: يا أبا المرهف، أترى قوماً حبسوا أنفسهم على الله لا يجعل لهم فرجاً؟ بلى والله ليجعلنّ الله لهم فرجاً»([389])، ونحوه خبرٌ آخر له أيضاً([390])، ولعلّهما واحد.
فهذا الخبر ينهى عن استعجال الأمر، وكأنّه يرى في خطوات الثورات عجلةً.
ويمكن مناقشة الاستناد على هاتين الروايتين (أو الرواية الواحدة):
أوّلاً: إنّهما ضعيفتا السند بأبي المرهف نفسه، فهو مجهول جداً([391]).
ثانياً: لا إشارة فيهما إلى التأبيد، فقد تحكيان عن واقع قائم آنذاك، كما لا ضبط فيهما لمفهوم المستعجلين ولا لمفهوم الفرج، فقد تكون بعض الثورات من مصاديق هذا الفرج؛ لأنها لا تتحدّث عن الإمام المهدي كي نعمّمها إلى عصره، فدلالتها في غاية الضعف.
موقف الإمام الصادق من كتاب أبي مسلم الخراساني ودلالاته
الرواية السادسة: خبر الفضل الكاتب، قال: كنت عند أبي عبد الله×، فأتاه كتاب أبي مسلم، فقال: «ليس لكتابك جواب أخرج عنّا»، فجعلنا يسارّ بعضنا بعضاً، فقال: «أيّ شيء تسارّون، يا فضل، إنّ الله عز وجلّ ذكره لا يعجل لعجلة العباد؛ ولإزالة جبل عن موضعه أيسر (أهون) من (إزالة) زوال ملك لم ينقض أجله» ـ إلى أن قال ـ: قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك جعلت فداك؟ قال: «لا تبرح الأرض يا فضل حتى يخرج السفياني؛ فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا ـ يقولها ثلاثاً ـ وهو من المحتوم»([392]).
وهذه الرواية عندما تنهى عن العجلة، تضع علامةً للخروج، وهو خروج السفياني، مما يعطي مؤشراً على أنّه قبل خروجه يصدق مفهوم العجلة الذي رفضته الرواية، فتدلّ على المطلوب.
وقد يناقش الاستدلال بهذه الرواية:
أوّلاً: من ناحية السند؛ فإنّ فيه الفضل الكاتب، ويبدو أنّه لا يوجد شخص اسمه الفضل ولقبه الكاتب، سوى:
أ ـ الفضل بن يونس الكاتب، وقد وثقه النجاشي ولا مشكلة فيه، إلا أنّ ذاك الفضل لو راجعنا طبقته لرأينا أنّ النجاشي والطوسي في الرجال، والبرقي أيضاً، وما رواه في حقّه الكشي..([393]) كلّهم يجعلونه في أصحاب الكاظم، ومن روى عنه لا غير، ولا ذكر له في أصحاب الصادق إطلاقاً؛ يضاف إليه أنّ مراجعة رواياته في الكتب الأربعة تشهد بأنّه ليس له أيّ روايةٍ عن جعفر الصادق، فيما الرواية التي بأيدينا مرويةٌ عن الإمام الصادق، لهذا يُستبعد أن يكون الفضل الكاتب فيها هو ابن يونس الثقة فيكون مجهولاً، أو يقال بأنّ هناك شخصاً واسطة بين الفضل والصادق قد سقط فتكون الرواية مرسلة في احتمالٍ ضعيف جداً، لأنّ الإمام في خطابه في الرواية يصرّح باسم "الفضل"، فما ذكره السيد الخوئي وتبعه الشيخ النمازي، من اتحاد الفضل الكاتب مع الفضل بن يونس([394])، في غير محلّه؛ لعدم إحراز الاتحاد حتى لو لم نحرز عدم الاتحاد.
ب ـ الفضل بن سليمان الكاتب البغدادي، وقد نُصّ على روايته عن أبي عبد الله الصادق، ويحتمل أكثر أن يكون هو المقصود هنا، وهو مجهول الحال لا توثيق له([395])، بل ذهب العلامة الشبستري إلى كونه ضعيف الحديث([396]).
وعليه فالرواية ضعيفة السند بجهالة الراوي، مع احتمالٍ ضعيف في وجود إرسالٍ خفيّ.
ثانياً: إنّ الفضل الكاتب، وهو الفضل بن سليمان، كان كاتباً في ديوان المنصور والمهدي، ومن المعروف أنّ أبا مسلم الخراساني كان في الفترة الأخيرة معارضاً للمنصور، حيث قيل: إنّ المنصور سمّه وقتله، من هنا، يحتمل جداً في الرواية أن تكون صدرت تقيةً، بمعنى أنّ كاتب المنصور كان حاضراً عند دخول رسول أبي مسلم على الإمام الصادق يطلب منه دعمه، ربما للقضاء على المنصور، ومن الطبيعي في هذه الحال أن يمارس الإمام الصادق التقية حفظاً للنفس والموالين؛ لهذا أخبر غيبياً عن سبعة أولاد للمنصور سيحكمون([397]).
إلا أنّ هذه الملاحظة ينافيها لحن الرواية بعد افتراض أنّها صدرت ووقعت؛ فإنّ الظاهر من الرواية أنّ الفضل كان من جماعة الإمام الصادق، أي كان شيعيّاً([398])، ولا سيما أنّه سأل الصادق عن العلامة التي بينهم وبينه؛ فأشار له الإمام إلى السفياني، وهذا اللون من الخطاب يبعد أن يصدر من شخص لا يؤمن بالصادق ولا من مواليه، أو يصدر من الصادق في حواره مع شخص من رجال السلطة الذين يتّقي منهم، ففرضية التقية وإن كانت مقبولة منطقيّاً في هذه المواضع، إلا أنّ بعض فقرات الرواية لا تناسبها أو لا تمنحنا وثوقاً بها، إلا إذا قيل بأنّ الفضل حاول أن يُقحم نفسه بين الشيعة فأحرج الإمامَ بهذا السؤال!
ثالثاً: إنّ أقصى ما تدلّ عليه الرواية أنّ زمان صدورها لم يكن مساعداً على الخروج، بل كان استعجالاً للأمر، وأنّ قيام الإمام المهدي إنّما يكون عند خروج السفياني، دون إشارة إلى وظيفتنا قبل خروج السفياني وأثناء غيبة الإمام، فلا تدلّ على تحريم الخروج في عصر الغيبة([399]).
وهذه الملاحظة صحيحة في الشقّ الأول، وهو أنّ الثورة آنذاك كانت استعجالاً وعجلةً، أما القول بأنّ الرواية ساكتة عن موضوع ما قبل الظهور فهذا غير واضح؛ إذ الراوي يسأل عن العلامة التي تجيز الخروج وتعلن موعده؛ والإمام يحيل الأمر إلى زمان القائم، ولا معنى لهذه الإحالة سوى التذكير بأنّنا لا خروج لنا قبل المهدي، وإلا فلماذا لم يُشر له إلى جواز الخروج قبل ذلك؟!
فالإنصاف أنّ هذا اللحن يربط الثورات الشرعيّة بخروج السفياني، مما يجعل غيرها داخلاً في صدر الرواية دون تمييز بين مفهومَي الحضور والغيبة.
رابعاً: إذا أخذنا مضمون الرواية سنجده يخطّئ الإمام عليّاً في حربه لمعاوية؛ حيث لم يسقط ملك الأخير، والحسين في ثورته ضدّ يزيد، وزيد الشهيد في ثورته ضدّ هشام بن عبد الملك و.. وذلك لصدق هذه القاعدة التي تتحدّث عنها الرواية في حقّهم، مما يُضعف هذه الرواية عبر هذا النقد المتني لها([400]).
وقد يقال هنا: إنّه لم يتضح موقف أهل البيت من ثورة زيد كما بحثناه في محلّه، فلعلّهم يضعّفونها، وأمّا ثورة الإمام الحسين فهذا الذي ذكره المناقش هنا منسجم مع النظريّة السياسية في تفسير الثورة والتي ذهب إليها مثل الشيخ صالحي نجف آبادي، أمّا الآخرون فهم لا يقولون بهذه النظرية فلا دليل عندهم أنه كان يريد إسقاط الملك والنظام حتى يصبح مشمولاً للرواية، وأمّا حرب عليّ فقد يقال: إنّها ليست لإسقاط ملك، حيث لم يصر معاوية حاكماً بعدُ وإنما كان متمرّداً على حكومة عليّ بالمفهوم السياسي للكلمة.
خامساً: ما نراه أنّه الجواب الصحيح بعد ضمّ النقد السندي، وهو أنّ ذكر السفياني هنا بعد السؤال عن العلامة «بيننا وبينك»، ثمّ جواب الإمام بما أجاب، مع العلم أنّ السفياني سيخرج بعد قرون مديدة، ذلك كلّه شاهد على أنّ الرواية ملتبسة، كما أسلفنا سابقاً، ولعلّها من صنع من يعتقدون بمهدويّة الإمامَين: الصادق أو الكاظم؛ لعدم وجهٍ معقول عرفي لهذا الخطاب دون إشارة إلى أنّ هذه العلامة ستكون بعد غيبة المهدي المعلوم أنّها غيبتان إحداهما طويلة. وبعبارةٍ أخرى: من يعيش زمن صدور الحديث يفهم أنّ السفياني مسألةٌ قريبة ربما تحتاج لعقود من الزمن فقط.
فهذا النقد المضموني إلى جانب النقد السندي يضعفان هذه الرواية؛ فلا يستند إليها هنا. وهذا مبنيٌّ على أنّ أهل البيت كانوا يعرفون قصّة السفياني الحقيقيّة وأنّها مرتبطة بما بعد مئات السنين.
تأمّلات فاحصة في "كلّ راية قبل المهديّ فهي راية ضلال وطاغوت"
الرواية السابعة: خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله×، قال: «كلّ راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوتٌ يُعبد من دون الله عز وجل»([401]).
وقد وردت هذه الرواية بسندٍ متصل إلى مالك الجهني عن أبي جعفر× أيضاً في كتاب الغيبة للنعماني، وجاء فيها اختلاف طفيف: «كلّ راية ترفع قبل راية القائم صاحبها طاغوت»([402]).
وقد نصّ بعض العلماء على صحّة سند هذه الرواية (الأولى)، ولم يناقش فيه ظاهراً.
والرواية مطلقة تشمل صاحب الراية الذي ينادي بالحقّ، كما نصّ عليه المازندراني([403])، وتجعل صاحبها طاغوتاً يعبد من دون الله، كما أنها لا تختصّ ـ حسب الظاهر ـ بالثورات المسلّحة، بل بمطلق إقامة نظام أو دولة قبل قيام القائم، فهي من أقوى الروايات سنداً ودلالةً في هذا المضمار.
وربما يعلّق على الاستناد لهذا الحديث من جهات:
أوّلاً: إنّ للحديث من الناحية السندية عدّة أسانيد، كما تبيّن؛ فسند كتاب الكافي تامّ، ليس فيه سوى الحسين بن المختار، ووثاقته ناتجة عن شهادة الشيخ المفيد بها وجعله من خاصّة الإمام الكاظم، كما ورد في أسانيد كامل الزيارات، مضافاً إلى رواية الأجلاء عنه منهم بعض أصحاب الإجماع، مثل حماد بن عيسى الذي نقل لنا كتابه، وممّن روى عنه أيضاً ابن أبي عمير. كما نقل العلامةُ الحلّي عن ابن عقدة عن ابن فضال شهادةَ الأخير بوثاقته، ولم يرد فيه تضعيف، وغير ذلك من القرائن. وهذه القرائن وإن أمكن المناقشة في بعضها، لكنّ ضمّ بعضها إلى بعض يمكنه تحصيل نوع من الترجيح في وثاقته.
وأمّا أسانيد الرواية في كتاب الغيبة للنعماني فهي ضعيفة؛ فقد ورد فيها مالك بن أعين الجهني وهو غير موثق؛ سوى أنّه ورد في أسانيد كامل الزيارات، وليس من المشايخ المباشرين([404]) فلم تثبت وثاقته، كما ورد عيسى الحسيني وهو رجل مهمل للغاية، وورد أيضاً محمد بن الحسن الرازي، وهو كذلك([405])، كما أنّ عبد الله بن موسى العلوي مهمل أيضاً، فتمام أسانيد هذه الرواية ضعيفة سوى سند الكافي الظاهر في الصحّة على الأرجح.
ثانياً: ما ذكره غير واحد من الفقهاء والباحثين، من أنّ الظاهر أنّ المراد بالراية هنا من يخرج داعياً إلى نفسه، بحيث يكون خروجه في عرض الإمام وبخلاف مشروعه، لا في طريقه وخدمة مشروعه، والذي يشهد على ذلك هو التعبير «بطاغوت» و«يُعبد من دون الله»([406]).
وهذه المناقشة ـ رغم اشتهارها ـ غيرُ دقيقة؛ فإنّه ليس في الرواية أنّ كلّ راية ترفع يكون صاحبها طاغوت يعبد من دون الله فحكمها كذا وكذا، بل هي تصف مطلق الرايات المتقدّمة زمناً على خروج المهدي بأنّها ضلالة وطاغوت، فهذا خلاف الظاهر من العموم في الرواية. وبعبارة أخرى: إنّ الرواية نفسها تعتبره طاغوتاً، سواء اعتبرناه نحن أم لا، وهي تعتبره يُعبد من دون الله سواء اعتبرناه نحن أم لا، وإذا كان المعيار هو نوعيّة الراية فيكون هذا العموم بهذه الصيغة إخلالاً بالبيان؛ فهذا نوعٌ من تأويل الرواية كما نفهمه، وإلا فلا يرتاب القارئ لها في دلالتها التقعيديّة، ذات الطابع العام بلا تنويع، وبعبارة ثالثة: إنّ التوصيف فيها كان شأناً من شؤون المولى وإخباراً من إخباراته لا أنّه موكل إلينا لتحقيق مورده ومكانه.
ثالثاً: ما ذكره بعض الفقهاء، من أنّه يجب حمل هذه الرواية على خصوص رايات الضلال التي ترفع في عرض أهل البيت النبوي؛ وذلك جمعاً بينها وبين ما دلّ على مدح ثورة زيد وثورة الحسين بن علي صاحب فخّ، أو جعلها قضيةً خارجيّة تشير إلى ظروف خاصّة بذلك الزمان، وإلا فكيف تكون هذه الثورات شرعيةً وهذه القاعدة عامةً هنا في الرواية؟! أو نقول بحملها على التقية([407]).
ويجاب هنا، أمّا عن ثورة زيد فنحن لا نعلم هل صدرت هذه الرواية قبل هذه الثورة أو بعدها حتى نجعل الثورة مخصّصةً لعموم الرواية؛ إذ لعلّ مبدأ التوقيت في الرواية هو زمان صدورها، وبخاصّة على وفق الرواية الصحيحة في الكافي والمرويّة عن الصادق دون رواية غيبة النعماني المرويّة عن الباقر، فضلاً عن عدم وضوح موقف أهل البيت الحقيقي من ثورة زيد الشهيد. وأمّا ثورة صاحب فخّ، فلم يثبت بدليل مطمأنّ به دعم الأئمّة وتأييدهم لها حتى تؤثر على هذه الرواية التامّة سنداً هنا، وقد بحثنا ذلك بالتفصيل فيما تقدّم.
يضاف إليه، حتى لو تمّ هذا الأمر، فقد يقال بأنّ تلك الثورات كانت بإذنٍ خاصّ من الأئمّة، وربما لظروف خاصّة أخرجت الموقف عن مقتضى القاعدة، وأين هذا من عصر الغيبة؛ حيث لا يوجد إذنٌ من هذا النوع فيه؟!
رابعاً: إنّ هذه الرواية يجب حملها على التقية أو خصوص راية الطاغوت، جمعاً بينها وبين الروايات التي تتحدّث عن رايات الهدى قبل قيام المهدي، مثل ما جاء في اعتبار راية اليماني أهدى الرايات في خبر أبي بصير([408])، أو ما ورد في خبر الكابلي عن أبي جعفر×: «كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحقّ فلا يعطَونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوه فلا يقبلونه حتى يقوموا ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أما إنّي لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر» ([409])، وما جاء في سنن ابن ماجة وغيره من بلاء أهل بيت النبيّ‘: «..حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود..»([410])، وذكرت ما هو قريب من رواية الكابلي، وكذلك ما ورد من خروج جماعة من المشرق يوطئون للمهدي سلطانه([411])، وما ورد: «رجل من أهل قم يدعو الناس إلى الحقّ، يجتمع معه قوم كَزُبَرِ الحديد.. » ([412])، وما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا..﴾ (الإسراء: 5)، من أنهم والله أهل قم([413])، وما ورد عن رسول الله‘: «لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة»([414])، وقريب منه خبر جابر بن سمرة.. وهذا كلّه مؤكّد على نقض تقعيديّة هذه الرواية مما يفرض حملها على محملٍ ما([415]).
لكن يمكن التعليق هنا على هذه المحاولة النقديّة من الشيخ المنتظري، بأنّ بعض هذه الروايات لا يخلّ بموضوعنا هنا؛ مثل بقاء أمّة في ملّة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة، فهذا له علاقة ببقاء الدين وانتصاره على الكفر، وهو خارج عن خروج الراية الظاهرة ـ بحسب تعبيرها المأنوس آنذاك ـ في الحركات الداخليّة أي في الداخل الإسلامي، وكذا تفسير آية «عباداً لنا» بأهل قم، فهو في سياق الحرب مع اليهود كما تفيده الآية المفسَّرة، لا في سياق الرايات المرفوعة في مجتمع المسلمين، فبعض هذه النصوص لا علاقة له بنطاق بحثنا هنا حتى نقحمه فيه.
كما أنّ هذه الروايات ضعيفة السند؛ فالخبر الأول ضعيفٌ بالبطائني المشهود بكذبه([416])، وأما خبر الكابلي، فضعيف بجهالة أحمد بن عمر الحلبي([417])، وأما رواية «رجل من أهل قم» فلم ينقلها حسب الظاهر سوى المجلسي في البحار عن كتاب تاريخ قم، وفي السند مشاكل لا أقلّ من أنّ راوي الخبر ـ وهو أيوب بن يحيى الجندل ـ مهملٌ للغاية لا ذكر لاسمه في مصادر الرجال إطلاقاً.
ولا نريد القول بأنّ تمام هذه الروايات في تمام ألسنتها ضعيفة السند، فهذا خارج عن بحثنا، لكنّ البحث فيها يفضي إلى إحراز ضعف أغلبها، ولا سيما أنّ بعضها موهون بتطرّق الاحتمال الشديد في كونه موضوعاً، خاصّة من جماعة بني العباس وأبي مسلم الخراساني ومن حولهم من الذين كانت حركاتهم بالمشرق وراياتهم سود، وبعض هذه الروايات منافٍ للواقع التاريخي الذي حصل.
يضاف إليه، أنّ هذه الروايات تذكر علامات وحركات ثوريّة محدودة قبيل ظهور القائم، ولا مانع من أن يكون أصحابها على اتصال بالمهديّ أو أنهم مأذونون، فتعميم قولهم مطلقاً لكلّ حركة مشكل، والإنصاف أنّ الاعتماد على مثل هذه الروايات صعب، وخاصّة أنّ بعض من تتحدّث عنه تقع حركته مصاحبةً للسفياني ولعلامات أخَر تجعل الظهور على مسافة أيام أو أشهر مما قد يبرّر الخروج، بمعونة الروايات التي علّقت الخروج على علامة السفياني كما تقدّم.
خامساً: إنّ هذه الرواية تخالف الأدلّة القطعيّة في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن الإسلام وقيمه، إذ كيف يتمّ الدفاع عن الإسلام بلا دولة؟!([418]).
ويناقَش بأنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا ينهدم هنا، بل يتضرّر إطلاقه وشموله لاستعمال العنف ضدّ الأنظمة، فتكون صحيحة أبي بصير مثلاً أخصّ حينئذ من عمومات ومطلقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتقيّدها، والتقييد ليس إلغاءً لأصل الفريضة كما أنّه ليس بعزيز في عالم النصوص الحديثيّة ولا يفرض معارضة الفرائض القطعيّة. وأمّا الجهاد فهو واجب ضدّ غير المسلمين قطعاً وبصورة مطلقة وإنّما كلامنا في الجهاد الداخل ـ إسلامي، ولا دليل على انحصار الجهاد هنا بالثورة المسلّحة لإقامة دولة إسلاميّة، بل الموضوع متحرّك في الزمان والمكان، يخضع للمعايير الثانوية، فهذا خلط بين مقام الحكم الأوّلي والثانوي.
سادساً: ثمّة احتمال يهدم أصل دلالة هذه الرواية، وهو أن لا يكون المراد من كلمة «القائم» فيها هو المهدي، بل يراد مطلق من يثور بالحقّ، فتكون الرواية دالّةً على أنّه مع وجود ثورة أو تخطيط لها، لا يصحّ أن يثور شخص آخر قبلها فإنّ هذا يضرّ بمصالح الثورة([419]).
والحقّ أنّ هذا الاحتمال لا معطى يفرضه؛ فكثرة استخدام كلمة «القائم» في ألسنة الروايات في الإمام المهدي يعزّز الظهور فيه، يضاف إليه لو كان الأمر كما قال المستشكل فلماذا يكون صاحب الراية طاغوتاً يُعبد من دون الله؟! أليس من الأنسب أوّلاً التمييز بين القائم بالحقّ وغيره في مسألة الخروج قبله؟ ثم أليس الأصحّ الإشارة إلى إفساده للثورة بدل الإشارة إلى كونه طاغوتاً؛ على أنّ محض الاحتمال لا يبطل الاستدلال ما لم يهدم الظهور، والمفروض أنّ الاحتمال المطروح هنا لا يبلغ هذا الحدّ.
وعليه، فصحيحة أبي بصير المدعومة بأسانيد غيبة النعماني واضحة وجليّة في تحريم الرايات قبل ظهور القائم، وهي حتى الآن تمثل المدرك الوحيد لهذه النظريّة هنا بسندٍ لا بأس به.
الرواية الثامنة: خبر عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: «خمسُ علامات قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكيّة، واليماني»، فقلت: جعلت فداك، إن خرج أحدٌ من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: «لا..»([420]).
فهذه الرواية تجعل أيَّ خروج قبل الإمام المهديّ ممنوعاً، ولا معنى لجعلها قضيّةً في واقعة أو خاصّة بعمر بن حنظلة، ما دام المعيار فيها واضحاً، وهو علامات القيام التي لن يشهدها ابن حنظلة بالتأكيد.
لكنّ المناقشة في الرواية واردة؛ لأنّ ظاهرها السؤال عن الخروج مع أحد من أهل بيت الإمام نفسه، ومن المحتمل جداً أن يكون السؤال عن علامات المهدي بحيث نميّز بين المهدي وغيره، فأراد الإمام أن يبيّن له أنّ علامة المهدي هو كذا وكذا، فلا تخرج مع أيّ هاشميٍّ يدّعي المهدويّة قبل هذه العلامات.
وهذا الاحتمال الذي أثاره الشيخ المنتظري والسيد الحائري([421]) معقول؛ وذلك بقرينة السؤال عن الخروج مع أحدٍ من أهل بيته، دون مطلق الخروج. وأمّا القول بأنّ النهي هنا ليس تحريميّاً بل للإشارة إلى فشل الثورات فلا يدلّ على الحرمة كما أفاده بعضهم([422])، فهو غريبٌ مخالف للظهور؛ فإنّ كلمة «لا» هنا معناها ـ عندما نقيسها إلى السؤال ـ: لا تخرج. وفرض قضيّة الانتصار والفشل هنا غير وارد؛ لعدم وجود أيّ قرينة عليه أو حديث عنه، فهي ظاهرة في التحريم.
أمّا سند الرواية فكلّه تامّ؛ إلا من عمر بن حنظلة، ولا توثيق له. نعم ذهب جماعة ـ كالشهيد الثاني ـ إلى وثاقته([423])، والمستند فيه:
أ ـ خبر يزيد بن خليفة، المادح له والموثّق.
لكنّ الخبر غير ثابت، ففضلاً عن عدم توثيق يزيد بن خليفة إلا من جهة رواية ابن أبي عمير عنه، وهي نظريّة لم تثبت عندنا كما حقّقناه مفصّلاً.. يوجد في سند هذا الخبر محمد بن عيسى عن يونس، وقد نُصّ على ترك روايات ابن عيسى عن يونس حتى لو كان ابن عيسى ثقة، ربما لوجود مشاكل في هذا السند أو شبهة إرسال أو وجادة، فلا يحصل الوثوق بالاتصال مع استثنائهم أخبار ابن عيسى عن خصوص يونس بن عبد الرحمن.
ب ـ خبرٌ آخر عن عمر بن حنظلة نفسه يؤكّد له الإمام فيه أنّ له عنده منزلة.
وهذا لا ينفع في الاستدلال على وثاقته؛ إذ مضافاً إلى أنّه هو راوي الخبر فلا يمكن إثبات وثاقته بروايةٍ هو الذي ينقلها لنا.. يبتلي الخبر بالإرسال أيضاً، وهناك رواية أخرى عنه أيضاً تبتلي بالمشكلة نفسها.
ج ـ رواية عليّ بن حنظلة، عن أبي عبد الله×، قال: «اعرفوا منازل الناس (منّا) على قدر روايتهم (رواياتهم) عنّا»([424])، على أساس كثرة رواية عمر بن حنظلة للحديث عن الأئمّة.
لكنّ هذه الرواية هنا ضعيفة السند بجهالة محمد بن مروان (عمران) العجلي وسهل بن زياد في سند الكافي، ومرسلة بسند الشيخ الكشي، هذا فضلاً عن مناقشات في الدلالة تعرّضنا لها في أبحاثنا في علم الرجال([425]).
د ـ عمل المشهور برواياته، لكنّه ضعيف بأنّ عمل المتقدّمين قد يكون ناتجاً أحياناً على الأقلّ عن الوثوق دون خصوص السند، ومن غير المعلوم أنّهم قبلوا كلّ رواياته.
هـ ـ رواية الأجلاء عنه كصفوان وغيره.
وهو مبنى غير دقيق، كما بحثناه مفصّلاً في علم الرجال([426]).
فالإنصاف أنّ الرجل مجهول الحال يصعب الاطمئنان بالاستناد إلى رواياته، فتكون الرواية هنا ضعيفة السند أيضاً.
