hobballah

الموقع الرسمي لحيدر حب الله

آراء

التعليقة على مناسك الحجّ (الوصيّة بالحجّ ـ القسم الثاني)

تاريخ الاعداد: 9/24/2026 تاريخ النشر: 9/24/2026
80
التحميل

 

 


 

 

 

هذه تعليقة فقهيّة مختصرة على كتاب مناسك الحجّ للسيّد الخوئي، لم تُكتب بقصد عمل الآخرين بها، بل بقصد اطلاع الباحثين والمهتمّين، والله الموفّق والمعين

(17 ـ 9 ـ 2026م)

 


 

الوصيّة بالحجّ

...

مسألة ٨٤: إذا أوصى بالحجّ البلدي، ولكنّ الوصي أو الوارث استأجر من الميقات،‌ بطلت الإجارة، إن كانت الإجارة من مال الميّت، ولكنّ ذمّة الميت تفرغ من الحجّ بعمل الأجير([1]).

مسألة ٨٥: إذا أوصى بالحجّ البلدي من غير بلده، كما إذا أوصى أن يستأجر من النجف ـ مثلاً ـ وجب العمل بها ويخرج الزائد عن أجرة الميقاتيّة من الثلث([2]).

مسألة ٨٦: إذا أوصى بالاستيجار عنه لحجّة الإسلام وعيّن الأجرة‌ لزم العمل بها، وتخرج من الأصل إن لم تزد على أجرة المثل، وإلا كان الزائد من الثلث([3]).

مسألة ٨٧: إذا أوصى بالحجّ بمالٍ معيّن، وعلم الوصيّ أنّ المال الموصى به فيه الخمس أو الزكاة،‌ وجب عليه إخراجه أوّلاً، وصرف الباقي في سبيل الحجّ، فإن لم يفِ الباقي بمصارفه لزم تتميمه من أصل التركة، إن كان الموصى به حجّة الإسلام، وإلا صرف الباقي في وجوه البرّ([4]).

مسألة ٨٨: إذا وجب الاستيجار للحجّ عن الميت، بوصيّةٍ أو بغير وصيّة، وأهمل من يجب عليه الاستيجار، فتلف المال، ضمنه، ويجب عليه الاستيجار من ماله([5]).

مسألة ٨٩: إذا علم استقرار الحجّ على الميت، وشكّ في أدائه‌ وجب القضاء عنه، ويخرج من أصل المال.

مسألة ٩٠: لا تبرأ ذمّة الميت بمجرّد الاستيجار،‌ فلو علم أنّ الأجير لم يحجّ؛ لعذر أو بدونه، وجب الاستيجار ثانياً، ويخرج من الأصل، وان أمكن استرداد الأجرة من الأجير تعيّن ذلك، إذا كانت الأجرة مال الميت.

مسألة ٩١: إذا تعدّد الأجراء، فالأحوط استيجار أقلّهم أجرةً، إذا كانت الإجارة بمال الميت، وإن كان الأظهر جواز استيجار المناسب لحال الميّت من حيث الفضل والشرف، فيجوز استيجاره بالأزيد([6]).

مسألة ٩٢: العبرة في وجوب الاستيجار من البلد أو الميقات بتقليد الوارث أو اجتهاده، لا بتقليد الميت أو اجتهاده، فلو كان الميّت يعتقد وجوب الحج البلدي والوارث يعتقد جواز الاستيجار من الميقات، لم يلزم على الوارث الاستيجار من البلد([7]).

مسألة ٩٣: إذا كانت على الميّت حجّة الإسلام، ولم تكن له تركة،‌ لم يجب الاستيجار عنه على الوارث. نعم يستحب ذلك على الوليّ([8]).

مسألة ٩٤: إذا أوصى بالحجّ، فإن علم أنّ الموصى به هو حجّة الإسلام أخرج من أصل التركة،‌ إلا فيما إذا عيّن إخراجه من الثلث، وأمّا إذا علم أنّ الموصى به غير حجّة الإسلام، أو شكّ في ذلك، فهو يخرج من الثلث([9]).

مسألة ٩٥: إذا أوصى بالحجّ، وعيّن شخصاً معيّناً، لزم العمل بالوصيّة، فإن لم يقبل إلا بأزيد من أجرة المثل، أخرج الزائد من الثلث، فإن لم يمكن ذلك أيضاً استؤجر غيره بأجرة المثل([10]).

مسألة ٩٦: إذا أوصى بالحجّ، وعيّن أجرةً لا يرغب فيها أحد، فإن كان الموصى به حجّة الإسلام، لزم تتميمها من أصل التركة، وإن كان الموصى به غيرها بطلت الوصيّة، وتصرف الأجرة في وجوه البرّ([11]).

مسألة ٩٧: إذا باع داره بمبلغٍ ـ مثلاً ـ واشترط على المشتري أن يصرفه في الحجّ عنه بعد موته،‌ كان الثمن من التركة، فإن كان الحجّ حجّة الإسلام، لزم الشرط ووجب صرفه في أجرة الحجّ، إن لم يزد على أجرة المثل، وإلا فالزائد يخرج من الثلث، وإن كان الحجّ غير حجّة الإسلام لزم الشرط أيضاً، ويخرج تمامه من الثلث، وإن لم يفِ الثلث لم يلزم الشرط في المقدار الزائد([12]).

