hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

المقالات

دور الاجتهاد الأخلاقي في استنباط الشريعة / تحليل مقارن لنظريّات العلاقة بين النصّ الشرعي والعقل الأخلاقي

تاريخ الاعداد: 9/17/2026 تاريخ النشر: 9/17/2026
60
التحميل


 

حيدر حبّ الله([1])

تمهيد

تتنوّع مناهج الاجتهاد تبعاً لموقعيّة كلٍّ من العقل والنقل في العمليّة الاجتهاديّة، وربما من هنا كان التصنيف المشهور "مدرسة الرأي ومدرسة الحديث والمدرسة الوسطى بينهما"، حيث ربما يمكنني القول بأنّ بعض المذاهب الفقهيّة شهدت نوعاً من تقديم العقل ـ بمعنى من معانيه ـ على النقل، وذلك أنّه إذا صحّ التحليل التاريخي القائل بأنّ مدرسة الرأي في العراق، في القرن الثاني الهجري بالتحديد، كانت تحتكم إلى العقل في قبول النقل وفهمه، وأنّ أحد تجلّيات "الرأي" فيها هو قياس مدى معقوليّة النتيجة الفقهيّة التي يخرج بها الفقيه، فإنّ هذا يعني نوعاً من الرقابة العقليّة على الفتوى، لكنّ المذاهب الأكثر تحفّظاً هنا ـ كالشيعة الإماميّة والظاهريّة والعديد من أهل الحديث ـ كانوا يرفضون هذا السلوك جملةً وتفصيلاً، وربما يكون الشافعي ـ وغيره ـ قد هذّب هذا السلوك بمشروعه الوسطي أو التصالحي الذي عاد ودفع الأحناف لنوعٍ من المراجعات، حتى قيل بأنّ الفقه الحنفي تأثر لاحقاً بالفقه الشافعي.

السؤال اليوم: هل يملك العقل سلطةً رقابيّة على الفتوى؟ هل أصبحت الأخلاق وفلسفتها منافساً يمثل تهديداً وجوديّاً للفقه الإسلامي؟ هل فقد الفقه سمتَه الأخلاقية في العصر الحديث بعد تطوّر الوعي الأخلاقي للبشر؟ وهل الحلّ في رقابة أخلاقيّة على الفقه أو دمج الأخلاق في الفقه أو أنّ الحلّ يكمن في تقليص الفقه الذي بات يشكّل عبئاً أخلاقيّاً على الوعي الإسلامي، بسبب الفجوات التي توجد فيه على الصعيد الأخلاقي؟

لقد ظهر العقل في العصر الحديث سلطاناً حاكماً ليفرض تراجع الوحي عامّة في حياة البشر، وأصبح سؤال دور العقل والنقل في الاجتهادات الشرعيّة أكثر إلحاحاً، فكيف يمكننا فهم هذه العلاقة؟ ومن الذي يملك القرار النهائي فيها؟ ولماذا؟ وما هو العقل هنا أساساً؟ وما هي الخلفيّات الفلسفيّة والكلامية لموقفٍ من هذا القبيل في العمليّة الاستنباطيّة للشريعة؟ إلى غيرها من الأسئلة الحارقة والاختبارات الصعبة الملحّة التي تفرض مراجعةً جادّة مرّةً أخرى.

قبل الشروع، من الضروري توضيح:

أ ـ إنّ المراد من النقل هنا هو النصوص الدينيّة المعتبرة، وهي القرآن والسنّة، وفي الحقيقة فالنقل هو فهمنا لهذه النصوص وتفسيرنا لها، كما أنّه ليس المراد من العقل هنا العقلَ التجريبي العلمي، ولا العقل النظري كالعقل الفلسفي والرياضي وغيرهما، إنّما يقصد بالتحديد العقل العملي الذي نريد به العقل الأخلاقي (أو ما هو من شؤون الماينبغيّات)، ولهذا فإنّ دائرة البحث هنا أضيق بكثير من دائرة كليّة بحث علاقة النقل بالعقل في التاريخ الإسلامي، والتي يمكن أن يشتغل عليها المتكلّم والفيلسوف والعارف وعالم الطبيعيات وغيرهم.

ب ـ إنّ علاقة العقل بالنقل تتخذ أشكالاً متعدّدة، وهي:

الشكل الأوّل: أن يتوافق العقل والنقل، بمعنى أن يحكم الشرع بشيء فيما يحكم العقل الأخلاقي بالشيء نفسه، مثل مبدأ وجوب الصدق في الشرع مع مبدأ حُسن الصدق عند العقل، وفي هذه الحال يعضد العقلُ النقلَ وبالعكس. وليس هذا الشكل هو موضع بحثنا هنا.

الشكل الثاني: أن يحكم الشرع بشيءٍ ونفترض أنّ العقل ـ لولا حكم الشرع ـ لا يحكم فيه بشيء، أو يحكم العقل بشيء ونفترض أنّ الشرع ـ لولا حكم العقل ـ لا يحكم فيه بشيء، وهنا من الواضح أنّه لا توجد مشكلة، بل هذا ـ وفقاً لتعبير المناطقة ـ من السالبة بانتفاء الموضوع. وهذا الشكل أيضاً خارجٌ عن مجال بحثنا.

وهذا الشكل هو المصداق الأبرز لما يُعرف بين علماء أصول الفقه بقانون الملازمة (الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع = ما حكم به العقل حكم به الشرع، وما حكم به الشرع حكم به العقل).

الشكل الثالث: أن يحكم الشرع بشيء ويحكم العقل بما يخالفه، وبالعكس أن يحكم العقل بشيء ويحكم الشرع بما يخالفه، وهنا إمّا أن تكون المخالفة كليّة أو تكون جزئيّة، فقد يتفق العقل والشرع في قبح الكذب، لكن يختلفان في تفصيلٍ يتعلّق بالكذب لمصلحةٍ أهمّ. وهذا الشكل هو الذي يدور بحثنا حوله بالتحديد.

لن أتمكّن من الحديث بالتفصيل عن مختلف الإشكاليات الكبرى التي أشرت إليها مطلع الحديث؛ لهذا سوف أحاول الإضاءة على بعض جوانب الموضوع بما يسمح به المجال، ضمن مقاربة داخل ـ دينيّة، أعني هنا مقاربة الموضوع من منظور أصول الفقه وآليّات الاجتهاد، وسيكون هدفي تقديم عرض تحليلي ـ توصيفي مقارن ومختصر لأبرز اتجاهين أساسيّين في تناول هذا الموضوع؛ وذلك ضمن مراحل ثلاث:

في المرحلة الأولى، أستعرض باختصار أصل فكرة مرجعيّة العقل في مجال معرفة الشريعة، بعيداً عن حالة تصادمه مع النقل، كلياً أو جزئيّاً. وقد تظهر تأثيرات هذه الفكرة فيما يُعرف بدائرة "ما لا نصّ فيه".

وفي المرحلة الثانية، أعرض وجهة نظر تقدّم النقل على العقل، مفهومها وبعض مبرّراتها الموضوعيّة الممكنة.

أمّأ في المرحلة الثالثة، فأتعرّض لوجهة نظر تقدّم العقل على النقل، مفهومها وبعض مبرّراتها كذلك.

ثم نخرج بعد ذلك بجملة استنتاجات وتوصيات عبر عمليّة المقارنة والمقاربة.

1 ـ هل للعقل سلطة أساساً في معرفة الشريعة (مثال ما لا نصّ فيه)؟

للعقل في علم أصول الفقه تاريخٌ طويل من النقاشات والبحوث. وقد دخلت بحوث حجيّة العقل إلى أصول الفقه من علم الكلام أو تأثرت بها على الأقلّ، فانتقل النزاع المعتزلي ـ الأشعري حول التحسين والتقبيح الذاتيّين، ثمّ العقليّين، إلى علم الأصول.

قبل البحث عن سلطة العقل على النقل أو بالعكس، يظهر سؤال أسبق رتبةً، وهو: هل للعقل سلطة أساساً في مجال معرفة الشريعة أو لا؟ وذلك أنّه إذا لم يكن للعقل سلطة في مجال معرفة الشريعة فلا معنى للبحث عن تقدّم العقل على النقل عند التعارض أو بالعكس؛ لأنّنا بهذه الطريقة نقارن بين الحجّة واللاحجّة، وبين الدليل وعدم الدليل، وهذا لا معنى له، من هنا يظهر سؤال: ما هي حجيّة العقل في أصول الفقه الإسلامي من حيث المبدأ؟

والجواب عن هذا السؤال يُبدي لنا اتجاهين في التاريخ الإسلامي:

الاتجاه الأوّل: اتجاه التحييد التامّ للعقل

ترتدّ فكرة سلطة العقل في الاجتهاد إلى عمقٍ تاريخي شهد ثورة تفكير في القرون الأولى، في نزاع الأشاعرة والمعتزلة ومن دار في فلكهما، على قاعدة التحسين والتقبيح الذاتيّين ثمّ العقليّين، فإنّ الرفض الأشعري يعني أنّه لا يوجد حُسنٌ ذاتي ولا قبح ذاتي في الأفعال، كما لا يتسنّى للعقل الحكم بحسن شيء أو قبحه، وعلى هذا الأساس لا معنى للحديث عن سلطة العقل على النقل؛ لأنّ العقل الأخلاقي لا يملك سلطةً أساساً في نفسه، بل لا يملك وجوداً حقيقيّاً بل وَهْم وجود، فكيف يمكنه التحكّم بالنصّ؟!