موقف الإمام الصادق من كتُب جماعةٍ من الثوريّين زمان ظهور المسوِّدة
الرواية التاسعة: خبر المعلّى بن خنيس، قال: ذهبت بكتاب عبد السلام بن نُعيم وسدير([427]) وكتب غير واحد إلى أبي عبد الله× حيث ظهر المُسَوِّدَة([428]) قبل أن يظهر ولد العبّاس، بأنّا قد قدّرنا أن يؤول هذا الأمر إليك، فما ترى؟ قال: فضرب بالكتب الأرض، قال: «أفّ أفّ، ما أنا لهؤلاء بإمام، أما يعلمون أنّه إنّما يَقْتُلُ السفيانيَّ»([429]).
ويشبه هذه الرواية خبرٌ آخر رواه عبد الحميد بن أبي الديلم ـ وفق ما نقله لنا الكشي ـ جاء فيه: كنت عند أبي عبد الله فأتاه كتاب عبد السلام بن عبد الرحمن بن نُعَيم وكتاب الفيض بن المختار، وسليمان بن خالد، يخبرونه أنّ الكوفة شاغرة بِرِجْلِها، وأنّه إن أمرهم أن يأخذوها أخذوها. فلما قرأ كتابهم رمى به، ثم قال: «ما أنا لهؤلاء بإمام، أما يعلمون أنّ صاحبهم السفياني؟»([430]).
فهذه الرواية تُقحم السفياني في المسألة، ولا نفهم معنى لإقحامه هنا، سوى القول بأنّ تلك الحادثة التي سيُقتل فيها هو المعيار للخروج، وأنّه لا معنى لمطالبته بالخروج، بل الإمام ـ أي المهديّ ـ في ذلك هو قاتل السفياني، ولعلّ الرواية الثانية حصل فيها سقط أي إما علامتهم السفياني أو صاحبهم قاتل السفياني.
ويمكن أن يناقش الاستدلال بهذه الرواية:
أوّلاً: إنّ سندها الأوّل ضعيف، لا أقلّ بعبيد الله بن أحمد الدهقان المجهول جداً([431])، إلا إذا قيل بأنّه عبيد الله بن أحمد بن نهيك، كما أنّ سندها الثاني ضعيف بجهالة عبد الحميد بن أبي الديلم حتى لو روى عنه ابن أبي عمير([432])؛ فإنّ روايته عنه بالواسطة لا بالمباشرة، وعليه فالرواية ضعيفة السند.
ثانياً: إنّ الرواية لا تقعّد لقانون عام، بل تفيد أنّ هؤلاء الذين أرسلوا هذه الكتب لا يؤمنون أنّني إمامٌ لهم كما يفهم من رواية الكشي، أو لا يعرفون أنّ رايات أبي مسلم لا تعتبرني إماماً لها، وهذا ما أكّده التاريخ، حيث سلّم أبو مسلم الخراساني الحكم بعد قتل إبراهيم بن محمّد العباس إلى أخيه عبد الله السفاح، وبمعونته انتصر السفاح في معركته على مروان الحمار، فأراد الإمام× تأكيد عدم اعتبارهم له إماماً حتى يخرج، فالحكم خاصّ بمثل هذه الظروف وليس عامّاً([433]).
لكنّ هذا الجواب غير كامل؛ فإنّ جملة «ما أنا لهؤلاء بإمام» لا يراد منها أنّهم لا يعتبرونه إماماً ـ حتى لو كان هذا هو الصحيح واقعاً ـ بل يراد بها أنّه ليس بإمامٍ لهم يخرج بالسيف ويقود حركاتهم العسكريّة، فالنفي من طرفه لا من طرفهم، وشاهدُ هذا الأمر هو الاستفهام اللاحق لهذه الجملة والذي جاء ليبرّرها: «أما يعلمون..»، وذلك أنّه يفيد أنّ الخروج مربوطٌ بالسفياني وظهوره، وأنّ الإمام هو من يقتل السفياني وليس أنا، وأنّ صاحبهم هو من يقتل السفياني، وليس جعفر الصادق، وإلا فما هو الربط بين النفي وبين الجملة الأخيرة؟! وهذا ما يؤكّد أنّ الإمام الصادق يربط الخروج بقضيّة السفياني، فتكون دلالة الرواية جيّدة.
ثالثاً: يمكن المناقشة في الحديث بأنّه خاصّ بالمعصومين، فكأنّ الحديث يريد أن ينفي خروج أحد من أهل البيت غير الإمام المهديّ، وكأنّ هناك تصوّراً كان موجوداً في عصر الصادق ومن بعده، وهو أنّ هذا الإمام الحيّ في زمانهم يمكن أن ينطبق عليه عنوان المهديّ أو القائم، فأراد الإمام هنا أن ينفي مثل هذه التصوّرات، وأن يربط الخروج المهدويَّ بالسفياني، لا أنّه يريد أن يربط أصل الخروج على السلطة مطلقاً بالسفياني، فإذا قوي هذا الاحتمال صارت الرواية أجنبيّة عن بحثنا، ولم يعد يمكن الاستناد إليها ولو من حيث تحقّق الإجمال فيها، وهذا غير بعض الروايات السابقة التي تربط خروج الناس بالسفياني لا خروج أحدٍ من أهل البيت به، فلاحظ.
الرواية العاشرة: خبر حماد بن عمرو وأنس بن محمد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه ـ في وصية النبيّ‘ لعليّ ـ قال: «.. يا عليّ، إنّ إزالة الجبال الرواسي أهون من إزالة مُلك لم تنقض أيّامه..»([434]).
لكنّ هذه الرواية:
أوّلاً: لا دلالة لها على شيءٍ هنا؛ فهي عامّة، كما أنها لا تحدّد شيئاً، فمن الممكن أن تكون الكثير من الثورات ذات توقيت ممتاز، حيث وصل سلطان دولةٍ ما إلى نهايته، والحكمة التي في الرواية جيّدة.
ثانياً: إنّها ضعيفة السند بحماد بن عمرو وأنس بن محمد([435]) معاً، بل غيرهما أيضاً.
الرواية الحادية عشرة: خبر ابن أبي عبدون، عن أبيه، عن الرضا× ـ في حديث ـ أنّه قال للمأمون: «يا أمير المؤمنين، لا تقس أخي زيداً إلى زيد بن علي، فإنّه كان من علماء آل محمّد×.. إنّ زيد بن علي لم يدّع ما ليس له بحقّ، وإنّه كان أتقى لله من ذلك..»([436]).
لكنّ هذه الرواية، مضافاً إلى ضعفها السندي بمحمّد بن يحيى الصولي على الأقلّ، وقد تعرّضنا له سابقاً، لا تدلّ على تحريم مطلق الثورة، بل الواضح فيها أنّ الثورة إذا كانت لتسليم الأمر إلى أهله، كما فعل زيد، تكون ممدوحةً، فهي دليل على جواز الثورة لا على عدم جوازها، بشرط صدق مبادئها وصوابها.
الرواية الثانية عشرة: مرسل أبي عبد الله السيّاري، قال: ذكر بين يدي أبي عبد الله× من خرج من آل محمد‘، فقال: «لا أزال (زال) أنا وشيعتي بخير ما خرج الخارجيّ من آل محمد، ولوددت أنّ الخارجي من آل محمد خرج وعليّ نفقة عياله»([437]).
وهذه الرواية تربط الخير بخروج الخارجيّ، ولعلّه الإمام المهدي؛ لهذا فهي لا تنظر ولا تقدّر أيّ ثورة قبله.
لكن يلاحظ عليها:
أوّلاً: إنها ضعيفة السند للغاية، فمضافاً إلى إرسالها الواضح، ضعيفة بأبي عبد الله السياري الذي ضعّفوه في مناسبات عديدة، وقد تعرّضنا له مراراً([438]).
ثانياً: إنّ هذه الرواية أدلّ على جواز الثورة المسلّحة منها على حرمتها؛ إذ هي ترى في خروج الخارجي ـ وهو مطلق من يخرج من آل محمّد، بالمعنى الأعم، على السلاطين ـ فائدة، وهي أنّ السلاطين سوف ينشغلون حينئذٍ بهذا الخارج وسيظلّ الإمام وأصحابه بمنأى عن الضرر، لانشغال السلطان بأولئك، سواء كان الفريق الخارج محقّاً أم لا([439]).
وهذا التفسير وإن كان غير واضح بحيث يمكن اعتباره ظهوراً لفظيّاً؛ لكنّه محتمل، بحيث يهدم الظهور في أن يكون المراد بالخارجيّ هو الإمام المهدي، بل إنّ احتمال حمل «الخارجي» على المهدي مرجوح؛ إذ لم نعهد مثل هذا التعبير في حقّه، ولا سيما حديث الإمام عن نفقة عياله. بل سيأتي أنّ احتمال كون الخارجيّ هو معنى عام، والقصد هو انشغال السلطات به، في الرواية السابعة والعشرين (مرسل عثمان بن عيسى)، فالرواية غير تامّة لا سنداً ولا دلالةً.
الرواية الثالثة عشرة: خبر أبي الحسن العبيدي، عن الصادق×، قال: «ما كان عبد ليحبس نفسه على الله إلا أدخله الله الجنّة»([440]). على أساس أنّ الحبس هنا معناه عدم الخروج وأمثاله.
ويناقَش:
أوّلاً: بالضعف السندي بجهالة بل إهمال أبي الحسن العبيدي أو العبدي([441])، فلا يستند إليها منفردةً، وليس هو القاضي البغدادي (291هـ) ولا ابن المعلمة، ولا ابن أبان؛ لعدم اتحاد الطبقة.
ثانياً: إنّه لا إشارة فيها إلى الموضوع، فغاية ما تدلّ عليه ضرورة نذر النفس لله، وهذا هو معنى الحبس، والظاهر أنّ أمثال الحرّ العاملي ممن جعل هذه الرواية في هذا الباب توهّم أنّ كلمة الحبس قد تعني عدم الانجراف مع الثورة وضبط النفس، مع أنّ الرواية لا إشارة فيها لا من قريب ولا من بعيد إلى ذلك، بل تعني صيرورة العبد مملوكاً لله، لا تنفذ فيه سوى أوامر الله وإرادته، أو ما يعبّر عنه في الفقه الإسلامي بصيرورة إرادة العبد التكوينيّة تابعةً لإرادة الله التشريعيّة.
ولعلّ ما قاله الشيخ المنتظري([442]) صحيحٌ هنا أيضاً، من أنّ الرواية أقرب إلى شرعيّة الجهاد؛ لأنّ مفهوم نذر النفس لله مفهوم قريبٌ إلى باب الجهاد ومنطقه ومستلزماته.
الرواية الرابعة عشرة: خبر الحسين بن خالد، قال: قلت لأبي الحسن الرضا×: إنّ عبد الله بن بكير كان يروي حديثاً ويتأوّله وأنا أحبّ أن أعرضه عليك، فقال: «ما ذلك الحديث؟»، قلت: قال ابن بكير: حدّثني عُبيد بن زرارة قال: كنت عند أبي عبد الله× أيّام خروج محمد (إبراهيم) بن عبد الله بن الحسن([443])؛ إذ دخل عليه رجلٌ من أصحابنا فقال له: جعلت فداك إنّ محمد بن عبد الله قد خرج، وأجابه الناس، فما تقول في الخروج معه؟ فقال أبو عبد الله: «اسكنوا ما سكنت السماء والأرض»، فقال عبد الله بن بكير: فإن كان الأمر هكذا ولم يكن خروج ما سكنت السماء والأرض، فما من قائم وما من خروج، فقال أبو الحسن×: «صدق أبو عبد الله، وليس الأمر على ما تأوّله ابن بكير، إنّما قال (عنى) أبو عبد الله: اسكنوا ما سكنت السماء من النداء (باسم صاحبكم) والأرض من الخسف بالجيش»([444]).
فهذه الرواية تربط الخروج بمسألة النداء والخسف، وما دام لم يحصل شيءٌ من هذين الأمرين فإنّ المطلوب هو السكون، ونحن نعرف أنّهما علامتان لخروج الإمام المهديّ، مما يعني حرمة أيّ خروج حتى ظهوره.
إلا أنّ الرواية يمكن التعليق على الاستدلال بها؛ وذلك:
أوّلاً: لقد وردت هذه الرواية في أمالي الطوسي وفي عيون أخبار الرضا ومعاني الأخبار للصدوق، وقد بَانَ أنّ لها سندين هما: سندٌ من الطوسي إلى الحسين بن خالد، وآخر من الصدوق في كتابيه إليه، وكلا السندين ضعيف، ففي سند الصدوق ورد عبيد الله الدهقان، وهو إمّا عبيد الله بن عبد الله الدهقان الضعيف بنصّ النجاشي، أو عبيد الله بن أحمد الدهقان المجهول المهمل([445])، فيكون السند ضعيفاً، أمّا سند الشيخ الطوسي فضعيف ـ مع سند الصدوق ـ بالحسين بن خالد؛ إذ ليس هو الحسين بن خالد أبا العلاء، بقرينة رواية محمد بن عيسى عنه، فالظاهر أنّه الصيرفي المجهول، وإن كان المراد به الخفاف فهو أيضاً مجهول، إلا على مبنى تفسير القمي وليس بثابت، ولا أقلّ من التردّد بين هؤلاء الرواة الثلاثة، فالرواية ضعيفة السند بطريقيها.
ثانياً: ما ذكره الشيخ المنتظري، من أنّ محمد بن عبد الله بن الحسن الذي تتحدّث عنه الرواية خرج بادّعاء المهدويّة، لهذا طلبت الرواية السكون إلى ظهور علامات المهدي وعدم تصديق كلّ مدّعٍ قبلها، فالسكون إلى ظهور المهديّ تحريمٌ للخروج مع أيّ مدّع للمهدويّة قبل العلامات، وليس تحريماً للخروج مطلقاً، كما هو واضح([446]).
وهذا الكلام وجيه إذا ثبت تاريخياً أنّ محمّد بن عبد الله بن الحسن قد خرج بعنوان المهديّ، وإلا أشكل الأمر، ومع تردّد القضيّة؛ لوجود خلافٍ في هذا الأمر، لا يحصل جزم بانعقاد إطلاق في الرواية حينئذٍ لما هو أوسع من مسألة الخروج مع مدّعي المهدويّة؛ لاحتمال كون الظرف المحيط قرينة متصلة لبيّة على تقيّد الحكم وجِهَةِ البيان، فيكون من باب احتمال القرينة المتصلة أو احتمال قرينيّة الموجود الذي يمنع عن انعقاد الظهور على خلافها، كما بحثناه في نظريّة تاريخيّة السنّة([447]).
ثالثاً: ما ذكره السيد الحائري، من أنّه لا بدّ من حمل هذه الرواية على التقيّة؛ لأنّها وقعت قبل ثورة صاحب فخّ التي كانت مرضيةً من جانب الأئمّة، فيحمل إطلاقها على محمل، ولو مثل التقية؛ لإباء لسانها عن التخصيص([448]).
وهذا الوجه ضعيف؛ لعدم ثبوت رضا الأئمّة عن ثورة صاحب فخّ كما أسلفناه، وقد ناقشنا في محلّه هناك دليلَ السيد الحائري نفسه على دعم أهل البيت لهذه الثورة، على أنّ المناقشة المتقدّمة للرواية (تحت عنوان: ثانياً) تحلّ الموضوع بوجهٍ مقبول، وقد علّق الحائري كثيراً في مناقشته لهذه الروايات على فكرة صدورها قبل ثورة صاحب فخّ، مع أنّ دليله الرئيس هناك كان أنّ عدم وجود ذمّ للثورة دليلٌ على تأييدها، أفلا تكفي كلّ هذه الروايات الواردة والمعلنة لثقافة تحريم الثورة كي تكون بنفسها مؤشراً على رفض ثورة صاحب فخّ؟! فالأصحّ أنّ الضعف السندي إلى جانب قرينة ادّعاء مهدويّة محمد بن عبد الله بن الحسن، هما المسقطان للاستدلال بهذه الرواية.
الرواية الخامسة عشرة: خبر نهج البلاغة، عن أمير المؤمنين× أنّه قال في خطبةٍ له: «الزموا الأرض، واصبروا على البلاء، ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم في هوى ألسنتكم، ولا تستعجلوا بما لم يعجل به (يعجله) الله لكم، فإنّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقّ ربه وحقّ رسوله وأهل بيته مات شهيداً، ووقع أجره على الله، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله، وقامت النية مقام إصلاته بسيفه (لسيفه)، فإنّ لكلّ شيء مدّة وأجلاً»([449]).
لكنّ هذه الرواية ـ مضافاً إلى ضعفها السندي بالإرسال الشديد، حيث لم أعثر لها في سائر المصادر على سندٍ أساساً ـ ليس فيها تأبيد؛ إذ ظاهرها النهي عن العجلة باستخدام القوّة، لا سيما مع غمزه بأنّ ذلك في هوى النفوس والميول والرغبات، فهي إشارة إلى أنّه ليس السيف هو المعيار دوماً وحلّال المشاكل، بل عليهم الصبر والتريّث، وفي فترة التريث لهم أجر الشهداء لحُسن نيّتهم، وهذا كلّه لا إشارة فيه إلى مفهوم التأبيد والإطلاقيّة، كما هو واضح.
بل نحن نسأل: إذا كانت الخطبة قبل تولّيه الخلافة، أليس من الوجيه تفسيرها بعدم الثورة على الخلفاء قَبله وهو ما لا يسمح بالتعميم؟! وإذا كانت بعد الخلافة ـ كما لعلّه الأقرب ـ ألم يُشهر هو السيف ضدّ أصحاب الجمل والنهروان وصفّين؟! إذاً فلا معنى لفهم الحديث فهماً إطلاقيّاً.
هذا، وقد طعن السيّد مصطفى الخميني في هذه الرواية بالقول: «وغير خفيّ أنّ من يعرف بلاغته× وفصاحته، يطمئنّ بأنّه من الأكاذيب المنسوبة إليه؛ لخلوّها عن خصوصيّات الخطب اللازمة رعايتها على الخطيب، وسيظهر وجه تصدّي الخائنين لجعل هذه المآثير، بل ربما يجعلون وينسبون إلى غيره× كأبي بكر ما يشبه ذلك، أو إلى رسول الله‘، فراجع» ([450]).
وقفات مع الحائري والمنتظري و.. في رفض الثورة قبل "العلامات"
الرواية السادسة عشرة: خبر جابر، عن أبي جعفر× قال: «إلزم الأرض، ولا تحرّك يداً ولا رجلاً حتى ترى علاماتٍ أذكرها لك وما أراك تُدركها: اختلاف بني فلان، ومنادٍ ينادي من السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق..»([451]).
فهذه الرواية تنهى عن أيّ حركة مهما كانت جزئيّةً قبل العلامات، وتصرّح بعدم إدراك جابر لهذه العلامات، لهذا فهي واضحة الدلالة على المطلوب.
وربما يناقَش الاستناد على هذه الرواية من جهات:
أوّلاً: وردت هذه الرواية في كتاب الغيبة للطوسي، وكتاب الغيبة للنعماني، بعدّة أسانيد تنتهي كلّها إلى الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، كما جاءت الرواية عينها وفيها هذا السند الأخير في إرشاد الشيخ المفيد، ورويت في الخرائج والجرائح لقطب الدين الرواندي.
وهذا السند ضعيف بعمرو بن أبي المقدام، فإنّ وثاقته مبنيّة على تفسير القمي وكامل الزيارات وليس من المشايخ المباشرين، وليسا بثابتين، وقد وردت رواية مرسلة في الكشي في مدحه، لكنّها ليست بمعتبرة بعد إرسالها، ولم يوثقه أحدٌ من أئمّة الرجال المتقدمين. نعم لما ذكره النجاشي قال بأنّ عنده كتاباً لطيفاً، لكنّ هذا ليس مؤشراً على وثاقته، وحتى على تقدير أنّ اسمه عمر وليس عمرو، أو أنّه ابن ميمون وليس ابن أبي المقدام، يظلّ مجهولاً؛ لعدم وجود سبيل لتوثيقه، غير رواية الأجلاء عنه ومنهم ابن أبي عمير، لكنّ المبنى ليس بثابت، فالرجل مجهول([452]).
والذي يثير هنا أنّه مَنْ هو المقصود بجابر الذي روى عنه ابن أبي المقدام؟ فهناك جابر بن يزيد الجعفي، ولم نجد لابن أبي المقدام روايةً عنه سوى هذه، والمعروف أنّ الراوي المشهور عن جابر هذا هو عمرو بن شمر الكذّاب الضعيف، ويبعد أن يكون المراد جابر بن عبد الله الأنصاري؛ لأنّ جابر بن يزيد الجعفي هو من يروى عنه عادةً، من هنا فالسند غير موثوق حتى يُعمل به، وخاصّة مع طول الرواية.
ثانياً: ما ذكره الشيخ المنتظري، من أنّ الخطاب خاصّ موجّه إلى جابر، ولعلّ له خصوصيّة، أو لعلّ أحداً كان حاضراً في المجلس وقتها ولم يُرِد الإمام أن يُبدي الأمورَ أمامه، ولعلّ جابراً توهّم قرب حلول قيام القائم، فأراد الإمام أن يخبره بالأمر، وما شابه ذلك([453]).
ويناقَش بأنّه هل يمارس الشيخ المنتظري هذه الطريقة الاحتماليّة في تمام روايات الفقه أو في هذا البحث فقط؟ وهل مجرّد احتمال وجود غرباء في المجلس كافٍ لإسقاط الاستدلال، وإذا كان الأمر خاصّاً بجابر، فلماذا كلّ هذه العلامات العديدة، أما كان يمكن الاكتفاء بواحدة يحرَز أنّ جابراً لن يعاصرها؟ وهل كان الإمام مضطراً لذكرها جميعاً بدل أن يبيّن لجابر بصيغة شخصيّة أنّ عليه أن لا يخرج بدل إقحام موضوع الإمام المهديّ بالحسبان؟!
ثالثاً: ما ذكره السيد الحائري، من أنّ الرواية إذا تمت دلالةً فهي آبية عن التخصيص، الأمر الذي يفرض عدم العمل بها؛ لوقوعها قبل ثورتَي زيد الشهيد وصاحب فخّ المؤيّدتَين من أهل البيت، ولا يمكن الجمع هنا سوى بعدم العمل بهذه الرواية([454])؛ وكأنّه يريد أن يقول بأنّه حيث لا يمكن التخصيص؛ لذا يلزم العمل إمّا بهذه الرواية وترك ما دلّ على تأييد ثورتَي: زيد وصاحب فخّ، أو العكس، وحيث إنّ حركة زيد وثورة صاحب فخّ ثبتا بدليل قاطع، لم يعد يمكن التخلّي عنهما، فسقطت هذه الرواية هنا بالكليّة؛ لامتناعها عن التخصيص. من هنا احتمل الحائري أن يكون الخروج فيها هو الخروج مقابل الإمام× لا تحت إذنه([455]).
وقد كرّرنا الجواب عن مثل هذا الإشكال من عدم ثبوت تأييد أهل البيت لهاتين الثورتين، وحتى لو فرض ذلك فلا مانع من حملهما على العنوان الثانوي الذي فرض التخلّي عن الحكم الأوّلي بالحرمة، وأمّا احتمال الثورة بزعم أنّه مقابل الإمام فهذا مجرّد فرض، فلا جابر بن عبد الله الأنصاري ولا جابر بن يزيد الجعفي كانا ممّن يحتمل هذا في حقّهما عادةً حتى يشدَّد عليه بهذه اللغة.
رابعاً: ما ذكره بعض المعاصرين، من أنّ الرواية تتحدّث عن الأئمّة وظروف حضورهم وأنّهم لا ثورة لهم إلا مع المهديّ، فلا نظر لها إلى عصر الغيبة([456]).
وهذا الاحتمال أيضاً غير واضح؛ إذ معناه لا أحد منّا يثور إلا المهدي، وهذا النصّ لا ربط له بصدر الرواية من النهي عن الحركة، إلا أن يقصد لا تخرجوا مع أحد من مدّعي المهدويّة أو مدّعي الإمامة إلا بهذه العلامات، وهذا عودٌ إلى المناقشة السابقة (ثانياً) تقريباً، مع أنّ المناقِش هنا ردّ تلك المناقشة، وكذا هنا نحن نردّ كلامه بعدم دليل على كون الرواية في هذا السياق، وإنّما هو محض احتمال معقول، يمكن أن يفيد، لكنّه لا شاهد من داخل الرواية له.
وعليه؛ فالرواية تامّة الدلالة، إلا أنّ في سندها نقاشاً وتوقّفاً.
الرواية السابعة عشرة: خبر زرّ بن حبيش، قال: خطب أمير المؤمنين× بالنهروان ـ إلى أن قال: ـ فقام رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، حدّثنا عن الفتن.. فقام رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما نصنع في ذلك الزمان؟ قال: «انظروا أهل بيت نبيّكم؛ فإن لبدوا فالبدوا، وإن استصرخوكم فانصروهم تؤجروا، ولا تستبقوهم فتصرعكم البليّة»، ثم ذكر حصول الفرج بخروج صاحب الأمر([457]).
والرواية ظاهرة في لزوم اللبد حتى يخرج الأئمّة أنفسهم.
وقد ورد مضمون هذه الرواية في نهج البلاغة مرسلاً([458])، وفي كتاب سُليم بن قيس بسندٍ ضعيف([459])، وورد أيضاً عن الباقر عن رسول الله‘ في مناقب الإمام أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان الكوفي([460]) بسندٍ فيه إسماعيل بن المنذر، وهو رجلٌ لا ذكر له في أيّ مصدر حديثي أو رجالي، وإنّما ورد اسمه عابراً في كلمات الرازي([461])، ووردت في شرح الأخبار للقاضي النعمان مرسلةً([462]).
وأمّا المصدر الذي أخذ عنه الحرّ العاملي، فهو الغارات للثقفي بسندٍ إلى عليّ بن أبي طالب، ومن المعروف أنّ الثقفي هذا توفّي عام 283هـ، وقد ورد في السند المنصور بن عمرو، وهو رجلٌ مهمل جداً، كما ورد المنهال بن عمرو وهو مجهول إلا على كامل الزيارات وليس من المشايخ المباشرين([463])، غير أنّه رغم غمز بعض علماء أهل السنّة بالمنهال بن عمرو الأسدي، غير أنّ بعضهم وثّقه([464])، فالرواية ضعيفة السند بكافّة مصادرها لا يُستند إليها.