مسألة ٩٨: إذا صالحه داره ـ مثلاً ـ على أن يحجّ عنه ـ بعد موته ـ صحّ ولزم، وخرجت الدار عن ملك المصالح الشارط، ولا تحسب من‌ التركة، وإن كان الحجّ ندبيّاً، ولا يشملها حكم الوصيّة. وكذلك الحال إذا ملّكه داره بشرط أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحجّ عنه بعد موته، فجميع ذلك صحيح لازم، وإن كان العمل المشروط عليه ندبيّاً، ولا يكون للوارث حينئذ حقّ في الدار. ولو تخلّف المشروط عليه عن العمل بالشرط لم ينتقل الخيار إلى الوارث، وليس له إسقاط هذا الخيار الذي هو حقّ الميت. وإنّما يثبت الخيار للحاكم الشرعي، وبعد فسخه يصرف المال فيما شرط على المفسوخ عليه، فإن زاد شي‌ءٌ صرف في وجوه الخير([13]).

مسألة ٩٩: لو مات الوصيّ ولم يعلم أنّه استأجر للحجّ ـ قبل موته ـ وجب الاستيجار من التركة، فيما إذا كان الموصى به حجّة الإسلام، ومن الثلث إذا كان غيرها. وإذا كان المال قد قبضه الوصيّ ـ وكان موجوداً ـ أخذ، وإن احتمل أنّ الوصيّ قد استأجر من مال نفسه وتملّك ذلك بدلاً عما أعطاه. وإن لم يكن المال موجوداً فلا ضمان‌ على الوصيّ؛ لاحتمال تلفه عنده بلا تفريط([14]).

مسألة ١٠٠: إذا تلف المال في يد الوصي بلا تفريط‌ لم يضمنه، ووجب الاستيجار من بقيّة التركة، إذا كان الموصى به حجّة الإسلام، ومن بقية الثلث إن كان غيرها، فإن كانت البقيّة موزّعة على الورثة استرجع منهم بدل الإيجار بالنسبة، وكذلك الحال إن استؤجر أحد للحجّ ومات قبل الإتيان بالعمل، ولم يكن له تركة، أو لم يمكن الأخذ من تركته.

مسألة ١٠١: إذا تلف المال في يد الوصيّ قبل الاستيجار، ولم يعلم أنّ التلف كان عن تفريط، لم يجز تغريم الوصيّ([15]).

مسألة ١٠٢: إذا أوصى بمقدار من المال لغير حجّة الإسلام، واحتمل أنّه زائد على ثلثه لم يجز صرف جميعه([16]).


 

التفاوت بين الوصيّة بالحجّ البلدي والاستئجار للحجّ الميقاتي

([1]) هنا أمور ثلاثة يلزم الإشارة إليها:

الأمر الأوّل: إنّ بطلان الإجارة ليس على إطلاقه، بل إنّما هو على تقدير أنّ قيد "البلدي" أخذ بنحو وحدة المطلوب مع "الحجّ"، أي أنّ الميت أوصى بشيءٍ واحد، وهو عبارة عن الحجّ البلدي، لا أنّه أوصى بالحجّ عنه، ثم أوصى بأمرٍ آخر، وهو جعل ذلك الحجّ من البلد، كما هو كثير الوقوع، ففي الحالة الثانية الحكم ببطلان الإجارة محلّ تأمّل، بل منع؛ لأنّ تخلّف أحد المطلوبين لا يقتضي بطلان ما وقع صحيحاً على المطلوب الآخر. نعم لا يكون الموصى به الثاني قد تحقّق.

الأمر الثاني: إنّ بطلان الإجارة لا يلازم بطلان العمل وعدم فراغ ذمّة الميّت؛ لعدم الارتباط بين فعل الأجير وحكم الإجارة نفسها، فما هو مرتبط بفراغ ذمّة الميت هو فعل شخصٍ ما الحجّ عن الميّت، مهما كان السبب، كما تقدّم بيانه في صورة التبرّع، عند التعليق على (المسألة رقم: 82) من المناسك.

الأمر الثالث: ينجم عمّا تقدّم أنّه لا معنى لوجوب إنفاذ الوصيّة، لو بطلت الإجارة الميقاتيّة، بعد تحقق فراغ ذمّة الميت بعمل الأجير؛ إذ المقصد من الإجارة ليس إلا فراغ ذمّة الميت، وقد تحقّق ذلك، ولا موضوعيّة للإجارة نفسها، فتصبح بلا معنى ولا موضوع في هذه الحال، فتسقط.

وقد تسأل: إنّه في فرض وحدة المطلوب وبطلان الإجارة، هل تدفع أجرة المثل من مال من باشر العقد ويكون حكمها بالنسبة إلى مال الميت حكم التبرّع، أو تدفع من مال الميّت نفسه؟ بمعنى أنّه لو كانت الوصية على نحو وحدة المطلوب، وأخطأ الوارث أو الموصى إليه فلم يوقع الإجارة التي قصدها الميت، ففي هذه الصورة لو أتى الأجير بالعمل، فهل يجب على المخطئ أن يدفع الغرامة؟

والجواب: مقتضى قواعد باب المعاملات أنّ من أقدم على المعاملة يلزمه أن يدفع من ماله في حال عدم فراغ ذمّة الميت، بل قد يقال بذلك حتى لو فرغت ذمّة الميت بأصل الإتيان بالحج ويكون عليه ضمان ما فعل؛ لأنّه من ضمان الأمر من جهة ومن جهة أخرى لم يقع على مقتضى الوصية حتى يكون مال الميت هو الذي يجب صرفه فيه.