تلتقي هذه الفكرة في أحكام العقل العملي مع موقفِ عددٍ لا بأس به من الفلاسفة، الذين قالوا بأنّ ما نسمّيه أخلاقيات هو عبارة عن محمودات صلاحيّة، أي توافقات بشريّة ما بعد تكوّن الاجتماع الإنساني، بهدف ترتيب الأمور، ولا يكمن خلفها أيّ حقيقة موضوعيّة خارجيّة تجعل الأفعال حسنةً أو قبيحة، فنحن هنا أمام اعتبارات خالصة لا يوجد خلفها حقائق موضوعيّة خارجيّة.

من هنا، قد يقرأ بعض علماء أصول الفقه الإمامي ـ مثل الشيخ محمد حسين الإصفهاني (1942م) ـ من الذين رفضوا فكرة التحسين والتقبيح الذاتيّين، متأثرين بقراءات الفلاسفة، ما يُسمّى بأحكام العقل العملي على أنّها تنظيمات عقلائيّة بشريّة تكتسب قيمتها الدينيّة من سكوت الشريعة عنها، فإذا كانت هذه التنظيمات البشريّة والاعتبارات الإنسانيّة التنظيميّة مسكوتاً عنها في القرآن والسنّة، أخذت قيمتها، لا من حيث هي عقلٌ له حجيّة أصيلة، بل من حيث هي توافقاتٌ أمضتها الشريعة، كما في إمضائها لتوافقات البشر والعقلاء على العمل بأخبار الآحاد الظنيّة وبالظهورات اللفظيّة وغير ذلك.

أمّا أصوليو أهل السنّة الذين انتموا للتفكير الأشعري، فقيمة هذه الإنشاءات العقلية العقلائية عندهم تأتي من أنّها توجب الظنّ، فتمّ ربطها بحجيّة الظنّ لا بحجية العقل في ذاته، ومن هنا فتحوا الطريق على المصالح المرسلة وغيرها، انطلاقاً من حجية الظنّ؛ لأنّ الظنّ بالمصلحة ظنٌّ بالحكم، على تفصيلٍ موسّع تناولته الكتب الأصوليّة، وهناك فرقٌ بين أن يأخذ العقلُ حجيّته من حيث هو عقل، وأن يأخذ حجيّته من حيث إنّ أحكامه تعطي الظنّ، وتكون الحجيّة في الحقيقة للظنّ نفسه، بصرف النظر عن منشئه ومُنطلقه.

على هذا الأساس الفلسفي، فالعقل الأخلاقي يجب أن يتكوّن من معطيات النصّ نفسه؛ لأنّ ما حسّنه الشرع فهو حسن، وما قبّحه فهو قبيح، وأيّ شيء غير ذلك فهو شعبويّات لا تقوم على حقائق فلسفيّة مثبتة، ويعني ذلك أنّ العقل الأخلاقي الذي أملكه يجب أن يكون حاصل تربية شرعيّة، فالشرع هو الذي يقوم بتربية عقلي العملي ليكوّن فيه معايير الحسن والقبح والجمال وما ينبغي وما لا ينبغي.

الاتجاه الثاني: اتجاه الموافقة المبدئيّة على حجيّة العقل

أخذ بهذا الاتجاه جمهور العدليّة في علم الكلام ـ كمشهور المعتزلة والشيعة ـ وانتقل معهم إلى أصول الفقه، حيث تمّ الاعتقاد بالتحسين والتقبيح، فأُعطي العقلُ دوراً؛ وذلك ضمن مساحتين:

المساحة الأولى: المستقلّات العقليّة، ويُقصد بها ما يستقلّ العقل ـ بعيداً عن الشرع ـ بتحسينه أو تقبيحه، كحُسن العدل وقُبح الظلم، وهنا قالوا بأنّ العقل إذا حكم بحُسن شيء فإنّ الشرع لا بدّ أن يحكم بحُسنه بالدرجة التي يراها الحكم العقلي، وهذا ما يُعرف بـ "قانون الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع"، فكلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع. كما قالوا بأنّ " كل ما حكم به الشرع حكم به العقل"([2])، وربما رأى بعض العرفاء ما يشبه ذلك؛ لأنّهم يعبّرون: الشرعُ عقلٌ خارج، والعقلُ شرعٌ داخل([3]).

لكنّ وجهة النظر هذه شهدت معارضةً من فريقين:

الفريق الأول: الإخباريّون من الشيعة الإماميّة، حيث رفضوا قانون الملازمة هذا، وقالوا بأنّ العقل ليس بحجّة في معرفة دين الله، وأنّه لا ينبغي إقحامه في ذلك، وكانت لهم معارضة شديدة جداً في هذا المجال، معتبرين أنّ أهل البيت النبويّ كانوا نصّيّين جداً، وأنّهم رفضوا كلّ محاولات إقحام العقل في معرفة دين الله تعالى، وأنّ العقول كثيرة الخطأ، ولهذا جاء الوحي لتصحيحها([4])، بينما قال أنصار قانون الملازمة بأنّ ما نهى عنه أهل البيت هو الأخذ بأحكام العقول الناقصة والظنيّة، دون الأحكام العقليّة اليقينيّة القطعيّة الواضحة([5])، ثمّ جرى لاحقاً محاولة لإعادة فهم مقولات الإخباريّين بأنّهم لا يعارضون حجيّة العقل اليقيني (سلب الحجيّة عن اليقين) بل يشكّكون في أصل وجود يقينٍ عقليّ في دائرة الشرع([6]).

الفريق الثاني: بعضُ الأصوليّين الذين اعتبروا أنّه إذا حكم العقل بشيء، فإنّ الشرع لا يعارض حكم العقل، لكنّه لا دليل على أنّه لا بدّ للشرع أن يحكم بعين ما حكم به العقل، بل يكفي أنّه لا يحكم بحكمٍ منافٍ لما حكم به العقل. وانطلق هؤلاء من مبرّرات من نوع أنّ حكم الشرع في مورد حكم العقل لا حاجة له، فهو عبث وتحصيل حاصل؛ لأنّ العقل كاشف ومحرٍّكٌ كافٍ للعبد في أن يعرف ويلتزم بما هو أخلاقي، بينما قال مناصرو قانون الملازمة بأنّ حكم الشرع هنا ليس من الضروري أن يكون تأسيسيّاً، بل كونه توكيدياً فيه فائدةٌ تُبعده عن أن يكون لغواً أو تحصيلاً للحاصل، وهي تعزيز تحريك العبد نحو الإتيان بما حكم به العقل الأخلاقي؛ لأنّ أحكام الشرع تعزّز انبعاث الإنسان نحو الفعل([7]).

المساحة الثانية: الملازمات العقلية أو غير المستقلات، وهي عبارة عن أحكام عقليّة يكون حكم الشرع أحد مقدّماتها وأطرافها، وهي: الإجزاء، ومقدّمة الواجب، والنهي عن الضدّ، واجتماع الأمر والنهي، واقتضاء النهي الفساد. فإذا حكم الشرع بوجوب شيءٍ حكم العقل بوجوب المقدّمة التي يتوقف عليها الشيءُ بحيث لا يتحقّق من دونها، وبتبع حكم العقل هذا يأتي قانون الملازمة ليُثبت أنّ مقدّمة الواجب واجبةٌ شرعاً أيضاً، وليست فقط واجبةً عقلاً.

وقد كان علم أصول الفقه يتصوّر أنّ البحث في الملازمات العقليّة ينتمي لدائرة البحث في الدلالات اللغويّة، ولهذا كانت هذه البحوث تُعقد ضمن قسم الأوامر والنواهي من مباحث الألفاظ (مباحث البيان) في علم الأصول وما تزال الكثير من الكتب تبحثها هناك إلى الآن، لكنّ أصوليّين آخرين فصلوها عن مباحث الألفاظ وجعلوها مستقلّة مثل الشيخ محمّد رضا المظفر والسيد محمّد باقر الصدر في بعض كتبه، وتنبّهوا إلى أنّ هذا الموضوع لا علاقة له بالدلالات اللفظيّة، فلا نقول بأنّ الأمر بالشيء ظاهرٌ في الأمر بمقدّماته، بل نقول بأنّ الأمر بالشيء ظاهرٌ في الأمر به نفسه، وأنّ العقل يحكم بوجوب مقدّماته، وأنّ قانون الملازمة يُثبت حكم الشرع في المقدّمات، وهذا يعني أنّ بحثَي: المستقلات والملازمات العقليّة يتحرّكان في دائرة ما لا نصّ فيه بشكل واسع النطاق؛ ليسدّا فراغاً عبر قانون الملازمة.