ويُضاف إلى الضعف السندي الموجود في الرواية أنّها تتحدّث عن زمان وقوع الفتنة وأنّ أهل البيت إن لبدوا وجب على الآخرين اللبد وإن استصرخوا وجبت نصرتهم. وهذا السياق هو سياق حضورهم دون غيبتهم، فتكون الرواية ناظرة إلى عصر الحضور، ومنصرفة عن عصر الغيبة، ولا دليل على أنّ الإمام عليّاً قد ربط الخروج بمسألة ظهور المهدي، نعم هو تحدّث عن المهدي بوصفه المخلّص؛ لكنّ هذا لم يقع في سياق جعل منتهى اللبد هو خروجه، على أنّ هذه الرواية لو عمّت عصر الغيبة، فلا تفيد أيضاً؛ لأنّها قضيّتان شرطيّتان، ولا ندري هل يريد أهل البيت منّا اليوم النصرة أو اللبد؟ فتكون بحاجة إلى دليل آخر، فلا تكون هذه الرواية بنفسها دليلاً، إلا إذا قيل بأنّ المهدي اليوم لابدٌ، إذ اللبد متضمَّنٌ في غَيبته، فلزم اللبد معه.
الرواية الثامنة عشرة: خبر محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله× أنّه قال:«كلّما تقارب هذا الأمر كان أشدّ للتقية»([465]).
وقد فُسّر «الأمر» الوارد في الرواية بخروج القائم، كما جاء في بحار الأنوار([466])، وقد أوردها العلماء والمحدّثون في مباحث التقية.
والرواية من حيث السند تامّة؛ لكنّها من حيث الدلالة مبهمة؛ فما هو الدليل على أنّ المراد بالأمر فيها هو خروج المهديّ سوى مجرّد الإنس؟ ولا سيما من غير الواضح فيها السياق المحيط، لا قبلها ولا بعدها، ولا حتى سؤال السائل. ونحن وإن كنّا لا نشكّ في كثرة استخدام كلمة "الأمر" في الموضوع المهدويّ في ألسنة النصوص، لكنّ الرواية هنا أشبه بالمقتطعة من سياق، فمن الممكن أن يكون المراد بالأمر فيها هو زوال حكم بني أميّة مثلاً وهكذا، على أساس أنّه كلما اقتربت نهايتهم اشتدّ البطش والقتل والفتن وسفك الدمّ، فكانت الحال أقرب للتقيّة، فيصعب الوثوق بكون المراد هو المهديّ وظهوره.
يُضاف إلى ذلك أنّ هذه الرواية ظاهرة في الإخبار، وأنّه كلّما اقترب موعد الظهور كانت أحوال التقية أشدّ، فإذا أردنا أن نفسّرها قاعدةً كلية تفيد لزوم التقية لتحقّق ظروفها دوماً بل أشدّ وأشدّ، كان معناها مخالفاً لحقائق التاريخ؛ فقد مرّت على الشيعة بعد صدور هذه الرواية أحوال أفضل بآلاف المرات ـ على صعيد الخوف ـ من عصر بني أمية وبني العباس، كما في العصر الصفوي وغيره كعصرنا الحاضر، فعدم مطابقة الرواية للواقع شاهدٌ إمّا على بطلانها من حيث الصدور أو على عدم إرادة هذا المعنى منها كما ذكرناه أو على اختصاصها بالفترة التي تسبق الظهور خاصّة.
هذا، وقد لاحظتُ فيما بعد أنّه قد التفت السيد الحائري إلى إشكال مخالفة الواقع([467]).
الرواية التاسعة عشرة: خبر أبي الجارود، عن أبي جعفر×، قال: قلت له: أوصني، فقال: «أوصيك بتقوى الله، وأن تلزم بيتك، وتقعد في دهماء هؤلاء الناس، وإيّاك والخوارج منّا؛ فإنّهم ليسوا على شيء ولا إلى شيء، واعلم أنّ لبني أمية ملكاً لا يستطيع الناس أن تردعه، وأنّ لأهل الحقّ دولة إذا جاءت ولاّها الله لمن يشاء منّا أهل البيت، فمن أدركها منكم كان عندنا في السنام الأعلى.. واعلم أنّه لا تقوم عصابة تدفع ضيماً أو تعزّ ديناً إلا صرعتهم المنيّة والبليّة، حتى تقوم عصابة شهدوا بدراً مع رسول الله لا يوارى قتيلهم، ولا يرفع صريعهم، ولا يداوى جريحهم»، قلت: من هم؟ قال: «الملائكة»([468])، ونحوها رواية أخرى في المصدر عينه([469]).
فهذه الرواية تنذر بالسوء والفشل، لكلّ ثورة قبل قيام المهدي وأنها لن تجني سوى الخيبة والاندحار.
لكنّ هاتين الروايتين قابلتان للنقاش سنداً، ففي الرواية الأولى روى الخبر أحمد بن محمد بن سعيد عن بعض رجاله، فتكون مرسلةً؛ كما أنّ في سندها علي بن عمارة الكناني، وهو رجل مهمل جداً، أمّا الرواية الثانية ففيها صالح بن أبي الأسود وهو مجهول([470])، فالروايتان ضعيفتان سنداً.
والخبران يلوح من بعض مقاطعهما الحديث عمّن يخرج من أهل البيت، لكنّهما ـ وبخاصّة الأوّل منهما ـ ظاهران في التعميم أيضاً، وأمّا قضيّة أنّه ليس هناك نهي في الثاني منهما، وإنّما إخبار عن الفشل فقط، وهو لا يلازم النهي([471])، فهو صحيحٌ في نفسه، غير أنّ العرف يفهم منه عدم صحّة الخروج، فهذا التدقيق قد يكون غير واضح إلا في الرواية الثانية، وهكذا الحديث عن أنّ الرواية جاءت قبل خروج زيد وصاحب فخّ، فيجب حملها على محمل كما يقول الحائري([472])، حيث أجبنا عنه مراراً.
نعم، سياق الحديث الأوّل وارد في بني أميّة، مما قد يمنع عن انعقاد إطلاق على نحو القضيّة الحقيقية العامة، والراجح وحدة الروايتين، فهذا الحديث لا يُستند إليه أيضاً.
الرواية العشرون: خبر الحسين بن خالد، عن الرضا×، أنّه قال: «لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، إنّ أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية»، فقيل له: يا ابن رسول الله، إلى متى؟ قال: «إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا..»([473]).
فهذه الرواية دالّة على لزوم ممارسة التقية حتى ظهور المهديّ، ومن الواضح أنّ الثورات المسلّحة أو الدمويّة تخالف التقية بالتأكيد، فتكون غير مرضيّة.
إلا أنّه يمكن النقاش في سند هذه الرواية، ففي تمام المصادر التي جاءت فيها جاء اسم علي بن معبد، وهو رجل مجهول([474])، وحذف اسمه في إحدى نسخ إعلام الورى للطبرسي، لا يضرّ؛ للتأكّد من وجود اسمه بعد أن كانت نسخة أخرى موجوداً فيها، فضلاً عن كتب الصدوق والخزاز القمي وتفصيل وسائل الشيعة، فالرواية ضعيفة السند.
ولو صحّ سند هذه الرواية لكانت دالّةً على المطلوب هنا.
الرواية الواحدة والعشرون: خبر محمّد بن عمارة، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد× يقول: «.. والمؤمن مجاهد؛ لأنّه يجاهد أعداء الله تعالى في دولة الباطل بالتقية، وفي دولة الحقّ بالسيف»([475]).
والرواية ظاهرة في أنّه مع دولة الباطل يلزم التقيّة لا الثورة ونحوها، وخاصّة بقرينة سياق المقابلة.
لكنّ الرواية ضعيفة السند جداً؛ فقد ورد فيها الحسن بن علي السكوني أو السكري، وهو مجهول جداً، وهي مبتلاةٌ بإهمال جعفربن محمد بن عمارة، وجهالة محمد بن عمارة([476])، مضافاً إلى أنّها لا تحصر الجهاد بالتقيّة، بل تعد التقيّة في دولة الظالم جهاداً، وقرينة المقابلة غير قاطعة.
الرواية الثانية والعشرون: خبر جابر، عن أبي جعفر×، أنّه قال: «يأتي على الناس زمانٌ يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان..»، قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله، فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان؟ قال: «حفظ اللسان ولزوم البيت»([477]).
فهذه الرواية تجعل وظيفة المؤمن في عصر الغيبة لزوم البيت، وحفظ اللسان، كنايةً عن عدم الحركة، الأمر الذي يقع على طرف نقيض مع الخروج المسلّح أو الدموي وأمثاله.
إلا أنّ هذه الرواية ضعيفة السند بالمفضّل بن صالح أبي جميلة، فهذا الرجل أشار النجاشي إلى أنّه ممّن غمز فيهم وضعفوا، وعدّ إلى جانبه عمرو بن شمر الضعيف. نعم حاول الوحيد البهبهاني أن يوثقه رغم هذا الكلام من النجاشي ورغم تضعيف ابن الغضائري والعلامة الحلي له أيضاً، وأقصى ما يُستفاد لتوثيقه:
1 ـ وقوعه في أسانيد كامل الزيارات وتفسير القمي.
2 ـ رواية الأجلاء وأصحاب الإجماع عنه.
3 ـ كثرة روايته وكون مرويّاته سديدة([478]).
لكن حتى لو كانت هذه طرقاً للتوثيق ـ وليست كذلك ـ إلا أنّها تعارض كلام النجاشي الذي وضعه في سياق الكذابين في نظر بعضٍ؛ فكيف يحصل وثوق بوثاقته؟! وأمّا القول بأن التضعيف قد يكون منطلقاً من جانب اعتقاد الغلوّ فيه أو ما شابه ذلك.. لو تمّ النقد فيه ـ على مبانيهم ـ للزم سقوط اعتبار علم الرجال، إذ لعلّ التوثيقات كانت كذلك أيضاً عبر مراجعة روايات الراوي وتحديد مدى انسجامها مع الصواب، وهو ما لا يقبلون به عادةً، وقد فصّلنا القول فيه في محلّه.
فالأصحّ القول بضعف الرجل، فتسقط الرواية عن الاعتبار من هذه الناحية. بل يمكن القول بأنّها تجعل الجلوس في البيت أفضل الأعمال لا الفاضل مقابل المنبوذ والمنهيّ.
وقفات مختصرة دلاليّة وإسناديّة مع خبر الصحيفة السجّادية
الرواية الثالثة والعشرون: خبر متوكّل بن هارون، المعروف بخبر الصحيفة السجاديّة، عن أبي عبد الله×: «ما خرج ولا يخرج منّا أهل البيت إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلماً أو ينعش حقاً إلا اصطلمته البليّة، وكان قيامه زيادة في مكروهنا وشيعتنا»([479]).
فهذه الرواية واضحة الدلالة على أنّ أيّ ثورة قبل قيام القائم ستفضي إلى المزيد من مكروه الشيعة ومكروه أهل البيت، ولن تجرّ سوى الهلاك والبلية والمحنة، وهذه ألسنة زجر وعدم شرعنة لمثل هذه الثورات.
وقد يُناقش الاستدلالُ بهذه الرواية من جوانب:
أوّلاً: الجانب السندي، فقد ورد في سند الحديث محمّد بن عبد الله بن المطلب الشيباني، وقد نصّ النجاشي على أنّ جلّ أصحابنا كانوا يغمزونه ويضعّفونه، وقد نصّ على تضعيف جماعةٍ له الطوسيُّ في الفهرست أيضاً والرجال، نعم حاول بعضهم كالوحيد البهبهاني توثيقه برواية بعض الثقات عنه([480])، لكن إذا كانت مثل هذه النصوص لا تضعف شخصاً فما الذي يضعفه حينئذ؟! ولا سيما أنّ النجاشي عاصره، فمعلوماته عنه مهمّة جداً، حيث ينصّ على أنّه خلط آخر عمره.
وفي السند أيضاً عمير بن المتوكّل بن هارون، وهو رجلٌ مهمل، وكذلك متوكّل بن عمير أو متوكّل بن هارون([481])، فالسند ضعيف من عدّة جهات، لهذا لم يكن واضحاً وصف السند من قبل العلامة محمد حسين الطهراني بالصحيح الذي لا شكّ ولا تردّد فيه([482]).
بل قد وقع بينهم كلامٌ طويل في مَن هو قائل «حدّثنا» في بداية السند، وكُتبت في ذلك رسائل وتعليقات.
وقد أفاض كثيرون في ذكر ما أطلقوا عليه «سند الصحيفة السجاديّة»، فذكروا عشرات الطرق وقالوا بأنّ لها مئات بل آلاف الطرق، وبالتفتيش في كلماتهم فإنّ هذه الطرق هي طرق إجازات المتأخّرين تنتهي في نهاية المطاف إلى الإسناد نفسه، ولو كان هذا تواتراً فكلّ روايات الكافي وأمثاله متواترة! وأمّا دعوى من ادّعى أنّه حصل على الصحيفة في المنام من الإمام المهديّ، فخارجة عن إطار البحث العلمي القائم على معايير موضوعيّة. فضلاً عن الحديث عن وجود ألف ألف سند لها، وهو ما نقله العلامة المجلسي عن والده المجلسيّ الأوّل حين قال: «أجزت للولد الأعزّ أن يروي عنّي الصحيفة بهذه الأسناد عن إمام الساجدين وزين العابدين والعارفين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب مع الإسناد الذي بلا واسطة عن صاحب الزمان وخليفة الرحمان صلوات الله وسلامه عليه الذي وقع في الرؤيا مع ساير الأسانيد التي تزيد على ألف ألف سند.. والذي رأيت من أسانيد الصحيفة بغير هذه الأسانيد([483]) فهي أكثر من أن تحصى، ولا شكّ لنا في أنّها من سيد الساجدين، أمّا من جهة الإسناد فإنّها كالقرآن المجيد، وهي متواترة من طرق الزيديّة أيضاً([484])، وأمّا من حيث العبارة فهي أظهر من أن يذكر فهو كالقرآن المجيد في نهاية الفصاحة، وأمّا من جهة الإحاطة بالعلوم الإلهيّة فهو أيضاً ظاهر لمن كان أدنى معرفة بالعلوم..»([485]).
والأفضل عدم التعليق على مثل هذه الدعاوى الكبيرة، فليدلّونا على ألف سندٍ فقط ـ بل مائة ـ من أسانيد هذه الصحيفة مدوّنةً واضحة بالأسماء.
وأمّا استناد الشيعة إلى الصحيفة السجّادية وكثرة شروحاتها وتعليقاتها، مع أنّ هذا هو سندها، وكذلك وجود مخطوطات كثيرة لها في العالم أحصاها بعضهم فبلغت أزيد من ألف وخمسائة مخطوطة، يرجع بعضها حتى للقرن السادس أو الخامس الهجري، الأمر الذي يكشف عن اهتمام استثنائي بها عبر القرون.. فهذا كلّه ليس بدليل؛ إذ قلّما توقّفوا في أسانيد أحاديث الأدعية والمندوبات، كما أنّه لعلّ متنها ومضمون أدعيتها جعل لهم وثوقاً بصدورها، بل هذا هو الظاهر من كثيرين منهم أعجبوا للغاية بمتنها ووصفوه بأنّ فيه إعجازاً وأنّه فوق كلام البشر، وغير ذلك من الكلام الكثير الذي يمكن للمتابع مراجعته في التراث، حتى تمّ توظيف كلام كثيرين لهم نزعة صوفيّة عرفانية اعتبروها من التنزيلات السماويّة. وكذلك القول بأنّ مضمونها متناسب مع مفاهيم التشيّع في تلك الفترة غير ملوّث بمفاهيم لاحقة يفترض أنّ الرواة يضيفونها لو كانوا وضعوا الصحيفة وغير ذلك، وكذا علوّ المضامين قياساً بنوعيّة النقلة حيث لا يحتمل أنّ من عليهم مدار الحديث كانوا قادرين على الوصول إلى مفاهيم وبيانات من هذا النوع، فهذا كلّه قد يعطي نوع وثوق إجمالي جعلهم يثقون بالصحيفة.
كما أنّ المقدّمة المنقولة شفاهاً والتي تشتمل على موضع الشاهد هنا، قد لا يحرز أنّها صدرت فعلاً، بل قد ادّعي أنّها غير موجودة في النسخ القديمة للصحيفة.
وقد قال السيد روح الله الخميني في سياق حديثه عن كتاب "مصباح الشريعة": «.. وإلا فأبواب المناقشة في الإسناد والدلالة في كثير منها مفتوحة، حتى في الصحيفة المباركة السجاديّة، فإنّ سندها ضعيف، وعلوّ مضمونها وفصاحتها وبلاغتها وإن توجب نحو وثوق على صدورها، لكن لا توجبه في جميع فقراتها واحدة بعد واحدة حتى تكون حجّة يستدلّ بها في الفقه. وتلقّي أصحابنا إيّاها بالقبول كتلقّيهم نهج البلاغة به لو ثبت في الفقه أيضاً إنّما هو على نحو الاجمال، وهو غير ثابت في جميع الفقرات..»([486]).
والنتيجة: إنّ سند الصحيفة السجاديّة غير معتبر بطرق الإماميّة لها، لكنّ هذا لا يعني رفض الصحيفة مطلقاً، بل يتطلّب دراسةً شيعيّة عامّة؛ لأنّ المفروض أنّ هذه الصحيفة متداولة عند الزيدية والإسماعيليّة (على ما قيل) والإماميّة معاً، فالقول النهائيُّ فيها يحتاج لمتابعةٍ مذهبيّة شيعيّة شاملة، فقد تتعاضد الأسانيد والطرق. وإن كان ـ وفقاً لما عثرت عليه ـ فإنّ الكل ينتهي لسندٍ واحد وهو السند الذي ذكرناه([487]). نعم هذه الصحيفة لا إسناد لها عند أهل السنّة حسب الظاهر، ولكنّ هذا لا يضرّ لو حصلنا على طرق توجب الاعتماد عليها؛ لأنّ الإمام زين العابدين معروف في وسط شيعته، فيُكتفى بما يُنقل عنه من قبلهم، ما دام لا إشكاليّة فيه. وطبيعة الموضوع ليس مما يتطلّب ـ لو كان ـ أن تنقله كلّ المذاهب.
ثانياً: إنّ ظاهر الرواية الحديث عن خروج أحد أئمّة أهل البيت، بقرينة «منّا أهل البيت»، فلا يكون لها علاقة ببحثنا، وإنّما تشير إلى خروجهم وتفسّر عدم ثورتهم حتى الإمام العسكري؛ فلا علاقة لها ببحثنا هنا([488]). إلا إذا فسّرنا كلمة «منّا» بمطلق البيت العلوي أو الفاطمي.
ثالثاً: إنّ هذه الرواية تشير إلى من خرج وسيخرج من أهل البيت، ولا شكّ أنّها تشمل الإمام الحسين، فإذا كانت دالةً على تحريم الخروج وذمّه لزم أن تذمّ الحسين، فيكون ذلك دليل الوضع فيها، وإذا كانت بصدد محض الإخبار بلا ذمٍّ ولا طعن، فلا تكون دالّةً على التحريم من رأس، فلا تنفع في بحثنا هذا.
وقد أشار الشيخ المنتظري إلى هذا الوجه([489])، لكنّنا طوّرناه بهذه الصيغة ليكون أكثر دقّةً.
الرواية الرابعة والعشرون: خبر أبي بصير، عن أبي عبد الله×، قال: «لما دخل سلمان ـ رضي الله عنه ـ الكوفة، ونظر إليها، ذكر ما يكون من بلائها، حتى ذكر ملك بني أميّة والذين من بعدهم، ثمّ قال: فإذا كان ذلك فالزموا أحلاس بيوتكم حتى يظهر الطاهر ابن الطاهر المطهّر، ذو الغيبة الشريد الطريد»([490]).
والراوية تطالب بالجلوس في البيوت إلى ظهور المهدي، وهو مفهوم يقع على خلاف مع مفهوم الثورة. ونقل الإمام الصادق للقصّة، بلا تعقيبٍ أو تعليق، يُفهم منه موافقته على المضمون.
والمقدار من سند هذه الرواية الوارد في غيبة الطوسي تامّ، وهو يبدأ بأحمد بن إدريس، ولم يحدّد طريق الشيخ الطوسي إلى ابن إدريس فيه، فيكون مرسلاً، لكن للطوسي طريقان إلى أحمد بن إدريس:
الأوّل: في كتاب الفهرست، لكنّه ضعيف بأحمد بن محمّد بن جعفر بن سفيان البزوفري، فهو مجهول.
الثاني: في مشيخة التهذيب والاستبصار، وهو صحيح، إلا أنّ هذه الرواية لم ترد في التهذيب ولا في الاستبصار، وفي المشيخة قال: «وما ذكرته عن أحمد بن أدريس»([491])، وظاهر ما ذكره في هذين الكتابين، فلا يحرز أنّه طريق لما ورد في سائر الكتب.
فالرواية ضعيفة السند، بل في النفس شيءٌ من المتن وإمكاناته التاريخيّة ولغته وتركيبه اللفظي.
مع رواية "نار آذربيجان" في دلالاتها وتطبيقاتها التاريخيّة
الرواية الخامسة والعشرون: خبر أبي بصير الآخر، عن أبي عبد الله× أنّه قال أبي: «لا بدّ لنار (لنا)([492]) من آذربيجان لا يقوم لها شيء، وإذا كان ذلك فكونوا أحلاس بيوتكم، والبدوا ما ألبدنا، فإذا تحرّك متحرّك (متحرّكنا) فاسعوا إليه ولو حبواً.. ويلٌ لطغاة العرب من شرٍّ قد اقترب»([493]).
لكنّ الرواية ضعيفة السند بالحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني الضعيف الذي وصفه الكشي بالكذّاب([494]).
ويحتمل في الرواية أن يكون المقصود بالنار المعنى الحقيقي كما يحتمل أن يراد بها الحرب، فكأنّ ناراً تشتعل أو حرباً تندلع في آذربيجان ـ والتي هي أوسع من دولة آذربيجان اليوم، بل تمتد لأردبيل وتبريز ونخجوان وغيرها، وربما قيل بأنّ آذربيجان الحالية هي أرّان، وليست آذربيجان بالتسمية الجغرافيّة القديمة ـ وربما تكون هذه الحرب أو النار قد وقعت، أو ستقع. وفي عصر المأمون ظهرت المحمّرة (البابكيّة ـ الخرّميّة ـ الخرّمدينية) من آذربيجان الإيرانيّة وقتلوا وسفكوا كثيراً([495])، فلعلّ هذا إشارة لهم وبخاصّة في نقدهم للعرب أو تكون الرواية موضوعة في أيّام خروج البابكيّة لتشجيع الناس على عدم التصدّي لهم.
وعلى أيّة حال، فهذه الرواية تعلّق اللبد على موضوع آذربيجان، ولعلّها تأتي ولم تحصل بعدُ أو حصلت وانقضت، والحكم مرتبط بتلك اللحظة، فما لم نحرز تحقّقها لا معنى للقول بوجوب اللبد. واحتمل بعضٌ أنّ آذربيجان ليس إلا كلمة وردت في أحد نسخ النعماني، وربما يكون الأصل «لنار امتحان»، والعلم عند الله.
وقد علّق السيّد جعفر مرتضى على هذه الرواية، بقوله: «إنّ من الواضح أنّ هذا الحديث ناظرٌ إلى تحصين الشيعة من تصديق المدّعين لمقامات ومنازل الأئمّة ـ عليهم السلام ـ ويدعون الناس إلى مؤازرتهم والخروج معهم، وتصديق دعواهم الإمامة والمهديّة.. ولذلك أشار الإمام×، إلى أن هناك علامة للمهديّ الحقيقي، وهي نارٌ من آذربايجان لا يقوم لها شيء.. كما أنّ هذا يفسّر بأنّه× قد ربط الناس بخصوص الأئمّة من أهل البيت..»([496]).
لكن لم يتضح لي ربطه الرواية بمدّعي المهدويّة.
الرواية السادسة والعشرون: خبر أبي بكر الحضرمي، قال: دخلت أنا وأبان على أبي عبد الله×، وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان، فقلنا: ما ترى؟ فقال: «اجلسوا في بيوتكم، فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدوا إلينا بالسلاح»([497]).
والسند ضعيفٌ بيوسف بن كليب المسعودي المجهول جداً([498])، وجهالة الحكم بن سليمان([499])، إضافةً إلى أنّ الرواية ظاهرة في تأطّرها الزماني، فهي تخاطبهم بالخروج إلى أهل البيت عندما يجتمعون على شخصٍ مقابل الخروج مع الرايات السود في خراسان، وهذا مؤشّر على أمرٍ ظرفي آنذاك، ومنصرف عن مثل عصر الغيبة، لا أقلّ من عدم إحراز انعقاد إطلاق فيها.
الرواية السابعة والعشرون: خبر عثمان بن عيسى، عمّن أخبره، قال: قال أبو عبد الله×: «كفّوا ألسنتكم والزموا بيوتكم، فإنّه لا يُصيبكم أمرٌ تخصّون به أبداً، ولا تزال الزيديّة لكم وقاءً أبداً»([500]).
والرواية ضعيفة السند بالإرسال في مصدرَيها: الكافي بعد عثمان بن عيس، وغيبة النعماني بعد علي بن أسباط، من دون وجود إمكانيّة للتعويض السندي بينهما، فلا يُعتمد عليها، مضافاً إلى أنّه يلوح منها التأطّر الزماني بمناسبة الحديث عن فرقة الزيديّة وحركاتها الثوريّة، وبخاصّة أنّ الحديث عن كون الزيدية وقاءً للإماميّة أبداً حديثٌ مخالف للواقع، بل كان في فترة محدودة تلك الأيام، وإلا فالتاريخ يشهد بعدم دوامه ولا حتى كثرته، فيصعب جداً الاعتماد ـ سنداً ودلالةً ـ على مثل هذه الرواية.
الرواية الثامنة والعشرون: خبر جابر بن يزيد، عن أبي جعفر الباقر× أنّه قال: «اسكنوا ما سكنت السماوات والأرض، أي لا تخرجوا على أحد؛ فإنّ أمركم ليس به خفاء»([501]).
لكن في الرواية رائحة الظرف التاريخي، ولا سيما إذا نظرنا إلى التعليل بأنّ أمركم ليس به خفاء. وإذا لم نقل بظهورها في البعد التاريخي، فإنّ الرواية ضعيفة السند جداً؛ فقد ورد فيها منخل بن جميل الموصوف بالضعيف الفاسد الرواية المتهم بالغلوّ حتى لو ورد في أسانيد تفسير القمي([502]).