وقد تسأل ثانيةً: ما هي الأمارات التي يمكن على أساسها استظهار وحدة المطلوب أو تعدّده؟ وهل هناك أصل يعوّل عليه في المقام؟ فإنّ طبيعة اللغة تقتضي أن يصف المتكلّم مطلوبه بقيود على كلّ حال، سواء كان المطلوب في قرارة نفسه واحداً أم متعدّداً.

والجواب: إنّ هذه المسألة استظهاريّة تابعة للقرائن ومناسبات الحكم والموضوع، وليس فيها ضابط قانوني واحد، ولا يظهر وجود أصل هنا عقلائي عند الشكّ غير الأخذ بالقدر المتيقّن من المدلول أو المراد.

([2]) لوجوب تنفيذ الوصيّة، غاية الأمر أنّ ما يزيد عن أصل الحجّ ـ وهو الذي يخرج من أصل التركة ـ يلزم إخراجه من الثلث، فإن وفى فبها، وإلا لزم أخذ موافقة الورثة. وهذه المسألة بهذه الطريقة خاصّة بالوصيّة بحجّة الإسلام.

([3]) الدليل في هذا هو عينه ما تقدّم في المسألة السابقة، فلا نعيد.

 

الوصيّة بمالٍ فيه خمسٌ أو زكاة

([4]) المسألة واضحة؛ فإنّ لزوم العمل بالوصيّة يتطلّب الوفاء بكلّ تفاصيلها، وهنا إذا أوصى بمالٍ تعلّق به حقّ الغير لم يكن يمكن العمل بهذه الوصيّة في هذا المال؛ لوجود المانع، فإن أخرج حقّ الغير وبقي ما يفي بالموصى به، كفى، وإلا فإن لم يكن الموصى به حجّة الإسلام، سقط لزوم العمل بالوصيّة؛ لعدم كفاية المال، وإن كان حجّة الإسلام فالمفروض أنّها تخرج من أصل التركة، فيُرجع لأصل التركة في هذا الحال.

لكن يبقى التذييل الأخير في المسألة، وهو الصرف في وجوه البرّ على تقدير عدم الكفاية مع عدم كون الموصى به حجّة الإسلام، فقد قلنا سابقاً، عند التعليق على (المسألة رقم: 82) من المناسك، بأنّ هذا يحتاج لتفكيك الصور، ففي بعض الأحيان يكون غرض الموصي كليّاً ـ وهو كسب الثواب ـ ثم يصبّ هذا الغرض في قالب الحجّ، ومرّةً أخرى يكون قصده عين الحجّ لا غير، فهو لا يقصد كلّي الثواب، بل يعيّن الأمر، فيشكل التعميم الذي قاله الماتن في ذيل المسألة على هذا التقدير.

 

الإهمال في الاستيجار مع تلف المال ومقتضيات الضمان

([5]) البحث هنا تارةً يقع على ما تقتضيه القواعد، وأخرى على ما تقتضيه النصوص الخاصّة.

 

أوّلاً: ما تقتضيه القواعد

والصحيح هنا ـ خلافاً لإطلاق عبارة الماتن أعلاه ـ هو التفصيل بين صورتين:

الصورة الأولى: الإهمال في الاستيجار والعمل بالوصيّة، مع الإهمال في حفظ المال الذي تمّ الإيصاء بصرفه في الموصَى به، فهنا لا شكّ في الضمان؛ لأنّ المال أمانة شرعيّة في يده، ومع التعدّي والتفريط في حفظه يكون خائناً غير أمين، فيلزمه ضمان هذا المال وتحقيق الاستيجار الموصى به، على وفق القاعدة في باب الضمان.

الصورة الثانية: الإهمال في الاستئجار مع عدم الإهمال في حفظ المال، مثل ما لو كان يسوّف سنةً بعد أخرى بلا مبرّر، لكنّه كان يحافظ على المال بلا تفريط ولا تعدٍّ، فهنا يشكل ضمانه للمال؛ لأنّ مجرّد تأخير الاستئجار لا يساوي الخيانة على تقدير حفظ المال وعدم وجود مخاوف من تبدّده لو حصل التأخير، فما هو موجب الضمان في مثل هذه الحال؟! وبعبارة أخرى: الضمان مرتبط بالتقصير في حفظ المال، لا بالتقصير في صرفه. وعليه فيكون مقصراً وآثماً فيما فعله من التأخير، لكنّه لا يضمن هذا المال على تقدير أنّ التأخير لا يعدّ في نفسه من موجبات تلف هذا المال.

هذا كلّه إلا إذا صدق عرفاً أنّه في صورة التأخير عن الزمان المقرّر، لا يكون الشخص في الأزمنة اللاحقة أميناً أساساً، لينتفي ضمانه في فرض عدم التعدّي والتفريط، كما لو قال الموصي بأنّك إذا لم تصرفها في السنة الأولى فلا يحقّ لك أصل الاحتفاظ بها. أو فقل: هذا كلّه ما لم يكن الإذن في إبقاء المال تحت يده محدوداً بزمان معيّن، بحيث تنتهي أمانته بانتهائه؛ فإنّ إبقاء المال بعد ذلك يكون إبقاءً له من دون إذن، وقد يدخل بذلك في عنوان التعدّي الموجب للضمان.

