الاجتهاد في عصر الذكاء الاصطناعي
من تحديات حيدر حبّ الله الثلاثة إلى
فقه الموضوع وبذل الوسع وإعادة بناء الكفاية الاجتهادية
د. إبن عبّاس العاملي
الملخص
طرح حيدر حبّ الله في مقالته «المؤسسة الدينية والذكاء الاصطناعي وتحديات ثلاثة» ثلاثة تحديات يرى أن الذكاء الاصطناعي يفرضها على المؤسسة الدينية والحوزة العلمية:
1. تحدياً يتعلق بقدرة النظم الجديدة على منافسة الفقيه في إنتاج المادة الفقهية والأصولية والحديثية،
2. وتحدياً أخلاقياً يتعلق بنسبة المخرجات الحاسوبية إلى الباحث أو الفقيه وإخفاء مقدار الاستعانة بها،
3. وتحدياً يتعلق بسلطة المؤسسة الدينية في ظل تراجع احتكار الوصول إلى العلم الديني (حبّ الله، 2026).
تمثل هذه المقالة نقطة انطلاق مهمة، غير أنّ الدراسة الحاضرة تجادل بأنّ تحدّيات أسبق منها لم تحظ بالتحرير الكافي، وأنها تمس بنية الاجتهاد قبل أن تمس سلطة المؤسسة أو صورة العالم أمام الناس.
تنطلق الدراسة من سؤالين مترابطين:
هل يجوز للفقيه أن يتصدى للحكم على الذكاء الاصطناعي من غير فهم كاف لحقيقته أو رجوع إلى أهل الخبرة؟
ثم إذا أصبحت النظم الذكية قادرة على توسيع نطاق البحث وتقليل زمن بعض أعماله المساعدة وكشف مواد قد تغيب عن البحث اليدوي،
فهل يظل استعمالها أمراً خارجاً عن مفهوم بذل الوسع،
أم يمكن أن يدخل في بعض الموارد في تمام الفحص الذي يتوقف عليه الاجتهاد؟
تعتمد الدراسةُ منهجاً تحليلياً نقدياً يقارن بين أطروحة حبّ الله وبعض المفاهيم الأصولية المتعلقة بالاجتهاد وتحقيق المناط واستفراغ الوسع، ويستعين بالدراسات التجريبية الحديثة التي اختبرت أثرَ الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل الفكري والقانوني. وتبين النتائج أنّ الذكاء الاصطناعي يستطيع زيادة السرعة والإنتاج في بعض الأعمال، لكنه يعمل ضمن حدود متفاوتة وقد يرفع احتمال الخطأ والثقة الزائدة إذا استعمل خارج مجال قوته أو من غير تحقق مستقل. ولذلك لا تدعو الدراسة إلى تسليم البحث الفقهي للنظام، ولا تقرر وجوب استعمال الذكاء الاصطناعي بإطلاق، بل تقترح قاعدة أصولية أضيق:
إذا ثبت أن وسيلة بحثية موثوقة تكشف مادة مؤثرة في الحكم أو تقلل الغفلة عنها تقليلاً معتبراً، وكان استعمالها ممكناً وقابلاً للتحقق، فإن تركها قد يصبح مؤثراً في صدق استفراغ الوسع.
وتخلص الدراسة إلى أنّ التحدي الأعمق الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي لا يكمن في السؤال عما إذا كان سيصبح فقيهاً، وإنما في اضطراره علم الأصول إلى إعادة السؤال عن حقيقة العمل الاجتهادي، وعن الحد الفاصل بين ملكة الحكم والأعمال المساعدة التي كانت تستهلك جانباً كبيراً من عمر المجتهد، وعن مقدار الفحص الذي يصدق معه بذل الوسع بعد تغير القدرة التقنية على البحث.
الكلمات المفتاحية:
الاجتهاد، الذكاء الاصطناعي، بذل الوسع، تحقيق المناط، تشخيص الموضوع، أهل الخبرة، الكفاية الاجتهادية، البحث الفقهي، حيدر حبّ الله.
مقدمة
نشر حيدر حبّ الله في التاسع والعشرين من أغسطس/آب 2026 مقالة بعنوان «المؤسسة الدينية والذكاء الاصطناعي وتحديات ثلاثة»، حاول فيها نقل النقاش الحوزوي حول الذكاء الاصطناعي من دائرة الاستغراب أو الرفض إلى دائرة الاستعداد للتحولات التي ستفرضُها هذه النظم على المؤسسة الدينية. وحدد ثلاثة تحديات رئيسة:
1. إمكان تحول الذكاء الاصطناعي إلى منافس في إنتاج المادة الفقهية والأصولية والحديثية،
2. والمشكلات الأخلاقية الناشئة من نسبة الإنتاج الحاسوبي إلى الباحث البشري،
3. واحتمال تراجع سلطة المؤسسة الدينية مع تراجع احتكارها للوصول إلى العلم الديني (حبّ الله، 2026).
وهذا الوصف مطابق لما ورد في النص المنشور على موقعه الرسمي.
تكمن أهمية مقالة حبّ الله في أنها لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد آلة كتابة جديدة، بل تدرك أنّ دخوله إلى البحث الديني قد يمس تعريف العالم نفسه. فهو يسأل، في سياق التحدي الأول، عما يبقى خلف المواد الخام وقدرة إعادة تركيبها مما يجعل الفقيه فقيهاً، ثم يعود في التحدي الأخلاقي إلى التساؤل عن معنى العالم إذا أصبحت الآلة بديلاً واسعاً في الإنتاج. كما يربط التحدي الثالث بتغير مركز السلطة عندما تتراجع مركزية المؤسسة في امتلاك العلم الديني أو توفير الوصول إليه (حبّ الله، 2026).
غير أن هذه الدراسة ترى أنّ المسألة تحتاج إلى قلب زاوية النظر. يسأل حبّ الله أساساً:
ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بالفقيه والحوزة والسلطة الدينية؟
أما السؤال الذي تقترحه هذه الدراسة فهو:
ماذا يفرض وجود الذكاء الاصطناعي على الفقيه نفسه
قبل أن يحكم عليه أو ينافسه أو يخشى أثره في سلطته؟
هذا التحول ليس لفظياً. فمن الممكن أن يكون الفقيه متمكناً من صناعة الاستنباط ولكنه لا يفقه حقيقة النظم التي يتحدث عنها. ومن الممكن أن يصدر حكماً سليماً من جهة المبنى الأصولي لكنه ينزله على تصور ناقص أو خاطئ للموضوع. كما يمكن أن يحسن فقيه فهم الذكاء الاصطناعي لكنه لا يحسن استعماله في البحث، أو يستعمله من غير أن يعرف مواضع خطئه.