الرواية التاسعة والعشرون: خبر المفضل بن يزيد، عن أبي عبد الله× قال: قال لي: «يا مفضّل، من تعرّض لسلطانٍ جائر فأصابته بليّة لم يؤجر عليها، ولم يرزق الصبر عليها»([503])، وقد وردت الرواية عينها في كتاب ثواب الأعمال للصدوق مرويّة عن المفضّل بن عمر، لكنّها في الكافي والتهذيب جاءت عن المفضّل بن يزيد.
ودلالتها بالإطلاق مقبولة، لكن سند الصدوق ضعيفٌ بجهالة محمّد بن علي الكوفي([504])، وأمّا سند الكليني والطوسي ففيه المفضّل بن يزيد، وسواء كان هو عينه المفضل بن مزيد كما احتمله السيّد الخوئي أم شخصاً آخر، فهو غير ثقة. نعم ورد المفضل بن يزيد في أسانيدَ جاء فيها ابن أبي عمير، فعلى هذا المبنى الرجالي يصبح ثقة([505]). وإلا فالرواية ضعيفة السند.
هذا هو مهمّ الروايات التي يمكن حشدها للانتصار لنظريّة تحريم الخروج في عصر الغيبة بلا إذن خاصّ من الإمام المنصوص، وقد أوصلناها إلى تسعة وعشرين حديثاً. وهناك أحاديث قليلة أخرى قد يحشدها بعضهم هنا لكنّها في غاية الضعف دلالةً، فلا نطيل بعرض شيءٍ منها
2 ـ 1 ـ 2 ـ التقويم الإجمالي لنصوص التحريم، وحلول مشكلة التعارض
لا بدّ لنا هنا من جمع خلاصات البحث التجزيئي في هذه النصوص التي هي عمدة أدلّة أصحاب هذه النظريّة؛ وحصيلة ما توصّلنا إليه ممّا تقدّم هو:
1 ـ إنّه لم نعثر سوى على رواية واحدة تامّة سنداً ودلالةً تفيد حرمة الخروج في عصر الغيبة، وهي صحيحة أبي بصير (الرواية السابعة) والدالّة على أنّ كلّ راية قبل المهديّ فهي راية ضلال.
2 ـ قد تبيّن أنّ التام دلالة ـ إذا صرفنا النظر عن الصدور ـ هو كلّ من الروايات: 2، 6، 7، 9، 16، 20، 24، 29. وعلى احتمال كلّ من 17، 19، 21، 28، أي هناك ثماني روايات دالّة بينها واحدة صحيحة السند، وأربع روايات محتملة الدلالة كلّها ضعيفة السند. ومن الواضح ـ لا سيما مع الاحتمالات اللاحقة ـ أنّه لا يحصل تواتر من هذه الروايات وقطعٌ بالصدور؛ لأنّ احتمال الكذب فيها لمصلحة السلطة واردٌ جداً، ومقصودنا من احتمال الكذب هنا ليس الاحتمال المنطقي، بل المعقوليّة التاريخية الوقوعيّة، بحيث أراد الكذّابون على الأئمّة الإيحاء لبني أميّة وبني العباس بأنّ مشروعهم السياسي مؤجّل إلى عصرٍ آخر، فلا يقلقوا من هذه الناحية، أو أريد للشيعة أن لا يخرجوا فكذب على أئمّتهم في ذلك بما يقع لمصلحة السلطات الحاكمة أو يكون في مواجهة تيار شيعي لتيار شيعي آخر، أعني مواجهة أمثال الزيديّة والحسنيّين من قبل جماعات شيعيّة ترفض الثورات. وهذا الاحتمال يجعل ورود هذا العدد من الروايات غير كافٍ في حصول تواتر أو اطمئنان بالصدور، وبخاصّة مع عدم التصحيح السندي في أكثرها، وكون الرواة أغلبهم في العراق فيما الإمامان الباقر والصادق في المدينة، فاحتماليّة الكذب عليهم لتهدئة الوضع المتأزّم في العراق مع السلطة واردة.
يقول السيد مصطفى الخميني: «ثمّ إنّ عصر الخلفاء الجائرين كان يقتضي جعل هذه الأخبار، لإخماد النار المشتعلة ضدّهم، وهذا الأمر مما هو الواضح البارز من الأوّل إلى عصرنا هذا، وهو مقتضى كيد الكيدة ومكر المكرة، وأيّ كيد أحسن من ذلك، حتى أورث سكوت أعلام الشريعة في العصور المختلفة، وأوجب التردّد في الأمر والشكّ في الوظيفة؟! وهذه الأيادي ربما نهضت لإخفاء المسألة عليهم، باستراق الأحاديث التي تحثّ المسلمين ضدّهم»([506]).
وكلامه وإن كان وجيهاً في الجملة، غير أنّ دعواه سرقة الروايات الحقيقيّة وإخفائها أمرٌ صعب إثباته وتحقّقه في الخارج([507])، ما لم نثبت أنّ روايات الخروج والحثّ عليه أو تجويزه في الجملة قد تمّ إخفاؤها من قبل كبار المحدّثين الإماميّة لاحقاً في سياق مواجهتهم لمثل الزيديّة في القرن الثالث والرابع الهجريّين، مرجّحين روايات عدم الخروج، وهذا أمرٌ معقول جداً وله نظائر تحدّثنا عنها في مناسبات أخرى، بحيث كانوا يفضّلون أحياناً عدم نشر تلك الروايات التي يرونها مخالفة للحقّ من وجهة نظرهم، وبخاصّة في موضوع حسّاس، بل قد يكون السبب أنّهم لا يريدون نشرها كون نشرها في كتبهم يسبّب لهم مشكلةً مع السلطات في زمانهم. كما يوجد احتمال التقية المانع للأئمّة عن التصريح بعكس تلك الروايات.
يُضاف إلى ذلك أنّ بعض هذه الروايات كنّا شكّكنا في صدوره، لا من ناحية الضعف السندي وفق معايير النقد الرجالي، بل من ناحية بطلان المضمون، مثل الروايات التي ربطت للراوي الخاص القضيّة بظهور السفياني. كالحديث الثاني والسادس، فهذه الروايات احتملنا وضعها من قبل بعض من يعتقدون بقرب ظهور المهديّ آنذاك، مما هو مخالف للاعتقاد الإمامي وللواقع، وهذا ما يعزّز فرضية صعوبة تحصيل يقين بالصدور فيها. كما اعتبر السيد مصطفى الخميني أنّ هذه الروايات تحرّم مواجهة الباطل مطلقاً، وهو ضروريّ البطلان([508])، فكأنّه يشير إلى مخالفتها لروح القرآن والسنّة.
هذا كلّه لا يعني نهاية القضيّة، بل يعني أنّنا أمام نصوص متعارضة، وعلينا النظر فيها والخروج بمحاولات وحلول، بمعنى أنّنا نقف أمام أدلّة تحرّم الخروج تعارضها أدلّة سابقة تجيز الخروج، ولو في بعض الحالات، فما هو العمل؟
يمكن هنا الحديث عن سلسلة من الحلول والتصوّرات:
الحلّ الأوّل: التمييز بالتحقيب الزمني (العصر العباسي) أو بفرص النجاح وعدمها
يرى هذا الحلّ أن نفترض أنّ هذه الروايات المحرّمة خاصّة بالعصر العباسي في مرحلة ازدهاره، حيث لا توجد فرصٌ ولا إمكانية للخروج إطلاقاً، وبهذا نجمع بينها وبين الأدلّة المرخّصة في الثورة، فنحملها على غير العصر العباسي أو على وجود فُرص لنجاح الحركة الثوريّة([509]).
وهذا النمط من الجمع غير صحيح؛ فقد شرطنا غير مرّة في الجمع العرفي أن يكون بحيث يحتمله الطرفان المتعارضان، وقد بيّنا لدى دراسة هذه الروايات أنّ فرضية حصرها الزماني غير صحيحة، نعم بعض الروايات في هذا الموضوع كانت محصورة زمانياً، أمّا هذه الروايات التي اعتبرناها تامّة الدلالة ـ بصرف النظر عن السند ـ فقد نفينا فيها احتمال التموضع الزمكاني، مما يجعل الجمع غير عرفي بالنسبة إلى دلالتها.
الحلّ الثاني: حمل نصوص النهي عن الثورات على التقية، تحليل وتعليق
ترى هذه المحاولة أنّ المطلوب هو أن نحمل الروايات الناهية برمّتها على التقية؛ لأنّ ظروف صدورها كانت ظروف تقية شديدة، وكانت العيون على الأئمّة في هذه الفترة شديدة جداً، ومن المنطقي للغاية صدور هذه الروايات لحماية الأئمّة والشيعة من البطش الأموي والعباسي، وعبر هذا السبيل نجمع بين هذه الروايات وبين الأدلّة التي دلّت على جواز الثورة في الجملة([510]).
وهذا التصوّر أفضل من سابقه، لكنّه موقوفٌ على:
أ ـ أن لا يمكن ممارسة جمع عرفي بين الأدلّة الدالّة على شرعيّة الثورة وعدم شرعيّتها، وإلا قُدّم هذا الجمع على فرضية التقية؛ لأنّ فرضيتها تأتي في حال التعارض المستقر، وهو ما لا معنى له عندما يمكن الجمع العرفي بين النصوص كلّها.
ب ـ أن تتحمّل هذه الروايات نفسها افتراض التقية نفسه، وإلا صعب الأخذ بهذه الفرضيّة، طبقاً لروحِ ما قلناه في مناقشة الحلّ الأوّل.
والشرط الثاني هنا تام؛ فقد راجعنا هذه الروايات التامّة الدلالة، ووجدنا أنّه لايوجد ما يمنع فرضية التقيّة فيها، بل هي فرضيّة معقولة للغاية؛ لأنّ أبرز مصاديق جريان التقية هو حماية الجماعة المؤمنة من بطش السلاطين، فأقوى محلّ تحتمل فيه التقية هو هذا الموضع.
وأمّا الشرط الأوّل، فلا بدّ ـ قبل البتّ فيه ـ من ملاحظة الحلّ الثالث وغيره، والذي يحاول ممارسة جمع ما بين الطائفتين المتعارضتين هنا؛ لنرى ماذا ينتج عنه، وبخاصّة بعد سقوط الحلّ الأوّل.
الحلّ الثالث: إجراء قانون التخصيص والتقييد، مداخلات وردود ومناقشات
يختار هذا الحلّ القول بأن نجمع بين الأدلّة والروايات بأنّ ما دلّ على وجوب أو جواز الثورة والجهاد الداخلي عام، والروايات الواردة هنا خاصّة بعصر الغَيبة أو بعصر الباقر إلى عصر ظهور المهديّ، فتكون أضيق منها دلالةً، ولا سيما أنّ ثورة الإمام المهديّ نفسه سوف تكون ثورة داخليّة بالدرجة الأولى، مما يعني أنّ الروايات هنا لا تقف في خطّ معارضة تامّة مع مبدأ الثورة، لكنّها تضيّقه من زمن الإمام الحسين إلى عصر المهدي وظهوره، ومعه فنطبّق قانون العام والخاص والمطلق والمقيّد هنا، ويتمّ الجمع العرفي، بلا حاجة إلى افتراض التقية أو ما شابه ذلك.
ويعزّز ذلك أنّ من أهم أدلّة شرعيّة الثورة كان ثورة الإمام الحسين نفسه، ومن الواضح أنّه من المعقول أن تكون دالّة على الشرعيّة مع إذن خاصّ من الإمام المنصوص لا مطلقاً كما نحن بصدده من عصر الغيبة. وهذا التصوّر يبدو كأنّه هو المركوز في ذهن الفقهاء القائلين بحرمة الخروج قبل عصر الإمام المهدي.
ويبدو أنّ أمام القائلين بشرعيّة الثورة أن يجدوا مخرَجاً لهذا الجمع، وإلا كان موقفهم صعباً من الناحية النظريّة.
من هنا قد تطرح ردود على فرضيّة الجمع العرفي هذه، وأهمّها:
الردّ الأوّل: إنّ هذا التخصيص تخصيصٌ للأكثر، وهو مستهجنٌ عرفاً، فالأدلّة العامة من الكتاب والسنّة تجيز الثورة وتسمح بها، أمّا هذه الروايات هنا فهي تحظرها حظراً طويلاً بحيث تنحصر دائرة الشرعيّة حينئذ بفترة خمسين سنة بعد وفاة الرسول، أي إلى شهادة الإمام الحسين، ثمّ في حياة الإمام المهدي، فهذا تخصيصٌ بالأكثر بحيث تجوز الثورة في خصوص هذه الفترة القصيرة. وتخصيص الأكثر مستهجنٌ عرفاً وغير مقبول.
وهذا الردّ قد يبدو وجيهاً عند من اعتمد أكثر الأدلّة المتقدّمة لدى دراسة نظريّة شرعيّة الثورة؛ إذ سيبدو الموقف ترخيصاً مؤكّداً واسع النطاق للثورة قد يأباه المفهوم من الروايات المحرّمة هنا، إلا إذا قيل بعدم تحدّد الإطار الزماني لما بعد الظهور بحيث تبدو فترة عصر الغيبة قصيرة جداً بالنسبة إليها.
غير أنّ هناك مجموعة قضايا ذات صلة تعود لمسألة التخصيص الأكثر، لا مجال لطرحها هنا، وقد بحثنا عن قاعدة تخصيص الأكثر وأحكامها بالتفصيل في بعض بحوثنا، فراجع([511])، فهو نافعٌ هنا وله صلة.
الردّ الثاني: إنّ بعض أدلّة شرعيّة الثورة قد يقال بإبائه عن التخصيص حتى نجمع بينه وبين هذه الروايات هنا بالتخصيص أو التقييد، مثل الدليل الذي استند إلى مقولة الدفاع عن الإسلام لتشريع الثورة ضدّ الأنظمة غير الإسلاميّة، فإنّ هذا الدليل لا يقبل ـ بحسب ما نعرف من قيمة رسالة الإسلام ـ أن يخصّص بأكثر من ألف عام، بحيث ندّعي أنّه لا يجب الدفاع المسلّح عن الإسلام في هذه الفترة، أو مثل الدليل الذي يقوم على مقولة الكفر بالطاغوت؛ فإنّ تخصيصه بعيد جداً؛ إذ هل يمكن القول بأنّه يجب الكفر بالطاغوت إلا في بعض الأزمنة فلا يجب؟ وإذا ثبت إباء بعض تلك الأدلّة عن التخصيص بطل الجمع العرفي القائم على التخصيص هنا.
إلا أنّ هذا الردّ ضعيف أيضاً، فكلّ الأدلّة السابقة الدالّة على شرعيّة الثورة من النوع الذي لا مانع من تخصيصه، بما فيها هذان الدليلان المشار إليهما، فما المانع من تحريم الدفاع عن الإسلام بالسلاح في بعض الأزمنة مع تشريع الدفاع عنه بسائر الوسائل الأخرى، على أنّ الاستناد إلى دليل لزوم الكفر بالطاغوت سبق أن قلنا سابقاً بأنّه باطل لا يصلح دليلاً من رأس.
الردّ الثالث: إنّ الحكم بالتخصيص هنا على أساس صحيحة أبي بصير يعاني من مشكلة؛ فهل يمكن إسقاط كلّ تلك الأدلّة والتشريعات الخطيرة في إصلاح شؤون الأمّة وتصويب مسارها وتأسيس النظام الإسلامي العادل وتطبيق شرع الله تعالى، برواية واحدة ولو كانت صحيحة السند، هل يعدّ العرف والعقلاء هذا النوع من الجمع العرفي منسجماً مع المنطق العقلائي، بحيث نسقط أدلّةً وعمومات لرواية واحدة في قضيّة حساسة وخطيرة من هذا النوع؟!
فإذا شكّكنا في الموضوع يفترض البقاء على وفق القواعد الشرعيّة العامة وعدم الاهتمام برواية واحدة مخصّصة بهذا القدر الواسع من التخصيص.
غير أنّه يمكن أن يناقش هذا الردّ من ناحيتين:
الناحية الأولى: إنّ وجود رواية واحدة صحيحة السند إلى جانبها سبع روايات تامّة الدلالة ضعيفة السند يكفي لممارسة تقييد لموضوع خطير، وقد مارس الفقهاء هذا النوع من التقييدات في بحوثهم الفقهيّة، لا سيما عندما تكون الرواية المخصِّصة معزَّزة بقاعدة الاحتياط في الدماء والأموال، إلى جانب ذهاب جمعٍ من الفقهاء إلى ذلك، فإنّ القوّة حينئذ ستكون لصالح التخصيص، وخاصّة مع وجود ملاك النظر في أدلّة التحريم مما يعطيها قوّة الحكومة، ولو فرضنا تردّد الأمر فأيّ مرجع لتقديم الأدلّة السابقة على الدليل المخصّص، بل المفترض حينئذ الرجوع إلى العمومات الفوقانيّة والقواعد الأوليّة الدالّة على حرمة شقّ عصا المسلمين وإحداث الفتنة بينهم وسفك دماء المؤمنين وإتلاف أرزاقهم، مما يحصل عادةً في الحروب الداخليّة بين المسلمين، وفي الثورات الدمويّة.
الناحية الثانية: لقد بيّنا سابقاً أن الأدلّة السبعة عشر، والتي شُيّدت أو يمكن أن تشيّد للانتصار لنظريّة شرعية الثورة لم يسلم منها بشكل جادّ سوى ست أدلّة، وسقط منها كليّاً أحد عشر دليلاً، إذاً فلا يصحّ التهويل بكثرة الأدلّة بما قد يوحي بأنّ القضية وكأنّها باتت من المسلّمات.
وعليه؛ فهذا الحلّ تامّ على مستوى القواعد الاجتهاديّة المعمول بها عندهم، ولا يصل الأمر لا إلى التقية ولا إلى معارضة القرآن، ولا غير ذلك.
الحلّ الرابع: التوفيق على قاعدة الرأي المختار في حدود شرعيّة الثورة
هذا الحلّ منسجم مع خصوص تصوّراتنا التي خرجنا بها من دراسة أدلّة شرعيّة الثورة، حيث بيّنا سابقاً أنّ غاية ما تفيده هذه الأدلّة هو:
أ ـ شرعيّة دفاع الشعب والحركة الإسلاميّة عن نفسها.
ب ـ وشرعيّة مقاومتها إذا خافت على أساس الإسلام مع ممارسة السلطة للقمع لا مطلقاً، وما شابه ذلك.
وهنا نقول:
أوّلاً: هل يمكن تصوّر التخصيص في هذين المفهومين، بحيث نقول: لا يجب ممارسة الدفاع المسلّح عن الإسلام في أصل وجوده عندما لا نقدر ولا يتسنّى الدفاع عنه بغير هذه الطريقة، وتكون السلطة قمعيّة تحول دون الدفاع السلمي عن الإسلام؟! وهل يمكن القول بتخصيص دليل الدفاع عن النفس عندما يقوم الحاكم بقتل شعبه وإبادته وممارسة مختلف ألوان القمع ضدّه؟! وهل يرى العقلاء ذلك أمراً متصوّراً منسجماً مع قيم الإسلام ومفاهيمه السامية؟! وهل هذه هي مقاصد الشريعة؟!
ثانياً: مع وجود النقطة المضعِّفة المتقدّمة، وبعد بنائنا على حجيّة الخبر الموثوق المطمأنّ بصدوره دون مجرّد خبر الثقة ـ لا سيما في الملفّات الخطيرة ـ هل يحصل وثوق بصدور هذه الأخبار على نحو المراد الجدّي حتى لو كانت صحيحة السند، وبخاصّة مع ضمّ احتمال التقية، ولو لم يصل هذا الاحتمال إلى حدّ الاطمئنان به أو إقامة الدليل عليه؟!
ثالثاً: إذا دقّقنا في النتيجة التي توصّلنا إليها سابقاً لدى استعراض نظريّة الشرعيّة، وتأمّلنا في صحيحة أبي بصير، فقد نجد معنى جديداً للرواية، فإنّ الموارد التي شرّعنا فيها الثورة ـ قد ـ لا يصدق عليها نوعاً أنّها حمل راية بقدر ما يصدق عليها أنّها مطالبة بحقّ الحرية في العيش والحياة وممارسة ألوان العمل الفكري والسياسي والاجتماعي و.. وهذه الثورة لا يصدق عليها أنّها راية؛ لأنّ المنصرف من معنى الراية أنّه المشروع الذي يريد الوصول إلى السلطة أو تسليمها لأهلها، كما كان الغالب في ثورات العصرين الأموي والعباسي، والثورة بالمعنى الذي طرحناه ليست راية ومشروعاً بقدر ما هي مطالبة بالتحرّر، مهما كان الحاكم، بحيث يترك أمر الوصول للسلطة إلى ظروفه الطبيعيّة أو يكون نتيجاً قهريّاً للثورة لا مطلباً لها. وهذه نقطة دقيقة جداً؛ فالراية لا تعني كلّ عمل سياسي أو عسكري مطلقاً، أو فكري واجتماعي، وإلا عنت هذه الرواية حرمة القيام بأيّ مشروع في حياة المسلمين مطلقاً؛ ولزم تعطيل حياة المسلمين، وهذا خلاف مقاصد الشرع حيث تشمل الراية حينئذ الدفاع عن المسلمين ضدّ الكافرين و.. وإنّما لها معنى المشروع الذي يهدف إعلان الإمامة إمّا في طول الأئمّة أو في عرضهم، بحيث يثور صاحبها في الداخل الإسلامي للإمساك بالسلطة، فهذا هو المنصرف من معناها عصر صدورها، وإلا عطلت هذه الرواية حياة المسلمين تماماً وأبطلت فيهم أيّ مشروع ولو سلمي، وهو أمرٌ بالغ الخطورة لا يمكن أن نستند إليه بخبرٍ واحد، وخاصّة أنّ الأخبار المؤيّدة له تتحدث عن الثورة المسلّحة المستبطنة لإسقاط الأنظمة بالقوّة عبر تعبيرها بكلمة «الخروج».
إذن، فالراية هو المشروع السياسي العسكري الهادف إسقاط النظام القائم للحلول مكانه، لا مطلق المشروع أو العمل الإسلامي، وإلا بطل مضمون هذه الرواية حينئذ تلقائياً، ولا أقلّ من الشك في شمول كلمة «الراية» لأوسع ممّا قلناه.
والنتيجة أنّه لا يمكن الاعتماد على هذه الأدلّة لإثبات حرمة الثورات ـ ولو الدمويّة ـ ضمن النتيجة التي توصّلنا نحن إليها سابقاً، فالأصحّ القول بشرعيّة الثورة في بعض الحالات وعدم شرعيّتها في حالاتٍ أخَر.
2 ـ 2 ـ الأدلّة المساعدة في إثبات نظريّة التحريم (الإجماع والشهرة والسيرة)
ربما يستند هنا إلى الإجماع الإمامي على تحريم الخروج في عصر الغيبة، أو يُعتمد على الشهرة الفتوائيّة.
لكنّ ادّعاء الإجماع الشيعي على نظريّة الحرمة أو الشهرة الفتوائيّة، وبقطع النظر عن مدى صوابه صغرويّاً وإثباته تاريخيّاً يظلّ غير مفيد؛ لأنّنا نجزم بأنّهم اعتمدوا على الروايات المتقدّمة في الدليل السابق والمتفرّقة في الكتب الحديثيّة، ومنها كتب الكليني والصدوق والطوسي والنعماني وغيرهم من المتقدّمين المشتغلين بالحديث، والتي كانت دوماً بمرأى منهم ومسمع، فالإجماع مدركيٌّ، وكذا الشهرة، فلا قيمة لهما هنا إطلاقاً.
يُضاف إلى ذلك أنّه لا يصحّ الاستناد هنا إلى سيرة المتشرّعة، كما قد يتصوّر بعضٌ؛ لأنّها دليل صامت لا يحرز آنذاك أنّهم لو عاصروا أزمنةً مختلفة كانوا سيتخذون الموقف نفسه، على أنّ هذه السيرة قد تكون نشأت ـ على تقدير وجودها ـ من ظروفهم الخاصّة أو من الروايات الواردة هنا، فتكون مدركيّةً أيضاً لا قيمة لها هنا. من هنا كان المهمّ هو دليل الروايات المتقدّم بعد عدم وجود دليل، لا من كتابٍ، ولا من إجماع، ولا من شهرة، ولا من سيرة عقلائيّة أو متشرّعية، ولا من عقل، على التحريم كما هو واضح.