 

ثانياً: ما تقتضيه النصوص الخاصّة

توجد هنا روايات يمكن أن تشكّل مستنداً للحكم الذي ذكره الماتن، وقد اعتمد عليها بعضهم بالفعل (انظر ـ على سبيل المثال ـ: تقي القمي، مصباح الناسك في شرح المناسك 1: 124 ـ 135؛ والسبحاني، الحجّ في الشريعة الغراء 1: 495؛ ومحمد السند، سند الناسكين: 59)، وهي التي ذكرها الحرّ العاملي في الباب 36 من الوصايا، تحت عنوان: «باب أنّ الوصيّ إذا تمكّن من إيصال المال إلى الموصى له أو الغريم أو الوارث فلم يفعل، فهو ضامن»، وعمدة هذه الروايات:

1 ـ خبر محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد الله×: رجل بعث بزكاة ماله لتقسم، فضاعت، هل عليه ضمانها حتى تقسم؟ فقال: «إذا وجد لها موضعاً فلم يدفعها فهو لها ضامن ـ إلى أن قال: ـ وكذلك الوصيّ الذي يوصى إليه يكون ضامناً لما دفع إليه إذا وجد ربّه الذي أمر بدفعه إليه، فإن لم يجد فليس عليه ضمان».

2 ـ خبر الحلبي، عن أبي عبد الله×، أنّه قال في رجل توفّي فأوصى إلى رجل وعلى الرجل المتوفّى دين، فعمد الذي أوصى إليه فعزل الذي للغرماء، فرفعه في بيته، وقسم الذي بقي بين الورثة، فسُرق الذي للغرماء من الليل، ممن يؤخذ؟ قال: «هو ضامن حين عزله في بيته، يؤدّى من ماله».

3 ـ خبر سليمان بن عبد الله الهاشميّ، عن أبيه، قال: سألت أبا جعفر× عن رجلٍ أوصى إلى رجل فأعطاه ألف درهم زكاة ماله، فذهبت من الوصيّ؟ قال: «هو ضامن، ولا يرجع على الورثة».

4 ـ خبر أبان، عن رجل، قال: سألت أبا عبد الله× عن رجلٍ أوصى إلى رجلٍ أنّ عليه ديناً؟ فقال: «يقضى الرجل ما عليه من دينه ويقسم ما بقي بين الورثة»، قلت: فسرق ما أوصى به من الدين ممن يؤخذ الدين أمن الورثة أم من الوصيّ؟ قال: «لا يؤخذ من الورثة، ولكنّ الوصيّ ضامن لها».

وهنا ملاحظتان تخطران في البال:

الملاحظة الأولى: إنّ قاعدة عدم ضمان الأمين من دون تعدٍّ أو تفريط، قاعدة عقلائيّة وشرعيّة راسخة، وهذا الحكم الوارد في هذه الروايات إذا لم ينسجم معها، فسيبدو غريباً، من هنا قد يقال: إنّ هذه الروايات ليست إلا تطبيقاً للإهمال في الحفظ، بمعنى أنّها تريد أن تقول بأنّ عدم تسليم المال لمستحقّه، وتركه عندك ـ واحتمال تلفه قائم في نهاية المطاف ـ هو نوع من التفريط بهذا المال، فتتحمّل أنتَ مسؤوليّته.

وينتج عن ذلك أنّ هذه الروايات ـ على تقدير فهمنا هذا لها ـ ليست ناظرة لوجود مرجّح عقلائي في التأخير، فلو كان يمكنه استئجار شخص، لكنّه أخّر ذلك لشهر قادم طمعاً في استئجار شخصٍ بعينه يُعرف عنه كثرة فعل المستحبّات في الحجّ عن الميّت، فهذا الغرض العقلائي قد لا يكون منظوراً لهذه الروايات.

وربما لهذا عبّر الماتن وأمثاله بـ "الإهمال"، فإنّهم لو قصدوا بالإهمال مطلق الترك، ربما يورد عليهم بما قلناه، أمّا لو قصدوا منه الترك مع عدم وجود مرجّح عقلائي أو شرعي، فيكون صحيحاً. ولعلّه يعزّز ما قلناه ما ذكره الماتن هنا في (المسألة رقم: 101).

الملاحظة الثانية: إنّ هذه الروايات جميعها ناظرة لوجود شخص مستحقّ للمال وقد ضاع عليه المال بتلفه، نتيجة تراخي الوصيّ وأمثاله في تسليمه المال له، فيكون ضامناً لهذا المال له، وتكون هذه الروايات دالّة على لزوم تسليم المال لأصحابه فوراً دون إهمال في ذلك، وإلا ضمن المهملُ.

أمّا ما نحن فيه، فلا يوجد شخصٌ آخر يستحقّ هذا المال حتى يكون تلفُه خسارة ماليّة عليه، بمعنى أنّه لا يوجد شخص يُطلب تسليم المال إليه، بل توجد عبادة يُطلب تحقيقها للميّت، فقياس هذه على هذه قياس مع الفارق، إلا إذا قيل بوحدة النكتة وإلغاء الخصوصيّة، بمعنى أنّ مدار هذه الروايات على الضمان حيث يكون المال مما يُطلب إخراجه وتسليمه لأحد ما ولو كان لأجل تأدية فريضة، ولا خصوصيّة لوجود خسارة مالية على أحد، فالأحوط وجوباً هو الضمان.