وفي الجهة المقابلة، يمكن أن يمتنع باحث عن استعمال وسيلة أصبحت قادرة على كشف مواد مؤثرة في البحث وتوسيع الاستقصاء، فيتحول الامتناع نفسه من موقف احتياطي إلى سبب محتمل لنقص الفحص.
لذلك لا يكفي تقسيم التحديات إلى تحدٍ علمي وأخلاقي وسلطوي.
1. ثمة مستوى أسبق هو فقه الموضوع،
2. ومستوى ثان هو فقه الأداة،
3. ومستوى ثالث هو حدود المسؤولية عن مخرجاتها،
4. ومستوى رابع هو أثر تغير الوسائل في معنى بذل الوسع.
وتكمن فرضية هذه الدراسة في أنّ المستوى الرابع هو الأشد اتصالاً بأصول الفقه.
فإذا كان الاجتهاد قد عُرّف تاريخياً باستفراغ الوسع في تحصيل الحكم،
فإن تغير الوسائل التي يستطيع بها المجتهد جمع المادة وفحصها قد يغير،
لا حقيقة الاجتهاد نفسها،
بل مقدار الفحص الذي يصدق معه أنه استفرغ وسعه.
مقالة حبّ الله: أهمية السؤال وحدود البناء
ينبغي قبل النقد الاعتراف بقيمة التحول الذي أحدثته مقالة حبّ الله في صياغة المسألة. فهي ترفض التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره موجة عابرة، وتحذر المؤسسة الدينية من تكرار نمط تاريخي يقوم على رفض الأداة الجديدة قبل استيعابها ثم قبولها بعد أن تفرض نفسها (حبّ الله، 2026). ويصيب حبّ الله كذلك حين يميز، ولو ضمنياً، بين مجرد الاستعانة بالنظام وبين تحوله إلى بديل واسع في الإنتاج، وحين يجعل إخفاء مقدار الاعتماد عليه قضية أمانة علمية لا مجرد قضية تقنية.
لكن التّحديات الثلاثة لا تقع في مستوى واحد.
1. فالتحدّي الأول يمس ماهية العلم والاجتهاد،
2. والثاني يتعلق بالأمانة والمسؤولية،
3. والثالث يتعلق بالبنية الاجتماعية للسلطة.
وجمع هذه المستويات تحت مفهوم «التحديات» مفيد للمقالة الفكرية القصيرة، لكنه يحتاج في البحث الأصولي إلى تفكيك أشد.
كما أن وصف النظام بأنه «معرفة موازية» يحتاج إلى احتراز. فالمخرجُ اللغوي الذي ينتجه نموذج حاسوبي ليس «علماً» أو «معرفة» بالضرورة بالمعنى الذي تستعمله العلوم الشرعية عند الحديث عن علم الفقيه وحجيته ومسؤوليته. فقد يكون المخرج صحيحاً أو خاطئاً، مستخرجاً من مصدر أو مولداً تركيبياً، قابلاً للتحقق أو مفتقراً إليه. ولذلك فإن تشبيه وجود النظام بوجود «صاحب معرفة» مواز للفقيه قد يسبق تحرير المسألة.
والأدق أن يقال إنّ الذكاء الاصطناعي أصبح منتجاً لمخرجات تشبه في صورتها بعض منتجات العمل العلمي البشري. وهذه الصيغة أكثر احتياطاً؛ لأنها لا تمنحه مقدماً وصف العلم والحجية والمسؤولية، وفي الوقت نفسه لا تقلل من أثره الفعلي.
وعندما يسأل حبّ الله عمن يكون «صاحب المعرفة الفقهية» إذا أصبحت العمليات الفقهية قابلة للأتمتة، فإن السؤال يمكن إعادة بنائه بطريقة أصولية أشد دقة:
أي أجزاء من الصناعة الفقهية قابلة للحوسبة،
وأي أجزاء منها تدخل في حقيقة الاجتهاد، وما الدليل على هذا الفصل؟
هنا تتحول مقالة حبّ الله من تشخيص لتحد مستقبلي إلى مدخل لإعادة تفكيك فعل الاجتهاد نفسه.
فقه الذكاء الاصطناعي سابق على الحكم عليه
تسبق مسألة أهلية النظام للاجتهاد مسألة أكثر أولية:
أهلية الفقيه للحكم على النظام.
لا تمنح ملكة الاجتهاد صاحبها علماً تلقائياً بكل موضوع خارجي يقع الحكم عليه. يستطيع الفقيه استنباط الحكم الشرعي المتعلق بعلاج طبي، لكنه لا يصبح بذلك طبيباً. ويستطيع بحث أحكام العقود والأسواق من غير أن يصبح خبيراً في كل بنية مالية معاصرة. والفصل بين معرفة الحكم وتحقيق الواقعة التي ينزل عليها الحكم من المسائل المستقرة في البناء الأصولي، وإن اختلفت المذاهب في تفاصيل الحدود بين الموضوع الشرعي والموضوع العرفي والموضوع الخارجي.
وقد ميّز الأصوليّون بين معرفة الحكم وبين تحقيق مناطهِ في الأفراد والوقائع. ويؤكد الشاطبي في حديثه عن تحقيق المناط أنّ الحكم على الفرد أو الواقعة قد يتطلب علماً بالجهة الخاصة التي تعرف بها، ويستعين في أمثلته بالطبيب وأهل الصناعات وأهل الخبرة في شؤونهم (الشاطبي، 1997). وهذه الفكرة تقدم أساساً مهماً لفهم العلاقة بين الفقيه والمتخصص التقني:
لا يسلم الفقيه إلى الخبير وظيفة استنباط الحكم الشرعي،
وإنما يرجع إليه في الحقائق الفنية التي لا يملك أدوات تحقيقها.