فهرس المحتويات
ضرورة التمييز بين مفهومَي: إقامة الدولة الدينيّة وجهاد الطغاة
استعراض تاريخي موجز للموقف من الثورة المسلّحة
نظريّة شرعيّة الثورة المسلّحة ضدّ الأنظمة
1 ـ مبدأ الكفر بالطاغوت ودوره في إنتاج الثورات غير السلميّة، قراءة نقديّة
2 ـ مبدأ النهي عن الركون للظالمين وإنتاج فقه الثورة، تعليق ونقد
3 ـ مرجعيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تأصيل التفكير الثوري، وقفة تأمّل
4 ـ تنزيل فقه جهاد البغاة على جهاد الطغاة، ملاحظات تقويميّة
5 ـ مرجعيّة لزوم الاهتمام بأمور المسلمين وإعانة المظلومين، تأمّلات ومراجعات
6 ـ مرجعيّة التحليل العقلاني لمنظومة التشريع الإسلامي، مراجعة نقديّة
7 ـ مبدأ تحريم إعانة الظالم وحبّ بقائه في تشييد المنطق الثوري، نقدٌ وتأمّل
8 ـ مرجعيّة نصوص وجوب مجاهدة أهل البدع، نقد المستندات
9 ـ فلسفة وجود الدولة الإسلاميّة بمثابة تبرير للثورة غير السلميّة، وقفات نقديّة
10 ـ مرجعيّة حدّ المحارب في مواجهة السلطة غير الشرعيّة، نقد وتفنيد
11 ـ ثورة الإمام زيد بن علي بمثابة منطلق محكم للتبرير، دراسة وتحليل
إشكاليّات وعوائق أمام توظيف قيام زيد في التبرير الفقهي الثوري، رصد وتأمّل
11 ـ 1 ـ معضلة تعارض المعطيات في الموقف من ثورة زيد
المجموعة الأولى: النصوص المؤيّدة لثورة زيد الشهيد
المجموعة الثانية: النصوص الرافضة لثورة زيد بن عليّ
وقفة مع حوار الإمامين: زيد والباقر
مع حواريّة زيد ومؤمن الطاق، القيمة والدلالات
المقارنة الخاطفة لنتائج المجموعتين
11 ـ 2 ـ محاولات في تفسير الموقف وفكّ الاشتباك بين النصوص
11 ـ 2 ـ 1 ـ الكثرة الروائيّة العدديّة بوصفها مرجّحاً للمجموعة المؤيّدة، نقد وتعليق
11 ـ 2 ـ 2 ـ الترجيح بفرضيّة اختلاق الأمويّين والعباسيّين نصوص الذمّ، إشكال وترقٍّ
11 ـ 2 ـ 3 ـ الترجيح بشهرة مدح زيد بين الإماميّة، عرض وتفنيد
11 ـ 2 ـ 4 ـ ترجيح نصوص التأييد عبر توظيف نظريّة التقيّة، مشاكل وعوائق
11 ـ 2 ـ 5 ـ النصوص بين الذمّ والإشفاق، قراءة منقوصة
11 ـ (3 ـ 4) ـ مشكلة القصور في دلالة الإقرار على الفعل من حيث الجواز والوجوب
11 ـ 5 ـ قصور الإقرار بثورة زيد عن مواجهة نصوص الحظر في "عصر الغيبة"
12 ـ مرجعيّة نصوص الجهاد العامّة في الشريعة الإسلاميّة، نقدٌ وتعليق
13 ـ المجموعات الحديثيّة المبرّرة لعدم خروج أهل البيت بقلّة الناصر
14 ـ موقف أهل البيت من ثورة صاحب فَخّ بوصفه دليلَ الشرعيّة، وقفات وتأمّلات
النصوص المؤيّدة لحركة صاحب فخّ، تفكيك وتفنيد
عناصر التشكيك في موقف أهل البيت ـ إماميّاً ـ من حركة صاحب فخّ
15 ـ الاستناد إلى حركة الإمام الحسين بن علي
المبرّرات الموضوعية لدراسة فلسفة الحركة الحسينيّة
لمحة حول المشهد الشيعي التاريخي إزاء قراءة الحركة الحسينيّة
المرحلة الأولى: النظريّات التفسيريّة والتحليلية للحركة الحسينيّة
النظريّة الأولى: النظرية الغيبية الاختصاصية، أو اللامعقول الحسيني
أوّلاً: نظريّة اللامعقول الحسيني، الأدلّة والوثائق
ثانياً: قراءة نقديّة في نظرية التخصيص واللامعقول الحسيني
أ ـ معارضة بعض النصوص التاريخيّة لمعطيات نظريّة التخصيص (إشكالية الانتقائيّة)
ب ـ فقدان التجسير الصحيح بين الشهادة ولامعقوليّة الحركة الحسينيّة
ج ـ غياب التبرير الأصولي (أصول الفقه) لنظريّة الاختصاص المدّعاة
د ـ عجز نصوص الاستخارة الحسينيّة عن تأكيد نظريّة الاختصاص
هـ ـ مشكلة تواجه توظيف "إلقاء النفس في التهلكة" في تكريس نظريّة الاختصاص
و ـ عدم دلالة تمايز الأحكام على تمايز الحركة الحسينيّة عن فقه الجهاد
ز ـ نقد صدوري لبعض الشواهد التاريخيّة الجزئيّة
النظريّة الثانية: نظريّة تجنّب البيعة المفضي إلى المواجهة المفروضة
أوّلاً: نظرية المواجهة المفروضة، الشواهد والمستندات
ثانياً: مطالعة نقدية في نظرية المواجهة المفروضة
النظريّة الثالثة: النظرية السياسيّة ومحاولات التعقيل
كتاب "الشهيد الخالد" ونقطة التحوّل باتجاه النظريّة السياسيّة الكاملة
مطالعة تقويمية في التفسير السياسي
أ ـ القراءة النقدية الكلامية ـ الأيديولوجية لنظرية التعقيل السياسي، عرضٌ وردّ
ب ـ القراءة النقديّة التاريخية ـ التحليليّة للتفسير السياسي، وقفات وتأمّلات
أً ـ عدم منطقيّة تصوّر إمكان سقوط الدولة الأمويّة في عصر الحسين، نقد وتعليقات
بً ـ إخراج الحسين للأهل والعيال بين التفسير السياسي والتفسير الرسالي
جً ـ غياب التبرير السياسي عن كلمات الإمام الحسين، عرض وتفنيد
دً ـ استبعاد خطأ الحسين في قراءته السياسيّة مقابل رموز إسلامية عارضت خروجه
هـً ـ استمرار الحسين في المسير شمالاً بوصفه نقداً على التفسير السياسي، قراءة وردّ
توظيف قراءة المطهري لنظريّة تعدّد العوامل والأسباب في تحقيب مسيرة الحسين زمنيّاً
النظريّة الرابعة: النظريّة الرسالية الإحيائية
من جوانب الضعف والقصور في النظريّة الإحيائيّة
وقفة تقويميّة مختصرة مع محاولة السيد علي الخامنئي
خلاصة التصوّر الراجح في الحركة الحسينيّة
تأجيل البحث في النظريّات الخارج ـ دينيّة، والخارج ـ شيعيّة في تفسير حركة الحسين
المرحلة الثانية: التأثيرات الفقهيّة وإشكاليّات الاستنتاج والتوظيف
أ ـ إشكاليّة البُعد اللاديني في السلطة
ب ـ إشكاليّة الصمت في دلالة الأفعال
ج ـ إشكاليّة التعارض في أفعال الأئمّة
د ـ إشكاليّة اللاثوريّة في الحركة الحسينيّة
هـ ـ من اللاثوريّة إلى فكرة صلح الإمام الحسين
16 ـ مقاتلة الظلمة بوصفها شكلاً من أشكال الدفاع عن الإسلام
17 ـ الدفاع عن النفس أساساً لشرعنة الثورات، ملاحظات ناقدة
وقفة تحليلٍ وتأمّل مع رؤية العلامة شمس الدين للعنف المسلّح
ب ـ العنف الدفاعي الناتج عن استفزاز
ج ـ العنف الدفاعي الناتج عن عنفٍ مسبَق
نتائج البحث الأوّليّة في مدارك نظريّة شرعيّة الثورات غير السلميّة
نظريّة عدم شرعيّة الثورة غير السلميّة ضدّ الأنظمة الفاسدة
1 ـ نظريّة التحريم انطلاقاً من لزوم طاعة مطلق الحاكم، الأدلّة والملاحظات
1 ـ 1 ـ النصوص الحديثيّة والتأسيس للطاعة المطلقة للحكّام، عرض وتحليل وتعليق
1 ـ 2 ـ مرجعيّتا: الإجماع وهتك الحرمات في تأسيس الطاعة المطلقة للحكّام
1 ـ 3 ـ وقفات نقديّة حول توظيف الروايات والإجماع و.. لتكريس الطاعة المطلقة
1 ـ 3 ـ 1 ـ علاقة التخصيص والتقييد بين النصوص المانعة والمرخّصة في الثورة
1 ـ 3 ـ 2 ـ إضعاف قوّة الدلالة في النصوص من خلال فهم وتجربة الصحابة و..
1 ـ 3 ـ 3 ـ وقفةٌ نقديّة مع ادّعاء الإجماع في موضوعٍ خلافيّ بامتياز!
1 ـ 3 ـ 4 ـ وقفة نقديّة مع منطلقات فقه المصلحة في تحريم الخروج مطلقاً
1 ـ 3 ـ 5 ـ تطبيق مقولة نسخ التحريم بنصوص الجهاد، نقدُ رأيِ ابن حزم الأندلسي
1 ـ 3 ـ 6 ـ توليفة ملاحظات تُضعف الوثوق بنصوص التحريم المطلق
نتيجة البحث في حرمة الخروج على الحاكم مطلقاً ولزوم الطاعة
2 ـ نظريّة حرمة الخروج في عصر الغيبة، الأدلّة والمداخلات
2 ـ 1 ـ نصوص حرمة الخروج في عصر الغَيبة أو قبل قيام الإمام المهدي
2 ـ 1 ـ 1 ـ التحليل التفكيكي التجزيئي لنصوص المنع عن الثورة في عصر الغَيبة
حول البعد التاريخي لرواية العِيص المشهورة وملابسات ظهور اسم السفياني فيها
وقفات نقاش مع المنتظري والحائري والآصفي في رواية سدير المشهورة
وقفة مع روايات توصيف الخروج بالفرخ الطائر الواقع من وكره، دلالات ومعانٍ
مع رواية "الغبرة على من أثارها" والنهي عن الاستعجال
موقف الإمام الصادق من كتاب أبي مسلم الخراساني ودلالاته
تأمّلات فاحصة في "كلّ راية قبل المهديّ فهي راية ضلال وطاغوت"
موقف الإمام الصادق من كتُب جماعةٍ من الثوريّين زمان ظهور المسوِّدة
وقفات مع الحائري والمنتظري و.. في رفض الثورة قبل "العلامات"
وقفات مختصرة دلاليّة وإسناديّة مع خبر الصحيفة السجّادية
مع رواية "نار آذربيجان" في دلالاتها وتطبيقاتها التاريخيّة
2 ـ 1 ـ 2 ـ التقويم الإجمالي لنصوص التحريم، وحلول مشكلة التعارض
الحلّ الأوّل: التمييز بالتحقيب الزمني (العصر العباسي) أو بفرص النجاح وعدمها
الحلّ الثاني: حمل نصوص النهي عن الثورات على التقية، تحليل وتعليق
الحلّ الثالث: إجراء قانون التخصيص والتقييد، مداخلات وردود ومناقشات
الحلّ الرابع: التوفيق على قاعدة الرأي المختار في حدود شرعيّة الثورة
2 ـ 2 ـ الأدلّة المساعدة في إثبات نظريّة التحريم (الإجماع والشهرة والسيرة)
([1]) هذا البحث جزء من المجلد الثاني من كتاب "فقه الحرب والسلم في الشريعة الإسلاميّة" للشيخ حيدر حب الله، والذي صدر ـ بطبعته الأولى ـ عن دار روافد في بيروت، عام 2023م.
([2]) انظر: الجهاد والقتال في السياسة الشرعية 1: 113.
([3]) المصدر نفسه 1: 113، 167، 285.
([4]) لاحظ ـ على سبيل المثال ـ: الجهاد والقتال 1: 116 ـ 119، حيث بحث عن انحراف الحاكم بأيّ شيء يكون؟ مع أنّ هذا يمثل بالنسبة لبحث الجهاد أصلاً موضوعاً. كما أنّه يجدر التنبيه إلى أنّ غير واحدٍ من الفقهاء والباحثين تحدّث هنا تحت عنوان الحاكم الفاسق، وتشير كلماتهم إلى أنّ المشكلة كأنّها تكمن في الوضع الشخصي الأخلاقي أو الديني للحاكم، في حين تمّ تجاهل فسق الدولة والنظم والقوانين والإجراءات.
([5]) الأشعري، مقالات الإسلاميّين: 451 ـ 452. وقال الأشعريّ في موضعٍ آخر: «وأجمعت الروافض على إبطال الخروج وإنكار السيف ولو قتلت، حتى يظهر لها الإمام وحتى يأمرها بذلك. واعتلّت في ذلك بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قبل أن يأمره الله عزّ وجلّ بالقتال كان محرّماً على أصحابه أن يقاتلوا» (مقالات الإسلاميين: 58).
([6]) هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصمّ (200 أو 201هـ) المتكلّم المعتزلي المعروف، ولابدّ من لفت النظر إلى مقولة أخرى له لعلها ذات صلة، حيث يقول أبو الحسن الأشعري: «واختلفوا في وجوب الإمامة، فقال الناس كلّهم إلا الأصم: لا بدّ من إمام، وقال الأصمّ: لو تكافّ الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام» (مقالات الإسلاميّين: 460).
وجهة نظر الأصمّ تحتمل احتمالات أبرزها:
الاحتمال الأوّل: إنّه لا يرفض فكرة وجوب الإمامة، بل يرفض كليّة اللابديّة العقليّة التي طرحها بعض المتكلّمين، فهو يربط ضرورة الإمامة بطبيعة المجتمع البشري، فلو تغيّرت أحوال البشر لزالت الإمامة، فيما قد يُشبه بعض الأفكار الماركسيّة أو بعض أفكار المدرسة اللاسلطويّة المعاصرة في الغرب، وهو بهذا يفهم الإمامة فهماً طريقيّاً وسائليّاً بحيث لا تكون عنده غايةً قائمة بنفسها حتى تكون ضرورتها كليّة وعامّة زمكانيّاً، كما لا يفهمها مقدّساً مستقلاً، بل هي وسيلة للمقدّس الحقيقي الذي هو صلاح الأمّة.
الاحتمال الثاني: إنّ الأصمّ لم يكن يرى الوجوب العقلي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحيث تكون هذه الفريضة من أصول الدين، وهذا معناه أنّه أنكر أصلاً من أصول الاعتزال، وهذه الفريضة متلازمة اعتزاليّاً وزيديّاً مع الإمامة، بما يبدو وكأنّ لديه موقفاً من فكرة تشكيل الدولة بزعامة إمام، من هنا كان يميل لإصلاح المجتمع بحيث ترتفع الحاجة للإمام؛ إذ الحاجة له مؤقتة.
وربما كان الأصمّ يرى قضيّة الإمامة بنفسها سبب مشاكل الأمّة في عصره، فأراد أن يُصلح حال الأمّة بعيداً عن الإمامة، عبر إصلاح المجتمع نفسه، وهذا يذكّرنا بموقف متكلّم معتزلي آخر، وهو أبو محمّد هشام بن عمرو الفوطي (ق 3هـ)، حيث كان يرى أنّ الأمّة إذا حكمها التنازع وعمّها الفساد وانتشرت فيها الفتن، فلا يصحّ نصب الإمام فيها، بل لا بدّ من تجنّب نصبه في هذه الحال، أو على الأقلّ لا يجب عليهم ذلك، والسبب فيما يبدو هو أنّ الفضاء السياسي والاجتماعي عندما يكون موبوءاً فإنّ إقحام فكرة نصب الإمام سوف يحوّلها إلى قضيّة تزيد من الفتن ومادّة وقود لاضطراب الأمّة، فلا بدّ من تركها، وفي هذا يقول ابن ميثم البحراني (699هـ): «وقال هشام بالعكس من ذلك، أي عند ظهور الظلم لا يجب نصبه؛ لأنه ربما كان سبباً للفتنة؛ لتمرّدهم واستنكافهم عن طاعته، فيكون نصبه سبباً لازدياد الشرور، فأمّا عند ظهور الانتصاف وانتشاره فيجب نصبه لبسط الشرع وإظهار شعاره» (النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة: 44). وربما كان الفوطي متأثراً هنا ببعض مقولات الخوارج الأوائل، فلاحظ.
وقال ابن أبي الحديد المعتزلي: «وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فقال المتكلّمون كلمةً (كافّة): الإمامة واجبة، إلا ما يُحكى عن أبي بكر الأصم من قدماء أصحابنا أنّها غير واجبة، إذا تناصفت الأمّة ولم تتظالم. وقال المتأخّرون من أصحابنا: إنّ هذا القول منه غير مخالف لما عليه الأمّة؛ لأنّه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم بينهم، فقد قال بوجوب الرياسة على كلّ حال، اللهم إلا أن يقول: إنّه يجوز أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس، وهذا بعيد أن يقوله..» (شرح نهج البلاغة 2: 308).
لكنّني أظنّ أنّ هذه الطريقة غير دقيقة؛ إذ يلزمنا أن نحلّل الزاوية التي كان الأصمّ ينظر إليها، فهو يدرك اختلاف الناس في الغالب، لكنّه يريد تحليل وجه ضرورة الإمامة ومديات الكليّة العقلية في هذا الوجه، أو له قراءة اجتماعيّة وسياسيّة للإصلاح العامّ، والله العالم.
لكنّ تحفّظ الأصم في قضية الإمامة يحتاج لتوفيق مع وجهة نظره في السيف هنا؛ إلا إذا قيل بأنّ شرطه "الاجتماع على إمام" كفيل بجعل تغيير الإمام عمليّة غير فتنويّة.
([7]) المحلّى 9: 361 ـ 362.
([8]) انظر: أبو المظفر الاسفراييني، التبصير في الدين: 91؛ وعبد القاهر البغدادي، الفَرق بين الفِرَق: 200؛ والسبحاني، بحوث في الملل والنحل 3: 190 ـ 191.
([9]) شرح صحيح مسلم 12: 227 ـ 230.
([10]) انظر: الآصفي، الجهاد: 145 ـ 152.
([11]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 614 ـ 618؛ والآصفي، الجهاد: 152 ـ 153؛ وولاية الفقيه في حكومة الإسلام 4: 21 ـ 23.
([12]) راجع: قواعد فقه العلاقة مع الآخر الديني: 686 ـ 693.
([13]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 600 ـ 604؛ وحبيب الله طاهري، تحقيقي بيرامون ولايت فقيه: 289 ـ 292؛ والآصفي، الجهاد: 153 ـ 157؛ وولاية الفقيه في حكومة الإسلام 4: 21 ـ 23.
([14]) راجع: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 483 ـ 489.
([15]) راجع: تفصيل وسائل الشيعة 16: 119، أبواب الأمر والنهي، باب1، ح7.
([16]) راجع: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 470 ـ 516.
([17]) المصدر نفسه: 502 ـ 503.
([18]) الفتوح 5: 21؛ وبحار الأنوار 44: 329 ـ 330؛ وعوالم العلوم والمعارف (الإمام الحسين): 179؛ ومعالم المدرستين 3: 50؛ ومكاتيب الرسول 2: 366.
([19]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 612 ـ 613؛ والآصفي، الجهاد: 169 ـ 171؛ والكفاح المسلّح: 83؛ وتحقيقي بيرامون ولايت فقيه: 296 ـ 297؛ والصادقي، تبصرة الفقهاء 1: 346.
([20]) انظر: الكفاح المسلّح: 83.
([21]) الآصفي، الجهاد: 171 ـ 172.
([22]) الكفاح المسلّح في الإسلام: 84.
([23]) المصدر نفسه.
([24]) المصدر نفسه؛ والجهاد: 172.
([25]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 611؛ وتحقيقي بيرامون ولايت فقيه: 298 ـ 299.
([26]) نهج البلاغة 3: 102؛ وربيع الأبرار 3: 396؛ والتذكرة الحمدونية 1: 324؛ وسنن ابن ماجة 2: 810؛ ومجمع الزوائد 4: 197؛ وانظر: مسند زيد بن علي: 420.
([27]) الكفاح المسلّح في الإسلام: 99 ـ 100.
([28]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 614 ـ 618.
([29]) الكافي 5: 105؛ وتفصيل وسائل الشيعة 17: 178، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، باب 42، ح4.
([30]) الكافي 5: 107؛ وتفصيل وسائل الشيعة 17: 179، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، باب 42، ح5.
([31]) تهذيب الأحكام 6: 338؛ وتفصيل وسائل الشيعة 17: 180، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، باب 42، ح8.
([32]) تفصيل وسائل الشيعة 17: 180 ـ 181، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، باب 42، ح11.
([33]) الصدوق، ثواب الأعمال: 260؛ وتفصيل وسائل الشيعة 17: 181، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، باب 42، ح12.
([34]) راجع: تفصيل وسائل الشيعة 17: 183 ـ 184.
([35]) راجع: المصدر نفسه 17: 185 ـ 187.
([36]) راجع: المصدر نفسه 17: 187 ـ 192، والباب الذي يليه: 192 ـ 199.
([37]) انظر: تحقيقي پيرامون ولايت فقيه: 297 ـ 298.
([38]) اختيار معرفة الرجال 2: 807؛ وتفصيل وسائل الشيعة 28: 319 ـ 320، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ المحارب، باب6، ح1.
([39]) اختيار معرفة الرجال 2: 807 ـ 808؛ وتفصيل وسائل الشيعة 28: 320، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ المحارب، باب6، ح2.
([40]) راجع: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 411 ـ 431.
([41]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 599 ـ 600.
([42]) انظر: الكفاح المسلّح في الإسلام: 100، 287.
([43]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 612، وقد ختم المنتظريُّ ذكرَ هذا الدليل بكلمة «فتأمل»، وكأنّ لديه مناقشةً فيه طبقاً للعادة الجارية بين المتأخّرين في استخدام هذه الكلمة.
([44]) الكفاح المسلّح: 101.
([45]) المصدر نفسه.
([46]) من هنا بحثنا هنا لا علاقة له بتقويمنا الشخصي لحركة زيد، بل برصد موقف أهل البيت عند الإماميّة من حركة زيد لا شخصه فقط. وقد كتبت الكثير من الدراسات حول فكر ومكانة وتاريخ وفقه الإمام زيد، ليس آحرها ما كتبه الشيخ محمد أبوزهرة (الإمام زيد، حياته وعصره، آراؤه وفقهه)، وكذلك ما كتبه السيد محسن الأمين العاملي (أبو الحسين زيد الشهيد)، فراجع.
([47]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 606 ـ 607؛ وتحقيقي پيرامون ولايت فقيه: 302 ـ 303؛ والكفاح المسلّح: 88 ـ 89؛ وولاية الفقيه في حكومة الإسلام 4: 40 ـ 42؛ والمازندراني، دليل تحرير الوسيلة (ولاية الفقيه): 102.
([48]) الكافي 8: 264.
([49]) أمالي الصدوق: 416؛ وانظر: الإرشاد 2: 173؛ وأبا نصر البخاري، سرّ السلسلة العلويّة: 59؛ وكشف الغمّة 2: 342.
([50]) اختيار معرفة الرجال 2: 570.
([51]) لمزيد اطّلاع، انظر حوله: رجال البرقي: 11، 34؛ ورجال الطوسي: 134، 269؛ ومعجم رجال الحديث 13: 326 ـ 327، رقم 9411.
([52]) انظر حوله: النجاشي، الفهرست: 73؛ ورجال ابن الغضائري: 41؛ وخلاصة الأقوال: 318؛ ومعجم رجال الحديث 3: 67 ـ 69، رقم: 1171، 1173.
([53]) اختيار معرفة الرجال 2: 652.
([54]) لمزيد اطّلاع، انظر حوله: النجاشي، الفهرست: 183؛ واختيار معرفة الرجال 2: 644 ـ 653؛ والطوسي، الرجال: 215؛ وخلاصة الأقوال: 153 ـ 154؛ ومعجم رجال الحديث 8: 245 ـ 252، رقم: 5430.
([55]) أمالي الصدوق: 415؛ واختيار معرفة الرجال 2: 498؛ وروضة الواعظين: 269 ـ 270.
([56]) راجع: لسان العرب 15: 205، مادّة: وتر.
([57]) راجع: اختيار معرفة الرجال 2: 498؛ وخلاصة الأقوال: 423؛ ومعجم رجال الحديث 22: 90، رقم: 14946.
([58]) هو زيد بن موسى بن جعفر الملقّب بزيد النار، والذي توفّي في أواخر خلافة المتوكّل العباسي في النصف الأوّل من القرن الثالث الهجري ، وعرف بزيد النار بسبب تحريقه بيوت العباسيّين في البصرة وحرق كلّ من يؤتى به إليه منهم. وقد وردت نصوص عن الإمام علي الرضا في ذمّه بسبب شدّة ومستوى العنف الذي مارسه مع خصومه.
([59]) يقول السيد محمّد صادق آل بحر العلوم (1399هـ) في تعليقاته المدمجة مع أصل كتاب "تاريخ الكوفة" للسيد حسين البراقي النجفي (1332هـ): «الكناسة: كانت أوّلاً تُعرف بكناسة أسد، ثمّ صارت محلّة أو سوقاً أو محطّة تجارية كبرى للعرب، وهي في الكوفة مثل المربد في البصرة، وموقعها من المدخل الغربيّ للكوفة، وفيها تمركزت الأشغال التجاريّة مع البلاد العربيّة فكانت موضعاً للحمولة، توضع فيها الأحمال وترفع منها، وكان في ناحية من نواحي الكناسة أسواق البراذين تجري فيها المعاملات على الماشية من بغالٍ وحمير وإبل بيعاً واكتراءاً من قبل النخاسين وهناك يباع الرقيق، وكان في الكناسة محلّ للشنق، وفيه عرض جثمان زيد بن عليّ، واليوم توجد بناية قائمة بين مسجد سهيل (السهلة) وقريبة منه وبين مسجد الكوفة يؤمّها الناس وتعرف باسم زيد بن علي، ويعتقدون أنّها المحلّ الذي عرض فيه جثمانه شنقاً، فيكون موقع الكناسة اليوم بين مسجد السهلة ومسجد الكوفة.
هذا كلام الأستاذ الشرقي حول الكناسة وتعيين موقعها، ومن الغريب جدّاً صدور ذلك منه، فإنّا لم نعهد اليوم ولا قبل اليوم بناية قائمة بين مسجد السهلة والكوفة يؤمّها الناس وتعرف عندهم باسم زيد بن علي، كي يعتقد أحد أنها المحلّ الذي عرض فيه جثمانه شنقاً، فيحكم الأستاذ أنّه موقع الكناسة. وإنّما البناية التي توجد اليوم هناك هي مسجد زيد بن صوحان صاحب الإمام عليّ×، وهي التي يؤمّها الناس وتعرف عندهم بمسجد زيد بن صوحان، يؤدّون فيه من الوظائف الشرعيّة ما هو مدوّن في كتب الأدعية، ولم يزد الحموي في المعجم على قوله: الكناسة بالضمّ، محلّة بالكوفة عندها أوقع يوسف بن عمر الثقفي بزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب×. قال العلاّمة الخبير السيد عبد الرزاق الموسوي المقرّم في كتاب زيد الشهيد صفحة 153: ليس بالهيّن معرفة موقع الكناسة مع ما لها من الشهرة وتكرّر الذكر في صفحات التاريخ بمناسبة الحوادث الواقعة فيها، إذ لم تكن خارطة تخطّط أرجاءها ولا بقيت من آثارها ما يتعرّف بها الأحوال، إلا أعلام دارسة وصوى مجهولة، كما هو الشأن في آثار الأمم البائدة والديار الخاوية، فليس في وسع المنقّب الجزم بشيء منها إلا بالتقريب بالوقوف على الرسوم والأتلال والحفريات، أو الركون إلى كلمات مستطردة خلال السير، وحتى الآن لم يتسنّ لنا شيء من تلك القرائن سوى ما وجدناه في فلك النجاة للعلاّمة الحجة السيد مهدي القزويني (قدّس سرّه): إنّ المشهد المعروف لزيد بن علي الذي يزار ويتبرك به محل صلبه وحرقه. وهذه الكلمة من سيّدنا البحّاثة، يجب الاحتفاظ بها لما هو المعهود من غزارة علمه وسعة إحاطته، وقد وثق بها وأرسلها إرسال المسلّمات أخذاً عن أوثق المصادر المتوفّرة عليه، لذلك لم تترك لنا منتدحاً عن الإذعان بها بأن هذا المشهد القائم في شرق قرية ذي الكفل واقع في محل الكناسة، ويشهد له أنّ الصلب وأشباهه ممّا يقصد فيه الإرهاب وتمثيل قوة البأس وشدة السلطان، لا يكون إلا في المحتشدات العامة ومختلف زرافات الناس، وهذا الموضع قريب من النخيلة وهي العباسيّة في كلام ابن نما، والعباسيات اليوم، ولا شك أنّ النخيلة كانت باب الكوفة للخارج إلى الشام والمدائن وكربلاء، ومن هنا عسكر فيها علي× لمّا خرج إلى صفّين، وعسكر الحسن بن علي× لمّا خرج إلى معاوية، وعسكر ابن زياد لمّا جهّز الجيوش لحرب الحسين×، فمناسبٌ أن يكون الصلب في الموضع العام أو بالقرب منه، على أن لا يفوت الغرض المقصود من الإرهاب وإراءة الغلبة وقوّة السلطان، وهذا الاعتبار يؤيّد ما أرسله السيّد المتتبّع، وبقي تحديد الموضع الذي دفن فيه قبل النبش والإخراج على ذمّة التاريخ وسعة المنقب» (تاريخ الكوفة: 168 ـ 169).