 

تعدّد الأجراء بين اختيار الأقلّ أجرة ومراعاة شأن الميت

([6]) الأقرب ـ خلافاً للسيّد الماتن ـ عدم جواز الاستيجار بالأزيد، فإنّ مقتضى الوصية ـ ما لم تدل على خصوصية زائدة ـ أو مقتضى الحكم هو أداء الحجّ عن الميّت، وهذا متحقّق، والإخراج من الأصل يقتصر فيه على مقتضى ما هو مطلوب، وهو الحجّ بنفسه، أمّا ما يناسب شأن الميّت فقد ادّعى الماتن وغيره في بحوثهم أنّ هذا هو منصرَف النصوص، ولم نتحقّق ذلك؛ فإنّ النصوص تركّز على الحجّ عنه، لا على المستوى الاجتماعي لتحقيق هذا الحجّ، فلم يظهر لي انصراف في النصوص أساساً، والله العالم.

نعم لو كان الميت قد أوصى، وكان في ظاهر وصيّته دلالةٌ أو قرينة أو انصراف لمستوى معيّن من الحجّ، لزم الأخذ بوصيّته هذه في مقدار الثلث، وأمّا ما هو أزيد فيتوقّف فيه على موافقة الورثة.

ويفهم من عبارة السيد فضل الله أنّ المسألة لها علاقة بهتك حرمة الميّت (فقه الحج 1: 246)، وكأنّه يريد أن يقول بأنّه لو حجّ عنه بأجرةٍ أقلّ، فهذا يوجب هتك حرمته، وهذا غير مفهوم لي؛ فإنّ العرف لا يفهم الهتك هنا إلا للورثة أنفسهم لو تمّ، لا للميّت، على أنّه لو سلّمنا الهتك في بعض الموارد، فهذا من الأمور التي قد تفرض على أبعد تقدير ـ تكليفاً ـ على الورثة الدفع من حصّتهم، حتى لا يلزم من استئجارهم للأقلّ أجرةً هتكهم لحرمة ميّتهم، فيكون حكماً تكليفيّاً مرتبطاً بهم، لا أنّه من الأصل حكمٌ بالإخراج من أصل التركة بأكثر من الأجرة الأقلّ، فهو تماماً كما لو فرضنا أنّ الميت ليس له إلا هذا المال، ووجب صرفه في الحجّ، ولزم من ذلك هتك حرمته بملاحظة المستوى الاجتماعي، فإنّ لزوم صرف تمام المال في الحجّ الواجب لا يسقط بمجرّد كون ذلك، بحسب بعض الأعراف، دون المستوى الاجتماعي الذي كان عليه الميت؛ مما يكشف عن أنّ عنوان الشأن الاجتماعي ليس بنفسه قيداً في مقدار ما يخرج من أصل التركة، فتأمّل جيداً.

وبعبارة أخرى: لو فرض صدق هتك حرمة الميّت في بعض الموارد، فإنّ غاية ما يقتضيه ذلك ثبوت حكم تكليفي بلزوم تجنّب الهتك، ولا يلازم ذلك ثبوت حقّ مالي للميّت في أن يُحجّ عنه بأجير أعلى أجرة، بحيث يخرج التفاوت من أصل التركة، وحينئذٍ فإن توقّف دفع الهتك على بذل مال زائد، كان ذلك ـ على أقصى تقدير ـ وظيفة من يتوجّه إليه التكليف من الأحياء، لا حكماً أولياً متعلقاً بمال الميّت.

 

معياريّة اجتهاد أو تقليد الوارث دون الميّت في الاستئجار للحجّ

([7]) لأنّ ظاهر النصوص مخاطبة الأحياء والورثة بالتكليف هنا، فهي تقول بأنّه يلزمكم أن تخرجوا من أصل التركة ما يحقّق كذا وكذا، فالمخاطب بالتكليف ليس الميّت، بل الورثة، نعم لو كان ثمّة وصيّة لزم العمل بها، فإذا كتبت على وفق تقليد الميّت، فإنّ العمل بها لازم من حيث وجوب تنفيذ الوصيّة لا غير.

 

عدم وجوب الاستئجار للحجّ إذا لم يكن للميّت تركة كافية

([8]) أمّا أنّه لا يجب على الوارث أو غيره؛ فلأصالة البراءة بعد عدم وجود دليل دالّ على شيء من ذلك، بل لو كان لبان؛ لشدّة الابتلاء بهذه المسألة؛ وأمّا أنّه يستحبّ للولي فلنصوص الحثّ على إهداء الثواب للميّت أو الصلاة والحجّ عنه وغير ذلك، لكنّنا قلنا في مباحث صلاة الاستئجار، عند التعليق على مطلع البحث في أصل النيابة عن الأموات والإحياء: إنّه لم يثبت ذلك، فضلاً عن تعيُّن الاستحباب على الوليّ. نعم لو صدق عنوان ثانوي أمكن الحكم بالاستحباب بملاحظته، مثل صدق عنوان صلة الرحم والبرّ بالوالدين وغير ذلك، لا أنّ الاستحباب ثابتٌ هنا على الشيء بعنوانه.

([9]) لا أعتقد أنّ هناك ضرورة لهذه المسألة؛ لأنّ مضمونها بات مذكوراً في ثنايا المسائل السابقة، فلا نعيد. نعم الإضافة هنا هي حالة الشكّ في حجّة الإسلام، والأصل العدم.