وينطبق ذلك على الذكاء الاصطناعي بصورة واضحة. فالمصطلح يشمل تقانات ووظائف متعددة لا يصح اختزالها في صورة واحدة. يختلف النظام الذي يسترجع نصوصاً من مدونة مغلقة ويعرض مصدر كل نتيجة عن نموذج توليدي عام يعتمد على احتمالات لغوية، ويختلف كلاهما عن نظام يدمج الاسترجاع بالتوليد، أو نظام تصنيف، أو منظومة تنفذ سلسلة من الأفعال باستقلال نسبي.
ومن ثم، فإن الحكم على «الذكاء الاصطناعي» من غير تعيين المقصود يشبه الحكم على «التقانة» أو «الطب» بوصفهما موضوعاً واحداً.
وهنا تكمن ثغرة سابقة على تحديات حبّ الله الثلاثة.
○ فقبل أن نسأل هل يمثل النظام منافساً في الفقه،
يجب أن نعرف ما الذي يستطيع فعله فعلاً.
○ وقبل أن نخشى تحوّله إلى سلطة موازية،
ينبغي أن نعرف طبيعة مخرجاته ودرجة الثبات فيها ومواضع إخفاقه.
○ وقبل بناء أحكام أخلاقية على استعماله،
ينبغي أن نميز أنواعه ووظائفه.
وبذلك يصبح الرجوع إلى أهل الخبرة، حين لا يملك الفقيه الكفاية الفنية اللازمة، جزءاً من طريق تصور الموضوع تصوراً صالحاً للحكم، لا تنازلاً عن وظيفة الاجتهاد.
من «منافس الفقيه» إلى تفكيك فعل الاجتهاد
يضع حبّ الله في تحديه الأول احتمال ظهور نظم قادرة على إنتاج مادة فقهية وأصولية وحديثية، ويرى أنّ ذلك يفتح سؤالاً عن حقيقة ما يجعل الفقيه فقيهاً (حبّ الله، 2026). وهذه، في تقدير هذه الدراسة، أقوى نقطة في المقالة كلها؛ لأنها يمكن أن تؤدي إلى إعادة فحص البنية التي نسميها «اجتهاداً».
لكن السؤال عن قدرة النظام على الاجتهاد بصورته الكلية قد يكون أقل فائدة من تفكيك الاجتهاد إلى وظائف ثم اختبار كل وظيفة مستقلة. فالبحثُ الفقْهي يشتمل على
جمع النصوص وتعيين المصادر وتتبع الأقوال وتحليل الألفاظ
ومقارنة الروايات ورصد موارد التعارض وكشف الاحتمالات
وبناء الاعتراضات وتحرير الموضوع ووزن الأدلة وإصدار الحكم.
وهذه الوظائف لا تقع جميعها في مرتبة واحدة، ولا يلزم من قدرة النظام على بعضها قدرته على جميعها.
وقد سلكت الدراسات القانونية الحديثة مساراً قريباً من ذلك. فمشروعُ LegalBench لم يسأل ببساطة عما إذا كانت النماذج «محامين»، بل بنى 162 مهمة لاختبار أنواع مختلفة من الاستدلال القانوني، بما يسمح بقياس الأداء في مهام محددة بدلاً من إطلاق حكم واحد على «الاستدلال القانوني» كله (Guha et al., 2023). وتكمن دلالة المشروع بالنسبة للفقه في المنهج، لا في نقل نتائجه مباشرة إلى الاستنباط الشرعي:
ينبغي تفكيك الصناعة الفقهية إلى مهام
واختبارِ قابلية كل منها للحوسبة على حدة.
○ إذا استطاع النظام استرجاع جميع موارد رواية في آلاف الصفحات،
فهذا لا يجعله مجتهداً.
○ وإذا استطاع مقارنة صيغ متعددة لنصٍ،
فهذا لا يمنحه حجية.
○ وإذا اقترح وجوهاً مختلفة للجمعِ بين دليلين،
فهذا لا يعني أن ترجيحه ملزم.
لكنه يعني شيئاً مهماً آخر: أن العمل الذي كان يُحسب ضمن الزمن الذي يحتاجه الاجتهاد قد يتبين أنه مكوّن من مستويين مختلفين؛
1. مستوى تحصيل المادة ومعالجتها الأولية،
2. ومستوى الحكم عليها وتحمل مسؤولية اعتمادها.
وهنا ينبغي تطوير السؤال الذي فتحه حبّ الله. فبدلاً من انتظار اللحظة التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي «بديلاً كاملاً» ثم إعادة تعريف العالم، يمكن إعادة التعريف منذ اللحظة التي تتغيّر فيها نسبة الأعمال التي تتطلب ملكة الفقيه إلى الأعمال التي يمكن تفويضها إلى وسائل قابلة للتحقق.
التحدي الأخلاقي أوسع من مسألة الانتحال
يركز حبّ الله في تحديه الثاني على من يستعمل الذكاء الاصطناعي لإظهار نفسه بمظهر العالم أو الباحث، وعلى الفقيه الحقيقي الذي قد يستعين بالنظام بمقدار واسع ثم يخفي مقدار هذه الاستعانة، فينشأ فرق بين الصورة المعروضة عن قدرته وبين حقيقة إنتاجه (حبّ الله، 2026). وهذا تنبيه صحيح، ولكنه لا يستوعب المسألة الأخلاقية كلها.
فليست الأمانة مجرد الإفصاح عن استعمال الأداة. فقد يعلن الفقيه أنه استعمل الذكاء الاصطناعي، ثم يعتمد عليه اعتماداً غير منضبط. وقد يكشف مقدار الاستعانة به، لكنه لا يراجع المصادر التي نسبها إليه النظام. وقد يظن أنّ وضوح الجواب أو حسن ترتيبه دليل على صحته.
لقد أظهرت دراسة Dahl et al. (2024)، التي اختبرت نماذج لغوية عامة في أسئلة قابلة للتحقق في القانون الأمريكي، ارتفاعاً كبيراً في المخرجات المخالفة للحقائق القانونية في البيئات التي اختبروها، كما أظهرت أنّ النماذج قد تقبل بعض المقدمات الخاطئة التي يضعها المستخدم ولا تستطيع دائماً تقدير خطئها تقديراً سليماً. ولا يجوز نقل النسب التي وجدوها إلى البحث الفقهي؛ فهي تخص نماذج ومهام قانونية محددة. لكن الدلالة المنهجية واضحة:
سلامة اللغة لا تكفي دليلاً على سلامة المحتوى،
وثقة النظام بمخرجه ليست بديلاً عن التحقق الخارجي.