وهذه النزاعات التي تقدّمت الإشارة إليها في المستقلات العقليّة كرّرت نفسها هنا أيضاً في قسم الملازمات.

وبهذا نكتشف أنّ أصل حجيّة العقل في معرفة الشريعة كانت بين رافض رفضاً تاماً، وموافق موافقةً جزئيّة، وأنّ معنى الموافقة الجزئيّة هو الأخذ بأحكام العقل العملي اليقينيّة القاطعة وإجراء قانون الملازمة عليها.. وهذا كلّه بصرف النظر عن وجود موقف شرعي معارض لحكم العقل، وإلا فالأمر مختلف تماماً.

2 ـ سلطة النقل على العقل، التبرير الموضوعي والمنطلق الديني

قد يتعامل كثيرون اليوم مع فكرة من هذا القبيل ـ بفعل تأثير الإعلام والثقافة العصريّة ـ من منطلق ساخر أو مستهجَن، لكن علينا، لكي نكون موضوعيّين، أن نفهم العمق الفكري والتاريخي معاً لهذا الاتجاه الذي لا يُستهان به. ولكي نحلّل الأمر باختصار نكتفي بعرض التبرير الكلامي والديني لهذا الفريق.

ينطلق هذا التبرير من أنّ الله سبحانه أعلم بمصالح العباد منهم أنفسهم، وأنّ فلسفة الوحي والنبوّات تكمن في جهل الإنسان بمصالحه؛ لأنّ الجانب المعرفي هو جزءٌ من فلسفة النبوّة، ومن ثم كانت الحاجة للنبوّات هي بعينها مبنيّة على وهم الإنسان أنّه يعرف الحقيقة ولكنّه في الواقع لا يعرفها.

ويؤكّد النص الديني هذا الأمر، فإضافة لبعض النصوص الحديثيّة لبعض المذاهب (المذهب الإمامي) حول أنّ الدين لا يُعرف بالعقول الناقصة([8])، نجد القرآن يشير إلى أنّ الله يعلم وأنتم لا تعلمون في سياق ما يحبّه الإنسان وما يكرهه، ففي تشريع الجهاد قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216)، وفي سياق الحديث عن الطلاق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 232)، فالحديث عن العلم الإلهي في مقابل الجهل الإنساني، في سياقٍ تشريعي قانوني، يعطي دلالةً على أنّ تقويماتكم للأفعال والتشريعات ليست مضمونةً، والله أعلم بكم منها وأحكم.

القرآن وقصّتَي: موسى وإبراهيم

كما نجد في قصّتين أوردهما القرآنُ دلالةً واضحة على هذا الادّعاء، وهما قصّة موسى والعبد الصالح، وقصّة إبراهيم وذبح ابنه:

أ ـ ففي القصّة الأولى (موسى والعبد الصالح)، يتمّ تخريب السفينة وقتل الغلام، ورغم أنّ المنطق الأخلاقي يرى أنّ هذين الأمرين قبيحان، وموسى نفسه اعتمد على عقله الأخلاقي لتحديد الموقف، بدليل أنّ تعليلاته كانت تشير لذلك: ﴿..قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا.. قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ (الكهف: 71، 74)، والإمر هو المنكر الشنيع، لكنّ رسالة القصّة وأحد أهداف سردها في القرآن الكريم يؤكّدان لنا أنّ خلف تحديداتنا الأخلاقيّة ثمّة أمور خافية، لو اطّلعنا عليها لتغيّر الموقف تماماً، بل إلى اليوم رغم التبرير القرآني لقتل الغلام فإنّ العقل الأخلاقي عند كثيرين ما يزال يعتبر أنّ قتله قبيحٌ وجريمة موصوفة.

لا يذمّ القرآن موسى هنا على مبدأ التساؤل وإعمال عقله الأخلاقي، بل يختلف معه على إصداره أحكاماً نهائيّة في مقابل سلطة الوحي أو الإلهام المتعالي، وهذا يعني أنّ القصّة لا تريد أن تقول بأنّ الله أعطانا العقل وأمرنا بمخالفته، حتى يبدو مضمونها متناقضاً، بل تريد أن تتكلّم عن دائرة محدّدة، وهي قدرة العقل الذي أعطانا إيّاه الله على مواجهة الوحي الذي جاء من سبيلٍ آخر، وإلا فأصل اتّباع العقل ليس منظوراً في هذه القصّة.

ب ـ وأمّا القصّة الثانية (قصّة إبراهيم)، فيبدو الأمر فيها أكثر وضوحاً، فلو كان العقل الأخلاقي ذا قيمة في مواجهة الوحي، لكان الواجب أن يمتنع إبراهيم عن ذبح ابنه البريء، ويعتقد بأنّ من المستحيل أن يحكم الله بالقبيح، فإنّه لا يأمر بالفحشاء والمنكر والبغي، وكان عليه ـ على الأقلّ ـ أن يشكّ في أنّ ما رآه في المنام ربما كان من إلقاءات الشيطان للأنبياء، هذا كلّه لم يحصل، بل على العكس من ذلك فقد انصاع إبراهيم دون نقاش أو تردّد، كما مدحه القرآن على امتثاله أمر الله تعالى وتسليمه وتفانيه في ذلك. ونحن نعرف أنّ الفيلسوف الوجودي الإيماني كيركجارد اعتبر أنّ قصّة إبراهيم هذه، تؤكّد أنّ في الأديان ما هو فوق مرتبة الحسانيّة والأخلاقيّات، وأنّ ما فعله كانط في قراءته للدين والأخلاق ليس سوى تقليص الدين واختزاله في الأخلاق، في حين للدين رسالة أبعد من ذلك بكثير.

تحدّيات حكم العقل بين الكليّات والتفاصيل

هذا الفضاء الديني يخلق حاجزاً وتحدّياً كبيراً أمام العقل الأخلاقي في إصداره الحكم، فضلاً عن سلطته على النصّ، وتزداد الأمور أشكلةً عندما لا يتكلّم العقل الأخلاقي عن الكليّات الأخلاقيّة التي تبدو بالنسبة إليه واضحة ولديه شهودٌ حقيقي تامّ وإدراك جازم فيها مثل حُسن العدل وقبح الظلم، بل يتكلّم عن تفاصيل الأفعال، فهناك فرق بين الحديث عن العدل نفسه والحديث عن السماح للرجل بتعدّد الزوجات؛ لأنّ العقل الأخلاقي لا يملك في الحالة الثانية إدراك تمام التفاصيل ذات الصلة بالفعل حتى يُصدر حكمه القاطع، فلعلّ حكمه بقبح تعدّد الزوجات يفضي إلى انتشار الفاحشة في المجتمع، فنحن لسنا أمام قضايا كليّة عامة بطبعها يُدركها العقل بصرف النظر عن التجربة، بل أمام قضايا تتداخل فيها الأمور، وقد يبدو فيها جانبٌ قبيح، فيما يكون جانبٌ آخر مخفيّ أكثر حسناً وجمالاً، والقاعدة تقول بأنّ الأفعال التي من هذا النوع تحتوي في العادة على حُسن وقبح معاً أو على مصالح ومفاسد معاً أو يمكنها أن تكون حسنة أو قبيحة تبعاً لتغيّر السياقات، فأخذ جانب القبح فيها والإضاءة عليه لوحده، خطأٌ منهجيٌّ فاضح.

هذا الكلام مبنيٌّ على قراءة عدليّة اختارها أيضاً جمعٌ من علماء أصول الفقه، وهي تقول بأنّ الأفعال على ثلاثة أنواع:

أ ـ الأفعال ذاتيّة الحسن أو ذاتيّة القبح، مثل حسن العدل وقبح الظلم، ويقصدون هنا أنّ هذا الموضوع (العدل) هو في حدّ ذاته علّة تامّة للحسن، والظلم علّة تامّة للقبح.

ب ـ الأفعال التي فيها اقتضاء الحسن أو القبح وليس العليّة التامّة، بمعنى أنّ بوصلتها تتجه نحو الحسن أو القبح، لكن قد تمنع عوائق من ذلك، ويمثلون لذلك بالصدق والكذب، فالصدق حسنٌ بمعنى أنّه لو لم يمنع مانعٌ اتصف عملياً بالحُسن، ولكن لو منع مانع ـ مثل إفضاء الصدق إلى قتل المظلومين الأبرياء ـ فهنا يفقد بوصلة الاتجاه نحو الحُسن، ليُصبح قبيحاً، وهنا نقطة الخلاف مع التيار الأكثر تشدّداً في الكانطيّة.

ج ـ الأفعال التي ليس فيها لا عليّة ولا اقتضاء للحسن ولا للقبح، فهي في ذاتها حياديّة تجاه هذين الأمرين، ولا يمكن أن تصبح حسنة أو قبيحة إلا ضمن السياقات الحافّة والمآلات التي يمكن أن تفضي إليها، مثل مجرّد رفع اليد أو خفضها، فهذا حياديّ.