([60]) عيون أخبار الرضا 2: 225 ـ 226؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 54؛ وبحار الأنوار 46: 174.
([61]) انظر: مستدركات علم رجال الحديث 7: 369؛ وقاموس الرجال 9: 652 ـ 653؛ ومعجم رجال الحديث 19: 42، رقم: 12030.
([62]) تاريخ بغداد 4: 198.
([63]) راجع ـ لمزيد اطّلاع ـ: مستدركات علم رجال الحديث 7: 373.
([64]) مستدركات علم رجال الحديث 8: 541.
([65]) عيون أخبار الرضا 2: 228؛ وبحار الأنوار 46: 175.
([66]) انظر حوله: مستدركات علم رجال الحديث 2: 209، رقم: 2812.
([67]) انظر حوله: المصدر نفسه 2: 454، رقم: 3762.
([68]) أمالي الصدوق: 431؛ وعيون أخبار الرضا 2: 228 ـ 229.
([69]) انظر ما قيل فيه: معجم رجال الحديث 16: 234 ـ 238، رقم: 10509.
([70]) أي أوائل صلب زيد وليس متأخّراً عن ذلك الزمان.
([71]) أمالي الطوسي: 672؛ ومناقب آل أبي طالب 3: 362.
([72]) جواد جميل، أهل البيت ومنطق الثورة، مجلّة المنهاج، العدد 29: 121.
([73]) انظر حوله: رجال الطوسي: 146، 311، 314، 343؛ ومعجم رجال الحديث 20: 96 ـ 98، رقم: 12933 ـ 12935.
([74]) هذه ليست في القرآن الكريم.
([75]) الكافي 8: 250 ـ 252؛ وتفصيل وسائل الشيعة 3: 207.
([76]) أهل البيت ومنطق الثورة، مجلة المنهاج، العدد 29: 122.
([77]) عضادتا الباب هما الخشبتان من جانبي الباب والتي يتمّ إثبات الباب بالجدار من خلالهما.
([78]) أمالي الصدوق: 94؛ وعيون أخبار الرضا 2: 227.
([79]) انظر: رجال ابن الغضائري: 64؛ والنجاشي، الفهرست: 180؛ والطوسي، الرجال: 213، 308؛ ومعجم رجال الحديث 9: 123 ـ 124.
([80]) أمالي الصدوق: 408 ـ 409؛ وعيون أخبار الرضا 2: 226.
([81]) انظر حوله: رجال الطوسي: 202؛ ومعجم رجال الحديث 8: 115.
([82]) الكافي 1: 356 ـ 358؛ وتفصيل وسائل الشيعة 27: 157؛ ومدينة المعاجز 5: 86؛ وبحار الأنوار 46: 203 ـ 204.
([83]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 216 ـ 217.
([84]) انظر: المصدر نفسه 1: 217.
([85]) انظر حوله: معجم رجال الحديث 20: 31، رقم: 12765.
([86]) قاموس الرجال 10: 272، رقم: 7799.
([87]) انظر حوله: المصدر نفسه 11: 605، رقم: 1138.
([88]) انظر: أعيان الشيعة 5: 465؛ ومعجم رجال الحديث 6: 227، رقم: 3338.
([89]) واضحٌ جدّاً أنّ عقلية مؤمن الطاق لم تقم على السؤال عن مبرّرات الثورة والمشروع السياسي وغير ذلك، بل قامت على شخص الإمام والزعيم الذي يطالِب الناسَ بالخروج معه، فالمهمّ عنده هو الشخص الداعي للخروج وليس مبرّرات الخروج ومشروعه، وهذا معناه أنّه يعتبر نظريّة الإمامة هو الأصل في السلوك السياسي، وليس مجرّد المشاريع السياسيّة ونحو ذلك.
([90]) الكافي 1: 174؛ ومدينة المعاجز 5: 273 ـ 274.
([91]) انظر: معجم رجال الحديث 7: 354 ـ 356.
([92]) الكفاح المسلّح في الإسلام: 93.
([93]) اختيار معرفة الرجال 1: 369؛ والاحتجاج 2: 137؛ ومناقب آل أبي طالب 1: 223؛ وبحار الأنوار 46: 193.
([94]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 213.
([95]) انظر: خلاصة الأقوال: 199.
([96]) انظر: النجاشي، الفهرست: 228 ـ 229؛ واختيار معرفة الرجال 2: 745؛ ومعجم رجال الحديث 11: 191، رقم: 6846.
([97]) اختيار معرفة الرجال 2: 425.
([98]) المصدر نفسه 2: 425 ـ 426.
([99]) انظر حوله: رجال الطوسي: 384؛ ورجال ابن الغضائري: 117؛ واختيار معرفة الرجال 1: 71، و2: 813؛ ومعجم رجال الحديث 3: 228 ـ 229، رقم: 1177.
([100]) انظر حوله: معجم رجال الحديث 23: 34، رقم: 14763.
([101]) علقمة بن محمّد الحضرمي هو الأخ الأكبر لأبي بكر عبد الله بن محمّد الحضرمي.
([102]) في تقديري هذا الإشكال على زيد غير دقيق؛ لأنّ زيداً لا يريد القول بأنّ الإمام يجب عليه الخروج كيفما كان ولو كان عالماً بالفشل والهزيمة، بل لعلّ مقصوده الأصل ـ كما هو ليس ببعيد ـ أنّه حيث يمكن الخروج فإنّه واجب، والمفروض أنّ عدم خروج عليّ والحسن والحسين كان في ظرف عدم الإمكان من وجهة نظر زيد، بعكس الحالة التي هو فيها، فإذا أراد الإمامي أن يناقش الزيديّ هنا فلا يصحّ أن يقول له بأنّ عليّاً لم يخرج، بل يجب أن يقنعه أنّ عدم خروج جعفر الصادق كان لأسبابٍ مشابهة لعدم خروج من قبله، فانتبه جيّداً. وكأنّ الزيديَّ رأى أنّ سياسة الإمام زين العابدين وصولاً للإمام الحسن العسكري كانت على رفض الخروج، فكأنّ هذا هو الأصل عندهم إلى مجيء القائم من آل محمّد في آخر الزمان، لا أنّهم كانوا في حالة دائمة للاستعداد للخروج، لكن لم تحن الفرص، بل تثقيفهم كان على العكس. وهذا ما ينبغي بحثه بعمقٍ في سيرة الأئمة بعد الحسين.
([103]) يمكن أن تكون الكلمة "تبصّر" أي تطلّع أو يتطلّع ـ باحتمالَي الماضي والمضارع ـ للكلام والحوار ويركّز فيه ويبصره، بمعنى يطلبه ويريد الحوار وأنّه متحمّس له، واحتمل الميرداماد في (تعليقته على رجال الكشي 2: 715 ـ 716) أنّ الصيغة هي "يُنَضِّر الكلامَ" بمعنى يُحْسِنُ الكلامَ، فكأنّه إشارة إلى أنّه رغم إحسانه للكلام والمناظرة، لكنّه هنا سكت، في إشارة إلى تبكيته وهزيمته في الجدل.
([104]) اختيار معرفة الرجال 2: 715 ـ 716.
([105]) انظر حولهما وما قيل فيهما: معجم رجال الحديث 4: 242، رقم: 1823، و16: 189 ـ 192، رقم: 10439.
([106]) قال المجلسي: «بيان: قال الجزري فيه: إنّ قيسا ضراء الله: هو بالكسر جمع ضرو، وهو من السباع ما ضري بالصيد ولهج به، أي أنّهم شجعان، تشبيهاً بالسباع الضارية في شجاعتها، يقال: ضري بالشيء يضرى ضري وضراوة [فهو ضار إذا اعتاده ـ ومنه الحديث ـ إنّ للإسلام ضراوة] أي عادة ولهجا به لا يصبر عنه» (بحار الأنوار 46: 195).
([107]) هذا يدلّ على عدم اعتقاد زيد بإمامة والده عليّ بن الحسين.
([108]) كأنّما الكناني يريد أن يُلزمه بأنّك كنتَ تعتقد بإمامة الباقر، فكيف تقول الآن بأنّهم أربعة؟!
([109]) كأنّما الإمام الصادق يريد إبطال معياريّة الخروج بالسيف في عنوان الإمامة، فيعطي مثال تعدّد الخارجين بحيث نحتاج لمعيارٍ آخر.
([110]) اختيار معرفة الرجال 2: 639 ـ 640.
([111]) انظر: النجاشي، الفهرست: 259.
([112]) المصدر نفسه: 372.
([113]) راجع: خلاصة الأقوال: 177، حيث جعله في القسم الأوّل؛ ومستدركات علم رجال الحديث 5: 465، 466.
([114]) انظر حوله: معجم رجال الحديث 16: 26 ـ 29، رقم: 10177.
([115]) راجع: الخزاز القمي، كفاية الأثر: 299 ـ 311.
([116]) انظر: مرآة العقول 4: 118؛ وبحار الأنوار 46: 205.
([117]) معجم رجال الحديث 8: 360.
([118]) انظر: أبو الفاضل الرضوي الأردكاني، شخصيّت وقيام زيد بن علي: 142 ـ 143.
([119]) تماماً كما هي إمكانيّة أن تكون روايات صلح الإمام الحسن وبنود هذا الصلح من وضع العباسيّين والأمويّين؛ لكي يشيروا للحسنيّين والزيديّة إلى أنّ الحسن نفسه كان شخصيّة مسالمة، ولم يكن ثوريّاً.
([120]) انظر: شخصيّت وقيام زيد بن علي: 142 ـ 143.
([121]) الإرشاد 2: 171.
([122]) كفاية الأثر: 305.
([123]) القواعد والفوائد 2: 206 ـ 207.
([124]) كلام المجلسي قابلٌ للمناقشة؛ وذلك أنّ مجرّد خروجه في غير سياق التنسيق مع الإمام الصادق، لا يعني أنّه ادّعى الإمامة لنفسه في مقابل إمامة الصادق، بل كلّ ما في الأمر أنّه أراد تحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو لا يؤمن بإمامة الصادق حيث لم تثبت لديه، بل وبعض روايات الإماميّة التي أشرنا لبعضها توحي بكونه غير عالم بقضيّة الإمامة كما في حواره مع مؤمن الطاق، فالرجل لا يؤمن بالإمامة، وخرج لتحقيق العدل، دون أن يدّعي إمامةً له بمعنى الخلافة عن الرسول، فهل هذا موجبٌ لكفره؟! علماً أنّه من الممكن أن يكون معتقداً بالإمامة العلميّة والروحيّة للصادق، وهذا هو مفهومه لإمامة الصادق، كما توحيه بعض النصوص عنه، وعليه فبكاء أهل البيت عليه لا يفيد تحسين ثورته، بل يفيد صلاحه في نفسه ولو كان مخطئاً مشتبهاً.
([125]) مرآة العقول 4: 118.
([126]) يفترض بصاحب البحار أن يضيف هنا (وغيرهم)؛ إذ لا خصوصيّة لأولاد الأئمّة في هذا الموضوع، فحُسن الظنّ بالمسلم مطلوب مطلقاً.
([127]) بحار الأنوار 46: 205.
([128]) راجع: الغدير 3: 69 ـ 76.
([129]) المصدر نفسه 3: 74.
([130]) كشف الأسرار في شرح الاستبصار 2: 369.
([131]) انظر: كفاية الأثر: 305 ـ 306.
([132]) مجمع البحرين 3: 60 ـ 61.
([133]) قال المجلسي: «و"تيم" قبيلة أبي بكر، و"عدي" قبيلة عمر، أي ما طمع من غصب خلافته التيميّ والعدوي، أو قبيلتهما» (بحار الأنوار 64: 161).
([134]) الكافي 2: 242.
([135]) نهج البلاغة 1: 67؛ ومناقب آل أبي طالب 1: 233.
([136]) شرح نهج البلاغة 2: 22، 47؛ وعنه أخذ من أتى بعده، وقد نسبه إلى نصر بن مزاحم.
([137]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 609 ـ 610.
([138]) راجع: معجم رجال الحديث 1: 165، 166 ـ 167، 184 ـ 190.
([139]) انظر: تحقيقي پيرامون ولايت فقيه: 302 ـ 303.
([140]) وقعت هذه الحركة الحَسَنيّة في الثامن من ذي الحجّة عام 169هـ في زمن الخليفة العباسي الهادي، على إثر ارتفاع مستوى التوتّر بين العباسيّين والعلويّين في مختلف المناطق. وقد انطلقت هذه الحركة في المدينة المنوّرة، فأحكمت السلطة عليها، ثم تحرّكوا قبيل موسم الحجّ باتجاه مكّة، فوقعت مواجهة بينهم وبين العباسيّين في منطقة فخّ. وتُصنّف هذه الواقعة من الوقائع الأشدّ قسوةً على العلويّين بعد واقعة الإمام الحسين بن علي، وقد قال جمال الدين الحسيني (828هـ) في (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 183): «ونقل أبو نصر البخاري عن محمّد الجواد بن علي الرضا× أنّه قال: لم يكن لنا بعد الطفّ مصرعٌ أعظمَ من فخّ».
وقد أدّت هذه الحركة بعد انتهائها إلى تفرّق الحسنيّين والزيديّة والمناصرين لهم في مختلف أرجاء الأرض ـ شرقاً وغرباً ـ فراراً من بطش العباسيّين، مثل يحيى بن عبد الله الذي اتجه إلى الديلم وصنع لنفسه إمامة، ثمّ قضى على حركته هارون الرشيد، ومثل إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنّى، الذي خرج باتجاه الغرب، وصولاً إلى طنجة حيث أسّس دولة الأدارسة، وبات يعرف بإدريس الأوّل.
هذا، وما تزال مقبرة شهداء فخّ موجودة اليوم في مكّة، لكنّ قبورها مهدّمة. ويقصدها الكثير من الزوّار الشيعة، وتُذكر لها زيارة مستحبّة، لكنّ الاستحباب غير ثابت لها بعنوانها على مستوى الصنعة الفقهيّة.
([141]) الكفاح المسلّح: 95 ـ 91.
([142]) مقاتل الطالبيّين: 289.
([143]) انظر: مستدركات علم رجال الحديث 8: 576.
([144]) مقاتل الطالبيّين: 290.
([145]) انظر حوله: الطوسي، الفهرست: 164؛ ومعالم العلماء: 104؛ ومعجم رجال الحديث 13: 73، رقم: 8239؛ والذريعة 16: 268.
([146]) سير أعلام النبلاء 14: 430.
([147]) مقاتل الطالبيين: 290.
([148]) راجع حوله: رجال الطوسي، 148، 315؛ ومعجم رجال الحديث 20: 174 ـ 175، رقم: 13081 ـ 13082؛ وقاموس الرجال 10: 386.
([149]) مقاتل الطالبيين: 304.
([150]) المصدر نفسه: 302.
([151]) انظر: معجم رجال الحديث 7: 44؛ ودراسات في ولاية الفقيه 1: 609.
([152]) الطوسي، الرجال: 182.
([153]) رجال ابن داود: 81.
([154]) نقد الرجال 2: 105.
([155]) جامع الرواة 1: 248.
([156]) انظر: التعليقة على منهج المقال: 144.
([157]) الكافي 1: 366.
([158]) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي 6: 327؛ وبحار الأنوار 48: 165.
([159]) انظر حوله: معجم رجال الحديث 17: 90، رقم: 10775؛ ومستدركات علم رجال الحديث 7: 95.
([160]) راجع: النجاشي، الفهرست: 225؛ وابن الغضائري، الرجال: 76؛ وخلاصة الأقوال: 373؛ ورجال ابن داود: 253؛ ومعجم رجال الحديث 11: 182 ـ 184، رقم: 6830.
([161]) انظر: معجم رجال الحديث 11: 148، رقم: 6764، و11: 374؛ رقم: 7188.
([162]) إطلاق اسم "الخروج" هنا عام، أي بصرف النظر عن ذهاب بعضهم إلى أنّ الخروج يشترط أن يكون مسبوقاً ببيعةٍ، حتى يعبّر عنه بالخروج، في حين أنّ الإمام الحسين لم يكن قد بايع، علماً أنّني لا أرجّح شرط البيعة المسبقة بهذا المعنى في استخدام تعبير الخروج في الأدبيّات السياسيّة الإسلاميّة في القرون الأولى، وإنّما يكفي كونه خليفة المسلمين خارجاً ولو من غير بيعةٍ، بل بالقوّة والقهر.
([163]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: محمد رفيع الكرمرودي التبريزي (حوالي: 1330هـ)، ذريعة النجاة: 14.
([164]) بحار الأنوار 45: 98 ـ 99.
([165]) جواهر الكلام 21: 295 ـ 296.
([166]) حول مواقف المستشرقين وأهل السنّة وبعض الكتّاب المعاصرين، راجع ـ على سبيل المثال ـ: هاشم معروف الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر 2: 85 ـ 96؛ وباقر شريف القرشي، حياة الإمام الحسين 3: 402 ـ 410.
([167]) انظر: تنزيه الأنبياء: 227 ـ 231.
([168]) لمزيد من الاطّلاع على هذا المسرد من عناوين الكتب والمصنفات، انظر: محمد اسفندياري، كتابشناسي تاريخي إمام حسين: 38 ـ 39.
([169]) محمد صحّتي سردرودي، عاشورا بژوهي؛ با رويكرد به تحريف شناسى تاريخ إمام حسين: 281 ـ 282.
([170]) انظر: علي بيات، قيام عاشورا؛ بايدها وبيامدها، مجلة حوزه ودانشكاه، ع33: 11 ـ 22.
([171]) تلوح هذه النظريّة من: بحار الأنوار 45: 98؛ وجواهر الكلام 21: 295 ـ 296؛ وتنقيح المقال 2: 327 (الطبعة الحجرية)؛ وجعفر التستري، الخصائص الحسينية: 30 ـ 31؛ ومحمّد محمد صادق الصدر، شذرات من فلسفة تأريخ الحسين: 165 ـ 166؛ ومحمد حسين كاشف الغطاء، جنة المأوى: 189، 192؛ ولم يمنع احتمالَها السيد محسن الأمين في لواعج الأشجان: 253.
([172]) حول هذه النظرية راجع: محمود الهاشمي الشاهرودي، الثورة الحسينية دراسة في الأهداف والدوافع، مجلة المنهاج، العدد 29: 26؛ ومحمد باقر الحكيم، ثورة الحسين، النظرية الموقف النتائج: 33 ـ 34.
([173]) انظر في سرد هذه الخصائص: علي بيات، قيام عاشورا؛ بايدها وبيامدها، مجلة حوزه ودانشكاه، ع33: 6 ـ 7.
([174]) انظر: حجية السنّة في الفكر الإسلامي: 601 ـ 636.
([175]) جاءت قصّة الرؤيا في: مدينة المعاجز 3: 483 ـ 484.
([176]) اللهوف في قتلى الطفوف: 39 ـ 40؛ والمحتضر: 82؛ وبحار الأنوار 44: 364؛ والعوالم: 214؛ وينابيع المودّة 3: 60؛ وموسوعة كلمات الإمام الحسين: 398 ـ 399.
([177]) كامل الزيارات: 157؛ ومختصر بصائر الدرجات: 6؛ والخرائج والجرائح 2: 771 ـ 772؛ ومناقب آل أبي طالب 3: 230؛ والمحتضر: 82؛ ومدينة المعاجز 3: 461 ـ 462؛ وبحار الأنوار: 45: 87؛ والعوالم: 155، 317. يُشار إلى أنّ صالحي نجف آبادي كانت له مناقشات على هذه الرواية وما يشبهها، فراجع له: الشهيد الخالد: 382 ـ 384.
([178]) انظر: تاريخ الطبري 4: 291 ـ 292؛ وابن أعثم الكوفي، الفتوح 5: 67؛ ومناقب آل أبي طالب 3: 245؛ والبداية والنهاية 8: 176، 181؛ والعوالم: 216؛ والكامل في التاريخ 4: 40 ـ 41؛ وإعلام الورى 1: 446؛ وشرح إحقاق الحق 33: 623.
([179]) راجع: تاريخ الطبري 4: 260 ـ 261، 287؛ والكامل في التاريخ 4: 19، 37؛ والفتوح 5: 65 ـ 66؛ وابن الصباغ، الفصول المهمة 2: 785، 796 ـ 797؛ وتاريخ مدينة دمشق 14: 208 ـ 209؛ وتهذيب الكمال 6: 417؛ والبداية والنهاية 8: 172، 176.
([180]) حول مسألة بُعد احتمال إرادة الاستخارة المتعارفة اليوم، انظر: نجم الدين الطبسي، الإمام الحسين في مكة المكرّمة (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة) 4: 226 ـ 229.
([181]) راجع: تاريخ الطبري 4: 301؛ والإرشاد 2: 76.
([182]) الخصائص الحسينية: 30 ـ 31؛ وفهم ذلك المامقاني في تنقيح المقال 2: 327، عند ترجمة عمرو بن جنادة بن كعب الخزرجي؛ لأنّ هذا المناصر للحسين كان صبياً غير مراهق.
([183]) راجع: ابن نما الحلي، مثير الأحزان: 29؛ والحلواني، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 86؛ واللهوف: 38؛ وكشف الغمّة 2: 239؛ والزرندي الشافعي، معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول: 94؛ وبحار الأنوار 44: 366 ـ 367؛ والعوالم: 216 ـ 217.
([184]) الثورة الحسينية، دراسة في الأهداف والدوافع: 27 ـ 28.
([185]) المصدر نفسه: 30.
([186]) تاريخ الطبري 4: 304؛ والفتوح 5: 81؛ والكامل في التاريخ 4: 48؛ وبحار الأنوار 44: 381 ـ 382؛ والعوالم: 232 ـ 233.
([187]) تاريخ الطبري 4: 305.
([188]) تحف العقول: 245؛ وشرح الأخبار 3: 149؛ ومناقب آل أبي طالب 3: 224؛ وذخائر العقبى: 150؛ واللهوف: 48؛ وكشف الغمة 2: 242؛ ومجمع الزوائد 9: 192؛ والمعجم الكبير 3: 114 ـ 115؛ ونزهة الناظر وتنبيه الخاطر: 87 ـ 88؛ وتاريخ مدينة دمشق 14: 217 ـ 218؛ وتاريخ الإسلام 5: 12؛ وبحار الأنوار 44: 192، 381؛ والعوالم: 67، 232؛ وأعيان الشيعة 1: 598.
([189]) الزرندي، نظم درر السمطين: 216.
([190]) سير أعلام النبلاء 3: 310؛ وابن الدمشقي، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي 2: 269 ـ 270؛ ولمزيد من الاطلاع انظر: شرح إحقاق الحق 11: 596، 606 ـ 607، و19: 416، و27: 134 ـ 135، و27: 181؛ ويلاحظ أنّ المصادر تختلف في موضع إلقاء هذه الخطبة، وحول ذلك انظر: المولائي والطبسي، الإمام الحسين في كربلاء (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة) 4: 102.
([191]) تحقيقي پيرامون ولايت فقيه: 300.
([192]) الثورة الحسينية، مصدر سابق: 32 ـ 33.
([193]) انظر: حجية السنّة في الفكر الإسلامي: 601 ـ 636.
([194]) يفهم من السيد محمد الشيرازي، الفقه 47: 113؛ ويفهم من بحثهم في خصائص النبي أنّها لا تجري في حقّ الأئمة؛ حيث ناقشوا في بعضها بانتقاضها بالإمام، فلو كانت شاملةً للأئمة لما صحّ مثل هذا النقض، فانظر على سبيل المثال: مسالك الأفهام 7: 72؛ وقد لاحظنا في موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت أنهم ذكروا الكثير من خصائص الأئمّة، ولم يذكروا شيئاً يرجع إلى ما يرتبط ببحثنا، رغم استقصائهم في البحث عادةً، فقد ذكروا مثل وجوب الاعتقاد بإمامتهم، ووجوب محبّتهم، ووجوب طاعتهم، والصلاة عليهم، واحترام أسمائهم، والتوسّل والتبرّك بهم، والتسمّي بأسمائهم، وما يتصل ببعض مسائل صلاة الجمعة، والعيدين، والجهاد الابتدائي و.. وكلّها خصائص لا علاقة لها بما نبحثه هنا، كما صار واضحاً، فانظر: موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت 1: 183 ـ 202.
([195]) نصّ السيّد الخميني على قلّة مختصّات الأئمة، وذلك في كتاب الاجتهاد والتقليد: 54؛ ولعله أراد مثل صلاة الجمعة والعيدين والجهاد الابتدائي.. مما لا يدخل في المختصّات التي نبحث عنها هنا؛ وحول مسألة الجنابة لمحمد وعلي و.. راجع: تفصيل وسائل الشيعة 2: 207 ـ 208، كتاب الطهارة، أبواب الجنابة، باب 15، ح11، 12، 13، 14، 21؛ ومستدرك الوسائل 1: 459 ـ 462.