وهذا ما أدركته مؤسسات مهنية قانونية بصورة مبكرة. فقد قررت اللجنة المختصة بالأخلاق والمسؤولية المهنية في رابطة المحامين الأمريكية، في الرأي الرسمي رقم 512، أنّ استعمال النظم التوليدية لا يرفع عن المحامي واجبات الكفاية والسرية والإشراف والمراجعة والمسؤولية، وأنّ عليه أن يملك فهماً معقولاً لفوائد الأداة ومخاطرها وحدودها (American Bar Association Standing Committee on Ethics and Professional Responsibility, 2024).
لا يستشهد بهذه القواعد بوصفها حكماً على الفقيه، وإنما بوصفها شاهداً من مهنة استدلالية مجاورة على أنّ سؤال الأخلاق ينتقل سريعاً من «هل استعملت الذكاء الاصطناعي؟» إلى «هل كنت كفؤاً في استعماله، وهل تحققت من أثره في النتيجة التي نسبتَها إلى نفسك؟».
ومن ثم فإن تطوير تحدي حبّ الله الأخلاقي يقتضي الانتقال من أخلاق الإفصاح إلى أخلاق المسؤولية.
التحدي الثالث: هل المشكلة حقاً هي «سلطة المعرفة»؟
يرى حبّ الله أنّ تحول الذكاء الاصطناعي إلى مصدر مواز للمعلومات الدينية قد يؤدي إلى تراجع سلطة المؤسسة الدينية؛ لأن احتكار العلم سيتراجع، ومن ثم ستتراجع المركزية التي تحوزها المؤسسة والمرجعيّة (حبّ الله، 2026).
يلتقط هذا التحليل جانباً حقيقياً من التحول، لكنه قد يختزل سلطة الفقيه في امتلاك المعلومة أكثر مما ينبغي.
فلم تكن حجية الفقيه، حتى في التصور التقليدي، قائمة على أنّه الشخص الوحيد الذي يستطيع العثور على رواية أو معرفة رأي سابق. ولو كانت هذه هي قاعدة السلطة، لكانت المكتبات الرقمية ومحركات البحث قد أنهت وظيفة الفقيه منذ زمن. لكن السلطة العلمية تتكون أيضاً من القدرة على التمييز بين المواد، ومعرفة طرق الاستدلال، وتقويم التعارض، وتحمل مسؤولية الحكم، والثقة المتراكمة في كفاية صاحبه.
لذلك لا ينبغي وصف ما يحدث بأنه مجرد انتقال للمعلومة من يد العالم إلى يد الجمهور. التحول الأعمق هو أنّ الوسيط الجديد أصبح قادراً على إنتاج جواب مركب يشبه جواب العالم في صورته.
وهذا يغير طريق الناس إلى الفتوى حتى لو لم يصبح النظام مفتياً. فقد يسأل المكلف النظام أولاً، ثم يقرأ جواب الفقيه في ضوئه، أو لا يصل إلى الفقيه أصلاً. وهنا لا يكون التحدي مجرد خسارة «احتكار المعرفة»، بل تحولاً في بوابة الوصول إلى الخطاب الديني.
ومع ذلك فإن هذه المسألة، على أهميتها، لا تزال لاحقة لمسألة أكثر إلحاحاً داخل المؤسسة:
هل تملك المؤسسة نفسها الأدوات التي تمكنها من إنتاج بحث يتناسب مع بيئة صار فيها الوصول إلى ملايين الصفحات وتحليلها ممكناً على نحو لم يكن ممكناً من قبل؟
من سلطة المؤسسة إلى كفايتها البحثية
إذا لم تدخل المؤسسة الدينية مبكراً في بناء نظم البحث الجديدة واختبارها، فلن يتوقف تطورها حتى تلحق بها. لكن عبارة «سيسْبقها الزمن» تبقى خطابية ما لم نحدد معنى السبق.
لا يتمثل الخطر الرئيس في أن يستعمل الآخرون برنامجاً أحدث. يكمن الخطر في أن تُبنى البنية الجديدة للبحث في التراث والفقه خارج المؤسسة، وفق مدونات وتصنيفات وطرائق ترتيب لا تشارك المؤسسة في تصميمها ولا في اختبارها.
فأداء النظام يتأثر بالمصادر التي يصل إليها وبجودة نصوصها وطريقة تقسيمها ووصفها. وتزداد المشكلة في التراث الفقهي، حيث تختلف قيمة الكتب والنسخ وطبقات المؤلفين وطرق النقل، ولا تكفي المطابقة اللفظية وحدها لتحرير نسبة أو حكم.
ولهذا لا ينبغي أن ينحصر مشروع الحوزة في تدريب الفقهاء على استعمال نظم عامة. المطلوب على المدى الأبعد هو بناء بيئة بحث تجمع النصوص المحققة والإحالات القابلة للتتبع والأدوات التي تفصل بوضوح بين النص الأصلي والمخرج المولد.
ومن هذه الجهة يصح تحذير حبّ الله من عدم الاستعداد، لكن سبب الاستعداد أعمق من الخوف على السلطة. إنه يتعلق بقدرة المؤسسة على حفظ شروط إنتاجها العلمي في بيئة بحث جديدة.
إهدار العمر العلمي: من الدعوى الخطابية إلى السؤال المنضبط
يظهر هنا اعتراض يمكن صياغته بحدة:
ماذا عن فقيه يمضي سنوات طويلة في جمع المادة وتتبع الموارد
بينما أصبح جزء كبير من هذه الأعمال قابلاً للإنجاز في زمن أقصر بكثير؟
ينبغي أولاً تطهير السؤال من المبالغة. لا يوجد دليل علمي يثبت أن بحثاً فقهياً استغرق ثمانية عشر عاماً في باب الحج يمكن إنجاز الاجتهاد نفسه فيه خلال أيام أو أسابيع. فهذه مقارنة تحتاج إلى دراسة فعلية تضبط مقدار العمل وجودته وما الذي اختُصر وما الذي لم يختصر.
لكن عدم صحة التعميم الكمي لا يبطل أصل السؤال.
