hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (مسائل متفرّقة ـ الاستنابة في الحجّ ـ القسم الثاني)

تاريخ الاعداد: 9/10/2026 تاريخ النشر: 9/10/2026
70
التحميل

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(3 ـ 9 ـ 2026م)

 


 

]مسائل متفرّقة ـ الاستنابة في الحجّ [

...

مسألة ٦٤: إذا حجّ النائب عمّن لم يتمكّن من المباشرة، فمات المنوب عنه مع بقاء العذر، أجزأه حجّ النائب وإن كان الحجّ مستقرّاً عليه، وأمّا إذا اتفق ارتفاع العذر قبل الموت، فالأحوط أن يحجّ هو بنفسه عند التمكّن، وإذا كان قد ارتفع العذر بعد أن أحرم النائب، وجب على المنوب عنه الحجّ مباشرةً، ولا يجب على النائب إتمام عمله([1]).

مسألة ٦٥: إذا لم يتمكّن المعذور من الاستنابة سقط الوجوب، ولكن يجب القضاء عنه بعد موته إن كان الحجّ مستقرّاً عليه، وإلا لم يجب. ولو أمكنه الاستنابة ولم يستنب حتى مات وجب القضاء عنه.

مسألة ٦٦: إذا وجبت الاستنابة ولم يستنب، ولكن تبرّع متبرّع عنه، لم يجزئه ذلك، ووجبت عليه الاستنابة([2]).

مسألة ٦٧: يكفي في الاستنابة: الاستنابة من الميقات، ولا تجب الاستنابة من البلد([3]).

مسألة ٦٨: من استقرّ عليه الحجّ إذا مات بعد الإحرام في الحرم‌ أجزأه عن حجّة الإسلام، سواء في ذلك حجّ التمتع والقران والإفراد، وإذا كان موته في أثناء عمرة التمتع أجزأ عن حجّه أيضاً، ولا يجب القضاء عنه، وإن مات قبل ذلك وجب القضاء حتى إذا كان موته بعد الإحرام وقبل دخول‌ الحرم أو بعد الدخول في الحرم بدون إحرام. والظاهر اختصاص الحكم بحجّة الإسلام فلا يجري في الحجّ الواجب بالنذر أو الإفساد، بل لا يجري في العمرة المفردة أيضاً، فلا يحكم بالإجزاء في شي‌ء من ذلك، ومن مات بعد الإحرام مع عدم استقرار الحجّ عليه، فإن كان موته بعد دخوله الحرم، فلا إشكال في إجزائه عن حجّة الإسلام، وأمّا إذا كان قبل ذلك، فالظاهر وجوب القضاء عنه أيضاً([4]).

مسألة ٦٩: إذا أسلم الكافر المستطيع‌ وجب عليه الحجّ، وأمّا لو زالت استطاعته، ثمّ أسلم لم يجب عليه([5]).

مسألة ٧٠: المرتدّ يجب عليه الحجّ، لكن لا يصحّ منه حال ارتداده، فإن تاب صحَّ منه، وإن كان مرتداً فطريّاً على الأقوى([6]).

مسألة ٧١: إذا حجّ المخالف، ثمّ استبصر،‌ لا تجب عليه إعادة الحجّ إذا كان ما أتى به صحيحاً في مذهبه، وإن لم يكن صحيحاً في مذهبنا([7]).

مسألة ٧٢: إذا وجب الحجّ، وأهمل المكلّف في أدائه حتى زالت الاستطاعة، وجب الإتيان به بأيّ وجهٍ تمكّن، ولو متسكّعاً، ما لم يبلغ حدّ العسر والحرج، وإذا مات وجب القضاء من تركته، ويصحّ التبرّع عنه بعد موته من دون أجرة([8]).


 

حجّ النائب وحالات المنوب عنه

([1]) هنا صور ثلاث:

الصورة الأولى: أن يحجّ النائب عن المنوب عنه، ثم يموت المنوب عنه والعذر ما زال متواصلاً حتى الموت، وقد حكم السيد الماتن بصحّة الحجّ وسقوطه عنه مطلقاً.

والمستند في ذلك واضح؛ فإنّ روايات النيابة والاستنابة ظاهرة في أنّ هذا الحجّ يجزيه؛ وما دام عذره متواصلاً لم يطرأ معه شيء جديد يترك أثراً على الإجزاء، فيفترض الحكم بفراغ ذمّته مطلقاً، وإلا فلا معنى لفكرة الاستنابة الظاهرة بالنظر العرفي والعقلائي في قيام الغير مقامه، وأنّه أتى بالفعل تعبّداً واعتباراً.