إنّ الكثير، وربما أكثر أفعال البشر تقع من النوع الثالث، ومن ثم فادّعاء أنّ العقل قادر على حسم الأمور وتحصيل اليقين بالقبح والصدق رهينٌ بمعرفته بكلّ السياقات والمآلات الحافّة بالفعل، ومن الواضح أنّ هذا الأمر شبه مستحيل عمليّاً، فالقضيّة هنا أشبه بمسألة الشرور في العالم، من الصعب الحكم فيها؛ لأنّنا لا نعرف الشبكة الكاملة الممتدّة في الزمان والمكان لهذه الوقائع، ومن ثم فما نملكه من عقلٍ عمليّ ليس سوى عقل نسبي فقط.

هذا الأمر يجب التنبّه لقضيّة مهمّة فيه، وهي أنّ هذا العقل الناقص المحدود يمكن أن يصبح له قيمة في دائرة ما لا نصّ فيه، سواء كانت نتيجة اجتهاده في دائرة ما لا نص فيه تُعتبر حكمَ الله الظنّي الحجّة أو قلنا بأنّ نتيجة اجتهاده هناك تعبّر عن حكمٍ بشريّ لازم الاتّباع، ففي كلتا الحالتين يلزمنا اتباع أحكام العقل؛ لكنّ هذا ليس لأجل أنّه قادر على مواجهة النصّ، بل لأنّه لا توجد أيّ وسيلة أفضل عند الإنسان من اتّباعه نتائج العقول في مثل هذه الحال (حال فقدان النصّ)، وهو ما يشبه الموقف المشهور لأمثال كارل بوبر (1994م)، في اعتقادهم بكون الاستقراء وهماً ليس إلا، وفي الوقت نفسه يقدّمون اعترافاً بأنّ الحياة برمّتها مبنيّة على الاستقراء ـ الوهم، فالاستقراء مرجعٌ لا بدّ منه، حيث لا يقين، رغم أنّه لا يمثل قيمةً منطقيّة حاسمة.

التشكيك بنزاهة العقل الأخلاقي المعاصر

على أساس مثل هذه المعطيات تنبني المنهجيّة المدرسيّة في الاجتهاد الشرعي، ومن ثمّ لا تسمح بتدخّل العقل في فرض سلطته على النصّ، بل قد تضيف هذه المنهجيّة بأنّ ما يُسمّى اليوم بالعقل الأخلاقي لا ننظر إليه بنظرة بريئة، بل نحن نعتقد بأنّ الحديث عن الأخلاق يكمن خلفه حديثٌ عن تحييد الشريعة؛ لأنّ الذين يتكلّمون اليوم في مرجعيّة الأخلاق يستهدفون تقليص دور الشريعة من جهة أولى، وإعادة تنظيم الحياة والعلاقات على أساس الميزان الأخلاقي الناشئ من العقل من جهة ثانية، وشيئاً فشيئاً سوف يؤدّي ذلك إلى انتهاء عصر الشريعة حتى لو لم يقصد أصحابها ذلك، إضافة إلى إشكاليّة أخرى وهي أنّ ما تسمّونه أخلاقاً ليس إلا الثقافة العصريّة الغربية، فأنتم تحاولون تعميم هذه الثقافة وجعلها عالميّة، وادّعاء أنّها نتائج العقل الإنساني في كلّ مكان، والأمر ليس كذلك، والدليل على أنّ الأخلاق عند المفكر المسلم المعاصر ليست سوى تبعيّة للغرب لا تأصيلاً فلسفيّاً واعياً، أنّه لو غيّر الغرب موقفه اليوم من قضيّة معينة ـ مثل زواج القاصرات ـ فإنّ أنصار العقل الأخلاقي سيغيّرون موقفهم، يشهد لذلك أنّ المفكّر المسلم في العصر الاشتراكي كان يدافع عن إسلامٍ اشتراكي أو يميل إليه كي يخرج من إحراج الاشتراكيّة وجذبها للشباب، فأصبح أبو ذر الغفاري أوّل اشتراكي في التاريخ الإسلامي! ولما رحل المعسكر الشرقي أصبح هذا الفقيه المسلم نفسه يدافع عن البنك الرأسمالي وينتصر للخصخصة ويُشرعن الفوائد البنكيّة!

كانت هذه بعض أهمّ المنطلقات والهواجس التي قد تعتمد عليها أطروحة سلطة النصّ على العقل الأخلاقي، وهي أطروحةٌ قد لا تمانع من قبول أحكام العقل في القضايا الواضحة جداً وعبر التاريخ، لكنّها ترفض ما يسمّى بأحكام العقل التي تمثل مجرّد اجتهادات أخلاقيّة بشريّة ولو وافقت عليها الأكثريّة اليوم؛ فكثيراً ما بيّن القرآن والسنّة أنّ الأكثريّة قد تكون على ضلالة.

في مقابل هذا السدّ المنيع الذي قد يبنيه الاجتهاد النمطي الإسلامي، هل ثمّة سبيل لمنح العقل الأخلاقي سلطةً ما على الفتوى والاجتهاد كما يقول المنهج الجديد في الاجتهاد؟

3 ـ سلطة العقل على النقل والتبريرات الايبستمولوجيّة و..

ينطلق هذا النوع من التفكير من أكثر من منطلق، وسأكتفي بالإشارة إلى ثلاثة منطلقات:

3 ـ 1 ـ مرجعيّة قانون ترجيح الأقوى في علاقة العقل بالنقل

المنطلق الأوّل هنا هو أنّه إذا اعتبرنا الحسن والقبح هو الخير والشرّ والمصلحة والمفسدة الكامنة في الأفعال والتروك، وقلنا بأنّ الأحكام الشرعيّة تقف خلفها مصالح ترجع للعباد، بصرف النظر عن طريقة فهمنا لعلاقة هذه المصالح بالأحكام في أصول الفقه، فهذا يعني أنّ العقل عندما يتيقّن بالمفسدة في فعلٍ ما ـ ولو ضمن ظرف أو زمان ما ـ فسوف يؤدّي به ذلك إلى اليقين بأنّ حكم الله هو ذلك، وهذا اليقين سوف يواجه الدلالات الموجودة في النصوص.

وقد نرتقي أكثر فنقول: إنّ الكثير من علماء الكلام وأصول الفقه ظلّوا يفهمون من قوانين العقل ما يُنتج اليقين، وربما أدّى ذلك لتضييق الخناق على حركة العقل في الاجتهاد، لكن ثمّة سبيل آخر للتعامل مع قضايا العقل الأخلاقي، وهو منح هذا العقل دوراً في الحجيّة حتى لو كان ظنيّاً، وذلك على أساس قانون الترجيحات بين الأدلّة والحجج التي يستخدمها الفقيه للوصول إلى حكم الله، بمعنى أنّه في العادة يكون بين يدي الفقيه دليلٌ على الحكم الشرعي، وبخاصّة إطلاقات وعمومات النصوص القرآنيّة والحديثيّة، وبالأخصّ الجانب الزماني والظرفي من الإطلاقات، أي أنّ النصّ الديني في الكتاب والسنّة لديه إطلاق زماني، يجعله شاملاً لمختلف العصور، ولديه إطلاق ظرفي حالي يجعله شاملاً لمختلف الحالات والسياقات، فإذا قال النصّ بأنّ الطلاق بيد الرجل، فالحكم هذا مطلقٌ من حيث الزمان غير مقيّد بزمان خاصّ، ومطلقٌ من حيث الظرف والحال غير مقيّد بنمط معيشي معيّن أو بكون المرأة مثقفة أو غير مثقفة في المجتمع مثلاً، وهنا إذا كان لدينا نصّ شرعي يُثبت حكماً معيّناً مثل حكم الطلاق، ولكنّ العقل الأخلاقي ـ ولو الظنّي ـ يرى قُبح هذا الحكم في دائرة معيّنة أو زمانٍ معين أو ظرف معيّن، ففي مثل هذه الحال يحصل ظنٌّ عقلي بنفي الحكم في تلك الدائرة، وما يقابله هو ظنٌّ نقلي بثبوت الحكم فيها؛ لأنّ الدلالات الإطلاقيّة والعموميّة دلالات ظنيّة على خلاف وجهة النظر الأصوليّة التي تبنّاها العديد من أصوليّي الأحناف في قطعيّة دلالة العموم. وفي مثل هذه الحال يؤخذ بالظنّ الأرجح والأقوى؛ وذلك أنّ بناء حياة العقلاء قائمٌ على الأخذ بالظنون الأقوى عند التعارض، وبهذا يصبح العقل الظنّي الأخلاقي ـ عملياً ـ قادراً في المآل على تقييد أو تخصيص إطلاقات أو عمومات النصوص الدينيّة، في حالة كون هذا الظنّ قد بلغ من القوّة ما جعله أقوى من الظنّ الموجود في دلالات النصوص، وهو ما يُنتج قاعدة "تقدّم الأخلاق على الشرع أو على النصّ"([9]).