أظهرت تجربة Noy وZhang (2023) على 453 من أصحاب المهن المتعلمين في مهام كتابة مهنية أنّ استعمال نظام توليدي خفض متوسط زمن إنجاز المهام بنحو 40% ورفع جودة المخرجات بنحو 18% في المهام المدروسة. وهذه نتيجة خاصة بتلك المهام، ولا يجوز إسقاط نسبتها على البحث الفقهي، لكنها تثبت تجريبياً أن بعض أنواع العمل الفكري يمكن أن تتغير كلفتها الزمنية تغيراً جوهرياً بفعل الاستعانةِ بالنظم التوليدية.
وفي سياق مختلف، درس Brynjolfsson et al. (2025) إدخال مساعد توليدي إلى عمل 5,172 من موظفي خدمة العملاء، فوجدوا زيادة متوسطة في الإنتاج تبلغ 15%، مع تفاوت مهم بين العاملين بحسب الخبرة والمهارة. واستفاد الأقل خبرة أكثر، بينما كانت المكاسب أضيق عند الأشد خبرة، وظهرت لدى بعض الفئات تغيرات مختلفة في الجودة (Brynjolfsson et al., 2025).
لا تثبت هذه النتائج مقدار ما سيوفره الذكاء الاصطناعي للفقيه، لكنها تمنع أيضاً إنكار إمكان وجود توفير حقيقي قبل الاختبار.
وهنا ينبغي الفصل بين زمن الاجتهاد وزمن الأعمال التي تحيط به. قد يحتاج تحرير تعارض عميق إلى أشهر من التفكير، وقد لا تختصره الآلة. لكن البحث عن جميع الموارد المحتملة لنصٍ أو استخراج قائمة أولية للأقوال أو مقارنة آلاف المواضع قد يكون من الأعمال التي يمكن إعادة توزيع زمنِها جذرياً.
ومن ثم فإنّ السؤال الأخلاقي والأصولي الصحيح ليس: «من لم يستعمل الذكاء الاصطناعي فقد أهدر عمره». بل: إذا ثبت أن عملاً مساعداً يستنزف زمناً كبيراً يمكن إنجازه بوسيلة مأمونة أسرع مع تحقق لا يقل صرامة، فما حكم الاستمرار في الطريق الأبطأ من غير مصلحة علمية مقابلة؟
وهذه صيغة أشد قابلية للبحث.
ليست القضية توفير الزمن فقط: توسيع الاستقصاء
تكون قيمة الأداة أكبر حين لا تختصر البحث القديم فحسب، بل تجعل بحثاً لم يكن ممكناً عملياً في السابق ممكناً الآن.
الباحث الفرد محدود في مقدار ما يستطيع قراءته واستحضاره ومقارنته. فإذا صار في الإمكان تشغيل بحث على عشرات الآلاف من الصفحات، والبحث عن العلاقات لا مجرد المطابقات الحرفية، ثم إعادة الباحث إلى النصوص الأصلية للتحقق، فإنّ مجال السؤال نفسه يتوسع.
يمكن حينئذ فحص تاريخ استعمال دليل عبر طبقات من الكتب، أو تتبع تعليل فقهي في جميع مصنفات فقيه، أو استخراج جميع الموارد التي تبدو معارضة لقاعدة معينة، أو فحص تحول لفظ عبر قرون.
لا تنتج الآلة بذلك حكماً شرعياً ملزماً، لكنها قد تكشف مادة لم تكن داخلة في نظر الباحث.
وهذه النقطة هي التي تنقل البحث من «توفير الوقت» إلى بذل الوسع.
فإذا كان المجتهد مطالباً بفحص ما له مدخل في الحكم، ثم ظهرت وسيلة موثوقة تكشف له مواد ذات صلة لم يكن يستطيع استيعابها بالبحث التقليدي، أصبح السؤال:
هل يظل حد الفحص الواجب كما كان قبل ظهور الوسيلة؟
بذل الوسع في عصر تتغير فيه حدود القدرة
تدور التعريفات الأصولية للاجتهاد، مع اختلاف صيغها، حول استفراغ القدرة في طلب الحكم. ويعرف الغزالي الاجتهاد من خلال بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة (الغزالي، 1993)، بينما يعبر الآمدي عن استفراغ الوسع بحيث يبلغ الباحث حداً يشعر معه بالعجز عن مزيد طلب في المسألة (الآمدي، د.ت.).
ليس المهم هنا التمسك بحرف تعريف بعينه، بل بنية المفهوم. «الوسع» لا يبدو وصفاً لأداة معينة. لم يقل الأصولي إن الاستفراغ لا يتحقق إلا بالبحث في نسخة خطية أو بالسفر إلى بلد لتحصيل كتاب. الوسائل تاريخية، أما المطلوب فهو الفحص الذي يحقق مقتضى الاجتهاد.
وعندما جاءت الطباعة تغيرت كلفة الوصول إلى الكتب. وعندما جاءت الفهارس والموسوعات الرقمية تغيّرت كلفة الاسترجاع. ولم تصبح هذه الوسائل أدلة شرعية، لكنها وسعت القدرة الفعلية للباحث.
ويدفع الذكاء الاصطناعي هذه المسألة خطوة أخرى؛ لأنه لا يغير مكان الكتاب فقط، بل يستطيع أن يساعد في عملياتِ الفرزِ والربطِ والكشفِ الأوّلي.
ومن هنا تقترح هذه الدراسة التمييز بين ثبات أصل بذل الوسع وتغير حدوده التطبيقية. فالأصل لا يتغير بسبب ظهور تقانة. لكن ما يستطيع الباحث فحصه فعلاً قد يتغير، ومن ثم قد يتغير ما يعد تركه تقصيراً في الفحص.
وهذه هي الحلقة التي كانت ناقصة في الانتقال السريع من «الذكاء الاصطناعي يوفر الوقت» إلى «قد يجب استعماله».
فالوجُوب، إن ثبت في مورد، لا يثبت لأنه ذكاء اصطناعي، ولا لأنه جديد، ولا لأنه أسرع. يثبت من جهة أخرى تماماً:
إذا توقف تمام الفحص المعتبر على وسيلة متاحة موثوقة،
فقد تدخل تلك الوسيلة في مقدمة أداء ما يتوقف عليها.