الصورة الثانية: وهي عين الصورة الأولى، مع فارق أنّ المنوب عنه ارتفع عذره بعد أن حجّ النائب، وهنا احتاط الماتن وجوباً في إعادة المنوب عنه للحجّ.

والمستند في ذلك أنّ الاستنابة ليست إلا حكماً ظاهريّاً في ظرف اليأس عن زوال العذر، وليست بديلاً عن الحكم الواقعي، فلما زال العذر انكشف أنّ المكلّف قادرٌ على المباشرة، ولا دليل على إجزاء حجّ النائب عنه في هذه الحال بعد فرض بقاء الحكم الواقعي على حاله.

وقد يناقش بأنّ الظاهر من أدلّة الاستنابة ليس واقع العجز المطلق، بل هو إتيان النائب بالحجّ في حال كون المنوب عنه غير قادر على الإتيان به مع كونه في حال يأس من ذلك، فيظلّ حج النائب بمنزلة حجّ المنوب عنه، والمفروض أنّ هذا هو الذي حصل هنا، فالنائب حجّ وأنهى حجّه وكان المنوب عنه غير قادر على الحجّ، فيصدق بالفهم العرفي أنّ المنوب عنه قد حجّ هذا العام نتيجة دليل الاستنابة، فلو ارتفع العذر عنه لاحقاً، صدق أنّه قد حجّ سابقاً، وهذا هو الفهم العرفي والعقلائي للبدليّة؛ ولهذا فالأقرب إجزاء حجّ النائب في هذه الحال عن المنوب عنه. ولعلّه لهذا احتاط السيد الماتن وغيره هنا ولم يذكروا الأمر على نحو الفتوى.

الصورة الثالثة: أنّ يشرع النائب بالحجّ فيحرم، لكنّ المنوب عنه يرتفع عذره بعد إحرام النائب وقبل الانتهاء من الحجّ، وقد حكم الماتن هنا ـ بنحو الفتوى ـ بوجوب الحجّ المباشر على المنوب عنه، وسقوط وجوب الإتمام عن النائب.

والمستند في ذلك هو عين الدليل المتقدّم في الصورة الثانية، بل هنا أوضح؛ فإنّه حتى لو قلنا في الصورة الثانية بالإجزاء فإنّ الاستنابة قد ثبت هنا بوضوح أنّها لم تعد مشروعة، فينفسخ عقد الإجارة بين النائب والمنوب عنه؛ لأنّها وقعت على عمل يشترط فيه المباشرة، فيكون موضوعها غير مشروع، فيسقط الحجّ عن النائب ويثبت على المنوب عنه، بل المورد يمكن أن يكون أبعد من ذلك وهو انتفاء الموضوع. وسوف يأتي مزيد تفصيل فيما يتعلّق بوجوب إتمام الحجّ على من شرع فيه.

هذا على فرض قدرة المكلّف المنوب عنه على الحجّ المباشري في ذلك العام، لا أنّ الوقت قد أصبح غير متاح له؛ لعدم سماح السلطات الأمنيّة بدخول أرض الحجاز في هذا الوقت، وإلا فلا يجب عليه الحجّ المباشري في هذا العام.

 

حكم الحجّ التبرّعي ومدى إجزائه

([2]) المستند في ذلك أنّ العمل لا بدّ أن يكون مستنداً للمنوب عنه، ولهذا ورد في النصوص التعبير بأن يجهّز هو من يحجّ عنه ونحو ذلك، وهذا يعني أنّ الحجّ لا بدّ أن يكون صدر عنه مباشرةً أو تسبيباً وأمراً، أمّا في مثل حال المتبرّع فلا يصدق شيء من هذا القبيل، فلا معنى لتصحيح العمل وإجزائه، حيث لا دليل على ذلك، بعد كون الاستنابة خلاف الأصل.

وقد يناقش بضرورة التفصيل هنا بين حالتين:

الحالة الأولى: أن لا يعلم المنوب عنه بفعل المتبرّع قبل تحقّقه، فضلاً عما بعد تحقّقه أيضاً، فالمنوب عنه لا يقوم بالاستنابة ولا يبالي، لكنّ شخصاً آخر لا يُعلمه بذلك، يقوم هو بالحجّ عنه، ففي مثل هذه الحال يمكن أن يقال بأنّ الحجّ التبرّعي هذا لا يُسقط التكليف عن المنوب عنه، لعين ما تقدّم في الدليل الآنف الذكر.