 

تعيين الميّت شخصاً بعينه للحجّ عنه

([10]) الخصوصيّة هنا تكمن في تعيين شخصٍ بعينه، فهذا التعيين هو أمر إضافي على أصل الحجّ عن الميّت، والذي ـ أي أصل الحجّ ـ يتمّ إخراجه من أصل التركة، وعلى هذا الأساس، فإذا كان استئجار هذا الرجل المعيّن مما لا يوجب أيّ تغيير في تكاليف الحجّ، فيخرج الحجّ من الأصل على القاعدة، وإلا أخرج من الثلث؛ لأنّ الخصوصيّة لا علاقة لها بأصل الحجّ، بل بأمر زائد، فتكون الوصيّة بها راجعة إلى الثلث على القاعدة أيضاً، فإن لم يتيسّر الإخراج من الثلث أو كان الثلث لا يكفي أيضاً، فهذا معناه أنّ الوصيّة بقيام شخصٍ بعينه بالحجّ عنه لم تعد ممكنة، فتسقط عن الاعتبار، ويبقى أصل الحجّ ثابتاً، فيخرج المال من أصل التركة ليحجّ عنه شخصٌ آخر.

([11]) تخريج المسألة بات واضحاً مما تقدّم، غاية الأمر أنّ الصرف في وجوه البرّ سبق أن علّقنا عليه عند التعليق على (المسائل رقم: 82، 84، 86)، من المناسك.

([12]) هذه المسألة ليست سوى تطبيق على حالة مصداقيّة، مع أخذ الوفاء بالشرط بنحو اللزوم في الصورتين، كما هو واضح.

 

محاولة المكلّف الحجّ عنه بجعله شرطاً في عقد لازم (اشتراط الحج عنه بعد موته في ضمن عقد لازم)

([13]) هنا أمران:

 

الأمر الأوّل: في تحليل روح هذه المسألة

إنّ روح هذه المسألة بصورتيها ترجع لمحاولة المكلّف ضمان الحجّ عن نفسه بعد موته، عبر جعل هذا الحجّ شرطاً في عقد لازم على شخص آخر، والصورتان المذكورتان إحداهما ترجع لجعل الحجّ عنه شرطاً ضمن عقد مصالحة، والثانية شرطاً ضمن عقد تمليك، وبهذا تقوم فكرة الشرط في عقد لازم مقام الوصية في تحقيق هدفها.

والنكتة هنا تكمن في أنّ المصالحة توجب خروج المال من ملك الميّت، ومن ثم عدم دخوله في ملك الورثة، ولهذا لا فرق بين أنواع الحجّ هنا.

 

الأمر الثاني: تخلّف المشروط عليه عن أداء الحجّ عن الميّت

رأى السيد الماتن ـ على خلاف السيد اليزدي في العروة ـ أنّ عدم عمل المشروط عليه بالشرط لا يعطي الورثة الحقّ في الفسخ، بل ينتقل الأمر للحاكم الشرعي.

ولكنّ هذا غير واضح؛ لأنّ الفهم العقلائي هنا يرى أنّ المال الذي انتقل للمشروط عليه ما يزال مرتبطاً بالميّت بنحوٍ من الأنحاء، وهذا الارتباط يخوّل الورثة استخدامه فيما لو تخلّف المشروط عليه، بل ربما يقال بأنّ البناء المتشرّعي على أنّ مثل هذه الأمور من شؤون الورثة.

لكنّ السيد الماتن اعتبر أنّ حقّ الخيار هنا وإن كان على القاعدة ينتقل بالإرث، كما سوف يأتي بحثه لاحقاً، لكنّ الحقوق التي تنتقل بالإرث هي تلك التي يرجع نفعها على الورثة، فيكون الحقّ مما تركه الميّت لهم، أمّا لو لم يكن يرجع نفعها على الورثة، بل ينتفع بها الميّت فقط، فهنا يكون الخيار مختصّاً بالميت نفسه.

وهذا الكلام من الماتن مبنيٌّ على ما أفاده في ذيل المسألة من أنّه لو فسخ الحاكم فإنّ المال لا يرجع للورثة، بل يجب صرفه في الحجّ أو وجوه البرّ، فالورثة لا ينتفعون بهذا المال على كلّ حال، والماتن هنا اعتمد على نوع من تعدّد المطلوب فكأنّه فهم من توسّل المالك بهاتين الطريقتين أنّه يريد أن يُحَجّ عنه من جهة أولى، ويريد أن يَحجّ عنه فلانٌ من جهة ثانية، فلما تخلّف فلانٌ عن فعل الحجّ، بقي الأمر الأوّل الذي يريده المالك على حاله.

غير أنّ هذا الكلام قابلٌ للنقاش؛ فإنّه حتى لو سلمنا بتعدّد المطلوب، فإنّ هذا التعدّد لا يرجع لنوع وصيّة قائمة موجّهة للورثة أو لغيرهم، بل هي مجرّد رغبة منه، قام بصياغتها عبر هذه الطريقة، فما هو الوجه الملزم في تنفيذ مطلق رغبات الميت إذا لم تكن قد جاءت على شكل قانوني مثل الوصيّة وغيرها؟! وتحليل رغبات الميّت ثم إعادة صياغتها على أنها وصيّة فيه تكلّف، وبخاصّة لو لم يكن أحد يعلم بما فعله الميّت من معاملات. وبعبارة أخرى: إنّ مجرّد كون الداعي إلى إنشاء الشرط هو تحقّق الحجّ عنه لا يكفي لإثبات بقاء هذا الغرض بعد انحلال العقد في قالب تكليف شرعي مستقلّ؛ فإنّ الغرض الشخصي شيء، والمنشأ الاعتباري الذي رتّب عليه الشارع الأثر شيء آخر، والميت إنما أنشأ عقداً مشروطاً، ولم ينشئ ـ بحسب الفرض ـ وصيّةً مستقلة بالحجّ عند تخلّف الشرط.