متى يمكن أن يصبح ترك الأداة مشكلة أصولية؟
لا يمكن في المرحلة الراهنة تقرير أنّ استعمال الذكاء الاصطناعي شرط عام من شروط الاجتهاد. النظم تتغير بسرعة، وتختلف كفاءتها باختلاف اللغة والمدونة والمهمة، ولا تزال بعض أنواعها عرضة لإنتاج مواد غير صحيحة.
وقد كشفت الدراسات التجريبية نفسها عدم انتظام الحدود بين ما تجيده هذه النظم وما لا تجيده. فقد درس Dell’Acqua et al. (2026) 758 من العاملين في أعمال استشارية ذات كثافة فكرية، ووجدوا أن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي حسنت الأداء في بعض المهام الواقعة ضمن مجال قوته، بينما أمكن أن تضعف الأداء في مهام تقع خارجه، رغم التشابه الظاهري بين أنواع العمل. وقد وصف الباحثون هذه الظاهرة بحدود تقنية غير منتظمة؛ أي إنّ قدرة النظام ليست خطاً واحداً يستطيع المستخدم تخمينهُ بسهولة (Dell’Acqua et al., 2026).
وهذه النتيجة تمنع القول:
كلما زاد استعمال الذكاء الاصطناعي كان البحث أفضل.
قد يكون العكس صحيحاً إذا استعمل في موضع لا يجيده.
ومن ثم ينبغي أن يقوم بحث وجوب الاستعمال، إن أمكن، على شروط أضيق. يجب أولاً أن تكون الوظيفة المقصودة قابلة للاختبار. ويجب أن يثبت أنّ الوسيلة تحسن الفحص فعلاً في تلك الوظيفة. ويجب أن تبقى النتيجة قابلة للمراجعة من طريق مستقل. كما ينبغي ألا تتحول الآلة نفسها إلى المصدر الوحيد الذي يثبت صحة ما أنتجته.
عندئذ فقط يبرز السؤال الأصولي:
إذا كانت الأداة تكشف باستمرار مادة ذات أثر محتمل في الحكم،
ويعرف المجتهد ذلك، ويستطيع استعمالها أو الاستعانة بمن يستعملها،
فهل يبقى تركها بلا أثر في وصف بذل الوسع؟
وهنا يمكن صياغة فرضية الدراسة الأساسية على النحو التالي:
لا يتعلق وجوب الوسيلة بعنوان الذكاء الاصطناعي،
وإنما بمقدار توقف الفحص المعتبر عليها.
فكلما ثبت أن وسيلة متاحة موثوقة تكشف جزءاً مؤثراً من مادة الحكم
لا يكتمل الفحص المعتاد بدونه،
أمكن أن يدخل استعمالها في تقويم تحقق استفراغ الوسع،
مع بقاء مسؤولية الحكم والتحقق على المجتهد.
هذه فرضية أصولية تحتاج إلى مزيد من البناء، وليست فتوى جاهزة. لكنها تفتح باباً أعمق من السؤال التقليدي عن مجرد جواز استعمال الذكاء الاصطناعي.
مشكلة مقابلة: تفويض الملكة نفسها إلى النظام
إذا كان من الخطأ أن يرفض الفقيه الأداة قبل فقهها، فمن الخطأ المقابل أن يفوض إليها ما تتكون به ملكته العلمية.
لا يمكن قياس قيمة التّعلم بمقدار سرعة الحصول على الجواب. فقراءة النص وبناء الاحتمال واكتشاف الاعتراض وتمييز قوة الدليل أعمال لا تنتج النتيجة فقط، بل تكوّن الباحث نفسه.
لذلك يجب التفريق بين استعمال الذكاء الاصطناعي من مجتهد تكونت ملكته، واستعماله من طالب لا تزال ملكته في طور البناء. وقد يستطيع الأوّل تسليم النظام أعمالاً مساعدة لأنه قادر على نقد مخرجاته، بينما يؤدي تفويض العمل نفسه في مرحلة التعليم إلى إضعاف قدرة الطالب على إنتاج الحكم مستقلاً.
وهنا تظهر مفارقة مهمة:
يمكن أن يكون استعمال الأداة جزءاً من الكفاية،
كما يمكن أن يكون الإفراط في استعمالها سبباً في فقد الكفاية.
وتدل نتائج Dell’Acqua et al. (2026) على أهمية هذا التمييز؛ لأنّ المستعمل قد يحقق نتائج أفضل عندما تقع المهمة ضمن نطاق قوة النظام، لكنه قد يثق بمساعدته في موضع يضعف فيه النظام نفسه.
وعليه فإن «فقه الذكاء الاصطناعي» لا يعني معرفة كيف نستخرج منه أكبر مقدار من العمل، بل معرفة ما الذي ينبغي ألا نسلمه إليه أيضاً.
من الفقيه الفرد إلى البنية البحثية للاجتهاد
قد يعترض معترض بأن هذه الشروط ستلزمُ الفقيه بأن يصبح مبرمجاً وخبيراً بالحاسوب. وهذا غير لازم.
لم يكن الفقيه عبر التاريخ مضطراً إلى إتقان كل حرفة يحتاج إلى أهلها في تشخيص موضوع أو تحقيق مقدمة. ويمكن في المستقبل أن تتسع بنية العمل الاجتهادي بحيث يكون للفقيه فريق يجمع بين تحقيق النصوص والخبرة الحاسوبية والخبرة بالموضوع الخارجي.
المعيار ليس أن يستطيع المجتهد بناء النظام بنفسه، بل أن يملك من الفهم ما يمكنه من معرفة الوظيفة التي أسندها إليه وحدود الاعتماد عليها، وأن تكون لديه بنية موثوقة للتحقق من النتائج.
وهنا تتغير مسألة الكفاية من «مهارة الفقيه في استخدام تطبيق» إلى كفاية بيئة الاجتهاد التي يعمل من خلالها.
وهذه النتيجة تتجاوز مقالة حبّ الله. فليست المشكلة فقط أن تظهر أجيال تتظاهر بالعلم اعتماداً على الذكاء الاصطناعي؛ بل أن يبقى الاجتهاد نفسه منظماً على صورة الباحث المنفرد في حين أصبحت المسائل والوسائل أكثر تركيباً من أن يديرها فرد واحد بكفاية متساوية في جميع المجالات.