الحالة الثانية: أن لا يستنيب المكلّف، لكنّ المتبرّع يُعلمه أنّه يريد أن يذهب بالنيابة عنه هذا العام، فيوافق المكلّف على ذلك دون صدق عنوان الاستنابة حرفيّاً، فهنا قد يقال بأنّ هذا يكفي في الإجزاء؛ إذ الاستنابة ليس لها أيّ خصوصيّة سوى صدور الفعل من النائب عن المنوب عنه، فلو قصد المنوب فعل النائب ـ رغم أنّه لم يستنبه ـ فلماذا لا يكون هناك إجزاء؟!

بل قد يُترقّى بأنّ الشريعة فيها مفهوم النيابة، رغم أنّ المنوب عنه لا يعلم، كما في حال الحجّ وقضاء الصلاة عن الميّت، فكما أسقطت هذه التكاليف وأبرئت ذمّة الميت، أمكن القول بأنّ غير القادر على الحجّ المباشري لو قام عنه شخص آخر صحّ وسقط عنه، وإنّما ذُكرت الاستنابة في النصوص لبيان مسؤوليّة المنوب عنه في الاستنابة، لا لحصر الإجزاء في حال العجز البدني بقيام المنوب عنه بفعل الاستنابة.

لكن قد يقال بأنّ المنوب عنه لا بدّ له أن يقصد القربة إلى الله؛ ليكون فعل النائب فعلاً له، فإذا صحّ هذا أشكل الحكم في بعض الصور. أو يقال بأنّ أدلّة النيابة ليس فيها إطلاق لحالة عدم علم المنوب عنه بقيام النائب بالحجّ مقامه، مع كون المنوب عنه حيّاً، فيقتصر في التصحيح على الصورة الثانية، وهذا هو الأقرب؛ وذلك لتصحيح نسبة الفعل إلى المنوب عنه بوجهٍ من الوجوه.

وقد تسأل: لم يتضح وجه عدم صدق مفهوم اتخاذ النائب هنا، نعم الفارق الوحيد هو أنّ طلب النيابة لم يكن من قبل المكلّف، ولكنّ النيابة قد تحقّقت؛ إذ النیابة لا تتقوّم بإعطاء المال، فما هو المقصود؟! فلو قال: أريد أن أحجّ عنك تبرّعاً، فإن أجابه بالرفض، لم تتحقّق النيابة ولا يسقط التكليف، أمّا لو أجاب بالقبول والرضا، فهذا معناه جعله نائباً عنه، فيصدق عليه اتخاذ النائب، بل ربما يصدق عليه عنوان الاستنابة أيضاً.

والجواب: إنّ هذا هو ما أردنا التشكيك فيه، ولهذا عبرتُ بكلمة «حرفيّاً»، فالاستنابة تعني طلب النائب والنيابة، والطلب هنا غير موجود، بل القصد غير موجود لجعل شخص نائباً عنه، لهذا لا يصدق ـ حرفيّاً ـ تعبير استناب زيد عمرواً، اذ لا يوجد فعل الاستنابة ولا قصدها، كلّ ما في الأمر أنّه لم يرفض قيامه مقامه في الحجّ، وفي الوقت عينه لم يطلب منه ذلك ولم يكلّفه به ولم يقصد ذلك.

ومما قلناه يظهر النقاش فيما ذكره الشيخ فاضل اللنكراني، حيث قال: «لو حجّ المتبرّع عنه في صورة وجوب الاستنابة، ففي المتن: «الظاهر عدم الكفاية». وجه الظهور أنّه لو لم يكن في البين أدلّة وجوب الاستنابة، وكنّا نحن وأدلّة وجوب الحجّ على المستطيع، لم نكن نتجاوز عن اعتبار صدوره بنحو المباشرة، وعدم كفاية الاستنابة أيضاً، لكنّ أدلّة وجوب الاستنابة نفى مدخليّة المباشرة ووسّع في الحكم بنحو اكتفى بصدوره من النائب الذي استنابه المنوب عنه. وكلا الفرضين يشتركان في الانتساب إلى المنوب عنه، والإضافة الصدورية إليه، غاية الأمر أنّ الصدور في الأوّل بالمباشرة، وفي الثاني بالتسبيب، وعليه، فلم يقم دليلٌ على كفاية الصدور من الغير بنحو التبرّع مع عدم انتسابه إليه وعدم استناد صدوره إليه بوجهٍ..» (تفصيل الشريعة، الحج 1: 293).