وبناء عليه، يكون فسخ المعاملة من قبل الورثة هنا معناه رجوع الدار إليهم؛ لأنّ العقد قد انفسخ فرجع المال إلى مورّثهم فملكوه، وما دام العقد قد انفسخ فلا معنى لإلزام أحد بالشرط الذي وقع ضمن هذا العقد، مما ينتج أنّ منح الورثة هذا الخيار معناه أنّه خيار يرجع في نفعه عليهم، لا أنّه لا نفع لهم من ورائه على كلّ حال.

والنتيجة: إنّه إذا تخلّف المشروط عليه، ثبت للورثة الخيار ـ أي خيار تخلّف الشرط ـ فإذا أعملوه، رجعت الدار لهم، ولم يجب عليهم فعل الحجّ عن الميّت، من جهة هذا الشرط ـ وإن كان وجوب الحجّ عنه قد يثبت من جهة أخرى وفقاً لأحكام الحجّ عن الميّت ـ وإن كان هو الأحوط الأولى.

 

موت الوصيّ، الحالات والأحكام

([14]) إذا مات الوصيّ، فهنا صور:

1 ـ أن يعلم أنّه استأجر للحجّ قبل موته أو يعلم أنّه لم يستأجر، ومن الواضح هنا ترتّب الحكم على الحالة المعلومة، فلو استأجر سقط التكليف وفرغت ذمّة الميت على تقدير إتيان المستأجَر بالحجّ، وهكذا.

2 ـ أن لا يُعلم أنّه استأجر أحداً ليحجّ عن الميّت، وهنا تفرض أصالة العدم القول بأنّه لم يستأجر، وتحقّق موضوع وجوب الاستئجار من أصل التركة على تقدير كون الحجّ هو حجّة الإسلام، ومن الثلث على التقدير الآخر، وفقاً للقاعدة المتقدّمة في المسائل السابقة.

لكنّ بعض الفقهاء ـ ومنهم السيد اليزدي في العروة ـ ذهبوا للحكم بتحقّق الاستئجار، عملاً بقاعدة حمل عمل المسلم على الصحّة على تقدير مضي مدّة يمكن فيها تحقّق الاستئجار من الوصي الذي مات وكان الواجب فوريّاً، وهو ما ناقشه السيد الماتن محقاً، حيث قال: «ويضعف بأنّه لا مجال لإجراء أصالة الصحّة في أمثال المقام؛ لأنّ أصالة الصحّة إنّما تجري فيما إذا شكّ في صحّة العمل وفساده بعد الفراغ عن أصل وقوعه في الخارج، وأمّا إذا كان أصل العمل مشكوكاً فيه فلا نحكم بوقوعه بأصالة الصحّة؛ لأنّ أصالة الصحّة لا تتكفل ثبوت أصل العمل وإنّما تتكفل صحّة العمل الواقع من المسلم، وذلك لأنّ أصالة الصحّة ثبتت بالسيرة الشرعيّة، وهي جارية فيما إذا كان العمل صادراً من أحد وشكّ في صحّته وفساده، وأنّه هل وقع على الوجه الصحيح أم وقع على وجه غير صحيح؟ وأمّا إذا لم يعلم بوقوع الفعل وتحقّقه في الخارج، وشكّ في أصل وقوعه، فأصالة الصحّة لا تثبت وقوعه، بل المرجع حينئذ أصالة عدم وقوع الفعل في الخارج» (الموسوعة (المعتمد) 28: 112 ـ 113).

وحيث وجب الاستئجار في هذه الصورة، تظهر هنا حالات:

2 ـ 1 ـ أن يكون المال الذي كان الوصي سيستأجر به موجوداً، فهنا:

أ ـ أن يعلم أنّ هذا المال هو عين المال الذي للميت، وليس شيئاً آخر، فيحكم بأخذ هذا المال مما عنده؛ لأنّه مال الميّت، ويُستأجر به على ما قلنا.

ب ـ أن يحتمل أنّ هذا المال ليس مال الميّت، بمعنى أنّ الوصي استأجر من ماله ثمّ تملّك هذا المال الذي كان للميّت بدلاً عن المبلغ الذي أعطاه للأجير، وهنا أيضاً يؤخذ هذا المال منه؛ لأنّ المفروض أنّنا لا نعلم أنّه استأجر أو لا، والأصل العدم، فهذا المال إمّا عين مال الميّت أو بدل له؛ فيمكننا أخذه بلا إشكال.

2 ـ 2 ـ أن لا يكون المال الذي كان الوصيّ سيستأجر به موجوداً، فهنا تنتهي العلاقة بالوصيّ، ولا يمكن أخذ شيء مما عنده من أموال؛ لأنّه أمين، فليس بضامن، ما لم نحرز أنّه أتلف المال بتفريطٍ أو تعدّي.