([196]) انظر كلام الشريف الرضي في هذا الخصوص في مقدّمة كتابه خصائص الأئمّة: 3.
([197]) انظر: مدينة المعاجز 4: 52.
([198]) انظر: محمد باقر الحكيم، ثورة الحسين: 35 ـ 36.
([199]) انظر: الفصول المهمّة 2: 797.
([200]) محمد حسين فضل الله، تأملات في حركة ذكرى عاشوراء، مجلة رسالة الحسين، ع1: 16 ـ 17؛ وحول موضوع التهلكة وحركة الإمام الحسين، انظر: المفيد، المسائل العكبرية، سلسلة مصنفات الشيخ المفيد 6: 69 ـ 71؛ وعبد الرزاق الموسوي المقرّم، مقتل الحسين: 54 ـ 66؛ ومحمّد الصدر، أضواء على ثورة الإمام الحسين: 36 ـ 45.
([201]) كانت لنعمة الله صالحي نجف آبادي مناقشة موسّعة في قضية الرؤيا بكلّ صيغها تقريباً، فراجع له: الشهيد الخالد: 340 ـ 351؛ كما أنّه ناقش بالتفصيل ـ صدوراً ودلالةً ـ رواية الحوار مع محمّد بن الحنفيّة بالخصوص، فراجع حتى لا نطيل كتابَه: الشهيد الخالد: 362 ـ 370.
([202]) أمالي الصدوق: 217.
([203]) راجع: قاموس الرجال 12: 344؛ ومستدركات علم رجال الحديث 8: 584 ـ 585.
([204]) كانت لصالحي نجف آبادي مقاربة تفسيريّة وتقويميّة لهذه الرواية، وكذلك لرواية ابن لوذان، فانظر له: الشهيد الخالد: 356 ـ 361، 384 ـ 388.
([205]) راجع: ميثاق العسر، كربلاء بنظرة لا مذهبيّة: 119 ـ 146.
([206]) انظر: الآصفي، الجهاد: 162 ـ 163.
([207]) تلوح هذه النظرية من بعض كلمات: المجلسي (على سبيل التنزّل حسب الظاهر)، بحار الأنوار 45: 99 ـ 100؛ ومثله: لواعج الأشجان: 252؛ وقد جعلها الطبرسي أحد احتمالين في تفسير خروج الحسين، فانظر له: مجمع البيان 2: 35؛ واحتمل ذلك أيضاً المحقّق الكركي، جامع المقاصد 3: 467.
([208]) محمد الشيرازي، الفقه 47: 10.
([209]) الشهرستاني، نهضة الحسين: 59، 66.
([210]) في مسألة وصول رسائل إليه في المدينة، وحصول خلط في بعض النصوص في هذا الإطار، انظر: علي الشاوي، مع الركب الحسيني.. الإمام الحسين في المدينة المنوّرة 1: 423 ـ 426.
([211]) راجع في هذه الحوارات: محمد بن سليمان الكوفي، مناقب الإمام أمير المؤمنين 2: 260؛ والمحاملي، الأمالي: 226؛ ومناقب آل أبي طالب 3: 211؛ وذخائر العقبى: 150 ـ 151؛ واللهوف: 39 ـ 40؛ ومدينة المعاجز 3: 503؛ والمعجم الكبير 3: 119 ـ 120؛ والدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: 130؛ وتاريخ مدينة دمشق 14: 200 ـ 201، 203، 211؛ وسير أعلام النبلاء 3: 292؛ وتاريخ الإسلام 5: 106؛ والبداية والنهاية 8: 174، 178؛ وسبل الهدى والرشاد 11: 78؛ وينابيع المودة 3: 9؛ وبحار الأنوار 44: 185، 364؛ والعوالم: 54، 214؛ ومجمع الزوائد 9: 192؛ ولواعج الأشجان: 72؛ وأعيان الشيعة 1: 593؛ وشرح إحقاق الحق 11: 435، و27: 186، 188، 254 ـ 255.
([212]) بحار الأنوار 45: 99؛ وقد أشار محقّق البحار إلى أنّ هذا الكتاب المعتبر هو كتاب المنتخب.
([213]) راجع ـ مع اختلافات طفيفة في النقل ـ: تاريخ الطبري 4: 289؛ والفتوح 5: 67؛ وشرح الأخبار 3: 145؛ ومدينة المعاجز 3: 485؛ وبحار الأنوار 45: 99؛ و..
([214]) تاريخ الطبري 4: 296؛ والإرشاد 2: 76؛ والكامل في التاريخ 4: 39؛ والبداية والنهاية 8: 183؛ وتاريخ مدينة دمشق 14: 216؛ وإعلام الورى 1: 448؛ وبحار الأنوار 44: 375؛ والعوالم: 225؛ وأعيان الشيعة 1: 593.
([215]) انظر: بحار الأنوار 45: 99 ـ 100.
([216]) نهضة الحسين: 67، الهامش رقم: 1.
([217]) انظر: تاريخ الطبري 4: 250 ـ 252، 254؛ والفتوح 5: 18، 22؛ وروضة الواعظين: 171 ـ 172؛ والإرشاد 2: 34 ـ 35؛ والأخبار الطوال: 227 ـ 228؛ ومناقب آل أبي طالب 3: 241؛ وإعلام الورى 1: 434 ـ 435؛ وسبط ابن الجوزي، تذكرة الخواصّ: 235 ـ 236؛ وابن الصباغ، الفصول المهمة 2: 777 ـ 784؛ والكامل في التاريخ 4: 14 ـ 17؛ و..
([218]) الفتوح 5: 13؛ وروضة الواعظين: 171؛ والإرشاد 2: 32 ـ 33؛ وإعلام الورى 1: 434؛ والفصول المهمة 2: 779 ـ 780؛ والكامل في التاريخ 4: 15؛ وبحار الأنوار 44: 324.
([219]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: الفتوح 5: 18، على أحد التفسيرات.
([220]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: اللهوف: 21.
([221]) انظر فيهما ـ على سبيل المثال ـ: تذكرة الخواص: 236، 237.
([222]) سيرة الأئمّة الاثني عشر 2: 56.
([223]) تاريخ الطبري 4: 313؛ والإرشاد 2: 87 ـ 88؛ وإعلام الورى 1: 453؛ وتاريخ مدينة دمشق 45: 51؛ والكامل في التاريخ 4: 55؛ وتاريخ الإسلام 5: 195؛ وأعيان الشيعة 1: 599 ـ 600؛ وقريب من ذلك ما في البداية والنهاية 6: 260.
([224]) تنزيه الأنبياء: 229؛ وتلخيص الشافي 4: 185؛ ولهذا وغيره رجّح المرتضى أن يكون الإمام الحسين أراد الرجوع وفعلَ ما فعله أخوه الحسن، لكن حيل بينه وبين ذلك، فانظر: تنزيه الأنبياء: 230 ـ 231.
([225]) انظر: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة 1: 175 ـ 176، و 2: 3، تحقيق: الزيني (ج1: 227، و2: 6، بتحقيق الشيري)؛ والبري، الجوهرة في نسب الإمام علي وآله: 42؛ وابن الدمشقي، جواهر المطالب 2: 264.
([226]) تاريخ اليعقوبي 2: 248 ـ 249.
([227]) الفتوح 5: 87.
([228]) تذكرة الخواص: 248؛ ونحوه: باقر شريف القرشي، حياة الإمام الحسين 3: 128، ناقلاً ذلك عن الصراط السوي في مناقب آل النبيّ: 78.
([229]) أمالي الصدوق: 218؛ والفتوح 5: 71؛ واللهوف: 43 ـ 44؛ ومثير الأحزان: 33؛ و..
([230]) الإرشاد 2: 79؛ وانظر: الخوارزمي، مقتل الحسين 1: 232؛ وأعيان الشيعة 4: 612.
([231]) بحار الأنوار 44: 383.
([232]) تاريخ الطبري 4: 323؛ والبداية والنهاية 8: 194؛ والكامل في التاريخ 4: 62.
([233]) البداية والنهاية 8: 189 ـ 190؛ ووردت باختلاف بسيط في تاريخ الطبري 4: 313؛ والكامل في التاريخ 4: 54 ـ 55.
([234]) انظر: الطبقات الكبرى 6: 349؛ وتاريخ ابن معين، الدوري 1: 199؛ والتاريخ الصغير 2: 74؛ والتاريخ الكبير 8: 9؛ والضعفاء الصغير: 116؛ والعجلي، معرفة الثقات 2: 264 ـ 265؛ وعلل الترمذي: 401؛ والنسائي، كتاب الضعفاء والمتروكين: 236؛ والعقيلي، الضعفاء 4: 232 ـ 234؛ والجرح والتعديل 8: 361 ـ 362؛ وابن حبان، كتاب المجروحين 3: 10 ـ 11؛ والكامل 6: 420 ـ 423؛ وغير ذلك الكثير.
([235]) لاحظ: مستدركات علم رجال الحديث 4: 268.
([236]) ابن حبان، الثقات 6: 479؛ والمستدرك 1: 49.
([237]) معجم رجال الحديث 12: 169 ـ 170، رقم: 7736؛ ومستدركات علم رجال الحديث 5: 248.
([238]) الحكيم، ثورة الحسين: 19.
([239]) انظر: تلخيص الشافي 3: 86.
([240]) راجع: عاشورا پژوهى: 296 ـ 297، 298 ـ 299.
([241]) نقل ذلك عنه في: المصدر نفسه: 305 ـ 307.
([242]) نقل عنه ذلك في: المصدر نفسه: 307 ـ 309.
([243]) انظر لها: حقول الدم، الدين وتاريخ العنف: 523.
([244]) يشار إلى أنّ السيد الخامنئي ذكر في (عقد المهادنة: 14) ـ باختصارٍ شديد ـ أنّ قضيّة الإمام الحسين قضيّةٌ في واقعة، وليس لها إطلاق، فهي سنّة فعليّة وليست قوليّة، فلا يمكن الأخذ بإطلاق الحكم المستفاد منها، لكن سوف يأتي معنا أنّه من البعيد أنّه يقصد إجهاض التفسير السياسي ولو بالنظريّة الرابعة، بل الأرجح أنّه يقصد إضعاف الاستدلال بإطلاقها على أحكام شرعيّة؛ لأنّها فعلٌ، والفعل دليلٌ صامت.
([245]) حول كتاب (الشهيد الخالد)، والمواقف وردود الأفعال عليه، والمشهد التاريخي الذي تركه، انظر: السيد حسن إسلامي، مقال: العزاء سنّة دينيّة أم فعل اجتماعي؟، مجلة نصوص معاصرة، العدد 8: 13 ـ 25.
([246]) حول تاريخ ومسارات كتاب الشهيد الخالد انظر أيضاً: شوكران انديشه: 213 ـ 339؛ وراجع أيضاً محمد علي كوشا، وكتابه: "نقد ونظر، آيت الله صالحي نجف آبادي".
([247]) قد يفضّل بعضٌ التعبير هنا بأنّهم كانوا ضمن "المعارضة السلميّة"، أو يفضّل آخرون القول بأنّهم كانوا ينتمون إلى نوع من "السلبيّة السياسيّة".
([248]) أعتقد أنّه بسبب هذا كلّه، وبسبب كون صالحي نجف آبادي من أوائل من طرح نظريّة ولاية الفقيه الانتخابيّة الإنشائيّة، تحوّل هو وتياره إلى خارج السياق الثوري الرسمي في الإسلام السياسي الشيعي المعاصر، وصار مرفوضاً حتى من قبل الثوريّين التقليديّين، حتى أنّه لم يتمّ تأبينه في الإذاعة والتلفزيون الإيراني أصلاً، رغم أنّه من قدامى الثوريّين..
([249]) راجع: الشهيد الخالد: 137 ـ 175.
([250]) انظر ـ مع اختلافات طفيفة في النقل ـ: تاريخ الطبري، 4: 262؛ والإرشاد 2: 39؛ وروضة الواعظين: 173؛ والكامل في التاريخ 4: 21؛ وبحار الأنوار 44: 334 ـ 335.
([251]) تاريخ الطبري، 4: 266؛ والبداية والنهاية 8: 170؛ وأعيان الشيعة 1: 590.
([252]) إنّ مسألة علم الإمام بالغيب يمكن تصنيفها من نظريّات الأمور النظريّة، في مقابل البديهي، والروايات فيها شديدة التعارض ومتعدّدة الطوائف والمجموعات، فالتشنيع على التفسير السياسي بمعارضته لعلم الإمام بالغيب، وكأنّه يعارض أمراً بديهيّاً، أمرٌ غير مقبول علميّاً.
ولكي نعطي صورةً مختصرة عن مشهد الانقسام في علم الأئمّة، بوفاتهم تحديداً، يمكن القول بأنّه توجد أقوال وآراء عدّة هنا، من أبرزها:
1 ـ العلم الإجمالي بالوفاة دون التفصيلي، أي أنّهم يعلمون وفاتهم إجمالاً لا تفصيلاً، وهو ما ذهب إليه بعض العلماء، مثل ما يفهم من بعض كلمات الشيخ المفيد (المسائل العكبرية: 69 ـ 71)، وابن شهر آشوب والعلامة الحلي وغيرهم (انظر: الطوسي، تلخيص الشافي 4: 189 ـ 190)، كالقول بأنّ الإمام الحسين يعلم بأنّه سوف يموت شهيداً في كربلاء وأنّ النبي أخبر بذلك، وهذا ما دلّت عليه العديد من الروايات، لكنّه لا يعلم متى بالضبط سيكون ذلك، فهو تحرّك عالماً بأنّ شهادته في كربلاء لكنّه ليس عالماً بأنّ هذه الشهادة ستكون في نفس هذا العام الذي خرج فيه أو في الذي يليه.
2 ـ العلم التفصيلي بالوفاة، سواء كان علماً حصوليّاً أم حضوريّاً، وهنا يمكن فرض حالات متعدّدة تبعاً لاختلاف النظريات، وأبرزها:
أ ـ العلم التفصيلي التعليقي، وهي التي تنتج عن الرأي القائل بأنّ المعصوم لا يعلم الغيب بنحو الفعليّة، بل هو لو أراد المعرفة علم، وإلا فلا علم عنده.
ب ـ العلم التفصيلي الفعلي والتعليقي معاً، وهي النظرية التي ذهب إليها بعض العلماء، مثل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (جنّة المأوى: 189 ـ 190)، وهي تقول ـ خلافاً لبعض كلمات العلامة الطباطبائي ـ بأنّ المعصوم يعلم بزمان وفاته بنحو العلم بلوح المحو والإثبات، بمعنى أنّ ما يعلمه هو المدوّن في هذا اللوح، وهذا اللوح عندهم قابلٌ لعروض البداء عليه، بمعنى أنّ ما فيه يمكن أن يتغيّر، فهو يعلم فعلاً بأنّه سيموت تفصيلاً لكنّ معلومه قابل للتغيّر من عند الله، ولا يعلم المعصوم بالمتغيّر الجديد، فهو يذهب إلى كربلاء مثلاً عالماً بأنّ موته هناك، لكنّه يحتمل أنّ الله قد يغيّر قراره بذلك فيجعل موته بعد خمسة أعوام مثلاً.
ج ـ العلم التفصيلي الفعلي المسلوب، وهو قول تمّ الاستناد فيه لروايةٍ فهموا منها أنّ المعصوم يُسلب منه العلم بوفاته قبيل الوفاة، فيُقدم على مقدّمات الموت غير عالمٍ.
د ـ العلم التفصيلي الفعلي مطلقاً، بلا فرض البداء.
3 ـ عدم العلم بالوفاة لا تفصيلاً ولا إجمالاً إلا ما قام عليه دليلٌ خاصّ في موردٍ خاصّ.
([253]) راجع: الخصائص الحسينيّة: 43 ـ 46؛ وأضواء على ثورة الحسين: 38.
([254]) يشار إلى أنّ صالحي نجف آبادي كانت لديه مناقشات على رواية أمّ سلمة بأشكالها، فراجع له: الشهيد الخالد: 370 ـ 376.
([255]) انظر مجمل هذه الملاحظة عند: الآصفي، الجهاد: 157 ـ 159.
([256]) راجع: تلخيص الشافي 4: 183 ـ 185؛ والمسائل العكبريّة: 71.
([257]) جنّة المأوى: 189 ـ 190.
([258]) انظر: الثورة الحسينية دراسة في الأهداف والدوافع، القسم الثاني، مجلّة المنهاج، العدد 30: 21 ـ 23.
([259]) الآصفي، الجهاد: 159 ـ 160.
([260]) انظر المواقف كما جمعها مثل: الذهبي، سير أعلام النبلاء 3: 292 ـ 298؛ وباقر شريف القرشي، حياة الإمام الحسين 3: 23 ـ 38؛ ومحمد جواد الطبسي، مع الركب الحسيني.. وقائع الطريق من مكة إلى كربلاء 3: 175 وما بعدها؛ وعلي الشاوي، الإمام الحسين في المدينة المنوّرة 1: 411 وما بعدها.
([261]) الحكيم، ثورة الحسين: 21 ـ 22؛ ومحمد الصدر، أضواء على ثورة الحسين: 75.
([262]) انظر: روضة الواعظين: 171؛ وتاريخ مدينة دمشق 14: 205؛ وتهذيب الكمال 6: 412 ـ 413؛ وسير أعلام النبلاء 3: 293 ـ 294؛ والبداية والنهاية 8: 174؛ وشرح إحقاق الحق 27: 168، 515.
([263]) انظر: الإرشاد 2: 32؛ وروضة الواعظين: 171.
([264]) حول منطلقات عدم الثورة في عهد معاوية، انظر: محمد مهدي شمس الدين، ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية: 137 ـ 165؛ وعلي الشاوي، مع الركب الحسيني.. الإمام الحسين في المدينة المنوّرة 1: 232 ـ 243.
([265]) سير أعلام النبلاء 3: 299؛ وانظر في الصحائف أيضاً: بحار الأنوار 44: 333 ـ 334.
([266]) انظر في التعليق على هذه الفكرة: محمد علي عابدين، مبعوث الحسين: 76؛ وحول تأنّيه في الجواب راجع: اللهوف على قتلى الطفوف: 24؛ وبحار الأنوار 44: 334؛ وأعيان الشيعة 1: 589؛ ولواعج الأشجان: 34.
([267]) قال السيد المرتضى: «وسيّدنا أبو عبد الله× لم يسر طالباً للكوفة إلا بعد توثقٍ من القوم وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه× طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين. وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرّائها، تقدّمت إليه في أيام معاوية وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن×، فدفعهم، وقال في الجواب ما وجب. ثمّ كاتبوه بعد وفاة الحسن× ومعاوية باقٍ فوعدهم ومنّاهم، وكانت أياماً صعبة لا يطمع في مثلها. فلما مضى معاوية وأعادوا المكاتبة بذلوا الطاعة وكرّروا الطلب والرغبة، ورأى× من قوّتهم على من كان يليهم في الحال من قبل يزيد، وتشحّنهم عليه وضعفه عنهم، ما قوّى في ظنّه أنّ المسير هو الواجب، تعين عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبّب، ولم يكن في حسابه أنّ القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحقّ عن نصرته ويتفق بما اتفق من الأمور الغريبة؛ فإنّ مسلم بن عقيل رحمة الله عليه لما دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها.. وإنّما أردنا بذكر هذه الجملة أنّ أسباب الظفر بالأعداء كانت لايحة متوجهة، وأنّ الاتفاق السيء عكس الأمر وقلبه حتى تمّ فيه ما تمّ..» (تنزيه الأنبياء: 227 ـ 229).
([268]) تاريخ الطبري 4: 297؛ والبداية والنهاية 8: 181.
([269]) تاريخ الطبري 4: 275، 281.
([270]) الفتوح 5: 40.
([271]) الإمامة والسياسة 2: 8؛ وجواهر المطالب 2: 265.
([272]) راجع: مبعوث الحسين: 102.
([273]) انظر حول مبرّرات ترجيح الكوفة في حركة الإمام الحسين على غيرها: باقر شريف القرشي، حياة الإمام الحسين 3: 11 ـ 20؛ ومحمد جواد الطبسي، مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة، وقائع الطريق من مكة إلى كربلاء 3: 15 ـ 27.
([274]) انظر: تنزيه الأنبياء: 229 ـ 230؛ وتلخيص الشافي 4: 187.
([275]) انظر: الحكيم، ثورة الحسين: 22؛ وتأمّلات في حركة ذكرى عاشوراء: 19؛ ومحمد الصدر، أضواء على ثورة الحسين: 76 ـ 78.
([276]) انظر: تاريخ الطبري 4: 290؛ الإرشاد 2: 67 ـ 68؛ ومناقب آل أبي طالب 3: 245؛ ومقاتل الطالبيين: 83؛ ومثير الأحزان: 28 ـ 29؛ والكامل في التاريخ 4: 40؛ والبداية والنهاية 8: 180؛ وإعلام الورى 1: 445 ـ 446؛ ومحمد بن طلحة الشافعي، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 396؛ وكشف الغمة 2: 253 ـ 254؛ والفصول المهمة 2: 803 و.. وحول الخلاف في تحديد مكان لقيا الفرزدق انظر: محمد جواد الطبسي، مع الركب الحسيني.. وقائع الطريق من مكّة إلى كربلاء 3: 186 ـ 188.
([277]) انظر: مقاتل الطالبيين: 73.
([278]) انظر: الفتوح 5: 69 ـ 70؛ واللهوف: 43؛ وأمالي الصدوق: 217 ـ 218؛ وبحار الأنوار 44: 367؛ والعوالم: 217؛ و..
([279]) أضواء على ثورة الحسين: 77 ـ 78.
([280]) مجمع البيان 2: 35؛ وقد استعرض هذا الاحتمال محمد جواد الطبسي ثم ردّه بمسألة الاعتقاد الشيعي بعلم الإمام بغدر أهل الكوفة، فراجع: مع الركب الحسيني.. وقائع الطريق من مكّة إلى كربلاء 3: 22 ـ 23.
([281]) نهضة الحسين: 87.
([282]) الإرشاد 2: 80 ـ 81؛ وروضة الواعظين: 179.
([283]) انظر حول رأي مرتضى مطهري: الملحمة الحسينية 2: 7 ـ 51، 227 ـ 256؛ ومهدي بيشوائي، سيرة الأئمة: 145 ـ 163؛ وقد حاول بعضهم التأكيد على الامتزاج بين العوامل الثلاثة وأنّها لم تكن مترتبة زماناً بل متداخلة؛ فانظر: علي الشاوي، مع الركب الحسيني.. الإمام الحسين في المدينة المنوّرة 1: 365 ـ 369.
([284]) راجع حول هذه النصوص مختلف مصادر السيرة والمقاتل وكتب التاريخ المعروفة، ومن باب المثال انظر: مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة، الشيخ عزت المولائي والشيخ محمد جعفر الطبسي، الإمام الحسين في كربلاء 4: 36 ـ 68.
([285]) انظر: هاشم معروف الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر 2: 90 ـ 92؛ وموسى الصدر، سفر شهادت، گفتارهاى درباره واقعه عاشورا: 13 ـ 32؛ وعبد الحسين شرف الدين، المجالس الفاخرة: 44 ـ 51؛ ومحمد جواد مغنية، الحسين وبطلة كربلاء: 17 ـ 18، 22، 67 ـ 68؛ وشريعتي، الحسين وارث آدم، مجموعه آثار 19: 189؛ ومحمد حسين الطباطبائي، بحثى كوتاه درباره علم إمام: 52 ـ 56؛ وجعفر السبحاني، الأئمة الاثني عشر: 77 ـ 89؛ وله أيضاً: أضواء على عقائد الشيعة الإمامية: 157 ـ 162؛ وغيرهم.
([286]) انظر: جواهر الكلام 21: 295 ـ 296.
([287]) انظر: محمد باقر الصدر، أئمّة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة: 309 ـ 358؛ والهاشمي، الثورة الحسينية، مجلة المنهاج، العدد 30: 19، 23 ـ 33؛ ومحمد الصدر، أضواء على ثورة الحسين: 78 ـ 82؛ والآصفي، الجهاد: 166 ـ 169؛ وله أيضاً: وارث الأنبياء: 209 ـ 228؛ والحكيم، ثورة الحسين: 39 ـ 52؛ وعادل الأديب، الأئمّة الاثنا عشر، دراسة تحليلية: 105 ـ 138.
([288]) انظر: كربلاء بنظرة لا مذهبيّة: 106 ـ 108.
([289]) انظر له: إنسان بعمر 250 سنة: 201 ـ 219.
([290]) بل توحي بعض النصوص أنّ الحسين كانت له ارتباطات ببعض أهل الكوفة، وأنّه طالبهم ـ بعد رحيل الحسن ـ بالتزام الهدوء إلى أن يأتيهم موت معاوية، فيُخبرهم الحسين برأيه في تلك الحال، وعلى سبيل المثال ما جاء عند البلاذري في (أنساب الأشراف 3: 152) حيث قال في الرواية: «وكتب إليه بنو جعدة يخبرونه بحسن رأي أهل الكوفة فيه، وحبّهم لقدومه وتطلَّعهم إليه، وأن قد لقوا من أنصاره وإخوانه من يرضى هديه ويطمأنّ إلى قوله ويعرف نجدته وبأسه، فأفضوا إليهم ما هم عليه من شنآن ابن أبي سفيان، والبراءة منه، ويسألونه الكتاب إليهم برأيه. فكتب (الحسين×) إليهم: إنّي لأرجو أن يكون رأي أخي رحمه الله في الموادعة، ورأيي في جهاد الظلمة رشداً وسداداً، فالصقوا بالأرض، وأخفوا الشخص، واكتموا الهوى، واحترسوا من الأظَّاء (الأظنّاء) ما دام ابن هند حيّاً، فإن يحدث به حدثٌ وأنا حيّ، يأتكم رأيي إن شاء الله».
([291]) هذا الموضوع إشكاليٌّ بامتياز في الوسط السنّي، من حيث التوفيق بين حركات الخروج في القرن الأوّل الهجري، وبخاصّة خروج الإمام الحسين، والنظريّة الفقهية السنيّة السائدة، ولا سيّما في أوساط السلفيّة التقليديّة وأهل الحديث من حرمة الخروج على الحاكم ووجوب إطاعته مطلقاً إلا إذا صدر منه كفرٌ بَواح.
([292]) الوافي 22: 505، الهامش.