وقد يذهب شخص إلى تعزيز هذه النتيجة بناءً على الاتجاه الانسدادي في معرفة الشريعة، وهو اتجاهٌ عرفه أصول الفقه، حيث يرى أنّ إمكانات الوصول إلى معرفة يقينيّة أو معرفة تقوم على ظنّ حجّة باتت غير متوفّرة بسبب مرور الزمان وتعاظم الغموض الذي يلفّ صدور النصوص من جهة، ودلالاتها من جهة ثانية، ولا سيما مشكلة اللغة والفهم السياقي التاريخي، وفي هذه الحال فإنّ المخرج الوحيد هو الأخذ بكلية الظنّ، مهما كان مأخذ هذا الظنّ، وهذا ما يفتح الطريق على الظنون العقلية، فهنا أصبح بإمكاننا أن نلجأ إلى العقل ولو الظنّي ليحدّد لنا الحكم، من خلال أنّ الظنّ العقلي عندما يقوم على وجوب شيء شرعاً، يكون حجّة؛ لأنّ كلّ ظنّ في حال الانسداد حجّة، فتكون الظنون العقليّة حجّة إذا لم تنازعها معطياتٌ أقوى، فإذا كانت قوّة الظنّ العقلي أكبر من قوّة الظنّ النقلي، كانت النتيجة ـ بعد ضرب قوّة الظنّين ببعضهما ـ أنّ الظنّ سيكون لصالح العقل، ومن ثمّ يتطلّب منطق الأشياء الاعتراف بمرجعيّة الظنّ العقلي الأخلاقي وتقييد إطلاقات النصوص.

وفقاً لهذا المنطلق في تبرير تقدّم أو تأثير العقل في النقل، فإنّ احتجاح الفريق الأوّل بقصّة إبراهيم لن يكون له معنى هنا؛ لأنّ الفريق القائل بتقدّم العقل على النقل إنّما يتكلّم هنا عن النقل الظنّي، وليس عن النقل القطعي، فيما الوحي الذي عرفه إبراهيم ليس سبيلاً ظنياً لمعرفة ما أراده الله منه، بل هو سبيلٌ يقيني قاطع، ومن ثم يمكن أن يقول هؤلاء هنا بأنّ الاستشهادَ بقصّة إبراهيم نوعٌ من القياس مع الفارق، فنحن لا نتكلّم في مواجهة العقل للنقل القطعي، بل نتكلّم ـ حصراً ـ في مواجهة العقل للنقل الظنّي.

تساؤلات ومداخلات نقديّة في قانون الترجيح بالظنّ الأقوى

لكن قد يظهر تساؤلٌ نقديٌّ هنا حول إمكان قيام ظنّ عقلي في مقابل ظنّ نقلي؛ لأنّ الظنّ يحمل معه درجة غَلبة، واجتماع الظنّين أمر غير معقول؛ لأنّهما سوف يزيدان عن الواحد التي هو رقم اليقين، فلا يمكن لشخص أن يكون لديه ظنّ بوجود زيد في الغرفة وفي الوقت عينه لديه ظنّ بعدم وجوده، إنّ اجتماع هذين الظنّين في عقل الإنسان في لحظةٍ واحدة أمرٌ مستحيل؛ فإذا كان لديه ظنّ بوجوده في الغرفة (70%) فإنّ عدم وجوده لن يحظى لديه إلا باحتمال (30%)، وإذا كان لديه شكّ بوجوده (50%) فإنّ عدم وجوده سيكون شكّاً أيضاً (50%)، وهكذا؛ لأنّ رقم اليقين ينقسم على الطرفين، فلا يمكن للطرفين أن يزيدا على رقم اليقين، وعليه فكيف يمكن تصوّر وجود ظنّ بحكم الله أتى من النقل، وظنّ آخر بعدم هذا الحكم أتى من العقل؟!

والجواب: عندما نتحدّث عن تعارض الظنّين فهذا لا يعني أنهما في حال اجتماعهما يحافظان على القوّة الاحتماليّة الظنية فيهما معاً، فهذا مستحيل، إنّما يقصد أنّه لو بقينا نحن ودليل النقل لوحده أعطانا ظنّاً بالحكم ولو بقينا نحن ودليل العقل لوحده أعطانا ظنّاً بعدم الحكم، فنسأل لو اجتمع الظنّان معاً ـ أي اجتمع الظنّان اللذان هما ظنّان لولا الاجتماع ـ فبأيّ واحدٍ منهما نأخذ؟

وقد يسجّل الناقدون على توظيف نظريّة الانسداد هنا ملاحظتين:

الملاحظة الأولى: إنّ تطبيق دليل الانسداد متفرّع على عدم وجود علم ولا علمي( المراد بالعلمي هو الدليل الظنّي الحجة والمعتبر بخصوصه)، فمع وجود الإطلاقات والعمومات يكون لدينا دليلٌ ظنّي معتبر بخصوصه(علمي)، وهو الظهورات اللفظيّة التي قام الدليل على حجيّتها، فلا تتحقّق مقدّمات دليل الانسداد أساساً حتى نطبّق هذا الدليل هنا؛ إذ دليل الانسداد مبنيٌّ على فقدان العلم والعلمي، والمفروض أنّ بأيدينا دليلاً علميّاً(ظنّ حجّة معتبر بالخصوص) وهو الظهورات الحجّة.

لكنّ هذه الملاحظة يغيب عنها أنّ توظيف الانسدادي للإطلاقات والعمومات ليس لأجل كونها ظنّاً خاصّاً معتبراً حتى ننتقل من فضاء الانسداد بالكليّة إلى فضاء الانفتاح، بل لكونها ظنّاً من الظنون العامّة التي أخذت حجيّتها من حجيّة مطلق الظنّ، وعلى هذا الأساس فوجود الإطلاقات والعمومات لا يعني أنّنا خرجنا ـ موضوعاً ـ عن دائرة التفكير الانسدادي بالضرورة.

الملاحظة الثانية: إنّ علماء أصول الفقه بحثوا في دليل الانسداد عن حجيّة الظنون التي نهى الشارع عنها، فقالوا بأنّ الاعتماد على العقل الظنّي ورد النهي في الشريعة عنه في فهم الدين واستنباط الأحكام، وهذا معناه أنّ هذا الظنّ خرج بالكليّة عن دائرة الخدمة والتوظيف، فلو حصل الانسداد يؤخذ بجميع الظنون إلا الظنون المنهيّ عنها، والتي منها الظنّ العقلي الناقص.

وهذه الملاحظة تنقل نتائج أبحاث غير واحد من الأصوليّين في الموضوع، لكنّ هذه النتائج ليست حاسمة؛ إذ ثمّة وجهة نظر سبق أن تعرّضنا لها، ترى أنّ النهي عن هذه الظنون جاء في ظرف وجود إمكانيّة للوصول إلى الحكم الواقعي عبر سؤال أهل الذكر، وفي غير واحدٍ من هذه النصوص الناهية قرينة على ذلك، فلا يُعلم أساساً شمولها لغير حال إمكان تحصيل العلم، ومنه حالنا اليوم في عصر الانسداد بناء على القول بالانسداد، بل قد يدّعي مدّعٍ هنا ويقول: إنّ الظنون العقليّة في غير ظرف إمكان تحصيل العلم مشمولةٌ لأدلّة النهي لكن عبر الإطلاقات والعمومات التي هي ظنونٌ أيضاً وليست قطعيّات، فتكون طرفاً في معارضة حكم العقل، ولا دليل على تقدّمها عليه.

وقد تستفزّ هذه النتيجةُ التي يراها هؤلاءُ الطرفَ الآخر مما يقوده إلى نقدٍ يحمل هاجساً، حيث يعتبر أنصار الطرف الآخر أنّ الاعتماد على قانون ترجيح الأقوى إيبستمولوجياً معناه أنّ بإمكاننا أن نمنح "العامّة من الناس" غير المختصّين بمجال العلوم الدينيّة الحقَّ الكامل في ترجيح ظنونهم على ظواهر الكتاب والسنّة، وعلى الإطلاقات والعمومات، وعلى الفتاوى والآراء الفقهيّة، وهذا شيءٌ غير معقول؛ إذ كيف يمكن منح "العامي" الذي لا خبرة له بشيء في مجال معرفة الشريعة، حقاً في تحييد إطلاقٍ قرآني أو عمومٍ من السنّة، لمجرّد أنّه حصل له ظنٌّ أقوى من هذا الإطلاق أو ذاك العموم؟! إنّ نظريّة الترجيح بالأقوى تستلزم نتائج ميدانيّة خطيرة على الفكر الديني.