فإنّ ما ذكره وإن كان دقيقاً في موضوع انتساب الفعل إلى المكلّف ولو بالتسبيب، لكنّ صور التبرّع يمكن في بعضها فرض تصحيح هذا الانتساب عرفاً، كما لو أعلمه المتبرّع بأنّني سوف أقوم بالحجّ عنك، فوافق، دون أن يدفع أيّ مبلغ من المال، فإنّه هنا حرفيّاً لم يقم بالاستنابة، لكنّ العرف يصحّح نسبة الحجّ إليه مع قصده القربة بموافقته على قيام غيره.

ولعلّه لما قلناه بنى بعض المتأخّرين الحكم هنا على الاحتياط الوجوبيّ، مثل السيد علي السيستاني.

 

موضع الاستنابة (الميقات ـ البلد..)

([3]) العبرة في الاستنابة أن يقوم شخصٌ آخر بالحجّ عن المكلّف، وأمّا تفصيل نقطة انطلاقه من هذا البلد أو ذاك، فهذا تفصيل لا أهميّة له، فالعبرة بتجهيز شخصٍ آخر للذهاب مكانه. بل بإمكانه أن يختار أقلّ الأشخاص كلفةً ماليّةً عليه، كما لو كان شخص يعيش في مكّة فجعله نائباً عنه، فخفّف عن نفسه تكاليف سفره من بلدٍ بعيد، فالعنوان يصدق هنا، والمقصد واضح. وتعبير النصوص بتجهيزه تعبيرٌ غالبي كما هو واضح.

 

حكم الموت في الحجّ

([4]) الأصل الأوّلي في هذه المسألة أنّ هذا الشخص لم يكمل الحجّ، فما دامت أركان الحجّ وبدائلها غير متوفّرة، فيفترض الحكم بأنّ حجّه كأنّه لم يقع ـ دنيوياً وقانونيّاً ـ فتترتّب آثار عدم حجّه في الواقع، لكنّ المستند في فتوى السيد الماتن والمشهور هنا في أصل هذه المسألة ثلاث روايات تنتهي جميعها إلى ابن رئاب، مثل خبر ضريس، عن أبي جعفر×، قال ـ في رجل خرج حاجّاً حجّة الإسلام، فمات في الطريق ـ فقال: «إن مات في الحرم، فقد أجزأت عنه حجّة الإسلام، وإن مات دون الحرم، فليقض عنه وليّه حجّة الإسلام».

وقد ذهب بعض فقهاء أهل السنّة لشيءٍ قريبٍ من ذلك؛ اعتماداً على أنّ النبيَّ قد سُئل عن حالة من هذا النوع، ولكنّه لم يُشر للزوم القضاء عنه، وهذا ليس بدليل؛ إذ لعلّه عندما سُئل لم يكن الموقف موقف بيان تمام الأحكام المرتبطة بالحالة، كما هو كثيرٌ في الأسئلة والأجوبة، حيث لا يوجد إطلاق مقامي.

فالعمدة هنا ثلاث روايات، وحيث إنّها تحدّثت عن حجّة الإسلام، لهذا تمّ ربط الموضوع بحجّة الإسلام، دون أيّ نوعٍ آخر من الحجّ، وحيث كانت عمرة التمتع جزءاً من الحجّ، تم تعدية الحكم لها، وحيث لم يتم تعيين أيّ نوع من الحجّ، تمّ التعميم للتمتّع والقِران والإفراد، بينما تمّ إخراج العمرة المفردة لعدم صدق الحجّ عليها؛ وحيث يظهر الحديث عن لزوم القضاء عنه فيكون معناه استقرار الحجّ في ذمّته، فيما الماتن عمّم لغير حالة الاستقرار مع أنّ الأصل هو عدم صدق الاستطاعة بموته في هذه الحال، عملاً بالنصوص عينها، تعبّداً واعتباراً، لكونها لا تشير لحالة الاستقرار، وهكذا.