هل يعاد بحث الأعلمية؟
ينشأ من ذلك سؤال أكثر حساسية.
إذا كانت الأعلمية تتعلق، في أحد أبعادها، بجودة الاستنباط،
فهل يؤثر تفاوت القدرة على استيعاب مادة المسألة في تقويمها؟
لا يجوز مساواة امتلاك الأداة بالأعلمية. من يملك نظاماً حاسوبياً أفضل ليس بالضرورة أفقه، كما أنّ من يملك مكتبة أوسع ليس بالضرورة أعلم.
لكن لا يمكن أيضاً فصل جودة الحكم عن مقدار المواد المؤثرة التي دخلت في بنائه.
فإذا أغفل فقيه دليلاً مؤثراً لأنه لم يصل إليه، بينما كشفه فقيه آخر باستعمال أدوات بحث أكثر استيعاباً، فقد دخل فرق بيئة البحث في النتيجة الفقهية.
ومن ثم قد تحتاج دراسات الأعلمية مستقبلاً إلى التمييز بين ملكة الفقيه وبين قدرته الفعلية على استيفاء مادة الاستنباط.
ولا يعني ذلك استبدال الاختبار الأصولي باختبار تقني، بل إدخال كفاية البيئة البحثية ضمن النظر في جودة عملية الاستنباط عندما يصبح أثرها جوهرياً.
إعادة ترتيب تحديات حبّ الله
بعد هذا التحليل يمكن العودة إلى التحديات الثلاثة التي انطلقت منها الدراسة.
يبقى تحدي حبّ الله الأول، المتعلق بمنافسة الذكاء الاصطناعي للفقيه في إنتاج المادة العلمية، قائماً، لكنه يصبح نتيجة لسؤال أَسبق:
ما حقيقة الاجتهاد بعد فصل أعمال الوصول إلى المادة عن فعل الحكم فيها؟
ويبقى تحديه الأخلاقي قائماً، لكنه يتوسع من انتحال مخرجات النظام وإخفاء الاستعانة به إلى مسؤولية التحقق وكفاية الاستعمال وعدم نسبة حكم إلى النفس اعتماداً على مقدمات لم يفحصها صاحب الحكم.
ويبقى تحدي السلطة قائماً، لكنه لا يعود محصوراً بتراجع احتكار المعلومة، بل يرتبط بتحول طريق الجمهور إلى الخطاب الديني وتحول البنية التي ينتج فيها البحث الديني نفسه.
وتضاف إلى هذه الثلاثة تحديات لم تحتل مركز التحليل في المقالة الأصلية:
فقه الموضوع قبل الحكم عليه، وفقه الأداة قبل استعمالها، وإدارة العمر العلمي،
وتوسيع الاستقصاء، وحماية ملكة الباحث من التفويض المفرط،
وإعادة بناء البيئة المؤسسية للاجتهاد،
وأخيراً إعادة تحرير بذل الوسع في ضوء تغير الوسائل.
وبهذه الإضافة لا تُرفض مقالة حبّ الله، بل توضع في مسار أصولي أوسع.
لماذا لا تكفي مقارنة الذكاء الاصطناعي بالكهرباء والمطبعة؟
ينهي حبّ الله مقالته بالتذكير بأن المؤسسة الدينية رفضت في مراحل سابقة وسائل جديدة ثم قبلتها، ويذكر الكهرباء والميكروفون والكتب المطبوعة ومقاعد الدرس من جملة الأمثلة (حبّ الله، 2026). والمغزى الذي يقصده مفهوم:
لا ينبغي رفض الجديد لمجرد جدته.
لكن القياس يحتاج إلى حد.
فالميكروفون يوسع وصول صوت الفقيه، والمطبعة توسع نسخ كلامه، والكهرباء تيسر بيئة العمل. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيستطيع أن يدخل في قراءة المادة وتلخيصها ومقارنتها واقتراح أجوبة واعتراضات.
أي إنه لا يقع فقط في هامش الفعل العلمي، بل يدخل في بعض عملياته الداخلية.
ولهذا فإن التحدي الجديد ليس مجرد «قبول آلة» كما قبلت المطبعة، وإنما إعادة توزيع العمل بين الفقيه والأداة.
وهذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي اختباراً لبنية الاجتهاد بصورة لم تكنها الكهرباء أو مقاعد الدرس.
نحو قاعدة أصولية أولية
لا يصح أن تنتهي الدراسة إلى شعار من قبيل: «يجب على الفقهاء استعمال الذكاء الاصطناعي». فهذه صيغة غير منضبطة تجمع تحت حكم واحد أدوات ومهاماً متفاوتة.
لكن يمكن الوصول إلى قاعدة أضيق وأكثر قوة:
إذا كان تمام الفحص في مسألة اجتهادية يتوقف،
بحسب الإمكانات الفعلية المتاحة للمجتهد،
على وسيلة ثبتت كفايَتها في وظيفة بحثية محددة،
وكانت نتائجها قابلة للتحقق المستقل، ولم يكن في استعمالِها محذور راجح،
فإن مجرد كون الوسيلة حديثة لا يخرجها من مقدمات بذل الوسع،
كما أنّ كونها من الذكاء الاصطناعي لا يمنح مخرجاتها حجية مستقلة.
تحتفظ هذه القاعدة بالفصل بين الوسيلة والحجة.
فالآلةُ قد تكون لازمة للوصول إلى دليل من غير أن تصبح هي الدليل.
كما تحتفظ بالفصل بين البحث والحكم.
فيمكن أن تتسع مساهمة النظام في الأول مع بقاء مسؤولية الثاني على الفقيه.
وتفتح كذلك باباً للبحث في عكس السؤال الشائع. فبدلاً من الاقتصار على «هل يجوز استعمال الذكاء الاصطناعي في الاجتهاد؟»، يمكن أن يصبح السؤال في بعض الموارد:
هل يجوز الاكتفاء بفحص أضيق مع إمكان فحص أوسع موثوق
من غير كلفة غير معتادة؟
وهنا تبدأ المسألة الأصولية الحقيقية.
الخاتمة
أصاب حيدر حبّ الله حين رأى أنّ الذكاء الاصطناعي يفرض على المؤسسة الدينية تحديات تتجاوز مجرد إدخال أداة تقنية جديدة، وحين ربط المسألة بتعريف العالم وبأخلاقِ الإنتاج وبموقعِ المؤسسة في المجتمع (حبّ الله، 2026). لكن هذه الدراسة خلصت إلى أن تحدياته الثلاثة، على أهميتها، تحتاج إلى تقديم مجموعة من الأسئلة السابقة عليها.