وقد يجيب أنصار نظريّة الترجيح هنا سواء في فضاء الانسداد وغيره، أنّنا لا نقصد إطلاقاً استخدام الظنّ العقلي العامي، بل المقصود هو ظنون الفقيه المختصّ، فنحن لا نبحث هنا في حجية ظنّ من لا علم له بطرفَي القضيّة، بل الكلام منحصر بمن له علم بطرفيها، أعني الجانب العقلي والجانب النقلي منها، فما لم يكن لديه ظنّ عقلي موضوعي وظنّ نقلي موضوعي، فليس من حقّه ممارسة عمليّة الترجيح هنا، تماماً كما نقول بأنّ "العامّي" ليس له الحقّ في ممارسة ترجيح لظنّه الشخصي على ظنّ الطبيب واتخاذ إجراء مبني على ظنّه الشخصي في مجالٍ لا يملك فيه الخبرويّة الكافية. إنّه بذلك سوف يتعرّض لنقدٍ أخلاقي وذمٍّ سلوكي من العقلاء.

وثمّة أمر بالغ الأهميّة هنا وهو التمييز بين الأدلّة اللفظيّة في الكتاب والسنّة والأصول العمليّة التي تحدّد وظيفة المكلّف حال عدم وصوله إلى حكم الله، مثل الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير([10])، فقد يقال بأنّ غاية ما يمكن للفريق القائل بتقدّم النقل على العقل إثباتُه هو عدم السماح للعقل بمواجهة دليل أماري محرِز ـ وفقاً لاصطلاح الأصوليّين المتأخّرين ـ أي دليل من الكتاب والسنّة على حكم شرعي واقعي، لكنّهم غير قادرين على منع العقل الظنّي الأخلاقي من تجميد سريان الأصول العمليّة.

وعلى سبيل المثال الفرضي، لو كان دليل البراءة هو الدليل الوحيد الذي يسمح لنا بأكل اللحم، فإنّ حكم العقل الظني بقبح أكل اللحم أخلاقياً ـ لو تمّ ـ لا يوجد ما يمنع من توقيفه حكم دليل البراءة؛ لأنّ دليل البراءة لا يبيّن حكم الله في أكل اللحم، غاية ما في الأمر أنّه يبيّن الموقف عند عدم وجود حكم للهٍ معلوم أو ثابت بدليل معتبر.

ولكنّ التأمّل في هذه الحالة ـ أي المساحة التي تجري فيها الأصول العمليّة ـ يعطينا أنّها تتبع دائرة ما لا نصّ فيه، بمعنى أنّ مفهوم "ما لا نصّ فيه" يُقصد منه عدم وجود دليل على الحكم الشرعي، والمفروض أنّ البراءة ليست دليلاً على الحكم الشرعي، بل تحدّد الوظيفة في حال غياب الدليل على الحكم الشرعي، وفي هذه الحال فإذا قال الفقيه بأنّني أعتقد بحجيّة العقل ـ ولو الظنّي ـ في دائرة "ما لا نصّ فيه" ـ كما لو كان انسدادياً ـ ففي مثل هذه الحال لن تقوى أصالة البراءة على معارضة دليل العقل الظنّي الذي هو حجّة من حيث هو ظنّ، وعليه فهذه التمييز بين الأدلّة والأصول هنا غير دقيق، بل هو تغيير لموضوع البحث من مواجهة العقل للنصّ، إلى حركة العقل فيما لا نصّ فيه.

3 ـ 2 ـ إعادة إنتاج العلاقة بين العقل والنص، بوصفها علاقة بين النصّ والنصّ

ثاني المنطلقات هنا عند هذا الفريق، منطلقٌ يحاول الاقتراب من شرعنة تقديم الأخلاق على النصّ عبر الاستعانة بالنصّ نفسه، بجعل العلاقة قائمةً بين النصوص، أكثر من كونها علاقة بين العقل والنصّ، تفادياً لمعضلة الخروج عن سلطة الوحي.

هنا يقال بأنّنا عمليّاً لا نقوم بترجيح العقل على النقل، فإنّ هذه الفكرة بالغة الحساسية، وبخاصّة عندما نتكلّم عن عقل ظنّي، لكنّنا في الحقيقة نقوم بترجيح نصٍّ على آخر؛ وذلك أنّ الله سبحانه أمرنا في القرآن الكريم بالعدل والإحسان والمعروف وغير ذلك من العناوين العامّة، وقد كان الإمام الشاطبي(790هـ) قال بأنّ المفردات التي لم تقم الشريعة بشرحها، مثل هذه المفردات، قد أوكلت فهمها وتطبيقها إلى البشر، فالصلاة قام الشرع بشرحها وبيان تفاصيلها، وهذا يعني أنّها لم تعد بيد البشر، بينما مفهوم العدل، وأكثر المفاهيم الكليّة التي نزلت في مكّة، لم يقم الشرع بتوضيحها، وهذا يعني أنّه يوافق ـ مبدئيّاً ـ على فهم البشر لها([11]).

وعليه، فإذا وجدنا أنّ سلب المرأة حقّ الطلاق في مجتمعٍ ما أو زمانٍ ما هو ظلمٌ وليس بعدل، فهذا يعني أنّ إطلاق الدليل الدالّ على سلب المرأة حقّ الطلاق يواجه دلالة الدليل الدالّ على الأمر بالعدل، وحيث إنّ الأمر بالعدل أمرٌ عام له سلطة عليا ـ أو كما كان يسمّيه الشيخ محمد مهدي شمس الدين: أدلّة التشريع العليا أو النصوص الدستوريّة ـ فإنّه يكون حاكماً ومقدَّماً على الأدلّة التفصيليّة الجزئيّة، فنقيّد الدليل في باب الطلاق بالدليل في باب العدل([12]).

إنّ العقل وتجربة العقلاء هنا لم تكن هي المقدَّمة على النصّ، بل كانت واسطة في تقديم نصّ عام دستوري على نصّ خاص جزئي. وهذا ما ذهب إليه أمثال الشيخ المطهّري والشيخ يوسف الصانعي والشيخ شمس الدين وغيرهم([13]) وبخاصّة ضمن مفهوم العدل الذي لم يعد قاعدةً فقهيّة هنا، بل أصبح قاعدةً أصوليّة؛ لأنّه بات يلعب دوراً في استنباط الأحكام الشرعيّة الكليّة نفسها.

إحدى الإشكاليّات الأساسيّة التي قد يواجهها هذا المنطلق، تكمن ـ من منظور أصولي ـ في قيمة تنزيل العقل العناوينَ الأخلاقيّة العامّة على الواقع الجزئي، فإذا كان هذا التنزيل قد بلغ حدّ يقين العقل بكون هذه الحالة أو تلك ظلماً، أمكن الحديث عن ذلك وقبوله، لكن في العديد من الحالات لا يكون هذا التنزيل ذا نتائج يقينيّة، بل هو مجرّد ظنّ بأنّ هذه الحالة تحتوي ظلماً.

يُضاف إلى ذلك أنّ أطروحة الشاطبي يمكن أن تنفعنا في الحالات التي لا نصّ فيها، فنقوم بتنزيل المفاهيم الكلية المكيّة على واقعنا الذي لا نصّ فيه فنستخرج نتائج معيّنة، لكنّ المفروض أنّنا نتكلّم هنا عن حالة وجود نصّ، وهذا النصّ شمل بالإطلاق أو بالعموم الحالةَ التي نتكلّم عنها، وهذا يعني أنّ الشريعة تدخّلت في التفاصيل، كما تتدخّل في الصلاة، فكيف يمكن لنا أن نأخذ بقانون العدل ونطبّقه بشكل ظنّي في موضعٍ تدخّلت فيه الشريعة وحدّدت فيه رأيها؟!

وعليه، فتحتاج هذه المحاولة للمزيد من التحليل؛ بهدف شرعنة عمليّة التنزيل هذه، والمجال لا يسع للتوسّع أكثر.

3 ـ 3 ـ النقد الأخلاقي بمثابة آليّة من آليات نقد متن الحديث

هذه المحاولة خاصّة بمجال التعامل مع الروايات التي تنقل لنا الأحاديث الشريفة، وهي تقول بأنّ عملية النقد الأخلاقي للحديث الشريف ـ والذي هو في العادة ظنّي الصدور والجهة والدلالة ـ يمكن أن تعتبر جزءاً من نقد متن الحديث وقواعده عند علماء الحديث، فقد تشتمل الرواية ولو الصحيحة السند على مضامين تنافي القواعد الأخلاقيّة والتي وافقت عليها النصوص الدينيّة نفسها، كما في بعض الروايات التي تعتبر ابن الزنا كافراً يدخل النار وتحكم عليه مسبقاً بنهاياته المفجعة، فإنّ الفقيه في مثل هذه الحال يمكن أن يمارس نقداً متنياً على هذه الروايات من زاوية أخلاقيّة؛ لأنّه يراها تنافي العدل من ناحية، وتنافي المزاج الأخلاقي للشريعة من ناحية أخرى، وهذا مجرّد مثال فرضي قد نجد شبيهاً له في عشرات المواضع من نصوص الحديث المنقولة في كتب المسلمين.