ولو أخذنا بالنصوص الخاصّة هنا صحّت هذه التفاصيل إلا الأخير، وفاقاً للسيد اليزدي في العروة ولغير واحد من المعلّقين عليها؛ إذ لا يحرز إطلاق في الروايات يشمل غير حالة من استقرّ الحجّ عليه؛ لأنّ مفروضها ثبوت الحجّ عليه، وبيان البدل وقضاء الوليّ، والمفروض أنّ وفاته هنا تكشف عن عدم ثبوته عليه.

لكن يلزم هنا أخذاً بالاعتبار القدر المتيقّن من مجموع الروايات أن يكون قد أحرم ودخل مكّة، وأمّا غير ذلك فدليله آحاديٌّ محض.

هذا، وثبوت أصل الحكم هنا مبنيٌّ عندي على الاحتياط الوجوبي؛ والسبب في ذلك أنّ جميع الروايات تنتهي إلى شخص واحد هو مخرج هذه الأحاديث، وهو ابن رئاب:

أ ـ فقد يقال بأن الخبر في نهاية المطاف آحاديّ.

ب ـ وفي المقابل ربما يقال بأنّ كذب أو خطأ ابن رئاب الثقة في جميع هذه الروايات الثلاث التي نقلها عن أشخاص مختلفين هو احتمالٌ ضئيل، والروايات نقلت في الكتب الأربعة، بما يرفع قوّة الوثوق بصدور ولو واحدة منها.

 

إسلام الكافر والاستطاعة

([5]) أمّا في الحالة الأولى فواضح؛ لتحقّق الموضوع وهو الاستطاعة في مورده، ومثلها ما لو أسلم غير مستطيعٍ، ثمّ استطاع حال كونه مسلماً، وأمّا في الحالة الثانية، فلأنّه لو كان الحجّ واجباً عليه حتى بعد زوال استطاعته قبل الإسلام، ثمّ أسلم بعد ذلك، لظهر هذا في التاريخ، ولطولب كلّ من يُسلم ـ وبخاصّة في العصر النبوي ـ ويكون مستطيعاً قبل الإسلام وزالت عنه الاستطاعة، أن يحجّ. وأمّا أدلّة استقرار وجوب الحجّ في مورد زوال الاستطاعة لو تركه إهمالاً، فليس فيها ـ لو قلنا بها ـ إطلاق يشمل حالة غير المسلم؛ وبخاصّة مع عدم صدق التسويف بالحجّ والتهاون في حقّه عادةً.

 

حكم حجّ المرتدّ قبل وبعد التوبة

([6]) هنا مجموعة مسائل:

 

المسألة الأولى: صفة الحجّ في حقّ المرتد

وقد حكم الماتن بوجوب الحجّ عليه، والمستند في ذلك أنّه لو حصلت منه الاستطاعة حال الإسلام، ثم ارتدّ أو حصلت بعد الارتداد، فإنّ المرتدّ مخاطبٌ بالتكاليف الشرعيّة؛ لأنّ غاية ما يفيده دليل سقوط التكاليف عن الكفار وعدم مخاطبتهم بها لو صحّ، هو عدم مخاطبة الكافر الأصلي بالفروع، دون المرتدّ، فيبقى المرتدّ على مقتضى القاعدة.

لكنّ السيّد فضل الله ناقش بأنّ نكتة عدم تكليف الكفّار بالفروع ناشئة من أنّ الخطابات موجّهة للمسلمين، وهذه الخصوصيّة لا فرق فيها بين كون غير المسلم كافراً أصليّاً أو مرتداً، لوحدة النكتة في الموردين، بل إنّ فضل الله اعتبر أنّه لو أخذنا بقاعدة الجبّ فإنّه نكتتها العقلائيّة والعرفيّة هي تشجيع الناس على الإسلام، وهذا أمرٌ يتساوى فيه الكافر الأصلي والمرتد (فقه الحج 1: 205 ـ 206).

هذا كلّه لو قلنا بعدم تكليف الكفّار بالفروع، أمّا لو قلنا بتكليفهم ـ كما هو رأي المشهور ـ فلا فرق بين المرتدّ والكافر الأصلي. وسوف يأتي قريباً بحث تكليف الكفار بالفروع ونتعرّض لهذه التفاصيل ـ إن شاء الله ـ فانتظر.

 

المسألة الثانية: صحّة الحجّ منه حال ارتداده وعدمها

وقد حكم الماتن بعدم صحّة حجّه؛ لتوقّف صحّة العبادة على شرط الإسلام والإيمان.