أول هذه الأسئلة يتعلق بالفقيه نفسه:
هل يجوز له أن يحكم على نظام تقني مركب
من غير أن يعرف حقيقته معرفة كافية أو يرجع إلى أهل الخبرة؟
والجواب المنهجي أنّ صحة الاستنباط لا تعوض فساد تصور الموضوع، وأنّ التمكن من الفقه لا يخلق بنفسه خبرة تقنية.
ويتعلق السؤال الثاني بحدود استعمال الأداة. فقد أثبتت الدراسات أنّ النظم التوليدية تستطيع رفع الإنتاج وتقليل زمن بعض الأعمال الفكرية، لكنّها أثبتت كذلك تفاوت الأداء بين المهام وخطر الخطأ والثقة الزائدة. ولذلك لا يكون الفقيه كفؤاً لمجرد أنه يستعمل الذكاء الاصطناعي، بل حين يعرف أين يستعمله وكيف يتحقق من مخرجاته ومتى يمتنع عن الاعتماد عليه.
ويتعلق السؤال الثالث بالزمن العلمي. لا يصح الادعاء من غير دليل بأن سنوات من الاجتهاد يمكن تحويلها إلى أيام. لكن لا يصح أيضاً التعامل مع الزمن كأنه غير ذي قيمة، ولا سيما عندما تصبح بعض الأعمال المساعدة قابلة للاختصار بوسائل مأمونة. والمطلوب هنا ليس بحثاً أسرع لذاته، بل إعادة صرف الزمن من الأعمال التي يمكن أتمتتها إلى الأعمال التي تحتاج حقاً إلى حكم الفقيه.
أما السؤال الرابع، وهو الأعمق أصولياً، فيتعلق ببذل الوسع. فإذا كانت الوسائل الجديدة توسع مقدار ما يستطيع المجتهد فحصه، فإنّ مفهوم «استفراغ الوسع» لا يمكن أن يبقى منفصلاً تماماً عن تغير حدود القدرة الفعلية على البحث.
ولا ينتج من ذلك أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح حجة، ولا أنه أصبح مجتهداً، ولا أنّ استعماله واجب في كل بحث. وإنما ينتج أنّ كفاية وسيلة البحث يمكن أن تصبح جزءاً من تقويم تمام الفحص.
وبذلك يظهر أنّ السؤال الأكثر أهمية ليس: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الفقيه؟
بل:
أي جزء من العمل الذي كان يستهلك عمر الفقيه هو حقاً من الاجتهاد،
وأي جزء كان كلفة تاريخية لتحصيل مادته؟
ثم يليه سؤال أشد خطورة:
إذا استطاع الفقيه اليوم أن يفحص من الأدلة والقرائن ما لم يكن يستطيع فحصه بالأمس، فهل يبقى مقدار بذل الوسع المطلوب منه كما كان؟
من هنا يمكن أن تتحول مقالة حبّ الله من تنبيه على ثلاثة تحديات تواجه المؤسسة الدينية إلى بداية سؤال أصولي أوسع:
ليس فقط كيف تحمي الحوزة نفسها من الذكاء الاصطناعي أو كيف تستفيد منه، بل كيف يعيد ظهور هذه النظم كشف ماهية الاجتهاد وحدود الكفاية ومسؤولية المجتهد عن العلم والوقت والأداة التي يستعملها.
وهذا، في تقدير الدراسة، هو التحدي الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن «سلطة الآلة» أو «سلطة المؤسسة»: أن يفقه الفقيه حدود علمه، وحدود أداته، وحدود ما يصدق معه أنه بذل وسعه.
المراجع
الآمدي، علي بن محمد. (د.ت.). الإحكام في أصول الأحكام (عبد الرزاق عفيفي، تحقيق). المكتب الإسلامي.
حبّ الله، حيدر. (2026، 29 أغسطس). المؤسسة الدينية والذكاء الاصطناعي وتحديات ثلاثة. الموقع الرسمي لحيدر حبّ الله.
الشاطبي، إبراهيم بن موسى. (1997). الموافقات (أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، تحقيق، ط. 1). دار ابن عفان.
الغزالي، محمد بن محمد. (1993). المستصفى في علم الأصول (محمد عبد السلام عبد الشافي، تحقيق، ط. 1). دار الكتب العلمية.
American Bar Association Standing Committee on Ethics and Professional Responsibility. (2024). Formal opinion 512: Generative artificial intelligence tools. American Bar Association.
Brynjolfsson, E., Li, D., & Raymond, L. (2025). Generative AI at work. The Quarterly Journal of Economics, 140(2), 889–942. https://doi.org/10.1093/qje/qjae044.
Dahl, M., Magesh, V., Suzgun, M., & Ho, D. E. (2024). Large legal fictions: Profiling legal hallucinations in large language models. Journal of Legal Analysis, 16(1), 64–93. https://doi.org/10.1093/jla/laae003.
Dell’Acqua, F., McFowland, E., III, Mollick, E., Lifshitz-Assaf, H., Kellogg, K. C., Rajendran, S., Krayer, L., Candelon, F., & Lakhani, K. R. (2026). Navigating the jagged technological frontier: Field experimental evidence of the effects of artificial intelligence on knowledge worker productivity and quality. Organization Science, 37(2), 403–423. https://doi.org/10.1287/orsc.2025.21838.
Guha, N., Nyarko, J., Ho, D. E., Ré, C., Chilton, A., Chohlas-Wood, A., Peters, A., Waldon, B., Rockmore, D. N., Zambrano, D., Talisman, A., Hoque, E., Surani, F., Fagan, F., Sarfaty, G., Dickinson, G. M., Porat, G., Hegland, J., Wu, J., ... Arredondo, P. (2023). LegalBench: A collaboratively built benchmark for measuring legal reasoning in large language models. Advances in Neural Information Processing Systems, 36.
Noy, S., & Zhang, W. (2023). Experimental evidence on the productivity effects of generative artificial intelligence. Science, 381(6654), 187–192. https://doi.org/10.1126/science.adh2586.