([15]) إذ التغريم منحصر بالتعدّي أو التفريط، وإلا فهو أمين.

 

حكم الوصيّة بمال يُحتمل زيادته على الثلث

([16]) هنا نقطتان:

1 ـ ذكر السيد الماتن أنّ هذا المقدار الزائد المحتمل إذا لم يكن زائداً صحّت الوصيّة وإلا لا تنفذ، إلا مع إجازة الوارث، وهذا يعني أنّ إطلاق الماتن الفتوى أعلاه غير دقيق؛ بل الأصحّ أن يقال بأنّه «إذا أوصى بمقدار من المال لغير حجّة الإسلام، واحتمل أنّه زائد على ثلثه، لم يجز صرف جميعه إلا بعد التأكّد من عدم زيادته أو الحصول على موافقة الورثة». وقد بيّن السيد الماتن كليّةَ هذا الأمر في الجزء الثاني من المنهاج، في (المسائل رقم: 1004 ـ 1006)، فراجع.

2 ـ ناقش السيد الماتن الاعتماد على أصالة الصحّة هنا؛ لتصحيح الوصيّة، فقال: «وربّما يتوهّم نفوذ الوصيّة، لتردّدها بين كونها صحيحة أو باطلة، وأصالة الصحّة تقتضي صحّتها. والجواب ما تقدّم غير مرّة بأنّ أصالة الصحّة ليس مستندها دليلًا لفظيّاً، وإنّما مستندها السيرة، وموردها ما إذا شكّ في صحّة العمل وفساده من أجل الاختلال ببعض شروطه وأجزائه بعد الفراغ عن ثبوت الولاية للعاقد، وأمّا إذا شكّ في أصل ثبوت الولاية له، فلا يمكن إثبات الصحّة بالأصل، ولذا لو تصدّى أحد لبيع دار شخص آخر وشكّ في ولايته عليه لا نحكم بصحّة البيع، وإنّما نحكم بصحّة البيع فيما إذا علمنا ولايته له، ونشكّ في صحّة المعاملة وفسادها لأجل وجدانها لما يعتبر فيه من الشرائط والأجزاء» (الموسوعة (المعتمد) 28: 114).

وردّ عليه السيد فضل الله بأنّ المورد لا ينطبق عليه ما ذكره الخوئي؛ فإنّنا هنا لا نشكّ في مالكيّة الموصي، غاية الأمر نشكّ في أنّه تصرّف تصرّفاً صحيحاً أو لا، فالمفترض القول بجريان أصالة الصحّة (فقه الحج 1: 258).

لكنّ هذا الردّ غير كافٍ؛ فإنّ دعوى السيد الخوئي أنّ المالك لا ولاية له على ما زاد عن الثلث في أمر الوصيّة، فهو في أمر الوصية قياساً لما زاد عن الثلث أجنبيٌّ من حيث الولاية لا من حيث المالكيّة، فلا فرق بينه وبين المثال الذي ذكره السيد الخوئي في أصل القضيّة حتى يورد السيد فضل الله عليه بالتغاير، فملكيّة الموصي لجميع ماله حال حياته لا تساوق ثبوت ولايته الوصائيّة على جميعه لما بعد موته، والنزاع إنّما هو في الثانية دون الأولى.

من هنا، فلعلّ الأقرب في المناقشة ـ ولعله هو مقصود السيد فضل الله ـ أن يقال بأنّ المالك له ولاية فعليّة على ماله برمّته، غاية الأمر أنّ من شروط الوصيّة أن لا يوصي بأزيد من الثلث، فغاية ما يفهم من أدلّة الثلث أنّ الشارع جعل عدم تجاوز الثلث شرطاً في النفوذ المستقلّ عن إجازة الورثة، لا أنّه حدّد وضيق موضوع السلطنة الوصائيّة، فلا يكون ذلك من باب سلب الولاية عنه فيكون أجنبيّاً، بل من باب وجود شرط في صحّة الوصيّة راجع لمصالح الورثة، فإذا فهم من نصوص عدم نفوذ الوصيّة بالأزيد من الثلث ذلك، لم يكن الأمر أمر ولاية، بل أمر شرط في الوصيّة نفسها، فهذا تماماً مثل من له ولاية ومالكيّة على ماله، ولكنّه يريد أن يشتري به الخمر، والمفروض عدم جواز هذه المعاملة، فإنّ هذا ليس من باب سلب ولايته على ماله، بل من باب وجود شرط شرعي في التصرّف بالأموال، وإلا صارت جميع الشروط والقيود في المعاملات راجعةً إلى سلب ولاية أحد الطرفين على ما لديه.

فإذا كان عدم تجاوز الثلث من شروط نفوذ الوصيّة، لا من حدود أصل ولاية الموصي على إنشاء التصرّف، كان الشكّ في المقام شكّاً في واجديّة تصرّف صادر من أهله لشرط من شروط نفوذه، وهو من الموارد التي يمكن التمسّك فيها بأصالة الصحّة. نعم ورد في بعض التعابير الروائية الآحاديّة أنّ ما زاد عن الثلث فليس ملكه.

وبناء على هذا كلّه، تصبح المسألة على الشكل الآتي: «إذا أوصى بمقدار من المال لغير حجّة الإسلام وشكّ في زيادته على الثلث، جاز البناء ظاهراً على نفوذ الوصيّة في تمام المقدار، ما لم يثبت تجاوزه للثلث».