ويمكن أن يناقش بأنّ الإسلام ـ فضلاً عن الإيمان ـ ليسا شرطاً في صحّة عبادةٍ من العبادات، كما قلنا ذلك مراراً، بل غاية ما تفيده الأدلة أنّهما شرط في ترتّب الثواب على الفعل عند الله تعالى، فالصحّة يجب أن تبقى ثابتة على مقتضى القاعدة؛ لأنّ المفروض أنّه مكلّف قام بالفعل مع تحقّق قصد القربة منه، فلزم ترتّب الأثر القانوني على ذلك، أمّا القبول الإلهي الأخروي فليس بشأنٍ فقهي دنيوي قانوني.

وأمّا النقاش في أصل إمكان تحقّق قصد القربة منه، فقد علّقنا عليه مراراً، وقلنا بأنّه يمكن فرضه في بعض الصور، فلا داعي للجزم بعدم الإمكان، بل الأفضل ترك الأمر مشروطاً، ولا نطيل.

هذا، ولعلّه لما قلناه استشكل الشيخ محمد إسحاق الفيّاض في القول بشرطيّة الإسلام في صحّة العبادة، بل صرّح بصحّة حجّ المرتدّ (مناسك الحج: 36)، كما رفض أستاذنا السيد محمود الهاشمي القول بشرط الإسلام والإيمان في صحّة العبادة (بحوث في الفقه، كتاب الزكاة 1: 244، 255 ـ 258).

 

المسألة الثالثة: صحّة حجّه الواقع بعد التوبة

وقد حكم بذلك السيد الماتن؛ لأنّ ذلك على مقتضى القاعدة، فهو مسلمٌ واقعاً بعد توبته لله تعالى، وصدر منه الحجّ ـ مستطيعاً أو بعد استقرار الحجّ في ذمّته ـ فلا موجب للحكم ببطلان حجّه في ظرف إسلامه.

ولا فرق في ذلك بين المرتد الملّي والفطري، وفقاً للتقسيم الفقهي المعروف؛ لأنّ بقاء سائر الأحكام عليه بعد توبته لو كان فطرياً ـ مثل قتله وغير ذلك، لو قلنا به ـ لا ينافي كونه مسلماً واقعيّاً بعد توبته؛ لصدق تعنونه بهذا العنوان واقعاً، وعدم وجود دليل على سلب هذا العنوان عنه تعبّداً إلى الأبد، حتى لو صار مسلماً وتاب، وبقاء الأحكام الأخرى لا يدلّ على عدم كونه مسلماً واقعاً، فما ذهب إليه الماتن هنا في محلّه.

([7]) الحكم واضحٌ، وقد دلّت عليه النصوص، وتعرّضنا لبعض جوانبه في مباحث قضاء الصلاة، عند التعليق على (المسألة رقم: 718) من المنهاج، فلا نعيد، حيث ذكرنا هناك صوراً متعدّدة، فراجع.

 

استقرار الحجّ في الذمّة نتيجة الإهمال، قراءة نقديّة لرأي المشهور

([8]) البحث في هذه المسألة يقع في مقامين:

 

المقام الأوّل: فيما تقتضيه القواعد والأدلّة العامّة في باب الحجّ

إنّ ما تقتضيه القواعد العامّة هو أنّه بعد زوال الاستطاعة عنه يسقط عنه وجوب الحجّ؛ لأنّ الحكم يزول بزوال موضوعه، فذهاب الاستطاعة يوجب رفع الحكم عنه.

وفي المقابل قد يقال: إنّ النصوص دلّت على وجوب الحجّ على من استطاع، فما دام صدق عليه عنوان المستطيع ثبت وجوب الحجّ في ذمّته، حتى لو زالت الاستطاعة؛ لأنّ الموضوع هو تحقّق الاستطاعة واقعاً وحدوثاً لا بقاءً أيضاً.

لكن يناقش بأنّ ظاهر أيّ دليل يرتّب الحكم على موضوع يحمل حالة صفتيّة، هو كون الموضوع مأخوذاً بنحو الحدوث والبقاء، وإلا لزم بيان ذلك بكلامٍ إضافيّ، فلو قال: إذا سافرت فصلّ كذا وكذا، دلّ ذلك على كون هذه الصلاة في ظرف كونه مسافراً، لا أنّه يُتمسّك بالإطلاق حتى بعد عوده؛ بحجّة صدق كونه قد سافر وهكذا، وهذا هو الصحيح، فالقواعد العامّة تثبت سقوط التكليف عنه.