المقصود هنا هو أنّ فكرة سلطة العقل على النص قد تظهر ـ جزئيّاً ـ في مجال دراسة الحديث على شكل نقد المتن الحديثي الذي قرّر علماءُ الحديث الكثيرَ من قواعده، ومن ثم يمكن أخذ هذه التجربة الإسلاميّة لعلماء الحديث ونقّاده عبر التاريخ لالتماس معايير أو قواعد في عمليّات النقد الأخلاقي لنصوص الحديث، دون التورّط في مواجهة العقل للنصّ بالمعنى المقلق للكلمة؛ والسبب في ذلك أن النقد المتني يُعتبر شرطاً مسبقاً في حجيّة الحديث والرواية، فإذا تمّت خلخلة الثقة بالنصّ من خلال خلخلة الثقة بمتنه وفقاً لضوابط محدّدة، عنى ذلك أنّ النصّ لم تثبت حجيّته بالكامل، حتى لو ثبتت حجيّة سنده بالخصوص، لأنّ الخبر الصحيح ليس هو الذي صحّ سنداً فقط، بل هو الذي صحّ متناً أيضاً، فلا بدّ من إثبات صحّة المتن ـ كما صحّة السند ـ قبل الحديث عن رواية صحيحة، فنحن هنا في النقد المتني نستبق الأحداث فلا يكون لدينا نصٌّ ديني ثابت يواجهه تقويم عقلي لمضمونه، بل إنّ التقويم العقلي لمضمون النصّ هو الذي يُشارك في الحكم على النصّ بأنّه ديني أو لا، صادر عن المعصوم أو لا.

وهذا المنطلق الثالث أكثر محدوديّةً مقارنةً بالمنطلقين الأوّل والثاني، كما هو واضح، على الأقلّ كونه خاصّاً بمجال الحديث والرواية، ولا يشمل ـ ولو مبدئيّاً ـ عمومات ومطلقات القرآن الكريم.

حول الاتهام بإجهاض الشريعة بالأخلاق

أمّا فيما يتعلّق ببعض الملاحظات التي قدّمها الفريق الأوّل المدرسي هنا، فقد يجيبه أنصار الفريق الثاني بأنّ تهماً ـ مثل التبعيّة للغرب ـ أصبحت مستهلَكة وشعبويّة، ولا ننكر أنّه قد تقع أخطاء اليوم في تقديرات عقولنا للحسن والقبح والمصلحة والمفسدة في الأفعال، وقد نقع هنا أو هناك ضحايا المؤثرات الظرفيّة العالميّة، لكنّ هذا لا يسلبنا حقّ إعمال العقول في تحصيل الظنون المؤثرة في عمليّة الاجتهاد. كلّ ما هو المطلوب منّا هو تصحيح وعينا العقلي ومحاولة تحريره من الهزيمة النفسية والخضوع غير الإرادي الذي يعاني منه، بل يمكننا ادّعاء أنّ الطرف الآخر يعاني أيضاً من مركزيّة الغرب اليوم؛ لأنّ رفضه للكثير من الأشياء هو الآخر ناتجٌ عن قلقه من المخرَجات التي تقدّمها الحضارة الغربيّة أكثر من قناعته الموضوعيّة بالشيء نفسه، لهذا يكثر اليوم توظيف سدّ الذرائع نتيجة ذلك، الأمر الذي يفضي إلى إنتاج فقهٍ معاصر يقوم على الحرج والتضييق والاحتياط والتعسير.

نتائج وتوصيات

أكتفي بهذا العرض والتحليل، لنخرج ببعض النتائج والتوصيات:

1 ـ إنّ الفريق الرافض لسلطة العقل على النقل هنا، ينطلق ـ مضافاً إلى هواجس مستقبليّة في مآلات وضع الشريعة في ظلّ هذه الحال ـ من التشكيك في وجود موافقة شرعيّة من الوحي على الفاعليّة العقلية في مقابله، حتى لو كانت دلالات النصوص ظنيّة، فالمزاج القرآني العام والروح القرآنية العامّة تأبى مثل ذلك، وقصص مثل قصّة إبراهيم وموسى، تعطي دلالات قويّة على التنقيص من قدرة العقل على مواجهة سلطة النص أو حتى تفوّقه المطلق في ذاته.

من هنا، ولتخطّي هواجس هذا الفريق، يلزم وضع آليات محدّدة وواضحة لممارسة الاجتهاد العقلي الأخلاقي، فما هي آليات اكتشاف أخلاقيّة فعل عقلاً، وبخاصّة عندما ندخل في التفاصيل؟ وهل يكفي ادّعاء ما يسمّى بـ "الشهود الأخلاقي" في التفاصيل دون الكليّات الأخلاقيّة العامّة؟ ولماذا؟ وكيف يمكن تجنيب الفقيه الأخلاقي لوثة الانصياع للرأي العام في تقويماته الأخلاقيّة؟

هذا يعني أنّ الفريق الثاني، ولكي يرفع هواجس الفريق الأوّل، عليه وضع إطار محدّد للتفكير الأخلاقي، وكيفيّة عمله ونشاطه الموضوعي، وضمانات أن يكون فعلاً عقليّاً خالصاً وليس لهثاً خلف التيارات الإعلامية والمؤثرات الاقتصاديّة العامة التي تخلق الذوق والجمال في عقول الأفراد ومشاعرهم.

وأمّا تخطّي الإشكالية الدينية التي طرحها الفريق الأوّل، فتتطلّب من الفريق الثاني إيجاد قراءات قرآنيّة للنصوص التي تخلق فضاءً سلبيّا إزاء إعمال العقل في التعامل مع الوحي. ومن دون قراءات نصيّة من الصعب تفكيك البناء الذي اعتمده الفريق الأوّل.

2 ـ أعتقد بأنّ على الفريق الأوّل أن يأخذ بعين الاعتبار أيضاً هواجس الفريق الثاني، فإنّ مستوى الوعي الأخلاقي البشري قد حدث فيه تحوّل، وأصبح يُنظر إلى عشرات، بل مئات، الفتاوى الفقهيّة على أنّها غير أخلاقيّة، وفي كلّ يوم تتحوّل قضايا قانونيّة في الشريعة إلى قضايا غير أخلاقية ـ بالإجمال ـ بسبب التحوّلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافية في العالم، ومن الطبيعي أنّ فعلاً ما يمكن أن يكون أخلاقيّاً ضمن سياقٍ، وغيرَ أخلاقيّ ضمن سياقٍ آخر، فإذا حافظت القوانين الجزئية على نفسها حرفيّاً دون تحوّلات أو مرونة ذاتيّة، فمن المتوقّع يوماً بعد آخر زيادة معدّلات التصادم بين هذه القوانين والرؤية الأخلاقيّة السائدة، وعلى الفريق الأوّل تقديم مقاربة مقنعة على هذا الصعيد، تعتمد أصولاً فلسفيّة من جهة وحلولاً اجتهاديّة قابلة للتطبيق من جهة ثانية، دون أن يعني ذلك أنّ كلّ ما قيل بأنّه غير أخلاقي في هذه الفتاوى فهو غير أخلاقي فعلاً، لكن يجب أخذ ادّعاء عدم أخلاقيّته على مأخذ الجدّ دون الهزل، وعدم التعامل مع هذا الادّعاء على بوصفه مؤامرة.

3 ـ إنّ الفريق الثاني حاول تقديم مقاربات من داخل نظام أصول الفقه الإسلامي، مثل مقاربة الترجيح على أساس القوّة الظنيّة، وهذه خطوة متقدّمة قام بها، لهذا يلزم على الفريق الأوّل التعامل مع هذه الخطوة ضمن النظام الأصولي السائد نفسه، بمعنى أن لا نحترم هذا النظام في مكانٍ، ثم نحاول الالتفاف عليه في مكانٍ آخر، إذا رأينا أنّه يمكن أن يوصلنا إلى حيث لا نريد.

وأختم بنقطة بالغة الأهميّة بنظري المتواضع، وسبق أن تحدّثتُ عنها: أيّ إسلامٍ نريد اليوم؟ هل الإسلام القويّ الذي له حضوره وجمهوره الواسع ومقبوليّته في العالم ولو ضحّينا ببعضه أو الإسلام الخالص الكامل الصافي ولو فَقَدَ جمهوره وصار عرضةً للسخرية؟ بين الخلوص والقوّة والحضور تجاذب أفكار وتطلّعات ومواقف، بصدقٍ أقول: تجعل العاقل حيراناً.

هذه قراءة استعراضية تحليلية مقارنة ومختصرة للاتجاهين الأساسيّين السائدين، حاولتُ فيها أن لا أُبدي وجهة نظري، بل أكتفي بتحليل المنطلقات، ومساعدة كلّ فريق في تقوية وجهة نظره أو الدفاع عنها، وتفكيك أصوله الفكريّة لفهمها بشكل أفضل، دون أن استهدف الخروج بنتائج نهائية في هذا البحث، فالموقف يتطلّب المزيد من التأمّل والمراجعة والتوسّع، الأمر الذي لا يسمح به المقام. وقد سبق أن تعرّضت بالتفصيل لبعض ما يرتبط بقاعدة العدل بوصفها قاعدة أصوليّة([14]).