([293]) انظر له: فقه العنف المسلّح في الإسلام: 127، 129، 138 ـ 139.
([294]) الكفاح المسلّح: 85 ـ 88؛ وانظر: شذرات من فلسفة تأريخ الحسين: 166.
([295]) فقه العنف المسلّح في الإسلام: 126 ـ 127، 130 ـ 131، 139.
([296]) شذرات من فلسفة تاريخ الحسين: 166 ـ 167.
([297]) تأمّلات في حركة ذكرى عاشوراء: 18 ـ 19.
([298]) يمكن ملاحظة بعض جوانب هذه الرؤية عند عماد الدين باقي، في مقاله: صلح الإمام الحسين، بين المنطق الحسني والعمل الحسيني، والمنشور مترجماً إلى العربيّة في مجلّة: نصوص معاصرة، العدد 28.
([299]) تنزيه الأنبياء: 229.
([300]) انظر: فقه العنف المسلّح في الإسلام: 123 ـ 124.
([301]) انظر: المصدر نفسه: 147 ـ 148، 155 ـ 156.
([302]) انظر: المصدر نفسه: 165.
([303]) الكافي 5: 21؛ وتهذيب الأحكام 6: 121؛ وتفصيل وسائل الشيعة، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 6، ح2.
([304]) فقه العنف المسلّح: 165.
([305]) انظر: المصدر نفسه: 167 ـ 171.
([306]) المصدر نفسه: 173 ـ 174، 189 ـ 191.
([307]) انظر: المصدر نفسه: 174 ـ 176.
([308]) المصدر نفسه: 167 ـ 168.
([309]) راجع: المصدر نفسه: 177 ـ 180.
([310]) انظر: المجموع 19: 248؛ والمحلّى 11: 309؛ والكافي 5: 52؛ وتهذيب الأحكام 6: 167، وسنن النسائي 7: 117.
([311]) انظر: الألباني، أحكام الجنائز: 42؛ ومجمع الزوائد 6: 244.
([312]) انظر: مباني تكملة المنهاج 1: 350؛ والغدير 7: 162؛ وموسوعة أحاديث أهل البيت 7: 143.
([313]) فقه العنف المسلّح: 181.
([314]) المصدر نفسه.
([315]) المصدر نفسه: 185 ـ 186؛ وقد ذكر الشرطين الأوّلين أيضاً: 183 ـ 185.
([316]) انظر: المصدر نفسه: 190 ـ 191.
([317]) صحيح مسلم 6: 20؛ وسنن البيهقي 8: 157؛ ونيل الأوطار 7: 358.
([318]) انظر: إمتاع الأسماع 12: 265 ـ 266.
([319]) صحيح البخاري 8: 93؛ وصحيح مسلم 6: 20؛ وسنن البيهقي 8: 156.
([320]) صحيح البخاري 8: 87 ـ 88؛ وصحيح مسلم 6: 17؛ ونيل الأوطار 7: 358؛ وسنن البيهقي 8: 145.
([321]) انظر: عمدة القاري 24: 178 ـ 179.
([322]) انظر: فتح الباري 13: 6؛ ونيل الأوطار 7: 361.
([323]) إرواء الغليل 8: 110.
([324]) صحيح مسلم 6: 19 ـ 20؛ وسنن البيهقي 8: 158.
([325]) انظر: الريشهري، القيادة في الإسلام: 140 ـ 141.
([326]) صحيح البخاري 8: 87؛ وصحيح مسلم 6: 21 ـ 22؛ ونيل الأوطار 7: 356.
([327]) انظر: رياض الصالحين: 339.
([328]) صحيح مسلم 6: 24 ـ 25؛ وانظر: المعجم الكبير 18: 62 ـ 63؛ وكنز العمال 6: 61.
([329]) انظر حول الرجل: التاريخ الكبير 7: 270 ـ 271؛ والجرح والتعديل 8: 192؛ وابن حبان، الثقات 5: 396؛ والكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستّة 1: 396؛ و2: 260.
([330]) صحيح مسلم 6: 23؛ والجامع الصغير 2: 48؛ وكنز العمال 3: 67، و6: 58.
([331]) انظر: شرح صحيح مسلم 12: 243.
([332]) صحيح مسلم 6: 23؛ وسنن أبي داود 2: 427.
([333]) راجع: الطبقات الكبرى 7: 103؛ وخليفة بن خياط، الطبقات: 339؛ والتاريخ الكبير 4: 342؛ والجرح والتعديل 4: 469؛ والإصابة 3: 404.
([334]) انظر: الثقات 4: 390.
([335]) الكاشف: 507؛ و..
([336]) والتي وقعت في المدينة عام 63هـ.
([337]) هو عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشي العدوي (73هـ)، وقد كان أحد قادة الثورة على يزيد في المدينة والتي انتهت لمصلحة يزيد في وقعة الحرّة، وهاجر بعدها ابنُ مطيع إلى مكّة ليستقرّ فيها، ثمّ قتل بعد خروجه مجدّداً مع عبد الله بن الزبير على يد الحجّاج وجيشه.
([338]) صحيح مسلم 6: 32؛ وسنن البيهقي 8: 156.
([339]) انظر: صحيح مسلم 6: 13 ـ 14؛ ومسند أحمد 2: 342؛ 386، 416، 467؛ ومسند الطيالسي: 336؛ ومنتخب مسند عبد بن حميد: 426؛ وكتاب السنّة لابن أبي عاصم: 492 ـ 493؛ وصحيح ابن خزيمة 3: 46؛ وصحيح البخاري 4: 8؛ وصحيح ابن حبّان 10: 420؛ و..
([340]) أي مقطّع الأطراف.
([341]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: صحيح مسلم 6: 14 ـ 16.
([342]) المصدر نفسه 6: 17.
([343]) المصدر نفسه 6: 18.
([344]) الدرجات الرفيعة: 271.
([345]) اختيار معرفة الرجال 1: 153 ـ 157.
([346]) انظر حوله: معجم رجال الحديث 4: 124، رقم: 1483؛ ومستدركات علم رجال الحديث 1: 682، ولم يذكره أحدٌ من علماء رجال أهل السنّة.
([347]) صحيح مسلم 6: 21.
([348]) المصدر نفسه.
([349]) الهنّات جمع هنة، وهي كلمة تطلق على كل شيء يقع، ويُراد منها هنا الفتن والوقائع والحوادث.
([350]) صحيح مسلم 6: 22، 23.
([351]) شرح صحيح مسلم 12: 242.
([352]) مسند ابن حنبل 5: 387، 406.
([353]) أمالي الطوسي: 634.
([354]) شعب الإيمان 6: 16؛ ومجمع الزوائد 5: 196؛ وأسد الغابة 4: 233.
([355]) المعجم الكبير 10: 132؛ ومجمع الزوائد 5: 222.
([356]) مجمع الزوائد 5: 222.
([357]) مسند أحمد 6: 457؛ ومجمع الزوائد 5: 222 ـ 223.
([358]) شرح صحيح مسلم 12: 229.
([359]) تاريخ مدينة دمشق 52: 58 ـ 60.
([360]) انظر: شرح صحيح مسلم 12: 229؛ وابن أبي العزّ الحنفي، شرح العقيدة الطحاويّة: 430؛ والألباني، العقيدة الطحاوية، شرحٌ وتعليق: 77 ـ 79.
([361]) مجموعة الفتاوى 4: 444.
([362]) تهذيب التهذيب 2: 250؛ وراجع أيضاً: ابن حزم في مراتب الإجماع: 199.
([363]) المحلّى 9: 362.
([364]) الطبقات الكبرى 4: 280 ـ 281، و7: 400.
([365]) انظر: التاريخ الصغير 1: 152.
([366]) راجع في هذه النقطة: حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة 5: 265 ـ 282.
([367]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 205.
([368]) الكافي 8: 264؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 50 ـ 51، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب13، ح1؛ وانظر: علل الشرائع 2: 577 ـ 578.
([369]) انظر: الجهاد: 174 ـ 175.
([370]) مرآة العقول 26: 259.
([371]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 206، 218 ـ 220.
([372]) الكفاح المسلّح في الإسلام: 120 ـ 121؛ وولاية الأمر في عصر الغيبة: 72 ـ 74.
([373]) الكافي 8: 264 ـ 265؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 51؛ كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح3.
([374]) انظر: شرح أصول الكافي 12: 368.
([375]) راجع حوله: اختيار معرفة الرجال 2: 469 ـ 470؛ ورجال الطوسي: 114، 137، 223؛ وخلاصة الأقوال: 156؛ ورجال ابن داود: 101؛ ومستدركات علم رجال الحديث 4: 12 ـ 14؛ ومعجم رجال الحديث 9: 36 ـ 41، رقم: 4992.
([376]) راجع: منطق النقد السندي 1: 480 ـ 564.
([377]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 229 ـ 232.
([378]) الكفاح المسلّح: 122 ـ 123؛ وانظر: عباس الكعبي، مسؤوليّة الأمّة زمن الغيبة، مجلّة فقه أهل البيت، العدد 44: 80، 82.
([379]) ولاية الأمر في عصر الغيبة: 74.
([380]) الجهاد: 174، 175 ـ 177.
([381]) انظر: حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي، قراءة وتقويم: 663 ـ 740.
([382]) الكافي 8: 264؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 51، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح2.
([383]) النعماني، الغَيبة: 206.
([384]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 222؛ والكفاح المسلّح: 128.
([385]) الكفاح المسلّح: 128.
([386]) بعض فقرات هذا النقاش موجود في: دراسات في ولاية الفقيه 1: 122 ـ 123؛ وولاية الأمر في عصر الغيبة: 76؛ والكفاح المسلّح: 128.
([387]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 222.
([388]) نوري حاتم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في فقه أهل البيت: 140 ـ 141.
([389]) الكافي 8: 273؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 51 ـ 52، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح4.
([390]) النعماني، الغيبة: 203.
([391]) انظر: رجال الطوسي: 151؛ ومعجم رجال الحديث 23: 54، رقم: 14836، وراجع: المصدر نفسه 20: 41، رقم: 12780؛ ومستدركات علم رجال الحديث 8: 450.
([392]) الكافي 8: 274؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 52، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح5.
([393]) انظر: رجال البرقي: 50؛ والنجاشي، الفهرست: 309؛ واختيار معرفة الرجال 2: 790 ـ 791؛ ورجال الطوسي: 342؛ والفهرست: 199.
([394]) انظر: معجم رجال الحديث 14: 337 ـ 338، رقم: 9415، و340، رقم: 9420؛ ومستدركات علم رجال الحديث 6: 214، 219 ـ 220.
([395]) انظر حوله: النجاشي، الفهرست: 306؛ ورجال ابن داود: 151؛ ومعجم رجال الحديث 14: 307، رقم: 9369 ـ 9371.
([396]) عبد الحسين الشبستري، الفائق 2: 562.
([397]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 235 ـ 236.
([398]) وكونه شيعيّاً لا يثبت وثاقته، كما هو واضح.
([399]) انظر: الكفاح المسلّح: 131.
([400]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 236.
([401]) الكافي 8: 295؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 52، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح6.
([402]) النعماني، الغيبة: 115؛ ومستدرك الوسائل 11: 34 ـ 35، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 12، ح1، 2، 3.
([403]) شرح أصول الكافي 12: 412.
([404]) انظر حوله: رجال البرقي: 13، 18؛ واختيار معرفة الرجال 2: 478؛ ورجال الطوسي: 145، 302؛ وخلاصة الأقوال: 411؛ ومعجم رجال الحديث 15: 162 ـ 165، رقم: 9816.
([405]) انظر: معجم رجال الحديث 16: 270، رقم: 10547؛ ومستدركات علم رجال الحديث 7: 28.
([406]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 237؛ وولاية الأمر في عصر الغيبة: 72؛ والكفاح المسلّح: 117، 118؛ والآصفي، الجهاد: 179؛ وولاية الفقيه في حكومة الإسلام 4: 26 ـ 27، 63 ـ 64؛ ونوري حاتم، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 157.
([407]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 238؛ والكفاح المسلّح: 117، 118.
([408]) النعماني، الغَيبة: 262 ـ 265.
([409]) المصدر نفسه: 281 ـ 282.
([410]) سنن ابن ماجة 2: 1366؛ والكوفي، المصنّف 8: 697؛ والدرّ المنثور 6: 58.
([411]) المعجم الأوسط 1: 94؛ ومجمع الزوائد 7: 318.
([412]) بحار الأنوار 57: 216. وزبر الحديد هي القطع العظيمة منه.
([413]) المصدر نفسه.
([414]) صحيح مسلم 1: 95، و6: 53؛ ومسند أحمد 3: 345؛ و..
([415]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 238 ـ 240.
([416]) انظر حوله: النجاشي، الفهرست: 36 ـ 37؛ واختيار معرفة الرجال 2: 827؛ ورجال ابن الغضائري: 51؛ ومعجم رجال الحديث 6: 16 ـ 22، رقم: 2937.
([417]) انظر: اختيار معرفة الرجال 2: 859 ـ 860؛ والتحرير الطاووسي: 49؛ ومعجم رجال الحديث 2: 192 ـ 193، رقم: 731.
([418]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 240 ـ 242.
([419]) المصدر نفسه 1: 242 ـ 243.
([420]) الكافي 8: 310؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 52، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب13، ح7.
([421]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 244؛ والكفاح المسلّح: 127.
([422]) عباس الكعبي، مسؤولية الأمّة في زمن الغيبة، مجلّة فقه أهل البيت، العدد 44: 81.
([423]) لمزيد من المعلومات عن ابن حنظلة، راجع: رجال الطوسي: 252؛ والرعاية لحال البداية: 131؛ ومنتقى الجمان 1: 19؛ والتفرشي، نقد الرجال 1: 353؛ والتعليقة على منهج المقال: 268؛ ومعجم رجال الحديث 14: 31 ـ 35، رقم: 8738.
([424]) الكافي 1: 50؛ واختيار معرفة الرجال 1: 6.
([425]) راجع: منطق النقد السندي 2: 299 ـ 309.
([426]) راجع: المصدر نفسه 2: 310 ـ 328.
([427]) ظهر من غير روايةٍ ـ كما تقدّم ـ أنّ سدير بن حكيم الصيرفي كان رجلاً متحمّساً للثورة جدّاً، ومن المعروف أنّه سُجن هو وابن نعيم الذي هو عبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم.
([428]) المسوّدة هم جماعة أبي مسلم الخراساني (137هـ)، والذين عرفوا بلباس السواد والرايات السوداء.
([429]) الكافي 8: 331؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 52 ـ 53، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح8.
([430]) اختيار معرفة الرجال 2: 641 ـ 642.
([431]) انظر: معجم رجال الحديث 12: 72 ـ 73، رقم: 7459 ـ 7460.
([432]) انظر: المصدر نفسه 10: 292 ـ 293، رقم: 6272.
([433]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 231 ـ 232؛ والآصفي، الجهاد: 178.
([434]) كتاب من لا يحضره الفقيه 4: 354؛ ومكارم الأخلاق: 434؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 53، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح9.
([435]) راجع: معجم رجال الحديث 7: 235 ـ 236، رقم: 3968 ـ 3971؛ و4: 151 ـ 152، رقم: 1567.
([436]) عيون أخبار الرضا 2: 225 ـ 226؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 53 ـ 54، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح11.
([437]) مستطرفات السرائر: 569؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 54، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح12.
([438]) انظر ما قيل فيه: معجم رجال الحديث 3: 71 ـ 73، رقم: 874، و22: 247، رقم: 14527.
([439]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 248؛ وجعفر مرتضى، الحياة السياسيّة للإمام الرضا، دراسة وتحليل: 236، الهامش رقم: 1.
([440]) أمالي المفيد: 350؛ وأمالي الطوسي: 122؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 54، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح13.
([441]) انظر: معجم رجال الحديث 22: 125؛ رقم: 14144.
([442]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 248.
([443]) الظاهر أنّ المراد به النفس الزكيّة.
([444]) أمالي الطوسي: 412 ـ 413؛ وعيون أخبار الرضا 2: 277؛ ومعاني الأخبار: 266 ـ 267؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 54 ـ 55، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح14.
([445]) راجع حولهما: النجاشي، الفهرست: 231؛ والطوسي، الفهرست: 175؛ ومعالم العلماء: 113؛ ومعجم رجال الحديث 12: 72 ـ 73، 84، رقم: 7459 ـ 7460، 7494.
([446]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 249؛ وانظر: جعفر مرتضى، مختصر مفيد 3: 170.
([447]) حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي، قراءة وتقويم: 699 ـ 719.
([448]) الكفاح المسلّح: 133؛ وولاية الأمر في عصر الغيبة: 86.
([449]) نهج البلاغة 2: 132 ـ 133؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 55 ـ 56؛ كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب13، ح15.
([450]) ثلاث رسائل، ولاية الفقيه: 61.
([451]) الطوسي، الغيبة: 441؛ والنعماني، الغيبة: 288 ـ 289؛ والإرشاد 2: 372؛ والخرائج والجرائح 3: 1156؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 56، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح16.
([452]) لمزيد من المعلومات حول ما قيل في الرجل، انظر: رجال البرقي: 11، 16؛ والنجاشي، الفهرست: 290؛ واختيار معرفة الرجال 2: 690؛ والطوسي، الرجال: 248، 265؛ والفهرست: 181؛ وخلاصة الأقوال: 212؛ ومعجم رجال الحديث 14: 80 ـ 83، رقم: 8863.
([453]) دراسات في ولاية الفقيه 1: 252.
([454]) الكفاح المسلّح: 125 ـ 126.
([455]) ولاية الأمر في عصر الغيبة: 74 ـ 75.
([456]) مسؤوليّة الأمّة في زمن الغيبة، مجلّة فقه أهل البيت، العدد 44: 80، 82.
([457]) الثقفي، الغارات 1: 11، و2: 678؛ وتفصيل وسائل الشيعة 15: 56، كتاب الجهاد، أبواب جهاد العدو، باب 13، ح17.
([458]) نهج البلاغة 1: 189.
([459]) كتاب سليم بن قيس: 256.
([460]) الكوفي، مناقب أمير المؤمنين 2: 107.
([461]) الجرح والتعديل 3: 496.
([462]) شرح الأخبار 2: 286.
([463]) راجع حول هذ الاسم: رجال البرقي: 8؛ ورجال الطوسي: 105، 119، 306؛ ومعجم رجال الحديث 20: 10، رقم: 12725.
([464]) راجع: تهذيب الكمال 28: 568 ـ 572.
([465]) الكافي 2: 220؛ والمحاسن 1: 259؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 206 ـ 207، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باب24، ح12.
([466]) بحار الأنوار 72: 434.
([467]) انظر: الكفاح المسلّح: 126.
([468]) النعماني، الغيبة: 201؛ ومستدرك الوسائل 11: 35؛ وبحار الأنوار 52: 136 ـ 137.
([469]) النعماني، الغيبة: 201.
([470]) انظر حوله: الطوسي، الفهرست: 147؛ والرجال: 25؛ ومعجم رجال الحديث 10: 57 ـ 58، رقم: 5801؛ ومستدركات علم رجال الحديث 4: 228.
([471]) الكفاح المسلّح: 134 ـ 135.
([472]) المصدر نفسه: 135.
([473]) كمال الدين: 371 ـ 372؛ وكفاية الأثر: 274 ـ 275؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 211؛ وإعلام الورى 2: 241.
([474]) انظر حوله: النجاشي، الفهرست: 273؛ والطوسي، الفهرست: 151؛ والرجال: 388؛ ومعجم رجال الحديث 13: 195 ـ 196، رقم: 8535.
([475]) علل الشرائع 2: 476؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 209؛ وبحار الأنوار 64: 171 ـ 172.
([476]) انظر حولهم: معجم رجال الحديث 6: 72، رقم: 3023، و18: 63 ـ 64، رقم: 11446 ـ 11449.
([477]) كمال الدين: 330؛ وبحار الأنوار 52: 145.
([478]) انظر حوله: النجاشي، الفهرست: 128؛ والطوسي، الفهرست: 252؛ والرجال: 307؛ وابن الغضائري، الرجال: 88؛ وخلاصة الأقوال: 407، 429؛ ومعجم رجال الحديث 19: 309 ـ 314؛ رقم 12606 ـ 12609، و22: 102 ـ 107، رقم: 14077؛ ومستدركات علم رجال الحديث 7: 474 ـ 477.
([479]) الصحيفة السجادية: 16، طبعة جامعة المدرّسين.
([480]) انظر: النجاشي، الفهرست: 369؛ والطوسي، الفهرست: 216؛ والرجال: 447؛ ومعجم رجال الحديث 17: 260 ـ 262، رقم: 11142 ـ 11143؛ وقاموس الرجال 9: 389 ـ 390؛ ومستدركات علم الرجال الحديث 7: 188.
([481]) انظر حولهما: النجاشي، الفهرست: 426؛ والطوسي، الفهرست: 253؛ ومعالم العلماء: 160؛ ونقد الرجال 4: 84 ـ 86 ومعجم رجال الحديث 14: 174، رقم: 9105، و15: 184 ـ 185، رقم: 9870 ـ 9871.
([482]) ولاية الفقيه في حكومة الإسلام 4: 59 ـ 62.
([483]) ما كان نقله هو طرق إجازات للمتأخّرين، وليس أسانيد، فراجع.
([484]) ادّعاء تواترها من طرق الزيديّة غريب، فكثير من الشواهد تعطي أنّها لم تكن معروفة بينهم في القرون الأولى بمعنى عدم وجود طرق مستقلّة لها، بل إنّها اشتهرت أكثر بعد القرن الخامس الهجري.
([485]) بحار الأنوار 107: 50، 59. والمتابع يجد لهم الكثير من مثل هذه العبارات.
([486]) المكاسب المحرّمة 1: 320.
([487]) انظر ـ على سبيل المثال ـ نقل الإمام أحمد بن سليمان الزيدي (566هـ) للسند، حيث تكتشف أنّه السند عينه الموجود بين الإماميّة، فراجع له: حقائق المعرفة في علم الكلام: 504 ـ 507.
([488]) الكفاح المسلّح: 140؛ ودراسات في ولاية الفقيه 1: 227.
([489]) انظر: دراسات في ولاية الفقيه 1: 225 ـ 226؛ ونحوه: ولاية الفقيه في حكومة الإسلام 4: 47 ـ 48، وهناك فسّر الروايةَ بأنّها محمولة على الخارجين على خلاف إرادة أهل البيت، وهو ما لا شاهد له فيها.
([490]) الطوسي، الغيبة: 163.
([491]) تهذيب الأحكام 10: 34 ـ 35.
([492]) إنّ تعبير «لنا» لم يرد سوى في بحار الأنوار.
([493]) النعماني، الغيبة: 200، ووردت بصيغة قريبة جداً في المصدر عينه: 271؛ وانظر: بحار الأنوار 52: 135، 293 ـ 294.
([494]) انظر حوله: النجاشي، الفهرست: 36 ـ 37؛ واختيار معرفة الرجال 2: 827؛ ورجال ابن الغضائري: 51؛ ومعجم رجال الحديث 6: 16 ـ 22، رقم: 2937.
([495]) كانوا جماعة بقيادة بابك خرّمدين (الخرمي)، وكانوا يرتدون ملابس حمراء، فسمّوا بالمحمّرة نسبةً لذلك. وقد خرج هؤلاء عام 201هـ في زمن المأمون، وعجز عن إنهاء حركتهم، واستمرّوا حتى عام 222 أو 223هـ حيث تمّ أسرهم وقتلوا. وقد ذكر المؤرّخون أنّهم قتلوا 255 ألف مسلم حتى وصلوا إصفهان ومازندران وغيرها. وأوصى المأمون الخليفةَ بعده بقتلهم لأنّهم خطر يتهدّد الإسلام. وقد طالبوا بالثأر لمقتل أبي مسلم الخراساني وبنوعٍ من الاستقلال عن الخلافة، وكانت لهم ميول قوميّة. وتعتبر أفكارهم مزيجاً من المزدكيّة والغلوّ. ومن أبرزها: 1 ـ القول بالحلول. 2 ـ التناسخ. 3 ـ الرجعة. 4 ـ الاعتقاد بأصلَي النور والظلمة. 5 ـ عدم انقطاع الوحي والنبوّة. 6 ـ الاشتراك في المال والنساء.
([496]) مختصر مفيد 3: 162 ـ 163.
([497]) النعماني، الغيبة: 203؛ ومستدرك الوسائل 11: 36.
([498]) انظر: رجال الطوسي: 413 (ضمن ترجمة: إسحاق بن محمد بن علي التمار)؛ ومستدركات علم رجال الحديث 8: 291.
([499]) انظر: معجم رجال الحديث 7: 180، رقم: 3868.
([500]) الكافي 2: 225؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 248؛ والنعماني، الغيبة: 203 ـ 204.
([501]) النعماني، الغيبة: 208.
([502]) راجع حوله: النجاشيّ، الفهرست: 421؛ واختيار معرفة الرجال 2: 664؛ والطوسي، الفهرست: 251؛ والرجال: 312؛ ورجال ابن الغضائري: 89؛ وإيضاح الاشتباه: 301؛ وخلاصة الأقوال: 411 ـ 412؛ ورجال ابن داود: 281، 293 ـ 296؛ ونقد الرجال 4: 416؛ والتعليقة على منهج المقال: 343؛ ومعجم رجال الحديث 19: 356 ـ 358، رقم: 12667 ـ 12669.
([503]) الكافي 5: 60 ـ 61؛ وثواب الأعمال: 248؛ وتهذيب الأحكام 6: 178؛ وتفصيل وسائل الشيعة 16: 128.
([504]) انظر حوله: معجم رجال الحديث 18: 58، رقم: 11427.
([505]) انظر حوله: المصدر نفسه 19: 333 ـ 335، رقم: 12621 و12624، 12625.
([506]) ثلاث رسائل: 63.
([507]) كأنّه التفت ـ محقّاً ـ لتساؤلٍ مشروع وهو أنّه لو وُضعت أحاديث النهي فلماذا لم يتمّ تكذيبها من قبل أهل البيت؟! وأين هي الأحاديث المعاكسة لأحاديث النهي، لماذا لم تظهر في التراث الحديثي والتاريخي؟!
([508]) ثلاث رسائل: 63.
([509]) الآصفي، الجهاد: 182.
([510]) انظر: المصدر نفسه: 182 ـ 183؛ وثلاث رسائل: 63.
([511]) فقه الأطعمة والأشربة 3: 432 ـ 446.