 

المقام الثاني: فيما تقتضيه الأدلّة الخاصّة

وهنا حكم الفقهاء بوجوب الحجّ عليه مطلقاً ما لم يلزم منه حرج ونحوه مما يكون مشمولاً للأدلّة الثانويّة. واعتبر الفقهاء الذين لم يرو ثبوت ذلك على مقتضى القاعدة ـ مثل السيد الماتن ـ أنّ هذا الحكم هو حكمٌ جديد مستقلّ، ثبت بالنصوص والروايات الخاصّة، وهو غير حكم وجوب الحجّ الأوّلي الثابت على المستطيعين.

ويترتّب على ذلك ـ سواء قلنا بأنّ الحكم على مقتضى القاعدة أو الدليل الخاصّ ـ أنّه لو مات، يتمّ إخراج تكاليف حجّه من أصل التركة، لا من الثلث، كما سوف يأتي بحثه إن شاء الله تعالى في محلّه.

والأدلّة الخاصّة هنا هي تلك النصوص التي بيّنت أنّ من مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، ولم يمنعه مانع، فإنّه يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً، مثل خبر ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله×، قال: «ومن مات ولم يحجّ حجّة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهوديّاً أو نصرانيّاً» (الكافي 4: 268).

وقد قرّب السيد الماتن ذلك بقوله: «إنّ المستفاد من هذه الروايات أنّه يجب على المكلَّف القيام بالحج الّذي سوّف وأهمل في امتثاله لئلَّا يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً. وبعبارة أخرى: المستفاد من هذه الروايات أنّ من استطاع للحجّ واستقرّ عليه، ثمّ تركه، مات يهوديّاً أو نصرانيّاً، ويصدق ذلك حتّى على من استقرّ عليه الحجّ وزالت استطاعته، فيجب عليه الإتيان بالحجّ حتّى يموت مسلماً، ولا يموت يهوديّاً أو نصرانيّاً. هذا كلَّه مضافاً إلى تسالم الأصحاب وعدم الخلاف، بل الإجماع بقسميه كما في الجواهر» (الموسوعة (المعتمد) 28: 89؛ وانظر: اللنكراني، تفصيل الشريعة، كتاب الحجّ 1: 338 ـ 339).

يُضاف إلى ذلك، ما قد يستدلّ به بعضٌ، وهو خبر محمّد بن يحيى الخثعمي، قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد الله، وأنا عنده، عن قول الله عزّ وجل: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾، ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحاً في بدنه مخلّى (في) سربه، له زاد وراحلة، فهو ممن يستطيع الحجّ ـ أو قال: ـ ممن كان له مال»، فقال له حفص الكناسي: فإذا كان صحيحاً في بدنه مخلّى سربه له زاد وراحلة فلم يحجّ فهو ممن يستطيع الحجّ؟ قال: «نعم» (الكافي 4: 267).

وتقريب الاستدلال بها أنّ الكناسي يسأله بعد أن تحقّقت الاستطاعة، في أنّه لو لم يحجّ فهو مستطيع، فيجيبه الإمام بأنّه مستطيع، وهذا مطلق لحالة بقاء استطاعته أو زوالها.

ويمكن أن يناقش:

أوّلاً: إنّ هذه الروايات ليست بصدد بيان استقرار الحجّ في ذمّته، بل هي بصدد بيان تركه الحجّ الواجب عليه مع تحقّق الموت، وهذا ينصرف عادةً إلى حالة كونه مستطيعاً فترك الحجّ وهو مستطيع، فمات على هذه الحال، فليس في الحديث إطلاق ناظر لحالة زوال استطاعته، حتى نقول بأنّه لو ترك الحجّ بعد زوال استطاعته، فإنّه سيكون مصداقاً لهذه الرواية من حيث تركه الحج بعد زوال الاستطاعة، بل الصحيح أنّه سيكون مصداقاً لهذه الرواية من حيث تركه الحجّ حال الاستطاعة.

وقد رأيتُ ـ بعد تسجيلي لهذه الملاحظة ـ ما هو قريب منها في كلام العلامة فضل الله (انظر له: فقه الحجّ 1: 212 ـ 213).