([1]) هذا المقال هو الذي ساهم به الشيخ حبّ الله في الندوة الثقافيّة في النادي الثقافي العماني، بتاريخ: 23 ـ 2 ـ 2025م، والتي شارك فيها أيضاً كلّ من الدكتور مسعود سعيدي من تونس، والأستاذ محمد يحيى عزان من اليمن، وقد أديرت الندوة من قبل د. حمد الرشيدي. وقد صدرت أوراق هذه الندوة، عن النادي الثقافي في سلطنة عمان، بكتاب في 120 صفحة حمل عنوان: "التفكير الديني ومفاهيم الأخلاق والتأريخيّة والشأن العام بين المطلق والنسبي"، بتحرير: بدر العبري.

([2]) انظر: محمد رضا المظفر، أصول الفقه 1: 222 ـ 225، دار الفكر، إيران، الطبعة الأولى، 2004م.

([3]) انظر: سيّد حيدر الآملي، تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم 3: 94 ـ 96، تحقيق: محسن الموسوي التبريزي، نشر: نور على نور، إيران، الطبعة الثالثة، 1422هـ؛ ومحمد محسن الفيض الكاشاني، أصول المعارف: 194 ـ 195، نشر دفتر تبليغات، إيران، الطبعة الثالثة، 1996م.

([4]) انظر: محمد أمين الاسترآبادي، الفوائد المدنيّة: 254، 260 ـ 272.

([5]) انظر: محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول 2: 292 ـ 294، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين، إيران (لا تواريخ).

([6]) انظر: محمد كاظم الخراساني، كفاية الأصول: 270، مؤسّسة آل البيت، لبنان، الطبعة الثانية، 1991م.

([7]) انظر: الصدر، دروس في علم الأصول 2: 288 ـ 291.

([8]) بصرف النظر عن المناقشة في صحّة هذه النصوص من الناحية الحديثية والسنديّة، فقد يطرح ـ أوّليّاً ـ احتمالان في تفسير خصوص الرواية التي ورد فيها تعبير "الناقصة":

أ ـ احتمال أنّ كلمة «الناقصة» هي وصف للعقول عامّةً، وهذا ما يجعل القيد ـ كما يُسمّى ـ قيداً توصيفياً غير احترازي، وتكون النتيجة أنّ العقل بذاته ناقصٌ عن معرفة دين الله.

ب ـ احتمال أنّ كلمة «الناقصة» قيدٌ احترازي، أيّ أنّ العقول بعضها تامّ وبعضها ناقص، وأنّ دين الله لا يُعرف بالعقول الناقصة، بل يُعرف بالعقول التامّة. ولعل التمام والنقصان هنا يرجعان إلى اليقين والظنّ، وربما رجعا لمستوى العلم والكمال عند الإنسان، والله العالم.

([9]) انظر: أبو القاسم فنائي، اخلاق دين شناسى، بزوهشي در مبانى معرفتى و اخلاقى فقه: 262 ـ 285، نشر نكًاه معاصر، إيران، الطبعة الأولى، 2010م.

([10]) تمثل فكرة الأصول العمليّة في علم أصول الفقه الإمامي بنسخته المتأخّرة ـ أعني منذ القرن الثاني عشر الهجري وإلى اليوم ـ أحد الفوارق بين أصول الفقه الشيعي والسنّي في معالجة ما لا نصّ فيه، فقد تابع أصول الفقه الإمامي أصولَ الفقه السنّي في فهمه للبراءة والاحتياط والاستصحاب والتخيير، حيث كان يعتقد بأنّ الاستصحاب ـ على سبيل المثال ـ هو عبارة عن حكم عقلي، ولهذا كانوا يسمّونه باستصحاب حال العقل، ومن ثم فهذه القواعد ترشدني إلى حكمٍ شرعيّ إلهيّ، لقد بُني أصول الفقه السنّي على قاعدة الوصول إلى الشريعة، إمّا بطريق اليقين أو بطريق الظنّ، لكنّ أصول الفقه الإمامي قال بأنّنا غير قادرين على الوصول إلى الشريعة في كلّ الحالات، لا بظنٍّ ولا بيقين، وبدل أن نذهب إلى منهج حجيّة كل الظنون في هذه الحال كيفما كان، علينا أن نرجع لفكرة تحديد الوظيفة، وتحديد الوظيفة مفهوم مختلف عن معرفة الحكم الشرعي عندهم.

ويقصد أصول الفقه الإمامي بالتمييز بين معرفة الحكم الشرعي ومعرفة الوظيفة الشرعيّة، أنّنا في الحالة الأولى نملك دليلاً يُرشدنا إلى الحكم الشرعي الواقعي والحقيقي، وهذا الدليل تارةً يبلغ مستوى اليقين فيعطينا علماً بالحكم الإلهي، وأخرى يبلغ مستوى الظنّ، وهذا الظنّ الأصلُ فيه أنّه ليس بحجّة؛ لقاعدة "الأصل عدم حجيّة مشكوك الحجيّة"، فيلزمنا البحث عن دليل لإثبات حجيّة هذا الظنّ، فإذا عثرنا على دليلٍ ـ مثل دليل حجيّة الظنّ الآتي من الدلالات الظهوريّة أو من أخبار الآحاد ـ صار هذا الظنّ معتبراً وأمكن استخدامه لمعرفة الحكم الشرعي، وهو ما يسمّى بدليل الأمارة أو الدليل الاجتهادي أو الدليل المحرز. أمّا إذا لم يكن لدينا يقين بالحكم الشرعي ولم نحصل على ظنّ حجّة ومعتبر، فإنّنا ننتقل لما يسمّونه بالدليل الفقاهتي أو ما صار يُعرف مؤخّراً بالأصل العملي، ومعنى ذلك أنّني لا أملك دليلاً تامّاً (يقين) ولا شبه تام (ظنّ معتبر) على حكم الله الواقعي، لكنّ الشريعة وضعت لي مسؤوليّة شرعيّة في هذه الحال، أي في حال عدم الوصول لمعرفة حكم الله، وهذه المسؤوليّة الشرعيّة ليست حكم الله الواقعي الذي أبحث عنه ولم أصل إليه بعدُ، بل هي وظيفة تُحدَّد لي حال انسداد الطريق أمامي لمعرفة حكم الله الواقعي، فأصالة البراءة التي تقول بأنّ الشكّ في التكليف يعطي سقوط المسؤوليّة عن كاهل المكلّف، لا تريد أن تقول بأنّ حكم الله الواقعي في اللوح المحفوظ في حال شُكّ فيه وانسداد طريق العلم والظنّ المعتبر، هو الترخيص، بل تريد أن تقول بأنّه في حال جهلك بالحكم الشرعي جهلاً تاماً، فإنّك لست مسؤولاً عن شيء، وبهذه الطريقة صنع أصول الفقه الإمامي أربعة أصول عمليّة كبرى تشمل جميع الوقائع المشكوكة عبر نظام القِسمة العقليّة المنطقية الحاصرة، وحدّد للمكلف مسؤوليّاته في حال عدم الوصول لحكم الله، أي في حال "ما لا نصّ فيه، وما لا دليل عليه ولو كان دليلاً غير نصّي".

إنّ فكرة الأصول العمليّة سمحت للاجتهاد الإمامي بالإجابة عن جميع الوقائع الحادثة غير المنصوصة بلا حاجة للقياس وأمثاله؛ لأنّ الإنسان إمّا أن يشكّ في التكليف أو في المكلَّف به، والثاني هو مجرى أصالة الاحتياط، والأوّل إمّا أن يسبقه علمٌ أو لا، والأوّل مجرى أصالة الاستحصاب، والثاني إمّا أن يزاحمه شكّ بالنقيض أو لا، والأوّل مجرى أصالة التخيير (دوران الأمر بين محذورين)، والثاني مجرى أصالة البراءة، فهذه أصول عمليّة أربعة تشمل جميع الوقائع المشكوكة.

([11]) انظر: الموافقات 3: 235 ـ 240، 335، 338 ـ 367، و4: 256، و5: 234 ـ 249.

([12]) انظر: شمس الدين، الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي: 103 ـ 129، 204 ـ 205؛ ومجال الاجتهاد ومناطق الفراغ التشريعي، مجلّة المنهاج، بيروت، العدد 3: 7 ـ 31.

([13]) انظر: المطهري، مجموعه آثار 21: 73 ـ 77؛ وبررسي اجمالى مبانى اقتصاد اسلامى: 14 ـ 27، 154 ـ 157؛ واسلام ومقتضيات زمان: 139؛ ومحمد مهدي شمس الدين، الاجتهاد والحياة: 23؛ ويوسف الصانعي، مقاربات في التجديد الفقهي: 134 ـ 135، 146 ـ 149، 225 ـ 226، 310 ـ 311، 500 ـ 501.

([14]) راجع: حيدر حبّ الله، قواعد فقه العلاقة مع الآخر الديني: 119 ـ 213، دار روافد، لبنان، الطبعة الأولى، 2020م.