قد تقول: إنّكم سلّمتم بأن هذا المكلّف ـ بسبب تركه للحجّ حال استطاعته من غير عذرٍ مقبول ـ قد صار بفعله هذا مصداقاً للرواية؛ بمعنى أنّه الآن، وقد زالت استطاعته، لو مات لمات يهودياً أو نصرانياً جراء ترکه الحجّ حال الاستطاعة، ومن الطبيعي أنّ هذه الحالة لم تزل عنه، ولذا، فمن أجل دفع هذه الحالة، أي لئلا يموت على غير الإسلام، يجب عليه التدارك والإتيان بالحجّ بأيّ وجهٍ كان، ومقتضى هذا التحليل هو وجوب الحجّ عليه متسكّعاً.

والجواب: ليس المقصود بالرواية أنّه إذا ترك الحجّ بعد ذلك مات يهودياً، فلهذا يمكنه التدارك، بل نظر الرواية إلى أنّه ترك الحجّ حال الاستطاعة فمات، فليست هي في مقام إنشاء جعل وجوب لتفادي الموت يهودياً، بل في مقام توصيف حال من ترك الحجّ مستطيعاً فمات، بلا نظر لها لفرض الحجّ عليه على تقدير زوال الاستطاعة للفرار من حال اليهودية أو النصرانية، فهذا مثل من ترك الصلاة فمات دخل جهنّم، فإنّه ليس بناظر إلى وجوب القضاء حتى نقول بأنّه يمكنه التفلّت من دخول جهنّم بالقضاء، فلا يصدق عليه أنّه مات تاركاً الصلاة، مع الفارق بين المودرين من حيث موضوع التوقيت. ويمكن إعطاء مثال آخر، وهو أنّه لو قال: من ترك الجهاد مات يهودياً، فهذا ليس معناه أنّه لو ترك الجهاد حال قدرته عليه، فإنّه يجب عليه الذهاب للجهاد قبل أن يموت ولو لم يكن قادراً على القتال عرفاً، وإن كان قادراً عقلاً.

ثانياً: إنّ هذه المسألة كثيرة الابتلاء، فكثيراً ما يتهاون الناس في الحجّ، ثم تزول استطاعتهم، ومع ذلك لا نجد تصريحاً واضحاً في النصوص بلزوم الحج متسكّعاً على هذا التقدير، وهذا يصلح مؤيّداً.

ثالثاً: إنّ الإجماع هنا محتمل المدركيّة، فإنّه يحتمل استنادهم لمثل هذه الأدلّة الخاصّة، أو ربما استنتجوا فكرة الوجوب بتحقّق الاستطاعة حدوثاً، على ما قلناه آنفاً في احتمالٍ على مقتضى القاعدة.

رابعاً: إنّ خبر حفص الكناسي ـ مضافاً لآحاديّته وانفراده ـ يحتمل أنّه يريد أن يسأله للتأكّد من أنّ هذا قد ترك الحجّ حال كونه مستطيعاً، بمعنى أنّه تاركٌ للحج الواجب عليه، فلا يكون في السؤال أكثر من توضيح إضافي لفكرة الاستطاعة وشروطها، بل يحتمل جداً أيضاً أنّه ليس ناظراً لحالة عروض زوال الاستطاعة عليه؛ إذ من الواضح أنّه لا معنى لأن يسأل الكناسيُّ الإمامَ عن حالة زوال الاستطاعة بسؤال: هل هو مستطيع؟ بعد وضوح أنّه ليس بمستطيع بعد زوال الاستطاعة، بل كان الأقرب أن يسأله: هل يجب عليه الحجّ بعد تفريطه به عندما كان مستطيعاً أو لا؟ وهذا يرجّح أنّ الرواية ليست ناظرة لحال زوال الاستطاعة، أو على الأقل لا يعلم انعقاد إطلاق فيها، ولا سيما أنّ حفص الكناسي ليس من الفقهاء المحقّقين في تلك المرحلة، أو من الرواة كثيري الرواية، حتى تكون أسئلتُه ذات طابع دقيق، فانتبه.

والنتيجة: إنّ الأرجح بالنظر عدم ثبوت استقرار الحجّ على من استطاع، فعصى فترك الحجّ، فزالت استطاعتُه، بل يكون مأثوماً فقط. ويتفرّع على ما توصّلنا إليه أنّه لا يجب إخراج الحجّ من تركته، والله العالم.